طباعة    ايميل

الاختلاف كمختبر لأوهام الثابت والمتغير الثقافي

حتى بوجود الولايات المتحدة الأمريكية الداعية على الدوام إلى إذابة الهويات الثقافية، وإماتة الأيدلوجيات، وتفتيت والقوميات، غالباً ما تحتوي المقررات الختامية للمؤتمرات العالمية، السياسي منها والثقافي، على توصية بإتاحة المزيد من الفرص للتعبير عن الهوية، وهو ما يعني الدعوة إلى فعل ثقافي اشتقاقي وتعددي ولا مركزي، يقوم على الإقرار بحق " الإختلاف " كما يفترض التعريف الأحدث للثقافة، وبما هو ثمرة من ثمرات العولمة ومهباتها العاتية.

هكذا تصعّد مفهوم " الاختلاف " كمنطلق للانعتاق من وصاية المؤسسة، بما هي مركب بنيوي تتواطأ فيه مفاعيل دينية وسياسية واجتماعية، كما تم تفكيك أدب النخبة، وتقويض أعراف الطبقة لصالح القاعدة الشعبية وصولا إلى الاعتراف بالثقافة السوقية كمنتج ما بعد حداثي، الأمر الذي يفسر متوالية التشظي الثقافي، وما تولد عنها من التنامي المطرد لأصوات الأقليات، وصعود الفردانية، والتبشير المحموم بمؤسسات المجتمع المدني، كترجمة عملية لمعنى " الاختلاف ".

ويبدو أن هذا المفهوم المتقدم لدور الفرد لا يصل إلى مشهدنا الثقافي إلا بشكل متأخر ومقنّن، ولا يتم تعاطيه إلا من منظور شكلي، أو ربما يعاد إنتاجه وفق مرشحّات المؤسسة، وضمن مكوّن ميكروفيزيائي يفرض دور الوصي الثقافي، إذ لم يتجاوز الأمر حفلة من الاحتشاد الصوري المبالغ فيه، تم على اثرها التحاق طابور من المثقفين بما يعتقدونه ربيعاً ثقافياً، يموضعهم في مركز الحدث التنموي، وهذا هو الدور المنوط بالمؤسسة أصلاً، كما يفضحه النقد المؤسساتي، في قراءته للخطاب الموجه لتوليد أنساق وتصورات، تتأسس بموجبها منظومة القيم المتحكمة في الذوق العام، ويترتب عليها جملة من الصياغات الفنية والذهنية، لأن الرقابة ما زالت هي المعادل للمؤسسة، وهي الفضاء الذي يتشكل فيه الفعل الثقافي.

بما تمتلكه من خبرة ودراية بمقدرات المثقف ومركبات نقصه التاريخية والنفسية والاجتماعية، أشاعت المؤسسة على اختلاف مراتبها، جملة من الطروحات الثقافية، وذلك ضمن برنامجها لتجديد الفعل الثقافي تتمحور حول تفعيل البعد الوطني للثقافة، وتقوم على تحقيق التشارك والتنوع الاجتماعي، أي تجسيد معنى " الاختلاف " كما تفهمه وتخطط له وليس كما تمليه التطلعات الفردية، أو النزعات الانشقاقية، وهو عنوان على درجة من الاغراء، ولكنه كانجاز لا يصمد على الأرض، نتيجة جملة من الاختلالات البنيوية، يأتي في مقدمتها التقليل من أهمية المثقف المنتج للمعرفة، الكفيل باخراج الفعل الثقافي من عطالته.

ولا يبدو أن المؤسسة استفادت كثيراً من عثرات ماضيها الثقافي، فلا زال برنامج المؤسسة التحديثي يعاني من الارتباك وانعدام الصدقية، لا لأنه فاقد القدرة على تحديد المعنى الوظيفي للثقافة وحسب، ولكن لأن مضامينه كانت ولا زالت منذورة للالتفاف على استحقاقات التغيير، واستكمال مهمة تأميم الصوت الثقافي، كتبديد " خطاب الظل " مثلاً، وتطويع ما تبرعم منه خارج حضّانة المؤسسة إبان غيبوبتها، من خلال إعادة إنتاج المثقف المؤسلم مثلاً، الذي كان يعمل لفترة بمثابة بيدق لتعطيل أي جهد تنويري حقيقي، كما صارع من أجل إحلال الخطاب الديني كبديل للخطاب الثقافي، أو فرض الأول على الثاني كوصيٍ ثقافي.

ومن نفس المنظور المرتبك تم الإبقاء على حالة الاحتقان التي تدفع بالمثقف إلى الهامش، حيث الاستقطاب والتجاذب في هبائية الثنائيات الحادة. وقد تولّد عن هذا الفريق مثقف ملتبس بحداثة صورية لا يرى ضرورة للديمقراطية مثلاً، بذريعة أنها منتج " الآخر " كما تملي ذلك التصور أدبيات المؤسسة بذرائع مختلفة، وكأنه قد نذر خطابه لفك التلازم البنيوي بين الثقافة والديمقراطية، وهو أمر يتنافى مع كون الديمقراطية العصب المركزي للثقافة، كما يمنع أي إمكانية للوصول إلى المجتمعية عبر الفردية.

ولأن كل تلك العناوين التقريرية وما تداعى منها لم تدخل مختبر " الاختلاف " بما هو المكان المفترض لتوليد الجدل والرؤى والمقترحات المفتوحة، تم الرهان على إحياء المثقف التبريري للعمل على إعادة صياغة الذاكرة والوعي الجمعي، لمصادرة ما تبعثر من الشبكة الثقافية والإجتماعية عبر جيوب تقع على مسافة من المؤسسة، واستعادة الذوات الثقافية الضالة عن النسق الثقافي الرسمي، أو المؤسساتي بمعنى أشمل. وقد حدث هذا تحت وابل من اللافتات البرّاقة كالإصلاح من الداخل مثلا، وتجذير الوعي بمعنى المواطنة، وإعادة موضعة الوعي الديني على حافة الحداثة، حيث تم تفكيك الشرائح الثقافية المضادة، للحؤول دون تشكلها في جبهة تهدد الدور الرعوي للمؤسسة، على اعتبار أن الحالات الفردية لا تشكل خطراً، بل يمكن احتواء نزقها وإنهاكها بآليات عزل اجتماعي قاهرة.

من رحم تلك الاطروحات المتوالية برز طراز من المثقفين الإنتهازيين يزدحم خطابه بمزيج من الدعاوى والشعارات التي سطا عليها من دوائر ثقافية نائية وصار يلهج بها بلكنة حداثية، وبمزاعم تنويرية، ولكن دون فاعلية، فمهمته تنحصر في افتعال المعارك الهامشية لمشاغبة الفصيل الثقافي المضاد بدعوى التأصيل وتمتين الجبهة الثقافية الداخلية، وفي هجاء " الآخر " للفرار من استحقاقات نقد " الذات " والتنصل من مهمة إثارة الوعي مكتفياً باستعراض مظاهر الخراب.

هكذا تم استيلاد مثقف يعيش رهاب التماس بمختبر " الاختلاف " بما هو مكان للتحاور حول الفلسفة الجمالية للنص، والمكوث الواعي في تفاصيله، إذ يتأسس خطابه على الصراخ وافتعال المعارك الهامشية فراراً من استحقاقات تقويم اللحظة الابداعية، فهو دائما على علاقة ملتبسة مع أوليات المعرفة، بل انه على توافق ضمني، وخلاف ظاهري، مع المؤسسة، لأنه لا يمتلك من الذخيرة المعرفية وطاقة الفعل والممارسة ما يرد بها على المتغيرات لأن حضوره يقوم على التنصل المعلن من أداء أي مهمة ديمقراطية تقترن بالمعنى الخلاق للثقافة، وعلى تأكيده بضرورة الفصل بين الثقافة والتحديات، حيث تتعطل آلية انتاج القيم المعرفية والحقوقية، أو يتم برمجتها وفق خصائص غير فاعلة.

كل ذلك الإمعان في فرض الوصاية المؤسساتية، وازدراء " الاختلاف " كمفهوم وممارسة، أنتج حالة من الكرنفالية التي توهم بأن انعطافة ثقافية قد حدثت، ولكن القراءة المتعمقة للتحديثات الثقافية لا تشير إلى شيء من هذا، إذ لا تقاس عافية أي مشهد ثقافي بكم إنتاجه الإبداعي، وضجيج أصواته المتشابهة، وإعادة هيكلة بناه الادارية المتهالكة بإحلال وجوه جديدة مقابل أخرى شائخة، أو إلباس قواه المحافظة حلة محدّثة، إنما بحراك زمرة مضادة ممن يعرفون بمثقفي " الإختلاف ". وتلك مهمة لا يتحمل شرف إدارتها المفكرون وحسب، بل يتقدمها فصيل من المبدعين أيضا.

كل تجمع ثقافي مهما كان متواضعا يضمر في أنسجته ذوات معرفية وإبداعية مغايرة، تنذر نصها ( الفكري والجمالي ) لمساءلة القديم والثابت، والإنعطاف بالوعي والذائقة إلى جهة غير معرّفة، حداثية بالضرورة، والتموضع على مسافة من المؤسسة، على اعتبار أن الحداثة حضور داخل الزمن، ومحاولة واعية لموضعة الذات على حافة التناقض، إذ لا وجود لمنطقة آمنة عند الإحتكام إلى لحظة تغيير تاريخية يحسم المعنى الوظيفي للثقافة الكثير من استحقاقاتها.

الحداثة، شكل من أشكال التفكير الإرتيابي المضاد ازاء جملة من المسلّمات الذهنية، والإعتيادات الذوقية. أو هذا هو منطقها، وعليه يفترض أن تتأسس داخل هذه اللحظة التقويضية بذرة الإرساء الحقيقي لمبادئ التنوع، والتعدد، والإنشقاق، والقبول الطوعي بوجود " الآخر " بكل أطيافه، للتأكيد على أن " الحوار " قيمة جوهرية في عملية البناء، يتم بموجبها الإنقلاب على كل ما هو أحادي وشمولي وتنميطي وامتثالي ومركزي، ويفترض بالمثقف أن تكون لديه ترجمة مستقلة لهذه العناوين، وقدرة على تمثّلها لا تمثيلها خارج املاءات المؤسسة.

ولا شك أن نزعة التجديد المطروحة اليوم خارج حضّانة المؤسسة كعنوان تغييري وإختلافي، تبدو على درجة من الصراحة والوضوح، ومحشّدة في تشكيلة هي مزيج من الثقافي والسياسي والاجتماعي والحقوقي، أشبه ما يكون بالجبهة ولو بصورة مبعثرة، وهو أمر يفسر استشراس التيار المحافظ في التنكيل بالمختلفين ومحاولة استيعاب تشظيهم الثقافي بقوامع اجتماعية ودينية وسياسية، لتأكيد الهيمنة، من خلال الإستعراض الدائم لمظاهر القوة وتفعيل مضامينها.

على هذا البعد التداولي للقيم المعرفية والجمالية يفترض أن يكون رهان المجددين. أي على المزيد من " الإختلاف " وإنتاج المزيد من النصوص المضادة، وليس المهادنة والدخول في لعبة التوافقات والتنازل عن الحضور كمثقفي إختلاف لقاء فضالة حداثوية أو وجاهة مؤسساتية، فالحداثة ليست عنواناً طارئاً ينتهي بانتهاء المرحلة. أما المؤسسة فمهما طرحت من عناوين جذابة تظل مرتهنة لنظام ثقافي يحد من قدرتها على التحرر من منظومات الثبات، وبالتالي فهي لا تنتج إلا مثقفين أقل اختلافاً وأكثر امتثالا، وعليه فإن التورط في الإجهاز على فكر " الاختلاف " بأي شكل من الأشكال، يعني تزييف المشهد بطراز من المثقفين " الشكلانيين " وليس " الإشكاليين " أي حداثويين لا يمتلكون من فكر " الإختلاف " إلا عناوينه.

الإختلاف ممر لإنتاج المثقف المنتج للمعرفة، وهو فعل تكراري إلى الأمام، أولى مهماته هي " الإبدال الثقافي " وهذا ما يفسر تداعيات التناثر والتنوع والتشظي المتولدة عنه، فهو لا ينمو كقيمة تبادلية إلا بوجود حالة حوارية بين ذهنيات متخالفة، قد تصل إلى صيغة من صيغ التصارع، وإن تم التعارك داخل نسق واحد قابل للتعدد، بالنظر إلى اشتمال ذهنية الكائن الإختلافي على رغبة أصيلة لتغيير بنية الوعي المثقلة بهاجس الشمولية والمركزية، وزعزعة الحنين إلى ائتلافات النسيج الواحد، وذلك هو العنوان المفترض إشهاره كاستراتيجية، بحيث يكون الرهان الحقيقي على أصالة الفعل الثقافي، في إختلاف من نوع آخر، أعمق من ذلك الذي يحدث على سطح المشهد، أي داخل التيار نفسه، بمعنى أن يتحاور مثقفو الاختلاف مع بعضهم البعض حتى يمكنهم مجابهة الآخر.

هكذا يبدو الإرتداد العمودي إلى الداخل ضرورة، فمجابهة عنف " الآخر " وبرامجه تستلزم اختلافاً أخوياً يعزز روح الإنفتاح ويقر بفكر إختلافي النزعة، شديد الولاء للتعددي، وعلى درجة من العناد لكل ما هو توحيدي وتنميطي، ومهما برز من التباين بين مثقفي الإختلاف، يمكن التعويل على إنماء ثقافة " الإختلاف " وتوسيع هامشها لتصبح هي المركز مقابل أي صيغة من صيغ التسلط الثقافي، بحيث تنفتح على شتات ثقافي لا يجعل منها جبهة أو سلطة جديدة، بقدر ما يمسح الحدود بين النخبوي والشعبي، وبين حيوية التجربة اليومية وما تقدس كفن. أليس هذا ما يبشر به مثقفو " الإختلاف " المابعد حداثي!؟