طباعة    ايميل

خالد عبدالرحمن

أهو أغنية شعبية مغسولة!!!

لأغاني خالد عبدالرحمن رنينها الخاص الذي يعكس مزاجه الشخصي، وولعه الذاتي. وهي جديرة بالتأمل، بما تمثله من التحام عضوي بين الذات وموضوعها. إذ لا ينفصل فنه عن الصورة التي يقدم بها نفسه في المشهد الحياتي. فبالإضافة إلى ما يشكّله كظاهرة فنية جاذبة عند شريحة عريضة من الجمهور، يمثل حالة اجتماعية مثيرة للجدل. إذ يبدو من خلال التأمل السيميائي لألبومات صوره وكليباته، ومن واقع منجزه الغنائي، ومما يختزنه ديوانه (العطا) من قصائد غارقة في الرومانسية، بمثابة الصوت المعبّر عن الفئات المعذبة عاطفياً، المنذور لتقديم متوالية من الأغاني الرقيقة، الطافحة بالمشاعر والرغبات العذرية.

على هذه الحافة الشاعرية، يقدّم ذاته الفنية والإجتماعية، أي تأدية ما يُصطلح عليه بأغاني الحب الأفلاطونية Platonic love songs المكتظة بمفردات الإنجراح والإنكسار والتوسل والعذاب والشقاء والعبرات، التي يردّدها بنبرة خفيضة، وعلى إيقاع جُمل لحنية ناعمة، أقرب إلى روح التشكّي والنواح الفردي، إذ لا يتوافق حضوره المسرحي مع كل ما يوحي بالأوركسترالية، كما يتجلى ذلك فيما بات يُعرف بخالدياته الشهيرة (خذني بقايا جروح، تذكار، آهات، حدي نظر، العطا، قبل الوداع، صدقيني، شقاوي). التي تعكس بوضوح نزعته للتعبير عن المواقف والمشاعر الفردية.

تلك هي الصورة البرّانية لخالد عبدالرحمن، الذي تلبّس لقب (مخاوي الليل). المقدود أصلاً من أغنية يردد فيها مقطعاً أثيراً على نفسه (لي بالعمر ليل أخاويه) ليضفي على ماهيته الإنسانية حالة من الرمزية والتجلي، وليمسح الفارق بين الإنسان والفنان. أو هكذا بلوّر منظومة من القيم المجردة وصاغها وفق مراكمات صوتية وبصرية دخل مميز Logo هو بمثابة الماركة، التي بات يُعرف من خلالها، ويتميز بالضرورة عن مجايليه، إذ يسهل الإهتداء إليه وفق ذلك السمت، الذي يمثّل علامة قابلة للإختلاف بها وعليها. وبالتالي، صار جديراً كنجم بالإتّباع والتقليد والملاحقة الإعلامية، على إعتبار أن سيرته تنضوي بشكل صريح داخل ما يُعرف ببنية خير الآحاد، أي الرمز يُحدث وجوده وغيابه وحراكه خبراً جديراً بالمتابعة على الدوام.

ولا شك أن اعتنائه بتثبيت تلك الصورة الذهنية الخلاّبة، واختلاق هالة شخصية ذات تداعيات عمومية، فيها الكثير من القصدية والإنتباه. فهو يريد الإشارة من خلال أغانيه إلى أزمة الفرد التائه، الأعزل، الطريد، الغارق في الأحزان، المسكون بهشاشة عاطفية جارحة. المقصي – طوعاً أو إختياراً - عن المنـظومة الإجتماعية. المجرد من الأحبّة والأصحاب، أو بمعنى أدق، المتنازل عن كرنفال الحياة الجمعي، والقابض على أحاسيسه، كما يعبّر عن ذلك المنحى من خلال التصاقه بآلة العود، الذي يشكل طوق نجاته من الأحزان الثقيلة، كما يشكل في نفس الوقت مبرر بقاءه، أي دليله الحسّي على الرقي الفني، وقدرته على إثارة العواطف والتطريب في آن.

كل ذلك يدفعه لبلورة نموذج يتجاوز الفني إلى الإجتماعي، حيث يلعب كبطل محبوب دور الخالق لفكرة النموذج Model القابل للتسويق فنياً، والجاهز للإقتداء من المنظور الشبابي. الذي من خلاله يمكن التعاطي مع قيم جديدة للحياة. فرغم الهدوء الذي تتسم به شخصيته، التي يُنظر إليها أحياناً كشكل من أشكال الخمول، إلا أنه استطاع تحويل ذلك التذاوي إلى طاقة رومانسية، وتوظيف أغانيه الكئيبة كأداة لتطهير العواطف حسب المفهوم الأرسطي لهذا النوع من الغناء المنذور لمعافاة الأشخاص الذين يعانون من أوضاع غير مريحة، الذين يتعاطون جرعات من الغناء الحزين للتداوي من حالة التيه والإنقباض الشعوري المزمن.

ويبدو أنه حقّق ذلك الأثر الساطي بفعل ما يختزنه من حيوية سيكولوجية غامضة، ومؤثرة جداً. ونتيجة استهدافه لشريحة عريضة ترى في مشايعته وتقليده فرصة لإعفاء نفسها من إتخاذ متوالية من القرارات الصغيرة حول ما ينبغى أن يكون عليه حضورها، إذ يشكل سطوة ذوقيه عند معجبيه، وهنا مكمن سلطان أسلوبه المتحقق بموجب ركام هائل من العلامات الصوتية البصرية، أو ضمن ما يتزاوج بصورة تكاملية، ويُعرف في الحيز السيميائي بالتسنين اللفظي والتسنين الأيقوني.

ولا شك أن الايقاع والنبرة الصحراوية، التي تميز أغانيه، المعزّزة من الوجهة البصرية باكسسوارات البدوي المحدّث، هي التي تهبه ذلك الإمتياز الفني اللافت، وتموضعه في الآن نفسه، ضمن دائرة من المساءلات، حيث يبدو في جانب من منجزه وكأنه في حالة من الإنهمام التام بمفهوم الهوية، وضرورة التعبير عنها موسيقياً بشكل رفيع، أي تحرير النمط الغنائي الذي يؤديه من الشعبوانية. وهو ما قد يُلاحظ في محاولاته لالتقاط النغمة الصحراوية من مهاجعها، وتقطيرها، ثم رفدها بايقاعات ودقات توائمها مع مستوجبات اللحظة والذائقة العصرية.

كذلك يبدو من الواضح التزامه برنة العود القديمة، المألوفة للأذن المجبولة على النغمات المرسلة، والحفاظ على بكرية تأثيراتها الجمالية، ليوحي برغبته وقدرته على الإتصال الروحي بالموروث، وبمعزل واضح عن التواصل العلمي معه، فما يجيده فنياً يغلب عليه الأداء الغريزي والوجداني، لا اختلاق القوالب اللحنية البنائية. حيث تنهض الحانه على البساطة والتطريب، لكنها لا تنحدر لمستوى الألحان الدارجة.

ولاستكمال الصورة التي يسعى لتوطينها في الأذهان، يُلاحظ أيضاً أنه يريد التأكيد من خلال أغانيه ووضعاته البصرية المختلفة على أنه معني بتثمين (الشعبي) الذي يعادل كمرجعية في الثقافة النسقية مفاهيم الأصالة والنقاء والبراءة والإنغراس في الجذور. أو هذا هو ما يمكن أن يُفهم من تبنيه الواضح للأغنية الشعبية المحدّثة، كخيار فني، ليفارق الدوني والسوقي، وينأى بأسلوبه عن الأداء الوعظي. كما يبدو ذلك واضحاً من خلال تلويناته النابعة من شاعرية صريحة، ومن حس مرهف. حيث يطرح ذاته الفنية في صورة الموسيقي المبتكر للألحان Melodist القادر على اقتراح حلول هارمونية تتسم بالخفة، مستلهمة من سحرية الصحراء، كما يعزّز ذلك الإعتقاد بمنظومة الصور التي تسرد كيف يقضي فاصلاً طويلاً من أيامه في أجواء الصحراء ليوحي بعمق تواصله الروحي مع عوالمها.

وعليه، يمكن استيعاب مركبات هويته الفنية الفردية، المؤسسة في جانب لافت منها على الإنزياح، داخل إمتدادات هوية جمعية أشمل وأعمق. فبانوراما السهرات الصحراوية واللوحات البدوية التي تتسم بها كليباته وصوره، تزدحم ببهرجة استعراضية من الرموز والصور، إلا أنها تمثل في الآن نفسه خصوصية صوته ونبرة حضوره في زمان ومكان يراد لهما ألاّ يغادرا الذاكرة. وهي أيضاً اكسسوارات منتقاة بعناية ووعي، ومؤسسة أصلاً على التكرار، لتكون قابلة للتوطين والتصعيد والتداول كمنتج ثقافي، بعد تعضيد جانبها اللغوي بدعائم بصرية، أقرب إلى الدعاية.

بهذا المعنى يحاول الإقتراب من مكامن التأصيل الفني، القائم على حساسية نغمية ضاربة في عمق السياق الصحراوي، ومنفتحة في الآن نفسه على آفاق لحنية مبتكرة. وهو بهذا المزج الواضح يجهد لتأدية فروض التثوير الهادئ والواعي للخزين التراثي من الأغاني الشعبية. وتحريرها من مزاج وإرغامات الطبقة الوسطى، ليوسّع شريحة التلقي الفني للموروث الغنائي. من خلال ما يبديه من مراودات لتطوير الأغنية الشعبية وتمثّل طقوسها بأدوات حديثة، ضمن أجواء عصرية، تكفل لمنجزه الإلتصاق بمعنى الهوية وتمثيلها، أي الميل إلى الجماهيري، والتعبير بصدق وعفوية عن الهاجس الشعبي.

وبقدر ما تبدو نزعته التأثيرية الفارطة في الشاعرية هي مصدر الإشعاع السحري الغامض لأغانيه، تشكل كذلك مبرر الإحساس بكونه يقدم وصفة تجارية تلبس مسوحاً ثقافياً، أي أغنية شعبية مغسولة، تقوم على إعادة إنتاج واستهلاك الموروث الغنائي، وتعليبه كسلعة في غلاف جميل، فالرومانسية التي تتسم بها أعماله، التي تشكل رافداً هاماً من روافد الصحراوية، لا تمثل إلا الحالة السطحية للبحث عن الجذور والتماس معها، وتحقيق البعد القومي بمعناه المفهومي والحسّي، ولهذا السبب بالتحديد يراوح دائماً في أغانيه ما بين الرغبة في تحقيق الترفيه والتعبير عن الهوية.

وعند إخضاع مجمل منجزه لتحليل علاماتي كيفي، يبدو من الواضح أنه يريد التأكيد دائماً على محلّية جذوره الموسيقية، من خلال إصراره على إبراز كل ما يشير إلى إنتمائه إلى فئة إجتماعية ذات ملامح جامعة وواضحة ومعرّفة. وكذلك الإفصاح عن حس ثقافي موسيقي يتناسب مع منجزه، بما يعادل الرؤية الفنية، حتى عندما يؤدي الأغنية الوطنية بما تتطلبه من بناء موسيقي فوقي قومي، لا يتنازل عن اعتقاداته الفنية التي يعتنقها، حيث يقدم أغنية ذات بناء أسلوبي يستلهم الصبغة القومية الصحراوية، بمعناها المباشر الذي يسمح للشعبي بالطغيان على كل ما هو بنائي.

كل تلك الإشارات تؤكد على أنه غير معني بالتورط في حياة موسيقية ذات بناء فوقي قابل للتركيب، بقدر ما هو في حالة الإنسجام مع إنتاج مادة مغناة للإستعمال اليومي، وعلى كون ذاته الفنية مجبولة أيضاً – بوعي أو لا وعي - على حمل التقاليد والعادات والتطلعات والمفاهيم والقيم الخاصة بالفئة التي يريد تمثيلها، واستدخال كل ذلك في صورة ممسرحة ببراعة، ثم تحويلها إلى نص، أي توليد معنى هو بمثابة التمثيل لوجود ما. وهنا مكمن (النمذجة) التي يتعمدها، فالعمق الثقافي لوضعيته الإنسانية تتثبّت وتتصعّد من خلال صفته التمثيلية، وليس من خلال انعزاله عن المجموع، أو إنطارده من الفضاءات العامة، كما قد يبدو ظاهرياً.

وعلى هذا الأساس يمكن قراءة دراما تمثيلاته البصرية، أي سجله الايقونوغرافي، الذي يسرد وضْعاته المتنوعة Poses المكتظة بالدلالات، والمنذورة لبناء عالم دلالي على درجة من الإنسجام. بما هي المكمّل لخبراته الصوتية. فهو يجيد التمسرُّح في الفضاء الحياتي أكثر مما يتقن ذلك على منصة الغناء. وبمقتضى ذلك الشرط ينحت طلّته المدروسة، ويُبدع في الإحتفاء بصورة البدوي المخملي، الذي يلوّح من خلال متوالية فوتوغرافية بالغة الليونة في حمولتها المضمونية والذهنية، بنموذج يوهم بتطابق قيّمه الإجتماعية مع طبيعة منتجه الفني، أي ترميز صورته كفنان يتلازم حضوره بنيوياً مع وضعيته الإنسانية، حيث الإصرار على الطّلة العصرية الراقية، بمعناها الباذخ، التي تستبطن في داخلها بعض إشارات حس المحافظة والتزامه بالتقاليد، أي الإشارة المقصودة لفكرة الإنتماء إلى المجموع.

وربما يفسر ذلك كثرة الطرق على جاذبيته كنموذج والتدليل عليه، فالمعطف الطويل الذي يعادل (الدقلة) مظهرياً ووظيفياً، ويفارقها من الناحية الوجاهية، بقدر ما يمثل حالة من التحديث المقصود للأنماط القديمة، يشكل محلاً للفرجة والإبهار، بل هو دعوة صريحة تحيل إلى طريقة العيش Life Style التي يتمتع بها ويقترحها على معجبيه. كما تفصح بكل زخرفها عن التراتتبية الإجتماعية المراد توطينها في وعي وذاكرة المتلقي، وتلك هي أهم ركيزة من ركائز الفعل التدليلي داخل منظومته، التي تسجل بالفعل إختراقاً في سياق إجتماعي محافظ وعنيد، فهي تقدم للشباب مساحة تعبير عاطفي، وفرصة لعالم بديل.

ومما يعزّز تلك الفكرة أنها تأتي ضمن حقل خصب من العلامات المدروسة، من خلال ريبورتاجات مصورة يتم بمقتضاها تعميق صورته الذهنية عند مشايعيه، وتأصيل فكرة شكله الجاذب Look أي استظهاره وهو ينوّع طلاّته بين احتضان العود في حالات متعدّدة من الهيام، وتأبُّط بنادق الصيد بأشكالها المتنوعة، وهو يتأمل طرائده من صيور (القميري) و ( الكرك) فيما يتكئ على السدو باسترخاء في مشهد مسائي، عند موقد النار، الأمر الذي يوحي بالفروسية، ضمن مميّز تصويري، مجازي، عابق بالرمزية Figurative وكأن كل تلك الإشارات المصمّمة بذكاء تلعب دور المنبّه، ويُراد لها تعميق الحفر في الصور النمطية الثاوية في اللاشعور.

هكذا يعيد خالد عبدالرحمن إنتاج الكائن الصحراوي بصورته المحدّثة. فكل ذلك الهجين البصري السمعي المركّب، لا يطرحه كمنتج فني قابل للتداول وحسب، بل كدلالة من دلالات الإنتماء، حيث لا ينفصل المنتج المادي المتمثل في الحضور الجسدي، والصورة المثقلة بالعلامات، عن الأغنية الصادرة عن الذات نفسها، التي تحقق فكرة الحلم والإبهاج، وإستعراض العوالم الممكنة من التماس مع عالم هذا الفنان، إذ تتعمّق فكرة (الشعبي) في الأذهان مرة أخرى، بتكرار متوالية البراري والكثبان وكل ما يتعلق بالفضاءات البكر مقابل الفضاء المديني، الأمر الذي ينعكس في أغانيه من خلال فائض التلقائية في التعبير الموسيقي الروحي، وانخفاض منسوب البنائية والعقلانية. فالألحان التي يجيد الترنّم بها مجرد ومضات، قصيرة النفس، مستمدة من الفلكوري والشعبي بوجه عام، ولا تكتمل استداراتها البسيطة إلا ضمن حالة من التكثيف داخل تآلفات هارمونية مؤانسة.

وبمقتضى تلك الإستراتيجية التأثيرية تتجاوب صورته الكليانية مع خزان المواقف المسكوكة في الوعي الجمعي، ومع المرجعية الثقافية اللاواعية، التي تختزن شحنة انفعالية قوية، وهي ما يحدد إدراك وردود أفعال جمهور غير عقلاني. أي إيهام المتلقي كمستهلك بالتجاوب مع منتج ثقافي، وذلك هو مكمن التماس المحيّر مع اللاشعور الجماعي، إذ لا يُقصد من كل ذلك التوالي البصري التأثير، أو محاولة الإقناع، بل التخاطب، وموضعة ذاته كمنتج فني ضمن وضع إنساني، أو البرهنة عليه من خلال تلك العلامات، أي النصوص التي تولدها تلك الحركات، حيث يحيل حضوره الجسدي إلى تركيبتة العقلية والإنفعالية والحسية بمنتهى الفصاحة، التي من خلالها يحاول الإبلاغ عن ماهيته.

على هذا الأساس ينعدم الفاصل ما بين حميميات حياته الشخصية وبين أغانيه، حيث يتحول ما يُشاع عن خسرانه لـحبيبته (شوق) إلى متوالية غنائية مفجعة وكفيلة باستدرار عطف جماهيره. تماماً كما تشكل صورته وهو يذرف دموع مستوجبة لذكرى وفاة أخيه (بندر) علامة مكمّلة لوضعاته الإنسانية. ومن ذات المنظور تنحفر في الذاكرة صورته في الحرم المكي بملابس الإحرام، وصورته وهو يعانق مجموعة من الأطفال من ذوي الإجتياجات الخاصة، وصورته وهو يحمل حيواناً أليفاً بمنتهى الرأفة، في لقطات توحي بالقداسة والفاعلية والإنتماء إلى كل ما هو إنساني. فجسده التي يتم استعراضه في الصور ليس هو ذلك الجسد الإستعمالي، إنما هو موضوع قائم بذاته، تم بناؤه على مفارقة صادمة للوعي والذائقة. إنه الجسد المصفى. المكرّس للغناء والملذات والتوحد مع الذات داخل الطبيعة، حيث تعمل الصورة كشاهد على اللفظي والغنائي.

إنها اللعبة التأثيرية الفطنة، التي يجيد خالد عبدالرحمن أداء فروضها الصوتية والبصرية ببراعة لافتة. حيث يقوم بتسريب ذاته المعروضة كمنتج فني ضمن وضع إنساني مألوف، ومحلوم به في آن. عبر آليات تدليل شفافة ولامرئية، وقادرة في الوقت نفسه على اختراق اللاشعور. إذ لا يكتفي باستظهار مآثر مادته الفنية، وتعداد محاسنها وحسب، بل ينجح في تخليق حاجات سلوكية قابلة للإقتداء عند شريحة عريضة من الجمهور، وتوجيه الذوق الإجتماعي من خلال كفاءة عروضه الساطية على النفس. أي إخضاع المتلقي لتأثير جمالي نابع من شكله المتأنق، وصوته الذي يضبط إيقاعه على حاجات جمهوره العاطفية الملّحة، الذي يساهم في إنعاش أحلام اليقظة، وإبعاد الإنسان اليائس عن همومه وإحباطاته، والتلويح بأسلوب حياة الطبقات الراقية.

جريدة الحياة 24 يناير & 6 فبرير 2012