طباعة    ايميل

 

 

" سيرة مدينة ذات الرماد "
كما يكتبها الفنان عبدالله ادريس بالصدأ


بين الانسان والمكان ، ثمة حكاية أزلية بحاجة الى السرد . وبالتأكيد ، داخل كل فنان ، رغبة حادة ، نوستالوجية بالضرورة ، لتجسيد تلك العلاقة الحميمة ، التي تتداخل فيها عناصر الوعي واللا وعي كفعل فني ، ولكن تبقى ارادة الفنان للمغايرة معيارا لشكل ومستوى صياغة وجدية تلك العلاقة ، وهو ما يتبدى بصورة جلية عند الفنان عبدالله ادريس ، في آخر معارضه " سيرة مدينة اسمها ذات الرماد " المقام على الصالة العالمية للفنون بجدة ( 4 ابريل 1999 ) المؤسس في جانب كبير منه على النفايات كعنصر جمالي مؤثر ، وكرابط حيوي بالطبيعة ، بمفاهيم الفن الحديث ، اقترابا من أدائيات الفن الفقير .

ولأنه يعد دائما بالتجاوز ، نلاحظ جدية وصراحة العلاقة بين المفهوم الذي يتحرك بموجبه العمل الفني عنده ، والأنساق الحاضنة لشكل ودلالات العمل ، فهو فنان موصول بالمعرفة والتاريخ ، مهجوس بحداثة التعبير ، كما يتبدى من خلال ميله مؤخرا  لتفتيت القوامات والصور ، وفي حساباته الشعورية الدقيقة للعلاقة بين الشكل وكمية اللون المطلوبة لتجسيد البنية المتصورة ، وفي اصراره على ابراز الصيغة التحليلية لما وراء المرئي ، وهو ما نتلمسه بشفافية في " سيرة مدينة ذات الرماد " التي يستعيد أطوارها الآبدة ، بمزاجه الشخصي لا الموضوعي ، ويكتب سيرتها بالصدأ ، بثلاثة أنماط جمالية متباينة ، أقرب الى الطرازات التعبيرية التي تتقاطع شكلا ، وتفترق اداء .

وعلى الأرجح ، أراد ادريس بذلك الايهام المتقصد الاشارة الى دينامية رؤيوية ، يمتنع بموجبها كامل المنجز عن اجتراح صورة ، أو نحت قوام بصري ، أو اغلاق أفق اللوحة بحس فجيعة سوداوي ، يحد من رؤية باطن المدينة أو ما ورائياتها ، بمعنى أن الأنماط  تتشاكل روحا ، ولا تتخالف ايقاعا وتكوينا الا لكي تتكامل ، فليس هناك فواصل حادة بين تلك الأعمال التي يتسيدها النهج اللوني تارة ، أو المؤثثة كولاجيا تارة أخرى ، انما تتشابك الأعمال وتمتزج شعوريا ، بذات القدر الذي تتداخل فيه الأحبار ، بالاكريلك ، بالباستيل ، بصدأ المعدن ، بالورق المعالج بدرجات متفاوتة من الحرق ، وبصفحات الجرائد القديمة في صيغة حسية لا بنائية ، تتأهل بموجبها الأعمال كوحدات موضوعية محتضنة بوحدة جمالية أشمل ، قوامها مدينة خاوية أو مفرّغة من كل ما هو انساني ، بالمعنى الشعوري ، ولكن مأهولة ببقاياه ، وبمخلفات معدنية ، ينهال عليها الرماد و الصدأ من كل جانب ، ويجهد ادريس كثيرا لدلق بعض ألوان روحه عليها ليعيد النبض الى شرايينها .

هكذا تتمثل عناصره الفنية بصيغة لا بنائية داخل اللوحة ، أي كمبرر حسي ، رغم اطار اللوحة الموضوعي ، فمدينته التي ينبش أطلالها وروحها بنعومة فرشاته ، وباختلاف الأدائيات التي اعتمدها ، مفرّغة من العنصر البشري ، ولكن مؤثثة بمتعلقاته الهامشية أو الاستهلاكية المحيلة بقوة ، وأحيانا باشارة مضمرة الى رحلة زمنية ممتدة ، تبدأ من حاضر ادريس ، ذهابا به الى الوراء ، اذ يحاول بكل ما أوتي من بصيرة جمالية  ، وحساسية تعبيرية لم ذلك الأثر الانساني وترجمته في هيآت درامية مرئية ، لا تكتفي باثارة فضول العين ، بل تتعداه الى جدل ذهني بعيد الدلالة .

وهو بهذا التخطي الدلالي ، الذي يدفعنا نحو الحياة ولا يجردنا منها ، يشد مجمل الأعمال الى الزمن كعنصر ضاغط بدءا من شحوب اللون الحاضن لمفردات اللوحة كدلالة على أسى مديد من المنقضي زمنيا ، ووصولا الى علب الشراب المعدنية الصدئة الرابضة بكثافة ، على سطح اللوحة كملامس وأبعاد ، تسم طقسية اللوحات بأسى الخسارات المبيتة ، وان كانت لا تستفز الدهشة في كل الأحيان نتيجة انتظامها في قالبية رتيبة ، لا تسمح للشكل بالحركة لمجادلة مدلول الصورة ، وانهاض الرؤية الحدسية .

ولأنه أقل غرما بالمفاجآت الفنية الغير محسوبة ، وأميل الى اللوحة المستقرة بصريا ، كما هو أكثر استعدادا للتجريب المفتوح على احتمالات جمالية متمادية ، يتبقى في منجزه الجديد أثر ملحوظ من ضرباته الأسلوبية المعروفة ، فهو لم ينفصل تماما عن مكمن شعوره ، ولم يتزحزح بعيدا عن زاوية رؤيته للأشياء وتصورها، أو بما يكفي للانفكاك عن سابقه الفني ، ليحدث صدمة جمالية أقدر على المباغتة ، الأمر الذي يبعث على الاحساس بأن ثمة منطقة شعورية غير مشبعة في نفس ادريس ، حتى ضمن أعماله الأخيرة ، لا بمعنى الفراغ من اسلوب ، وطمسه بآخر ، ولكن من منطلق احساسه العميق بالحاجة الى انتاج عبدالله ادريس جديد ، لا يتنافس مع صيغ أو مواقع آخرين ، بقدر ما يصارع تابواته الذوقية بمحرضات جمالية متجددة واختراقية بالضرورة .

هنا تكمن خطورة منطقة ومنطق مغامرته الفنية الأخيرة ، اذ لا مرجعيات مؤكدة ، أو مطمئنة ، الا دفق أعماقه وحاثاته الروحية الدفينة ، المنتصبة بقوة أمام حساسيته التعبيرية ، والمرتدة ببصره وبصيرته الى جوانيته ، والمتجادلة حتما مع الخبرة البصرية الخارجة عنه ، أي دربة عيونه القلقة والمجربة حد الشك بجدوى الدهشة الطارئة ، ولذلك تبدت المسافة واضحة بين مراوحاته الأسلوبية على ما يبدو ، فمدينته مرئية من مساقط مختلفة ، وبتفصيلات متنوعة ، ومطلية بألوان قاحلة أحيانا ، متخففة من طراوتها ، وباهتة في أحيان أخرى توحي بتفريغ الكائن والمكان من روحه ، كمعادل نفسي وموضوعي لزمن مرّ وموحش ، توهمه ادريس فنيا ، وعاشه كواقع ، فهو زمننا جميعا ، الذي يحتج عليه نيابة عنا بصياغات فنية قلقة ، تنم عن حضور شعوري مؤلب ، وشهادة مفهومية على العصر ، وإحالة اشتقاقية للمتصور والحياتي .

وسيرا على عاداته الفنية الأثيرة لديه ، لا تلبث اللوحة أن تنفلت من ذلك القدر الموضوعي لتكتسب بعض الألق اللوني ، وان جاء أقل بهجة ، وبمسحة أسى مهيمنة ، لكنه أكثر قدرة على الدّل والتعبير عن الموصوف بصريا ، خصوصا ضمن الأعمال التي لم يبالغ في استصلاح كل جزئياتها ، ونأى بها عن المباشرة في توظيف الخامة ، والجاهزية الشكلية والموضوعية ، التي احتلتها الدائرة كتكوين روحي وصياغي ، يقع عليها عبء انهاض الايقاع واستدماجه بين الوحدات ، اذ لا تشير الى فساد ذات العنصر ، انما تحيل الى تلف البنى التي تستنفذ الانسان بقدر استهلاكه لها ، اذ قدّر لمفردات ذلك النمط التعبيري فرصة التشبع بروح اللون حد الاستنقاع .

وفق ذلك الادراك البصري يتصعد الاحساس الفني بالزمن عند الفنان عبدالله ادريس ليتجاوز مسألة ومهمة اللون الى معالجات مباشرة لخامة المعدن ، كما بدت في النفايات ، والمخلفات الاستعمالية ، التي احتضنها مرة ببياضات مفتوحة على تقشف لوني أحادي ، أو ثنائي ضئيل الأثر ، الأمر الذي سمح للخامة بالتمثل كمفردة فنية ، ومرة ببقايا جرائد ، ملطخة بانسرابات لونية متدرجة أقرب الى اشتقاقات اللون المعدني في رحلته الى الصدأ ، كإشارة الى تلف الحقبة أو صدأ اللحظة ، فكانت على درجة من التوفيق واثارة الحس ، بل وأقرب الى جوهرانية الفن الاختصاري ، الأمر الذي أعطي العين فرصة الانزلاق العمودي والأفقي بخفة شعورية ، وبايقاع تأملي يمكنها من تمكيث مفهوم اللوحة وبياضاتها .

وعلى العكس منها جاءت تلك الأعمال التي اعتمد فيها ادريس السطوح الصقيلة واللامعة ، دون مهادات شعورية وسيطة ، تؤهل مركز ثقل اللوحة بخلفية مقنعة ، أو مؤانسة شعوريا ، فأحدث مفارقة صياغية مخلة بعض الشيء ، بين الشكل والفكرة ، ربما لأنه لم يتعامل مع المسافة بين المعدن الموسوم بالصدأ حد الاهتراء ، والخلفية المنتمية بنصاعتها وبريقها لعصر أكثر حداثة وحراكا كبعد زمني ، بقدر ما تعاطاها كمادة أو وحدة تشكيلية مرئية ، ولا متصورة أيضا ، الأمر الذي أسس لفجوة شعورية مربكة ، خصوصا مع محدودية المعالجة التي تأتت للخامات ، اذ بدت مسقطة بمباشرة أقرب الى التقريرية ، وأبعد عن شاعرية الأثر الطيفي كضرورة لشفافية التعبير الفني ، القائم على غموض فن اخفاء الفن .