طباعة    ايميل

 

 

أدائية الفنان محمد السيهاتي ما بين
ترميز الشكلي والتوظيف البنيوي للعناصر


اللوحة بالنسبة للفنان محمد السيهاتي حالة من الإنبناء الدرامي ، تحدث كواقعة جمالية في أنساق تصويرية قوامها الحركة الكامنة للوحدات ، وضمن التكوين العام للعمل الفني أيضا ، ففي معرضه الشخصي الرابع ، المقام على صالة " انماء " بالخبر يدفع بالشكل المؤمثل كأيقونات تراثية إلى مخيالية حيّل فنية تقوم على إزاحة الشكل أو المرئي عن مواضعاته البصرية ، فيما تراهن على قيم اللون الذاتية.

وبذات القدر الذي تموضع به تلك المقامات اللونية العمل الفني في مهادات روحية ، تحقق مفهومه ووحدته الدلالية ، كما تصعد القيمة الحسية للعناصر، في بناء شكلي أقرب إلى توليد الكسور والتوترات الموجبة لتراكب الوحدات وتدامجها بشكل يمنح الرؤية متعة التبصر التحليلي لأصل المفردة ، وبمعزل عما يجاورها من وحدات تفسيرية ، خصوصا بانتفاء العلاقات العازلة بين تلك المركبات المعاد تفكيكها برهافة تصويرية.

وبتلك المواربة التعبيرية التي تحفظ للعناصر حيويتها ، لا تبدو العلاقة مع الواقع ، كما يتصورها الفنان السيهاتي ويؤديها فنيا ، إلا مجرد صدى تجريدي لأثر تاريخي مطمور في الذاكرة ، مادي في المقام الأول ، يتجسد بمزاوجة درامية بين بنيته التصويرية ومضمونها ، فيما يبدو صوغا جماليا لعناصر مادية مدبرة فنيا في انفعالات وصور وأفكار ، ومعبأة في أشكال مرسومة تارة بنية موضوعية ، وغالبا بمعنى أو غرض الرهان على توليد الاحساس ، دون مقاربة لإشارية الرؤيوي أو روحية الميتا-بصري.

هكذا يتجاوز الفنان السيهاتي الذكرى المكانية كمساحة إلى تداعياتها النفسية ، ليستلهم موروثه الرمزي وليناغمه بنيويا - كموضوع - مع الشكل المتصور ، بمعنى التماس ، ولو في طوره الأولي ، مع مفاهيم التصوير الإشاري الذي تتقاطع فيه الرؤى البصرية ، من الوجهة التاريخية ما بين الزخرفي والتجريدي ، الحركي منه تحديدا ، حيث يحتمل التجريد بمنظوره معنى التصوير والماعات من التفكير في آن ، كما تتبدى في تكويناته وايقاعاته المفتوحة بمرونة خطوط حرة على رنين عاطفي مرده الحنين ، بحيث يبدو الرسم عنده فعل استعادة يترقق أدائيا كلما تدانى من مكامن الذاكرة.

على ذلك التناوب الأدائي يفرط من الوجهة الأسلوبية أحيانا في واقعية التفاصيل ليربط عدة عناصر متنافرة أو متباعدة زمنيا ومكانيا في محاولة لاستدماجها في بناء شكلي شديد التماسك مظهريا ، حتى وإن بدا مبثوثا عبر مرشحات الذاكرة ، ليتأتى للوحته تأثيرا مركبا ولو في حده البصري ، نتيجة اعتماده على تركيب العناصر والوحدات عوضا عن تحليلها بصريا أو الحدس ببواطنها.

وفيما تبدو العلامة في لوحته حركة صرفة ومضاعفة دلاليا لتدعيم القوة التصويرية من الوجهة الشكلية ، يستدعي اللون كعنصر للتعبير عن القيم الشكلية والمعاني النفسية والبصرية ، كما يتبين من اعتماده على زخات لونية متعددة في حيز محدود ، مؤكدة بثبات الحركة ومتانة الأداء، فيما يبدو مبالغة في المؤثرات اللونية وبلاغتها التعبيرية لتشييد صرح جمالي ، يقوم على فوضى وسخاء الأثر اللوني ، بمعنى استصلاح فضاء اللوحة بتجسيدات شبه شكلانية ناعمة ، أو بإثارة تخيلية أقرب إلى مجازية الشيء لا حقيقته المرئية أو المعرّفة بصريا.

هكذا يعضد رسوماته باللون ، ويعزز بها من بنائية الشكل ، كما يخلّق هارمونية الايقاعات ، انسجاما مع ما تفترضه النظرية الموسيقية للون ، وبما هو - أي اللون - مصدر الثراء للعمل الفني بتصور رسكن ، إذ يجنح الفنان السيهاتي إلى تحديد النسب والأبعاد والاعماق بمقتضيات اللون النفسية ، ليقاربه كإشارة تخاطب الروح ، كما يبدو ، بحيث يوحي بالعاطفة والحنين والانفعال كتعبير عن النفسي المعبر عنه بتضادات لونية درامية .

إذا ، ينطلق الفنان السيهاتي من توظيف بنيوي للعناصر بحيث لا تنفصل الأيقونة المستعارة عن ترميزها الشكلي عندما تستدمج داخل نظام علاقات اللوحة ، وإن في مناخ لا رؤيوي أو ليس كلي الأبعاد ، فاختبار مساحة الرؤية لديه لا تتعدى استلهام المرئي أو الصارم شكلانيا من الموروث ، دون اتكاء على ما يفترضه هذا النوع من الفن الإشاري الى الرؤى الميتافيزيقية ، التي يعمل فيها اللون كدلالة روحية ، مشتقة من روح الحياة ومحيلة إلى طابعها ، بما هي من الوجهة الفنية الدال البصري على المدلول النفسي والموضوعي لحياة مرسومة، أو مجسدة بالعناصر التشكيلية.

ويبدو أن الفنان محمد السيهاتي يكتفي بمحاكاة ظاهر الشيء وتضمين ظاهره السطحي أو المرئي بأدائية كولاجية ، أو هذا هو الحد الذي يطاله تعبيريا ، بمعنى أنه آخذ في التنائي بصريا عن الأشياء التي يصورها ، وبالتالي فهو أقدر على التواشج نوستالوجيا مع تداعياتها ، وإن كانت دلالات لوحته  الروحية لا تتمادى بما يكفي لتجاوز مهمة إنتاج المتعة البصرية إلى توليد المعنى الرؤيوي ، بقدر ما تتجادل كموتيفات شرقية بتقنيات غربية ، في ازدواج بصري مؤانس ، وتتزاوج أدائيا في مستوى من الصوغ التبادلي بين الذاتي والموضوعي .