طباعة    ايميل

 

ريشة هاذية
  قراءة في الفكرة الجمالية للفنان
 فيصل المشاري


                   
 
مقدمة

للفنان فيصل المشاري فرادة أسلوبية لافتة تعكس مزاجه، أو استيعابه الشخصي للعالم، فمخياله هو مرجعه، بما هو ريشة مفكّرة، أما صياغاته المتمادية في غرائبيتها فهي عين فكرته، وبالتالي فان لوحته هي مرآته المنزرعة كبصيرة قبالة الحياة لاقتناص الجوهراني منها، لا كمحاكاة طباقية للواقع، وبمقدورها استدعاء فعل المناقدة بمعناه الواسع كمحايث حفري لمدى ما يمكن أن تصل اليه الفكرة الجمالية، وليس مجرد التماس بتجربتة البصرية.

ولكن، مهما زعمت هذه القراءة الدراية بمرادات ريشته الهاذية ستظل مؤوّلة، متطفلة على وعيه ولا وعيه، وليس بامكانها الجزم بشيء، فالفعل الفني كمنجز ورؤية وأداء لا يجس إلا بحزمة من الحواس، وعليه فإن المحاولة تستحق، حتى ولو بمطاولة شبه جمالية، أو ثقافية أكثر مما ينبغي، فمقاربة الفن متعة تعيد للحواس نضارتها، وللذهن اتقاده، مع التأكيد على أن الاحساس بقيمة العمل الفني الجمالية فاعلية تختلف عن فعل المناقدة، ويظل التقويم النقدي ضرورة لتصعيد القدرة على التذوق.

وللتماس بمنجز المشاري الفني لا بد من تجاوز اشكالية تقويمه الى آفاق تأوينه على خلفية النظرية الجمالية، والتعاطي مع تجلياته من منطلقات ثقافية، فالعين هنا كلاقطة حسية مجرد وسيط بصري لا تتعدى مهمتها التأطير الاجرائي للجنس الابداعي بالمقارنة مع الحدس مثلا، وعلى اعتبار ان فكرة الجمال من منظور الانتاج أو التذوق هي محصلة لوعي الانسان الفكري والجمالي، ولمستوى تطور الرؤية البشرية عبر التاريخ.

إذاً، لوحتة هي مكان فسيح لتذوق الجمالي وللاختلاف المعرفي، كما يفترض العمل الفني من الوجهة التاريخية والفنية، فهو يتسع لاستعراض ما هو أكثر عمقا ودلالة من الامكانات اللونية والايقاعات والخطوط، وان صنّف بعض الفنانين اللوحة كصيغة ابداعية محتكرة، ومحسومة ناحية الفنان، باعتبارها مسألة جمالية مكرّسة للتعبير الفني المحض، وفق أبجديات تشكيلية لا تقبل المقاربة بأدوات ثقافية وحساسية فنية مغايرة، فهذا الميل إلى تأمل فن المشاري بنية انغلاقية على العناصر التشكيلية أو حتى بشكل مجرد ومستقل يتنافى مع وحدته ككائن إنساني موروط في علاقة عضوية بالوجود.

وعلى ذلك يبدو التمركز حول لوحة المشاري، واتخاذها محورا لكل الجدل الفني كأساس للتلقي مسألة ملحة. أما الانزياح عن حيزها الى الواقع أو النظريات المنغرسة في كافة الخطابات الانسانية فلن يكون ضروريا الا بقدر ما هو حاجة وعون لمفهمة منجزه، ففلسفة الفن ان لم تغترف تدليلاتها من العمل الفني مباشرة فلن تكون سوى لعبة لغوية، ومجرد تلفيظ بلاغي للعمل الفني، حيث تغيب الروح الحقيقية النابضة بحياة التجربة الفنية. وبالتأكيد لا يطرح هذا الرأي لتبخيس الفلسفة وفصلها القسري عن تعاليات الفن، بقدر ما يبدو بدافع الحرص على الاحتفاظ للفن بحيويته وتلقائيته.
 
وهذا التأكيد على اتساع العمل الفني لمعرفة ومزاج خارج عنه لا يعني استلاب العمل ومقاصده الفنية من الفنان المشاري، بقدر ما يعود بتجربته الفنية الى حواضنها التاريخية والمعرفية ، فهذا الملكوت الانساني الرحب ليس حكرا عليه كمنتج، بالنظر الى كونه في الأصل نشاطا ابداعيا أشبه بعملية الاتصال، التي تقوم ظاهريا أو أدائيا على العناصر التشكيلية، ولكن تتعداها الى تحولات ذهنية ونفسية شديدة التعقيد، تستدعي تلك العناصر الفنية الى الانتظام في أنساق جمالية ومكونات تعبيرية على درجة من الدقة المظهرية والتعبير الدلالي المتماسك، أما الاستطراد الباذخ في المتاهات النفسية والاجتماعية والتاريخية دون قدرة على ربطها بالعمل فلا ينتج عنها الا التضليل وتشويه حس التذوق الفني.

هكذا هو منجز المشاري فرصة، وضرورة للتعبير عن " أناه " الجمالية المفكرة، تصدر عنه وتحرض على استدماج الجدل النابت على حافة لوحته ، كما تتيح من الوجهة التذوقية، علاقة عمودية تغري بامكانية مقاربة تعالياته الفنية، تحديقا في المدهش أدائيا، أو المبهر مظهريا، ولكن دون اكتفاء بالملامسة البرانية التي يشي بها سطح لوحته من تكوينات ومفردات، وكتل لونية، وخطوط متشابكة، بل ذهابا الى حفر معرفي وجمالي أليق بالروح الابداعية، أي تصعيد المعرفة بمنتجه الابداعي ، ومحاذاته بما يماهيه.

ذلك يعني مثاقفته كرؤية، ومعانقة حلمه المتشكل في هيئات وقوامات، للتماس بمزاجه والوقوف على الذهنية التي أنتجت اللوحة، واستكناه حواضنها التاريخية والنفسية والاجتماعية، بمعنى العودة بها الى ما تفترضه الأبحاث الأناسية، ولكن ليس بقصد مفهمة اللوحة، وتحويلها الى مقولة معرفية، انما للعبور بها من أسر ومحدودية الوحدة والانسجام وبهرجة المرئي، الى دلالات وأثر مجرياتها وبناها الباطنية التي ترقى بالمفردة الى مرتبة الهوية.
 
العالم هو خيالي أنا

بريشتة الهاذية، يحتضن الفنان فيصل المشاري العالم ليحيله الى مسرح يموضع فيه " أناه " الإضمارية، بطلا وحيدا، إذ يضفي على الموجودات معنى خياليا ، هو في الأصل موقف فلسفي، يبتغي به تذويت الوجود، ليعيده الى مجازيته كما خبرتها بكرية الذات، وكأن لوحته تردد شطحة شوبنهور الرومنطيقية في جنون آسر " العالم هو خيالي أنا ".

تلك العبارة الفلسفية الخاطفة التي يقترح غاستون باشلار تغيير وجهتها الى معادل قوامه " العالم هو شهيتي " بالنظر إلى تناسب الذات مع الحاجة والشهوة، فهي مجسه البصري الذي يستمذق به العالم، فثمة ذات واعية خلف ريشته المتمادية في عبثها التجريبي، تسيل بنعومة فائقة على مفردات لوحة طازجة تحدث للتو والآن، فيما يشبه هيولية واقع متخيل، يعادل فعل الحدوث والصيرورة، كما يمتهنه الصوفي عندما ينادم ذاته، في وسن المسافة بين الحلم واليقظة، كشكل مسرحي يمكن به مخاطبة أحاسيس الانسان في هذا الزمان.

وكما يوسع فن التصوير العالم بوصفه جزءا من " الأنا " حسب أرثر اشبنجلر ، أو بوصفه عالم الذات الذي يصّور فيه المصور نفسه ويرى المشاهد فيه ذاته، تصوغ ذات المشاري العليا، كمركز روحي وبصري للعمل الفني، استيهاماتها بمخيالية فارطة في أنساق درامية، هي بمثابة صور قبلية لوجود يعاد تركيبه ، بمزاج المشاري، في لقطات بصرية ذات طابع فرضي.

على هذه المجازية الفنية، يمكن استدعاء بصيرة ميشيل فوكو الأنطولوجية لاستبطان الحساسية الجمالية  لمنجز المشاري، المحرض على النظر إليه كنظام من القيم الفنية والطاقة الجمالية معا، والمستحيلة أدائيا الى لوحات، أو قواعد ورسوم فنية، حيث يمكن استقصاء موقفه أو رؤيته الكونية عند الاحتكام الى النزعة الانسانية للعملية الفنية، واعتصار المعنى الفني المتمثل في صيغ من الانسجام والوحدة والتوازن، لحظة تأمله كمكمن للجمال.

وبهذا التفريع ( الانساني/الجمالي ) تنتفي عن نصه البصري سمة الاعتباطية فهو ليس مجرد كتلة من العلامات التشكيلية المغلقة بصورة مطلقة، انما تتأتى مبرراته الفنية من معطيات ذهنية وبصرية كثيفة الحضور، فالمشاري لا يفكر في التجربة أو يتوهمها لوحة مصنوعة وفق الضرورات الأدائية، انما يمارسها، ليؤلفها كعمل وثيق الصلة بالحياة.

أما نصه البصري، فهو من الوجهة البنيوية، إمكان جمالي مستولد من الذات ومستدمج بأنساق موضوعية عليا، أو هكذا يفترض محاورة بناه المواربة أو المطمورة بسطوة الشكل، حتى في أقصى تأمثلها اللاشكلاني، دون الوقوع بالوعي الجمالي عند عتبة الموضوع، واغفال الدلالات، أو تفتيت منجزه بشكل تجزيئي، بعيدا عن أنساقة الجمالية.

وبقدر ما تولد خربشاته أثرا جماليا غامضا وملذوذا، تحيل الى مرجعيات واقعية تحايث المعاش، وتحدث فيه، فهي ليست بعيدة المنال حسيا، وبموجبها يمكن افتكاك معنى إلحاح المشاري على تأوين ذاته، بوجهة نظر بصرية، ازاء الزمان والمكان، ففكرته الجمالية المعبر عنها بمنجز فني لافت وغرائبي، ليست نتاج " الأنا " الصافي تماما، إذ فيه من التصورات المكرّسة الموروثة ( الشكلانية واللاشكلانية ) و المنتجة أيضا كتجريد عابر للواقع بمخيلة تطال اللانهائي، بالاضافة الى تمثلات مخلّقة ضمن صيرورة الوعي وفوراناته.

فن بهذا الاشتهاء الحاد للتشبه بالحياة والامتزاج بصبوتها حد الرغبة في مطابقتها دون نسخها، جدير بالتأمل، لما يتضمنه من استعادة واعية لثالوث الطبيعة - المرأة - الفن ، وبما هو موعود على مستويات متعددة، بتسجيل نجاحات ذوقية على محك الناقد الأكبر وهو " الزمن ".

من هذه الوجهة الاستثنائية بغدو فن المشاري محرضا على التشابك بخصائصه المزاجية والذهنية، وعليه يتوجب تأمل حيله البصرية وتقنياته الأدائية، التي يتبناها ويطورها وفق خاصياته النفسية المتواشجة بأقاليم الحلم والادراك والذاكرة والتفكير والتخيل، المؤمثلة ضمن ما يسميه هايدجر أصل العمل الفني كرموز لمتعة التخاطب والاتصال.
 
حلمية الوجود بمجس نوفاليسي

هكذا يسرد المشاري بخطوطه وألوانه سيرة أماكن وذوات وحالات شعورية أطال المكوث في أنسجتها حد الإقامة الحسية، فاللوحة بالنسبة له واقعة عاطفية ، يتحسس خلاياها وأمشاجها بمجس نوفاليسي ( إستجمالي ) حيث يحدث تماسه مع المرئي كمادة بصرية تتوسل صوغا. يستجيب لاستغاثاتها، ليشكلها بديونيزية فيها من كثافة وقوة التمثل المحاكي للأصل والمزاح شكليا، لا تخلو من أبولونية مهيّجة للعين التي تتلقى منها قوة الرؤية، حسب التصور النتشوي للعملية الابداعية، حيث التناوب أو الإمتزاج بين روح الحلم والنشوة.

بتلك المزدوجة الذهنية/الحسية يقترب من شعرية الوجود وحلمية الموجودات الملمومة جماليا بإرادة الحياة، حيث هارمونية تناغم النظام من الوجهة الموضوعية وحرية أو فوضى الحس واللاعقلانية كنزعة ذاتية، تسيطر بموجبها ذاته على تطرفاتها الجمالية ولكنها لا تذوب في صوفية رومنطيقية صرفة، فثمة حياة ( معاشة ومتخيلة ) يمنحها المشاري كواقع متخيل، شكلا فنيا، بنقلة تعبيرية.

وعلى تلك النوايا الفنية يستعير المشاري شكل الحياة المعاش والمحلوم به ، ويزيحها من استغلاقها المادي، ومن هامشية غفلتها، الى هيئات متصورة، أو لوحات فنية مشحونة بالصور التعبيرية الفائضة بالدلالة والمعنى،كتعبير حسي عن الفكرة، بملامسة شعرية، ولكنها لا تتصعد ذهنيا لتصير عقلا محضا، وقوفا على حافة الخط الأحمر الذي رسمه هيجل لتشيؤ الفكرة من الوجهة الجمالية.

على هذه الحافة الحادة يجهد المشاري للتوفيق بين بؤس المعطى وتعاليات المحلوم به، بنزعة حداثية تبدأ من الحاحية البحث عن فن مستحيل ( هدمي/بنائي ) لا يكون العمل فيه حسب غايتان بيكون مجرد تعبير عن تجربة سابقة بتقنية تنفيذية متعارف عليها، لما تم رؤيته أو تصوره، انما يصارع أسلوبيا في محاولة جادة وواعية للخلق والابداع، ليوفر - رؤيويا - ما لم ير من قبل ، بحيث يشكل ويصنع ويخلّق بشكل ابتكاري، بدل أن يعكس ، وتتأتى تلك النزعة الحداثية من موضعة ذاته على خط الزمن، واحساسه الحاد بجوهرانية الحاضر كعنصر تكويني لتجربته الجمالية.

بهذه النقلة التعبيرية الواعية التي تنم عن موقف وجودي متطرف من الوجهة الجمالية، يعبئ العالم ذهنيا في حزمة من الرموز، تقوم على علاقة تراسلية بين الشكل والمدلول، إذ تنبثق مدلولاتها أو تمثلاتها المشخصنة انبثاقا تلقائيا ومستقلا عن شكلها الحسي القمين بتمويهها فنيا، وإعادة صياغتها في وحدات تشكيلية تهجى المشاري أولياتها في مرونة العماء الشكلي لمفردات مطواعة دلاليا وشكليا كالسحاب والجدار.

وتلك الرموز الملغزة في ذاتها أصلا، والمستوعبة دلاليا، لا تتبدى جوهرانيها في الشكل المعطى لها، ولا في تمثلها الخارجي، فهي من الوجهة الفنية مفردات ممسرحة بطبعها، تشبه في طواعية تشكلها، مرونة الوحدة الإيمائية في المسرح الفقير عند غروتوفسكي، فلها كما للممثل إمكانية التحول في لحظة خاطفة من عمود اضاءة الى شجرة، ثم الى منضدة، أو ربما خطيب سياسي، وهو الأمر المؤكد عليه أدائيا في مفردات المشاري المنفلتة في غرائبية تشكلها، والمتأتية في الأساس من مخيلة شاطحة ومهووسة بانتاج المجاز وتوليد دلالاته البعيدة، واخضاعها التشكيلي البارع لسطوته.

ذلك هو التمثل الاستثنائي الغير قابل للعرض للمخيلة في حرية لعبها، حسب تصور ( كانت ) للفكرة الجمالية ، القائمة على جمال الشكل كمركزية لعلم الجمال، مع ضرورة توفر الانفعال، حيث الحرية التي لا تسمح برؤيتها الا في آثارها، دون حاجة لمؤثرات باهظة، ولا لوسائد ديكوراتية محنطة تثقل جمالية اللوحة، ودون اللجوء لمكياج يعمل كرافعة اضافية للنص، فكل شيء عضوي وأصيل ينطلق من العنصر التشكيلي ويعود اليه.
 
المخيلة .. ملكة الممكن

هكذا هي رموز المشاري، الموغلة في " الأيقنة " المبثوثة في أعماله كإشارات حداثية الروح، المستمدة من دلالات شديدة الصلة بمنزعه الانساني، كآصرة ربطية بين العقل والجمال، أو لما يسميه ميشليش الجهل العارف ويوحده في " الرمز " كمعرفة سامية لما هو فائق الوصف، حيث يشطح به ويصعّده بجرعات تخييلية ليكسبه بعدا أنطولوجيا، عوضا عن دلالاته المعرفية، إذ يصعب الفصل بين ما يتمثله من رموز كشكل وبين ما يستبطنه كشعور.

إذا، في الزمن توحد مخيلته الشكل بالشعور، فمفردة الحب الأثيرة في أعماله، غالبا ما يرسمها كوحدة تشكيلية في هيئة سحابة زرقاء طرية، هي بمثابة حاجب يلتحم عضويا بعيون بؤبؤها ( نقطتها ) شمس، أو يضللها بتموجات راعشة، تتشكل كمفهوم " ثيمي " وفق مواجهتها لمفردة مضادة، حيث تكتسب طبيعة، أو ربما ولادة فنية جديدة مستمدة ملامحها من أصلها التكويني الأول، ومنزاحة عن اشتراطاته الشكلية.

وقد تحولت إحدى صيغها المكثفة الى غلاف تعبيري لمجموعة الشاعر محمد الحرز الشعرية " رجل يشبهني " تبدى ضمنها عمق التناغم البنيوي وشمولية التلازم الدلالي بين فن المشاري التصويري والنبرة الشعرية الحداثية، كما تتمثل في قصيدة النثر التي تشترك مع لوحة المشاري في روح التقشف، والكثافة، والانحياز لأرجحية لمعنى، وتصديع جملة من الاستقطابات الجمالية المعتادة، حيث تنبثق تصويراتها كخطفة شعورية مباغتة أشبه بالبرهة الحسية.

هكذا هي وجهته البصرية على الدوام، فثمة إلحاح شعوري في لوحته على الإصطدام بالحواس والإمعان في استفزازها بالمفارقات الجمالية، فهي تتحرك على حافتي الذكرى والاستيهام حتى تصل الى خلاصتها فتبدو مصفاة تدريجيا من شكلانيتها حد الترمز، ليبقى الخيال أصلا جوهرانيا في تشكلها، اعتمادا على حراك الوحدة، وكثافتها وتمثلها الاستعاري بمونتاجية غرائبية على شاشة الذهن.

وربما يبالغ المشاري في فعل التصفية الشكلاني ذاك اعتمادا على بكرية التصور الطفولي للأشياء، ليموضع المخيلة وسيطا - تركيبيا - بين روحه ونصه البصري ، ولينصبها مجسا - تقريبيا - بين خصوصية الذاتي وعمومية الموضوعي، على اعتبار أنها - أي المخيلة - هي ملكة الممكن بالنسبة للطفل وسديمه اللانهائي، التي يتواطأ على بعث أحاريكها بمزيج من العقل والانفعال، لتمارس الروح تمظهراتها فنيا، ويتجسد الجميل في الواقع كتعبير حسي عن الفكرة، كما تروج اللفتة الجمالية الهيجلية في " ظواهرية الروح ".

ذلك التمثل الإشاري هو ما ينأى بلوحته عن الثرثرة، فهي غير معنية بالشروحات وحلقوية السرد الحكائي التي تبدأ من نقطة لتعود اليها. وفي جوهرها هي لوحة منزرعة بصور لا تدليلية، وبالتالي فهي أقرب الى الصيغة الاختزالية التي لا تتنازل عن البنية التصويرية لصالح المضمون التصويري، حسب نظرية نورثروب فراي في العملية الفنية، فهو يحاكي من الطبيعة ما يراه جونسون أليق بالمحاكاة، وليس باتجاه أي أثر مظهري قابل لأن يحاكى صوريا.

يتبين ذلك الوعي الاستطيقي بجلاء في اللوحة التي احتلت غلاف مجموعة أحمد الدويحي " قالت فجرها " حيث التقصيف الباتر للمفردات وافقارها التجريدي من اعتياداتها البصرية، مع الإبقاء على فاعلية الدلالة، وجوهرانية الأصل المصوّر، المحال إلى اشارة شكلية متصوّرة ، فالصنعة الفنية تتطلب التأكيد على الجوهراني، أي ذلك الأس عظيم الدلالة ، الذي لا يمكن بحال الاستغناء عنه للوصول بالعمل الى حالة من النمو أو الاكتمال البيولوجي للنص البصري.

بنفس الروح الايحائية المتقشفة يرسم نخلة " عينها شمس ، وشعرها سعف ، ووجهها أرض " فيما يمكن اعتباره من الوجهة الفنية تأكيدا على الوحدة الموضوعية والاستعارية عوضا عن المفهوم، أي الرسم التخطيطي البارع والمقتصد لاختزال الشيء المصوّر، فهذا هو الأس الذي تقوم عليه نظرية محاكاة الجوهر عند رينولدز، لاحداث تأثير سار في الذهن، وهو أداء يجيد المشاري تعاطيه ببراعة دون إغفال للأبعاد المادية والشكلية والتمثيلية لحساب الدلالة التعبيرية.

ذلك الأثر كما يبدو عند المشاري، يقوم على اشتقاق الصفات الخالصة والأصيلة ، والتعبير عن كل الجزئيات الفاعلة، أو الصورة العامة التي لا تتغير ، فهو يعرف عمق الحاضن الطبيعي، وجوهرانية طابعه العام، وبالتالي فإن بمقدوره أن يحاكيه على نحو أصدق، دون أن يبدي اهتماما خاصا بتفاصيل محددة، فهذا هو المنحى الذي يتقنه المشاري، إذ يميل من الوجهة الموضوعية الى التماهي مع نصيحة روسو الشهيرة بضرورة المسارعة بالعودة الى الطبيعة لمثاقفتها، والنهل من غناها الروحي والبصري والدلالي أيضا.
 
مثاقفة الطبيعة بالأنا الايكولوجية

وعلى عكس التكعيبيين هنالك علاقة صريحة، وأخرى استبطانية مموهة بين لوحته والطبيعة كمنظومة رمزية، وليس كمجرد انتصابات بيولوجية وحسب، فلوحته منصوبة كمرآة صريحة قبالة الحياة/ الطبيعة، ولكن ليس بتقليدية حرفية ، كما يحذر أرسطو في مجادلته لفعل المحاكاة في التجربة الجمالية، انما هي منزرعة في ذلك المكمن لتعكس جوهرانية المرئي، والمصفى من الأشياء بشكل اقتصادي، وبقدرة تعبيرية هي مزيج من الفكر والخيال والانفعال كتلخيص للتجربة الجمالية.

ذلك يعني أن لفنه القدرة على استنطاق الأصل الطبيعي وتحريكه بمجازية المخيلة وسطوة أنطولوجيتها، فتلك الإزاحة الشعرية، هي المبرر الجمالي للنأي بلوحته أيضا عن خواء الريفية الساذجة، أي الذهاب بها الى أقصى تطرفات الرؤية الفنية الأرسطوية التي تتجاوز بالفن محدودية التقليد أو المحاكاة في أدنى متطلباتها الشكلية، لتوكل إليه مهمة انجاز ما تعجز عنه الطبيعة، وتخطيها بنظام ثقافي، هو في الأساس امتداد جمالي لشروطها.

وبتأمل ألفة الاشارات التي تبثها أعماله، يمكن الوقوف بشكل جلي على ما اختزنته ذاكرة طفولته، وما تأمثل لاحقا بشكل فني كخلائط ومشهديات، لا بالتماثل المظهري مع شكل الطبيعة، ولا بمجانستها شكليا، انما بمحايثة استنسابية لبناها الدلالية والايحائية، تحقيقا لما بات يعرف أناسيا بالأنا الايكولوجية، فبهذا التشاكل الدلالي يغدو فنه أقرب الى فعل المثاقفة منه إلى المحاكاة المظهرية.

إذا، فالمشاري على صلة بما هو أعمق من الشكل الخارجي، وأقرب الى ما يسميه " فن تجليات الطبيعة " المؤكد عليه برسومات تخطيطية غامضة تحقق الانسجام الخفي بين الشكل والمضمون، لتتحقق الوحدة الاستعارية بين الشكل التصويري وبنيته التصويرية، أي بتأكيد الإنسجام والإنتظام الدقيق للخطوط بما هو أساس القدرة التعبيرية وليس الموضوعية.

وهكذا يبدو لواذه الفانتازي بسحرية الطبيعة مبررا فنيا لتصديع جاهزية الصور المحفورة في ذاكرته، حيث الخيال بكل تجنيحاته المجازية ينقاد الى انفعال طفولي لا يأبه بالواقعي ولا بالموضوعي، بقدر ما ينحاز الى الممكن جماليا مهما كان متطرفا من الوجهة الفنية، فعلى ذلك التمادي المجازي يستعير الجسد المشخصن - في لوحاته - بعض خصائصه أحيانا من حاثات وروح المملكة النباتية، بتعبير موريس لينهارت، فيما يعتبر حالة من التماثل البنيوي أو التناظر الوظيفي، فالخيال عند المشاري هو المولّد للصور الحسية المتحولة بدورها الى صيغ وتنويعات بصرية تتبدى في هيئة اشتقاقات شكلية محوّرة وفارطة في التجرد من ضروراتها المظهرية.

ولأن الطبيعة ليست إمكانا ماديا محضا، كما انها ليست نشاطا روحيا صرفا، يتورط المشاري في طبيعة يشاكلها فنيا وتغمره في آن، ولا يكتفي بتعاطي مظهرياتها كإقليم وتضاريس، إنما يمتزج حسيا بجوهرها، فيما يشبه الصورة الحدسية المحدّثة للمخيلة الاغريقية، حيث تتقلص المسافة ، حد التطابق، بين ما تزعمه ذاته الفنية وموضوعها، أي بين سطوة احساسه، وبين ما يوازيه فنيا من انتصابات رمزية ( بصرية ) في لوحته.

وفق ذلك التماس الحسي الحاد تنبنى لوحته، أي كحقيقة شعورية ذات وطأة عاطفية ( مكانية وتاريخية ) لتجيب على مستعصيات جمالية بموجب ما تختزنه ذاكرته وتراه عيونه، على اعتبار أن الذاكرة هي المعادل الحسي للزمن أو التاريخ بكل ازدحاماته الموضوعية والروحية، فثمة احساس يستبطنها بالذهاب الى جهة معرّفة ومؤسطرة في آن، يمكن بلوغها بتأمل شعرية الرؤى البصرية الكامنة في لوحته، التي هي في الأساس النسيج الحقيقي لوعيه الحاد بالطبيعة، وتماسه بكل ما هو مشتق منها بصريا وروحيا.

 وهكذا يثاقف مستحيل الطبيعة وعفوية فنها، بالممكن الثقافي الفني ، فيشتق منها بصريا ويتعلم من سيمتريتها قوانين الصفاء والوحدة والانسجام والحركة، فهي حنينه الحاد والأزلي، أو ما يسميه مرسيا الياد " غبطة البدايات " كما تتمثل في الاقليم الشعوري المعاش، أي زرقة بحر جيزان، وخضرة جبال أبها، وبياض صحراء الريا، وما بين تلك الأقاليم من مادة متحولة الى صور بليغة محقونة بالدلالات والمعاني، فتلك المتواليات ليست سوى قناع شكلي لإحساس أكثر جوهرانية، فهو أميل من الوجهة الاستطيقية، كما يبدو، الى أهمية حس الخلود في الفن منه الى اللاثبات في جماليات الطبيعة.
 
مادة حسية تستجدي شكلا

وإذا ما أخضعت لوحته الى قراءة " ما بعدية " أي متجاوزة لأثر، أو دهشة الصدمة الجمالية الأولى، والذهاب في تأملها الى ما وراء نظامها البصري، فيما يقترحه جاك دريدا كقراءة بالعين الاستدراكية الثالثة، تتبدى العلاقة الوثيقة الواعية بجسد الطبيعة لا بصورتها، فهو يرسم الطبيعة من داخلها، تجاوزا لمهمة توصيفها البراني، حتى وان لم تتمثل مظهريا وفق المنظور الراسخ بيولوجيا كاعتياد بصري أو طباقي، فالمحو الذي يمارسه ازاء الحواف الشكلية لإنشاء المعنى الجمالي، يبقي على بعض العلامات الايمائية الدالة على الأثر المحفز على الإدراك.

اذاً، لوحته دلالة بصرية على وجود مادي، وما مفرداته سوى مادة حية ممنوحة شكلا، حسب التصور الأرسطي للعمل الفني، ولكنها مستدعاة كما تفترض العملية الابداعية بالحنين والاستغاثات والدمع والقهقهات، ومستمدة جماليا من عذرية النبع الذي اختبرت الحواس بموجب فتنته ، فتلك هي ذاكرته السامية، كما يسمي ميشليش مكمن البراءة الانساني، كمعيارية فطرية للجمال الخالد، فرغم طابعها التخييلي الفارط تغدو " محتملة ، وعلى حين تبدو واقعية فهي مؤمثلة، وإذ تبدو منتهية فهي في جوهرها لا نهائية " فلها سمة الطزاجة وديمومة الأثر الآسر بالمتعة والفكرنة.

بهذه المحايثة الضمنية تدين لوحته للقيمة الشكلية واللونية والدلالية للطبيعة، وان بمفارقة فنية بين استقلالية حياة اللوحة، عن حياة ما تنقله، حسب فرضية بيكاسو عن الحقيقة التصويرية، والتي يمكن تلمسها بوضوح في لوحة " قبل المطر " فالمشاري بمجازه المتمادي  في هذيانه يمنح مفرداته سمه شعرية ليتخفف من صرامتها الموضوعية، ربما ليستشعر امكانية الإستيلاء على العالم، وإعادة تعبئته في صور حلمية صغيرة هي بمثابة التعاويذ المصفاة من حسها التفسيري، او التفاوضي على صحة المرئي.

ذلك التقطير القصدي للمفردة حد إمحاء المتعارف عليه من حوافها ، هو ما يشي بصيغة متجاوزة من صيغ التصوير الطليعي، حيث تنهض بصيرته بقابليات مرآتية متعددة للرؤية، تذهب أحيانا الى حافة تهكمات حاذقة أقرب الى فن الكاريكاتور، بما يكتنفه من مزيج بين المخيلة والواقع، متأتية أصلا من قدرة استثنائية على اكتشاف المفارقة في المعطى الانساني، والإصرار على تخييله.

وبقراءة غورية تأويلية، يمكن تلمس الروح الأنثوية المستبطنة لتلك الصور ، فاشتقاقاته البصرية ذات كينونة انثوية، فهي مرتبطة بكل ما هو  أرضي وطبيعي، وبالتالي هي امتداد للأمومي، والأنثوي الصريح كمفردات، وكخطوط أميل الى التلوي والإنحناء الضاجة بالحس الأنثوي، وأبعد ما تكون عن الاستقامة والتكسر الدالة على الفحولة، فحتى التمثل الحلمي للمفردات يبدو مبثوثا من ذات فائضة بالحس الناعم للوجود، باعتباره يصدر عن حالم يقظة، وهو من هذا المرقى الحلمي كائن أنثوي، حسب غاستون باشلار، على العكس من الحالم السلبي المقيم في النوم .
 
تدريم الصحراء بصريا

على ذلك يستدعي الصحراء في لوحته جسدا، ويستزرعه بمرموزات أنثوية صريحة ومموهة. ومن هذا المنظور، يمكن التطاول - تأويليا - على حميمياته ، والنفاذ الى مخياله عبر خطوطه وألوانه وأشكاله، باعتبارها الحبل السري المودي الى وعي ذاته المبدعة، حيث يمكن قراءة " البياض " كمعادل فني للصحراء في أعماله، فذلك الاتساع الهائل يؤكد أن الصحراء بالنسبة للمشاري ليست، من الناحية الموضوعية، مجرد رمزية خاصة يتسم بها إبداع وأدب الجزيرة العربية، حسب جاهزية التصورات النقدية لثيمة الصحراء، وفق النظرية الانعكاسية.

وقد تكون عنده كفنان، كما يتبين من شكل الحنين الذي يحتل لوحاته، حالة من الانئسار لأيدلوجيا على صلة ضمنية أو صريحة بسؤال الهوية، ولكنها بالتأكيد ليست سياقا ماضويا ماحيا لسياقات ثقافية موازية أو حتى مضادة تأخذ مكانها في الحاضر لتلغي " الماقبل " فحراك بهذا الاتجاه قد يعلي من أهمية المكان باستحضارات نوستالوجية تسجيلية، فيما يكون مبررا للإنغلاق والخروج من التاريخ، بل ومن الفن، بهوية عمياء.

بالنسبة للمشاري الأمر يتعدى خصوصية الموروث المادي، فالصحراء تتجلى في أعماله كعلامة للحضور لا الغياب، وان على حافة حداثة مرتبكة وحذرة بعض الشيء، كشأن جانب كبير من المنتج الابداعي المتولد في تلك الحقبة، فبقدر ما هي انعكاس إبداعي حتمي على مستوى المضمون والشكل، هي علامة تنهض ككينونة فنية بأسلوبية صادمة لتحايث مستوجبات التجديد، وتجيب على تحدياتها.

وككائن وثيق الصلة بلحظته يستعيد المشاري بفضل الفن طبيعته العميقة، أو تلك المقموعة والمشوهة بفعل السيطرة الاجتماعية، تماما كما يقترح الن تورين في نقده للحداثة، إذ يحيل الحياة إلى عمل فني، لاستعادة الروابط التي توحده كإنسان بالعالم عبر الجمال، وان كان لا يخفي خوفه المبرر من الحداثة، فهو حين يتأمل فراغ الأفق حيث تلتقي السماء بالأرض دون أن يفصلهما خط، وبأبعادهما اللانهائية، تتنتابه رعدة شعورية غامضة مختزنة منذ الطفولة، ومرتسمة بعمق في لوحاته، ومردها التهديد العمراني المتعاظم، الذي طال ذلك الخط الحميمي لمدينة الرياض، في طور تبدلها من محدودية القرية الى مستوجبات المدينة، فانطمر تحت وابل من الانتصابات العمرانية.

وربما نتيجة لذلك الإحساس الغائر، كرّس جانبا من رسوماته للدفاع عن تلك الذكرى الأثيرة لديه، فصار يسرد ببصرياته المضيع من حكاية مدينة آخذة في التبدل السريع والمنهك للبصر، لئلا تنطفئ شعلة المخيال، وربما لهذا السبب أيضا يعلن حنينه على الدوام الى بكرية الوجود، والى ما يعتبر ذخيرة الطاقة الوطنية، وخزانات الشعور البشري الغائرة والمهددة، للتغلب على ما تسلبه الحداثة وعلى كل ما يتسرب من الانسان على غفلة منه، كما تميل القراءات الأناسية في تشريح الذات المرتبكة أمام مستوجبات الحداثة.

ولذات السبب يهجس في لوحاته بالهوية والمواطنة والنزعة الانسانية المضيعة، الموشاة على الدوام بحس من الحداد البطيء، فالحداثة هاجس مرعب يستلزم الكثير من الرهافة للتغلب على حس انعدام الوزن الانساني المتأتي من سطوته، فقد كانت الرياض، كما سجلتها بصريا عين المشاري، تنتقل من براءة القرية الى آفاقية المدينة المفتوحة لكل ما هو حديث ومتحول بصورة دراماتيكية.

وفي تلك الورشة الكونية الضاجة بحركة عمرانية متسارعة، كانت الصورة السحرية لخط السماء تتلاشى بكل مقوماتها التاريخية والنفسية والاجتماعية والخيالية بل والواقعية أيضا، لتأخذ التجربة البصرية من حيث علاقتها بالشكل بعدا تحوليا على قدر من الأهمية، حيث الإرتباك البصري أمام شواهق المباني وناطحات السحاب الآخذة في التأسيس لتجربة بصرية جديدة ومتحولة مع خط السماء، كان لا بد للمشاري من الاجابة الجمالية على تبدلاتها.

لهذا السبب جاء رد المشاري الفني على الخطر الذي يهدد هوية المكان من خلال مذهب روسوي قوامه المقابلة المتوازنة بين الطبيعة والثقافة، حيث العودة الى الطبيعة، والاستنساب لها، ليكون بمنجى عن مراودات حس التلاشي والضياع، والانتحار البطيء الذي يراه أميل دوركايم مرضيا مدنيا معديا بامتياز، فجاءت الكثافة الشجرية مثلا التي يرسمها ويتفنن في مصاحبتها واستنطاقها شكليا، رغم قناعته بحتمية وأهمية التغير والتحول في المجتمعات والبيئات العمرانية، وما يتبع ذلك من تبدل في التجربة البصرية واقعا وفنا.

وقد توضح ذلك الانكفاء أو الخوف الضمني من الحداثة  بتصويره الخاص للمكان، واستلهامه الذاتي للتراث كما يتمثله دائما في " بيت أخضر مبني من كلمة حب " في دلالة على تصعيد حس المواطنة والاقتراب من الأرض، استئناسا بالملاذ الآمن الكفيل بمنحه الحب والجمال ، ولكن على طريقته المحببة، حيث يرسم اليوم الوطني بفانتازية على هيئة دراما بصرية مدهشة سيفين متقابلين على كرسيين، وأمامهما نخلة يانعة في مزهرية.
 
لا نهائية البياض ، وفتنة اللامكتمل

بموجب ذلك التفاني التعبيري، تغدو الرؤى الحالمة مطلبا بالنسبة للمشاري، تستفزه للفرار بقفزة فوق الضرورات الى حرية التمثل الوجودي والفني، ضمن جملة من التغيرات والتبدلات، ولا سبيل بنظر بودلير، وبأدائية المشاري، إلا تحويل تلك الحركات العنيفة والمفاجئة في حياة المدينة الحديثة الى الماعات مثالية لفن جديد، بمقدوره الاجابة على التبدلات المتسارعة في التجربة البصرية.

وقد أتقن المشاري تعاطيها جماليا بصورة لافتة ومقنعة، ليتقاطع ما يقترحه هابرماس من الوجهة الحداثية لتغيير " مواضعات التجربة الجمالية طالما أن التعبير عن الحياة لم يعد يتم في ضوء أحكام الذوق العام " فالمخالفة الذوقية التي اجترحها المشاري هنا انما تمت استجابة لموقف تاريخي تضع التجربة الجمالية برمتها في علاقة مع مشكلات الوجود، وتشترك في عمليات ادراكية وتوقعات معيارية من أجل وحدة التجربة، وذوبانها في الحياة.

هكذا استفاد المشاري مثلا من الصحراء كرضة نفسية بصرية موحدة لجمالية تجربته، فكانت ملاذا روحيا، ومبررا لفراره من المدارس الفنية ، وللتزود بملكة المحو. أجل ، المحو البصري المتطرف أدائيا، فالصحراء مرآة من مرايا الكون الشعري التي يمكن من خلالها تأمل العالم وملامسته بكافة الحواس، وهي بالنسبة له بمثابة الوقود للنور الذي " يلبسه البياض الخالي في صحراء اللوحة لتحقيق الفراغية ".

ومن الوجهة الفنية، لم تكن الصحراء بالنسبة له كمعاش أو كلوحة مجرد متاهة فراغية منبتة عن الدلالة والمعنى، بقدر ما تمثلت ككائن يحتل كيانه ، ويستفز حساسيته البصرية، فبذلك الاستحواذ على فكره وشعوره أثرت الصحراء كرأسمال رمزي فاعل، وكعنصر تشكيلي ( بصري ) في بقية العناصر الفنية والموضوعية ( الخطية والايقاعية والشكلية واللونية والفراغية ) بشكل استئثاري لدرجة استسلام لوحته لسطوة غامضة عنوانها " الفراغية ".

وقد تبدى ذلك الأثر الفني في عشقه للصحراء، والاصرار على تمثلها ، في اسباغ صفة البياض على لوحته، لدرجة جعلها لفرط الخلاء، وتضاعف المساحات اللا مستصلحة، تبدو كأنها غير منجزة، أو بحاجة الى استكمال، فيما يشي بكسل أو ورطة أدائية، والواقع أن الأثر الجمالي الصادم هو الجواب على تلك البياضات المفتوحة من كل جنبات اللوحة فهي خاضعة لفلسفة تقوم على مفهوم اللانهائي الذي يوازي بين دلالات الواقع وبساطة التنفيذ، ويهيء لمجانسة بين متطلبات اللوحة ومشهدية الطبيعة.

هنا يكمن السر في استدعاء الصحراء بهذا التشاكل الفراغي، فهي بالنسبة له فرصة لتمثلات فنية حداثية يختصرها ليوتار فيما لا يمكن عرضه أو تصويره، ومن الممكن ادراكه عقليا أي في الدالة، كما يتمثل في الآثار الحركية التي تحدثها بياضاته الهائلة في مفردات اللوحة دون وجود عيني أو شكلي، ففي لوحته رياح وهجير ورمضاء يستحضرها فنيا ودلاليا بأثرها لا بتأمثلها الشكلاني.

وهو بذلك الوعي الحداثي الحاد يقترب من الرهان الذي هيأ له ( كانت ) في نظريته الجمالية القائمة على جماليات الشكل بحديثه عن مبدأ " اللاشكلية " أو " غياب الشكل " وتلاشيه، المستكمل بتجريدية يمر بها الخيال في بحثه عن طريقة مبتكرة لتصوير " اللامتناهي " لتعرض ما لا يعرض أصلا باعتباره مضمونا مفقودا ، فيما يستمر الشكل في امداد المشاهد بمادة المتعة.

بهذا التجاوز الأدائي يستجلي المشاري جانبا حيويا من النظام الرمزي للصحراء ومعانيها الخفية، فالبياض الذي يلف لوحته ، حسب تصوره، هو " الرجع الذي يردده المكان الخالي ... حين ينتهي مدى عين البصر ويبدأ دور عين البصيرة في امتداد الرؤية " وهو المكمن البصري الذي يغدو بموجبه الوجود العدمي كما المادة الخام لامكانية الوجود.

ذلك البياض المتعمد، والمسموح له بالتمادي حد تسيد اللوحة، هو ما يفتح لوحته على إطلاقية السؤال، وتلك الشقوق الكونية الواسعة ، والسكتات البصرية المريبة متروكة قصدا وبوعي فني يستوفي شروط الصنعة الفنية وبراعة الأداء، فتوظيف الفراغ عند المشاري ليس مجرد فسحة لراحة العين من تعب تقصي سردية المفردات، بل يتطابق مع حداثة التفسير البودليري ، من حيث أهميته في توفير فضاء رحب عابق بهواء السؤال حول اللانهائي والنسبي في العالم.

وهذا هو ما يسميه نيتشة " سحرية اللا مكتمل " كعنصر غير عقلاني يعكس تماديات الخيال، ولذلك يؤثر حسيا أكثر من الشكل أو الموضوع المكتمل، فبهذا التكنيك المغامر يتأجل انحسام الشكل عنده ، ويظل،كحاصل للتفاعل بين البنية المتصورة والقصد، في حركة مستمرة، أو يوجد بالطريقة الارتجالية الحرة للتخطيط الذي هو مثل بداية جديدة تعيش ديمومتها، وتحاول كعملية ابداعية بكل تكاملية عناصرها أن تتخطى الزمن لتتم برفق يتعالى على التضاد الضمني بين الفعل والشكل.
 
الفراغية كخدعة بصرية

إذاً، تلك الفراغات الهائلة ، بمقياس العلاقات العضوية للوحة، ليست تمثلات سكونية عديمة الأثر، انما هي مثاقفة شكلية ودلالية للطبيعة، ففي مجموعته اللافتة " من تأثيرات الرياح في العباءة " المنفذة بتلقائية الضربة الأولى، يتيح المشاري لريشته التصاقا حميما حيا بالمفردة دون اعانة خارجية، حيث الانغماس في جوهرانية الأشياء بما يشبه - من الوجهة الحداثية القائمة على المحو - زيارة ذاتية للتاريخ والأماكن، تندس به " أنا " المشاري بارتدادية إلى وراء نقائي ، لتعيد انتاج نفسها على خط الزمن.

وبموجب تلك التلقائية الحرة يجرب ضربات الفرشاة، بشكل خاطف الواحدة تلو الأخرى حتى تنتصر الخبرة، فتنبعث طاقة التعبير الهاجعة من مكامنها، حيث يتمثل البياض صحراء ورياحا، تزحزح بسحرية أخاذة الوحدة المركزية للوحة عن سكونيتها، في ترقيصات ايقاعية ملذوذة، وكأن ثمة راحة حانية تنحت أيقونية الشكل الأنثوي، بميلودية خطوط متمايلة ذات مسحة شبقية.

هكذا يوحد بين موضوعه ومعناه وذاته أيضا، فذاكرته التي يستعيدها بهيئة لوحة لا تختزن الأشكال والصور فحسب بل المفاهيم أيضا والاشارات الذهنية البعيدة، وكل ذلك يصاغ في شكل ذي دلالة، مثير للانفعال بالضرورة، فالمشاري أحس وامتلك بمزاجه وطريقته الخاصة شعورا استثنائيا، ولذلك استطاع أن يسميه في لوحة وينقله بمنتهى الدقة والرهافة.

وبهذا المعنى تكون لوحته ملتقى حسيا، تتحشد فيه " الأنا " بكل حمولاتها النفسية والذهنية والاجتماعية، وبالتالي فهي وسيلة اتصال، حسب مفهوم جومبريتش للعملية الفنية، فاختيار العنصر الأنثوي بالذات في قلب الصحراء انما يتأتى من كون المرأة أكثر العلامات الانسانية ارتباطا بالوجود، خصوصا لابن الصحراء، وعند تأملها أيضا من الوجهة الفنية كأيقونة تتيح للحركة فرصة الاستحواذ على دلالات اللوحة.

وهكذا تتصعد تلك الترددات الأنثوية بتنويعات مؤانسة، تستحيل أحيانا الى مفردات بشرية " مؤمكنة " توحي بحميمية الأماكن وسطوتها الروحية، كما يتبدى ذلك في تعبيرية صورة الغلاف لمجموعة أمل الفاران القصصية " وحدي في البيت " المأخوذة من مجموعة " عالمي " والتي تذوب فيها الأيقونة الأنثوية بلطافة صوغية، وتحتضن برفق كل عناصر الكون الشعري الذي بناه المشاري كأيقونات بصرية أو لوازم تصويرية في مجمل أعماله.

تلك الأيقونة الحاضرة بكثافة في مجموعة " من تأثيرات الرياح في العباءة " مرسومة بخطوط غنائية حرة، منسابة، ومطردة وبايقاعية تمايلية راقصة، ومتناسقة دون خشونة ولا تلكؤ، وكأن الريشة هي التي تستجيب لنداء وايقاعية الكائن الأنثوي وليس العكس، حيث يعمل الفراغ الهائل مرة بمعنى الريح وأخرى بمعنى الضوء، وثالثة بهيئة الشخص، أو بإيحاء مادي موجود وفاعل، ولكن دون تمثل بصري.

كما يعمل ذلك المدى الفراغي أيضا كمولد لقسمات ولمسات انطباعية ترسم ملامح الحدث التصويري، ويتأتى ذلك الحدث نتيجة خدعة بصرية محببة تقوم في مستبطناتها التصويرية على سلطة الإدراك الحسي المفرط الذي يتيح مقاربة الأشياء في طور اكتمالها، أو بما يفترض أن تكونه من الناحية الشكلية في صيرورة ليس بها ميل للانتهاء، وفق مرجعيات مخزون الذاكرة والخبرة الحسية.

أما الشكل المعدل بضربات الريشة فلا يفرّغ من ماديته، ولا يفقد وجوده، انما يلّوى ويعاد تشكيله بصيغ تنويعية، وبمؤثرات من داخله ومن خارجه، ليستدرج بحيلة تشكيلية الى نسق ادراكي، وموضوعي بالضرورة، يرتبط بنسق علوي وبماهية مولدة لذلك الوهم الشعوري المؤانس، المؤكد على مهمة الفن كمنشط وجودي مثير للاستيهانات.

وبموجب هذا الوعي التوظيفي لمساحات البياض، وقدرة المشاري على إدارة مناطق الفراغ، تولّد لوحته مفرداتها ومرموزاتها البصرية من دلالات الصحراء، في انسجام تصويري بين لغة اللوحة والواقعة البصرية ( المستعادة أو المتخيلة ) بصورة اختزالية، تنتج بالضرورة معنى يقوم أسّه التصويري على " الفراغية " بمزيج من الشكل والمضمون، الذي يعطي للمخيال حرية مضاعفة أثر المفردات وجاذبيتها بجرعات حلمية، وتوليد الجدل المعرفي، حيث يمكن تلمس ذلك التمدد الحر والخفي للمخيلة في أثرها ، لا في شكلانية انتصاباتها.

أجل، هكذا تعاش الصحراء كمظهر طبيعي بالنسبة للمشاري، أي بالمخيالية والأحلام، وكنشاط وجودي، استعاري أو استيهامي، من الوجهة الفنية، وليس كجغرافيا  فاستعادة " غبطة البدايات " في الخلاء المديد، وحس التأسطر، والتقشف المفرداتي هي أسرار ومفاتيح لوحته الصحراوية، وعلى ذلك الاحساس الضمني بالأشياء يؤسس جوهر صورته ويبثها عبر ديالكتيك البصر والبصيرة.

لكن ذلك التشكل لا يحدث كليا في الخارج، أو بلا صميمية، كما يحلل بلانشو تضاعيف الصورة وأليافها البصرية، انما بدلالة ومعنى، وبإفراط حسي بدهي ينتج عن تقزح العين المانح لها ملكة الرؤية، فهذا البياض الساكن له قدرة على تحريك مفردات اللوحة بالإيحاء، والاحساس بما هو موجود دون رؤية، لتكتمل اسطورة التكوين، في تحول المرئي والمحسوس والمختزن في الذاكرة الى لوحة.
 
تجريد يلبس انسانا

ويبدو أنه ليس معنيا بسرد التاريخ المرئي أو السري للأشياء، بقدر ما هو موصول بنداء مادة تستجدي شكلا، وهو ما يبدو جليا وأصيلا في أدائيته، فهو أميل الى التعبير الفني عن جوهرانية الكلياني، وأبعد عن السرد الوصفي أو حتى التاريخي لجزئية الشيء، توليدا لمعنى المرئي، ونأيا في نفس الوقت عن مرآتية التصوير، فالظاهر من الشيء ليس سوى إشارة إلى ما يمكن تخيل أسبابه البصرية والدلالية.

على ذلك الاعتقاد الفني يجسد صورته، فتشريحه الفيزيولوجي لمفردة النخلة مثلا، لا يستهدف بنيتها العضلية، أو نسيجها التصويري، ونصاعة أو خشونة طلائها الخارجي، بقدر ما يومئ الى هيولية مادة مسكوبة في شكل، ويدل على روح تواقة لحياة تتمثلها، ولطبيعة تنأسر بمستوجباتها في آن، بمعنى أن الأنسنة المتقصدة للأشياء في أعماله ليست مجرد انتساب مجازي لها، إنما هي محاولة للسمو بالصورة من داخلها ببداهة حسية الى مرقى الهوية.

اذاً، فالإشارة بالنسبة له ليست ترفا استعاريا، انما هي صورة تسيل مكوناتها على الواقع ولا تطابقه ، بمعنى نفخ وحدات العمل الى أقصى إمكاناتها الحلمية، واحالتها الى مادة مفرطة الشفافية، تبعث على النشوة بما هي وسيلة معرفة حتى ضمن مدارات الحلم، فإسباغ المعنى الخيالي على المفردة هو جوهر فلسفته الجمالية، ومكمن الغرائبية الملذوذة التي تبثها لوحته.

وللتأكيد على ذلك المنحى الجمالي يمكن تأمل لوحة الغلاف لمجموعة القاص عبدالحفيظ الشمري " ضجر اليباس " حيث يمكن التقاط بساطة وعمق التشكيل البارع لشجرة " مؤنسنة " تصالب ساقيها باسترخاء عضلي واضح على دكة ذات مظهر شجري أيضا، إنما بهيئة آدمية ، حتى قوائم الكرسي ( الشجرة ) الأربعة لها شكل الأقدام البشرية أيضا ومرونة احساسها.

وفي لوحة مشابهة تجلس ذات الشجرة، بنفس الإتكاءة ، فيما تستل أحد أغصانها وتحيله نايا مسنودا الى أغصان على شكل أنامل، بمواجهة ميكرفون، في أدائية فنية لافتة تنم عن يد اكتسبت دربة ومهارة تطويع المفردات التشكيلية، ونحت قواماتها بتطرف مخيالي لافت موشى بصور شعرية متهاطلة تجعل من لوحته مكانا عاطفيا بامتياز، حتى وان كان للكمبيوتر حضوره الأكيد والفاعل كيد عصرية وفنية منفذّة.

وتلك المرونة الحرة لمفردات مطواعة، تشير الى أن الفن بالنسبة للمشاري هو في الأساس " فعل خيلولة " يكتسب قوته بالتمادي المتطرف في إرباك الأصل المصّور، فذلك الفعل التخييلي الجامح، المتخفف من القوانين، ينبع من طفولة فائضة مستهامة بالعبث، فهي إحدى مصادر غرائبية فنه وسحريته الآخاذة، فما زال المشاري طفلا عنيدا يأبى مغادرة بئر " كينونته الأولى " أو بتعبير هايدجر " ملاذه " الموحي بالأزلية، التي يبث منها بلاغة صوره ، فهي مبرر لوحته العاطفي والفني.

بهذا العناد الشعوري يجسد عودته الصوفية الى الوراء، إنكارا لضآلة الجمالي المقترح في الواقع، وانحيازا الى الخيال والإنفعال والمغامرة كآليات تجاوزية للتمرد على عالم مسيّر بمنطق الضرورة والحاجات، وانتصارا حداثيا الى الماضي لا بالمعنى التسجيلي، إنما لضرورة بعثه من جديد، فهو أصل انساني لا ينبغي الإجهاز عليه، بتصور امبرتو إكو، فتدميره يؤدي الى الصمت، وهو الأمر الذي يخشاه المشاري ويعاند الحاحاته، فهكذا هو منجز المشاري له سمة الحدث التصويري الذي يجادل الحاضر، وممكن المستقبل، بما يناقضهما من أثيرية الماضي.

كل شيء يبدأ عنده اذاً من المخيال فهو النسق الأصل الذي تتشكل فيه، وتتقولب ، وتتفسر ضمنه أيضا تصوراته كفرد من خلال حاجاته الغريزية، حسب مفهوم جيلبير دوران للنسق، حيث يتم اخضاع الزمان والمكان والكائنات لسطوة الصورة، أو هذا هو منطق الطفولة المتمادية في براءة تصورها البكري للأشياء، حيث الحاسة تنقاد لهوس المخيالية الفارطة لا لمتطلبات الريشة واشتراطات الأطر المدرسية، فلذة المتعة العبثية لا تأتي إلا مرة واحدة.

ذلك الشعور الجمالي المتأتي من " أنا " المشاري المرتكسة عاطفيا الى الوراء تثير الدهشة من خلال اصرارها على اشباع الموارب من الميول والرغبات المؤجلة، فيما يشبه العبث الطفولي، أو اللعب أحيانا، حتى في تلك الأعمال التي نفذها بمجازفة طفولية نادرة أي بمحاولته الرسم باللهب، أو محاولته انجاز لوحة بحجم ملعب لكرة القدم عن طريق الرسم بأقدام لاعبي كرة القدم من خلال حراكهم العفوي على امتداد مساحة المربع الأخضر.

بنفس الهوس اللهوي علق مجموعته " بياضات ثلاثين ليلة غاب عنها القمر " على حبل غسيل، فالطفل الكامن في المشاري يبث لغة تواصل سرية للاحتجاج على معوقات الحياة اليومية وقوامعها وحتى ضروراتها، وان تحققت بتمثلات رمزية ، ينجز فيها لاوعيه التواصل الغرائزي والانفعالي مع اللاوعي العام، أي بنتاجات " الأنا " العليا، فهنالك ماهية فنية ينجزها فنان هو بمثابة تجريد يلبس انسانا، من منظور الجماليين الفوضويين.

وما الصمت الذي يلف مفرداته الا مجرد قشرة اجرائية تخفي في داخلها رنينا عاطفيا يقوم على الانفعال الشعوري الصاخب، وعلى التنظيم الموضوعي الرابط لعناصر العمل في وحدة موضوعية وفي نظام علاقات، وفي تواشج عضوي  لا تلصق به المعنى الفلسفي عبثا انما كموقف رؤيوي يعيد الحياة لصور الطفولة الضائعة، أو الافتراضية والمتوهمة ، ليستصدر بموجبها صورا جديدة تتوحد مع الحاضر، فكل المتذكر والمتصور والمستدعى يدخل وفق مزاج المشاري الى نسق الموضوع الجمالي المجسد.
 
يوتوبيا حجرة اعتراف الطفولة

إنها الطفولة المحرضة على الانفلات في الخيال، حيث التحليق على ارتفاعات تجريدية شاهقة، والغوص في متاهات اللاوعي لمقاربة الأشياء ببكرية اللمسة الفضولية الأولى، وحيث العودة - فنيا - الى شفافية اليوتوبيا البشرية التي تفرض الحاح حضورها في المكان بشكل كنائي يصور علاقة " الأنا " بذاتها على اعتبار انها قشرتها الوجودية التي تحيلها الى ممكن يتحد بالحاضر.

هنا يبدو فرويد ضروريا لقراءة المشاري فنصه البصري يقود إلى واقعه المعاش ، ومنتجه الفني اجمالا دليل جمالي على رفض الواقع المادي، والميل إلى معاندة  الواقعي لصالح الحياة المحلوم بها أو المتخيلة، فأعماله في الغالب هي " أحلام مستثارة " نتيجة فائض المخيلة ، وهي استثمار فني لصراع الذت مع محيطها وواقعها، تمده بالتعويض والعزاء، كما تحفظ لذاته طزاجة الحضور، وحرية الحركة التكرارية للأمام.

على ذلك التماهي الشعوري يجسد تصوراته في ترميزات تأليفية وتخييلية هي المعادل الروحي لسطوة الأحلام والاستيهامات، فالصورة بالنسبة له " يوتوبيا " تشبه تلك التي تمثلت بشعرية السطوة الوجودية لرولان بارت، وهي مؤسسة بصريا على خطوط تربك نظام الرؤية البيولوجي للإيغال في عمق الصورة من ناحية فنية، وإطالة أمدها ومن الوجهة النفسية، أو بمعنى فني أدق، الحؤول دون اختزالية مرجعها الواقعي.

وبالقدر الذي تمثل فيه الطفولة الحية، والرغبة الحادة لاستدامتها في الحواس، وبرهافة ريشة فطنة، تحيل كل تلك السيولة البصرية الى كينونة، فعلى تلك الحواف الشعورية يتنزه فنان وفي لحدسه البكر، أو انسان مفرط في انسانيته، يصر على أن يعيد العالم الى أصل براءته الأولى، أي إلى الطفولة، لتتجسد استغاثاته وحنينه شكلا فنيا تعويضيا من أشكال الاستعادة الرمزية اليائسة لطفولة لا تموت.

وبهذا الولاء الشعوري، تغدو لوحته مكمنا عاطفيا لنوبات من التذكر المؤكد على نضارة العالم وعفته، بعفوية خطوط محقونة بالفكرة تعرف اهتداءات تشكلها، فالخيط الذي تنشد اليه الطائرة الورقية في مجموعته " من طفولة فنان " لا يبدأ من داخل اللوحة بل يتعداها الى أصابع المشاري الذي يطابق حد التوحد ما بين كينونته ونصه البصري .

إذاً، هو الطفل الذي يصعد بطائرته الورقية الى الشمس ليصيح بأعلى صوته مخاطبا العالم بلغة حب أيقوناتها " النخلة والمنديل ، والارجوحة ، والطائر ، والسعفة " التي نضدها في مجموعة بعنوان " ذكريات من طفولة فنان " ربما ليخون ذاته المستعارة ويتطابق مع أصله وحقيقته، بعثرات شعرية بصرية مقصودة، هي في الأصل رموز وإشارات أليفة تؤهله للإقامة الدائمة بين " الأيقونات ".

وما تلك الرموز الا اشارات جزئية من حياة كلية، توظف فنيا كديكور مجازي للاشارة الى الذات أو تعريفها من خلال الأشياء والمتعلقات المحتضنة بدرامية الفضاء المكاني، فالرمز بالنسبة له دلالة قبل أي شيء، وهو ليس دلالة لا مبالية، حسب التأكيد الهيجلي لفاعلية الرمز، بل تحتوي على مضمون التمثل الذي تبغي الذات أن تستحضره أو استجلابه.

هذا هو المشاري المنسحب دوما الى حجرة اعتراف الطفولة، ومنادمة ذاته الوادعة، بانزلاق خطوط حرة، مرتدة دوما الى الوراء، وهو الممدد دائما على دكة التداعي الحر لا ليصدّر فضلات نزقه ونفوره من الواقع، ولكن لاختبار ذاته على حافتي " الحلم والتذكر " فأناقة خطوطه، المتخففة من أي رقة أو وحشية مفتعلة، هي دروب واسعة لحياة مستعادة، ومتخيلة، أو ممكنة، وتلك المتشعبة أشبه بالشرايين والأوردة الضاجة بالحياة التي تعرف ضالتها على سطح اللوحة.
 
تغيير مواضعات التجربة الجمالية

بذلك الانزياح عن المواضعات البصرية المألوفة يخالف النظريته الاشارية التي اعتبر جودمان المنظور بموجبها اعتيادا بصريا، بأسلبة فنية مباغتة تتجاوز ذلك الاعتياد الدارج بابتكارية أدائية لا تخل بتقاليد الصنعة الفنية بقدر ما ترفدها وتجدد خلاياها من وجهة نظر بصرية مغايرة، تنحاز بالمشاري للإقامة خارج اشتراطات المناهج والمدارس، حتى وإن ظلت أعماله تراوح بين تعبيرية اليومي والصحفي وما يفترضه حامل اللوحة بكل قيمها الإعتبارية.

وبدافعية المغامرة تلك ينشق أسلوبيا، وينفرد بصياغات تشكيلية مربكة، دون أن يضطر لتخفيض سقف مجازاته ليصالح الذائقة، أو ليؤمن مشايعة تعاضدية لتطرفاته الأسلوبية، فليس مراده الإدهاش أو الإمتاع البصري المحض، ولذلك لا يبدو منساقا الى تحشية لوحته برطانة حداثية عارمة ليوهم المتلقي بالمغايرة والتماس مع حس الحداثة ومستوجباتها الفنية.

أسلوبه الاستثنائي هو جزء من فنه وتفكيره، وليس مجرد طريقة أدائية لتنفيذ الفكرة الجمالية، فالأسلوب هو عين الفكرة كما يميل نيتشة، وهو الفنان نفسه، كما يقرر بودلير، أي استيعابه الشخصي للعالم الخارجي، بل هو مبرر حداثته المتأتي، برأيه ، من احساس حاد بالحاضر بوصفه عنصرا مكونا للتجربة الجمالية.

وهكذا لا تعود المتعة الجمالية التي نستمدها من استحضار المشاري للحاضر، أو تمثيله الى الجمال الذي يعرضه وحسب، بل الى الحضور الجوهري للحاضر، ففي تجربته الجمالية من الوجهة الحداثية من الوحدة الثقافية الاجتماعية ما يكفل لها القبض على عناصر الحياة اليومية ( العرضية والهامشية ) ومفاعلتها أو فكرنتها في كيان عضوي جمالي، ليجيء الحلم نبعا مضاعفا لمخياليته.

وإذ يتقدم باندفاعية وانفعال في تفجير طاقة الاستيهامات الهاجعة، يطور بوعي في اعتيادات المنظور البصري المتصلب بمراكمات كمية ونوعية على مر التاريخ، ويزحزحه بموجب تغيرات اجتماعية ونفسية وثقافية محتمة بحراك الانسان ذاته، فالمشاري لم يدمر كل " الماقبل " الواقعي بقدر ما أعاد الاعتبار الى كل ما هو سحري وغرائبي، ليجسد باقتدار واقعه المتخيل.

وعلى نفس تصور، أو وصايا جان فرانسوا ليوتار بشأن الحداثة التشكيلية، ينأى المشاري أبعد ما يستطيع عن الحزبية الفنية وعصبوية المدارس، فهو متشكك في الأسس التي تعلمها وتلقاها عن أسلافه، فتلك الأسس بالنسبة له، أو كما يبدو من أدائياته مجرد وسائل للخداع يستحيل أن تتسم بالصدق أو الفاعلية، ما دامت سمة النساخين من الورثة والمقلدين، الذين لا يجيدون توجيه مراياهم كلوحات تجاه الجوهراني من الحياة أو الطبيعة.

وهو كفنان حديث متجاوز لمحدودية السؤال الجمالي الى ما يمكن أن يدخل في آفاقية الفن، لا يحتكم الى القواعد التي تم ترسيخها فنيا، انما يعاندها بما هو مقنع جماليا، ولذلك لم يخضع منتجه لتصنيفات ومواضعات جمالية مألوفة، انما جاهد لابتكار قواعده ومعياريته الفنية الجديدة من خلال عمله الذي يلاحظ عليه الفرادة الأسلوبية، ويثير موجة من الانفعالات الموجبة لتأمله دون ارتهان لمدرسة بعينها.

لوحته لم تنفصل عن الأشياء، ووعيه الفني لم يتنكر للواقع ، بقدر ما استبدل موقع رؤيته أو تصوره لها، ليزحزح مواضعات التجربة الجمالية ، فقد اعتمد على الحقيقة، وتعمد ابرازها بصيغة تهكمية تنم عن سخرية من المفارقة ما بين بؤس المعطى واقعيا ومطمح المأمول جماليا، لأن الحواس خداعة أيضا في بعض الأحيان، ومضللة ما لم تحتكم تجلياتها السحرية الى نسق موضوعي تحيل انتشاءاتها الى فعل حضور، أو كينونة بمعنى أدق.

وهكذا يعيد المشاري تعبئة مفرداته بالخيال الذي تسرب منها ، ليؤكد شغفه بمجازية ذات مسحة تجريدية للأشياء، ليتوافق مع أوانه واعتياداته المصنّعة وفق لحظته المعاشة، فالغرائبية المتوجس منها في فنه غدت عنده امتيازا أسلوبيا، واعتيادا ذهنيا بصريا، يتعايش به فنيا وواقعيا على إيقاع لحظة مخالفة، ويدفعه الى مزيد من التجريب الواعي بثوابت العملية الابداعية ليثري ممكنات صنعتة الفنية.
 
" الأنا " مصدر الأفكار ومنتهى النص البصري

بالمخيال المكتظ بالانفعال والعقل خفف عن منتجه حس الخواء المتحفي، ومن العناصر المسببة للإملال والترهل، وهكذا صار يذهب الى لوحته بمنتهى التلقائية، ليتمثل المكان واقعا/فراغا يحتله بمفرده، لتكون فيها " أناه " مصدر الأفكار ومنتهى نصه البصري، فالتلقائية هنا تهب تجربته علاقة جوهرية مع الحياة، وصلة مباشرة بحقيقة ليست مشوهة ولا مصطنعة، أي بتواصل حي مع أصل الشيء وليس بوهمه، وبدون وسائط او مرشحات تقطرها من حرقة التجربة، وأوجاع الخبرة، وهنا يكمن سر طزاجة لوحته.

بهذا يستحيل الحس الفائض عنده لفرط التحديق ادراكا حسيا، ومثلنة أمينة لفعل الهلوسة والافتتان بالأشياء والحالات، ومن هذه الزاوية يمكن النظر الى فعل المغايرة أو اللا اعتيادية في منجزه، فهو فن أعماق وما ورائيات، لا فن سطوح ومرئيات أو ملموسات جاهزة، يبحث أو يستعيد ما خبرته الحواس واشتهت تمثله فنيا بصورة مغايرة.

هذا التأمل الغوري للمفردات هو ما يفسر امتناعه الواعي عن " النسخ الآلي " للأشياء، وعدم الرهان على نحت " القوام البشري " بحدته التصويرية، تحت أي ذريعة استطيقية، فريشته التي تهجت درسها الأول من " محاية السبورة " مشحونة بنفور واضح وشرس ضد كل ما هو شكلاني مفرغ من الخير والحقيقة، فهي مثلا معنية بتجسيد الماء لا الكوب الذي يلمها، باعتباره الجوهر التأملي بصريا القابل للتحول الى حقيقة شكلية ودلالة جمالية.

وذلك الانزياح عن وجود الشيء الفيزيائي الى جوهره المتصور حدسيا، يعني من الوجهة الفنية الاعتناء أدائيا بمجموعة العلائق المتناغمة في هيكل تصوري أو انطباعي حسب غليز، بمعنى الانزياح السرابي الى وهم " المظهر المرئي للشيء الفعلي " أي المعنى الذي يعطيه فرصة لأن يمحو أكثر مما يخط، فهو فنان يعرف تماما، بحساسية حداثية، ما الذي يفترض محوه ، وما ينبغي الإبقاء عليه.

وهنا سر آخر للبياض الهائل الموحي في تمادياته الفراغية بمعنى الصحراء، المورّط للخيال في خدعة بصرية قد ينتفي بموجبها الشكل، فالصحراء كائن يقوم على التقشف والكفاف والتأسطر، وهو ما ينعكس في أعماله، فلا فرق في الوجود الصحراوي بين الرمزي والواقعي، بل بين الخفي والظاهر، فوجودية نصه البصري لا تتدثر زخرفية باهظة، ولا تطمر دلالاتها تحت وابل من الزخات الصبغية التجميلية.

ورغم تلك المفارقة الراديكالية فنيا، تبقى اللوحة بالنسبة له بصرية في أقصى طاقة لها، وعلى ذلك تبدو العناصر التقليدية للصنعة الفنية ممكنة الاستخلاص بصريا في مجمل أعماله، حيث توقيعات الخطوط، ومعمارية الاشكال، وتمددات الفراغ والكتل، وحتى اصداء الظلال، وجاذبيات اللون، ولكن ليس كما اعتادت المستقبلات البيولوجية التقليدية على امتصاصها شعوريا، فهي موّلفة بمزاج شديد الخصوصية.

أما المزدوجات التصويرية التي يعتمدها دائما لتدريم لوحته بمشهديه، فلا ترسل تلك النصوص البصرية وفق تراتبية نفسية كلاسيكية يمكن التواصل معها وفق المنظور الاعتيادي لمخزونات الذاكرة البصرية، فهناك مساحة شاسعة بحاجة الى تعبئة معرفية وحسية، يمكن التقاطع مع مستوجباتها بمجرد التورط مع الصدمة الجمالية المبثوثة في اللوحة كمفارقة إزاحية للشكل.

لا الألوان ثرية بما يكفي لشد الانتباه بل على العكس، ففقرها هو الذي يستوجب التأمل، ولا تتماسك الخطوط في خيطية دامجة لوحدات العمل، او بالقدر الذي يضمن الترابط المنطقي لمجرى اللوحة الباطني بقدر ما تبعث اشارات خالصة كرواسم أشبه بالسردية المؤكدة - فراغيا - على طقسية خاصة تعطي الأولوية لحضور المعنى، فيما تؤخر القيمة الشكلية دون تبخيس لدلالاتها البصرية.

اللون مثلا، الذي يعتبره رسكن مصدر الثراء في العمل الابداعي لا يعني المشاري بما هو قيمة شكلية سواء كمقامات تنبئ عن التباين في أقصى تعاكساتها، أو كتناغم هارموني مؤسس لحس الانسجام والايقاع، ولا حتى كعنصر روحي مضاد لذهنية الخط، انما هي وحدات صبغية تقوم على التفاعل بين مجمل العناصر للتوفيق بين معطيات اللون الحسية وضمنيات الخط العقلية، فالصدمة الجمالية عنده غير متأتية من اللون.

ذلك هو ما يفسر طراوة المساحات التي تبعث ببساطتها اللونية على الاحساس بالحياة والامتلاء، كما يشير من الوجهة الفنية الى أن الفراغ المؤانس لا يحظى بأي ملامسة ضابطة لايقاع الوحدات المتمثلة في الأشكال المتمركزة في زوايا محسوبة جماليا، بمعنى أن المشاري ليس لديه عقدة خوف فنية من الفراغ المتعاظم في فضاء اللوحة تدفعه لحشوها بالتهويشات الزخرفية والتهشيرات اللونية الاعتباطية، الحاضنة للشكل الرئيسي بما هو منعدم الوظيفة، او المنمقة للعمل الفني عموما كما هو ملاحظ عند كثير من الفنانين.
 
التودد للمكان بلمسة شعرية

خطوطه إذاً، هي حبل سرته الى الطفولة كما يربط ليوناردو دافنشي وقائع طفولة الفنان بنتاجه الفني، فالخط الأسود الرهيف الذي تهتدي به عجلات دراجة الطفل ما هو الا الأثر الشفاف لخط الاسفلت الذي انعدمت رؤيته في الصحراء يوم تاه المشاري طفلا ، إثر عاصفة عاتية، فظل يراود نفسه باستعادته بواسطة خطوط رخوة تبدو أحيانا في هيئة خيوط تغل الطائرات الورقية.

وما ذلك الخط الأسود الرفيع، الا المعادل الروحي التشكيلي لواقعة عاشها المشاري، وهنا مكمن الرضة النفسية الجمالية المؤسسة للتكوين البنائي العام للوحته، حيث التودد للمكان بمنحه سمة شعرية، لا الاصرار على حضوره بتمثلات موضوعية، فالإنفراط بهذا المعنى البصري في العلاقات داخل لوحته، ثم تماسكها في سلسلة من دراما الصور، يغدو مدعاة لتهجي تعبيرية حرة لا تتقيد بقدسيات الصنعة الفنية، بل تجهد كما يبدو لكسر نمطيتها والتأسيس لبدائل أكثر حداثة عمادها المكان، فالمشاري أقرب إلى الاعلاء من حنينية الفنون المكانية التي يمكن استقبالها بشكل مباشر وفوري، أي بشكل صور مدرّمة تصعّد اللقطة اللا مفسرة، أو تهب التجربة الانسانية معنى.

وهناك أيضا إخلال متعمد حتى بالشكل الكاريكاتوري شديد الأهمية في هذا النوع من التعبيرية، خصوصا في هيئة الولد المقصّف شكليا، ذلك الكائن الضئيل المشحون بالطفولة، المعادل الروحي والمظهري للمشاري، فلوحته مكان للحياة ولا يستغني ضمنها بحال عن تمثل الكائن البشري ولو بإزاحات متطرفة للتخفيف من سذاجة حس الشخصنة والتجسيم.

وأيضا هنالك مقاربة مربكة لما يعرف بالوحدة الجمالية، كما يتبين من خلال تمثل وظيفية العناصر الفنية داخل اللوحة من حيث المساحة التي يحتلها كل عنصر فني، وينعكس ذلك على الموقع الذي يتقدم فيه، فهذه العناصر ، كما هو معروف، تتمثل وفق تراتبية ذهنية ونفسية لا إرادية، وفي هذا الإرباك المتقصد اختراق لنظام الرؤية البيولوجي عند الانسان، الذي قد لا يشي بالمؤانسة السهلة، لكنه يحفز على تأمل ما وراء الأشياء لا هيئتها المنحوتة أو الصريحة .

ويمكن اختزال مجمل نيات المشاري المضمونية في الانساق التعبيرية المتشاغلة أو الهاجسة بذكريات غائرة، ممثلة تصويريا بالدراجة، والطائرة الورقية، والارجوحة، لكنها متمثلة فنيا كعلامات ( أيقونات ) لا كأشكال شديدة الصراحة ، حتى أنها في لحظة ما تتلغز هندسيا كحالة هروبية ملازمة للتشكلات الهندسية المموّهة.

وكمثال على ذلك التماثل الدلالي، تتشاكل الدائرة روحيا مع العجلة، ولكن لا تماثلها شكليا، فحضور الدائرة هنا للتأكيد موضوعيا وبصياغة فنية، على مفهومها الدلالي، بمعنى أن الضمنية في العمل أو بالأحرى سرابية الايحاء هي الناهضة بتعبيرية العمل وليس المعمارية الشكلية، تماما مثلما يستعيض عن الشارع المرصوف بخط اسود ضئيل يختزل دلاليا فيزيقية الأشياء وتضخماتها الشكلية، ويستحضر تعاظمات الجبل بهيئة شبحية متقشفة تصميما وخطا .

وكل ذلك يحتضن في بياضات واسعة يسميها " الفراغية " كتماهيات روحية لاشكلية لانفتاح الصحراء وتمدداتها الواسعة. وهذا يبدو واضحا من خلال التأكيد على استحضار الحركة، وإن بصورة أميل الى التساكن التي لا تسجل حراكها الا في المشهد الثاني الذي هو بمثابة الصدى الفعلي للأول، حيث يتحول الحراك الى اشارية تعبيرية تنفي المسببات الشكلية أو تلغي انتصاباتها.

وفي هذا المكمن بالذات يكمن سر آخر لجاذبية أعماله، أي في التعبيرية الموحية بالدل والفعل والاختزالية، المؤكد على آنية الحركة مع ملاحظة افقارها هنا من الشحنات اللونية، وبمخالفة حرفية البنية التصويرية الى ما يشبه الاستبصار، واعادة توليف الادراك الحسي وتجاوزه وصولا للادراك الحدسي.

أما صلته الجمالية بالشكلي، وقطيعته النفسية للشكلاني فتتأسس كما يبدو من الرؤية الخاصة شديدة الاخلاص لما هو ذاتي، ومن بساطة التركيب ومحدودية المفردات التي لا تسمح بانوجاد علاقة مكثفة بصريا يمكن الاعتماد عليها في بناء تعاضدات روحية، رغم عدم افتقادها للخط الدرامي الفاعل بقوة في مجمل الاعمال، كما يكمن في الحيز الحاضن لمكونات العمل كخلفية مفتوحة دون تشيؤات جمالية مربكا بشكل او بآخر بممكنات العمل الفني، لولا الأثر الذي يحدثه ذلك البياض، فالعين بقدر ما تستروح بصريا في تلك المساحات تقلل كامتداد عضوي دلالي للمفردات من التوجسات الذوقية التي يشي بها الفراغ.
 
خيال متآمر للهلوسات واختراق المساحات

وبالتأكيد تقلل العلامات التشكيلية الرئيسة، فائقة الدلالة ، من النمطية التكرارية لتوظيف الفراغ، فالصدى البصري الذي ترسله يعزز طاقة ورؤية المشاري، وبذلك تطرأ تلك الخلفيات الرافلة في البياض بمثابة حلول تشكيلية قائمة على فلسفة تدفع العمل للتورط في حمولات شكلية وحسية مفتوحة.

وبهذا الأفق المنفتح على أقصاه، يغدو خياله المتآمر ممرا الى سرمدية سديمه الأول ( طفولته ) ليكون من الوجهة الأدائية أقرب الى رؤية جورج سور القائلة بفكرة الرسم كفن من فنون " إختراق المساحات " وهو ما يتأتى بوضوح في مجموعته " بياضات ثلاثين ليلة غاب عنها القمر " السابحة في مهادات سوداء كالحة، تستحوذ الحركة على نظام علاقاتها.

وهنا علاقة بين موضوع المجموعة الجمالي وبين دلالاتها الشعورية، فالمسألة ليست مجرد علامة ربطية، كما يحلل دوكاس تلك العلاقة، إذ الموضوع الجمالي هو الرمز المباشر للانفعال، أما الدلالة الشعورية فترتبط ارتباطا باطنيا بطبيعة الموضوع، وعلى ذلك لا يمكن الفصل بين الانتشاء الحسي وبين كائنات المشاري الغرائبية بمجرد مطالعتها فالانفعال كامن أصلا في الموضوع.

وفي هذه المجموعة الفانتازية يستعير المشاري دلالة النظام الليلي للصور، الذي يأخذ الصورة اذا ما أحيلت الى ما وراء نظامها البصري من مدلولها الى جدليات المفهوم، وينقلها من جلائها الصريح الى غامض خفائها، بل ومن سكونيتها الى حراك مراوح بين الحس والفكرنة، فمجمل الأعمال في حالة صيرورة طقسية مبعثها الكائن المنفلت في عتمة الفراغ الأسود.

انها لوحات ذات طابع هلوسي، معزمة بخطوط تتلوى فيما يشبه الاستغاثة للتشكل، منبثة من ذات حالمة مستسلمة لسطوة الحلم لكنها مقيمة أو منبثقة أيضا من كيان واع بمادته الحلمية، وكأن عناصر ما تحت الوعي المتحكمة في اللوحة تؤثر في بقية العناصر الفنية الأخرى الايقاعية واللونية والفراغية، كرد تعبيري على خفايا روح قلقة، مؤمثلة بأشكال تعلن تضادها الدرامي.

ويبدو أن المشاري ينهض في هذه التجربة الفريدة بفكرته الفنية بين الذاتي والموضوعي أو يمزجهما في ألياف تشكيلية تسلخ المفردات عن مواضعاتها البصرية، وتنزاح بها عن مألوفاتها المعهودة، فالبرهة الحسية التي يمكن الاقامة فيها لحظة تأمل المجموعة تشي باستخدام مزاجي خاص لأثر الصورة كما يتخيلها، في غيبوبة بصرية مؤانسة، بدون أي مرجعية معرّفة.

وتتأتى غرائبية المفردات من المبالغة في مزاوجة الفكرة بحدة الحواس، لإطالة أمد الصورة ربما، وليمنعها من التلاشي أو الوقوع في عادات الاختزال المخلة، اذ لا يدافع عن مظهرية الأشياء، ولا يناغي العين بالمباشرة الحسية لإروائها بصريا، انما يمنيّها بملامسة أقرب ما تكون إلى الحس، وبمعرفة تجريدية، ممتصة من المرئي ومتخيلة للواقعي، ومترجمة الى هيئات شبحية مفتونة بالحراك، وإن بدت كاريكاتورية بعض الشيء، كجزء من تعبيريته المؤكد عليها بإفصاح تصويري حاد من الوجهة العاطفية والحسية.

ورغم انفعاله الصريح في هذه المجموعة، الا أن جهازه التعبيري لا ينساق لمنطقية الحواس بما هي جهاز إدراكي، المرئي تحديدا، انما يخضع لنسقية تحتية تجادل تصعيداته التعبيرية، فالخطوط المتلوية تلك تنم عن قوة باطنية لتآليف رمزية مؤّولة تعبيريا الى امساخات، أو الى وجود روحي تالف ربما، فهذه هي طريقته، كما يبدو ، للتعبير عن انفعاله والتضادات الدرامية التي تكتنفه.

كما تشير المجموعة بوحدتها الموضوعية الى سمة تجانسية تعطي حياة للأشكال والعكس كذلك، أي تهب شكلا للحياة، فالذات هنا تنفلت في روبصات تنتهي الى حقيقة بصرية موضوعية مكمنها الفكر لا الحواس التي قد تكون عرضة للتضليل، بمعنى أن لوحته في البياضات بقدر ما هي مكان للبصر هي فرصة للتبصر، والتقاء الوعي متعدد القابليات التفسيرية والحمولات النفسية.

المشاري بهذه المجموعة ذات الخلفيات المعتمة لا ينضد مفردات قابلة للتجاور في بنية سردية، حتى وان بدت مظهريا أميل الى ذلك المكمن التراتبي، انما ينحت حدثا تصوريا يشبه الذاكرة الحقيقية التي يراها بودلير غير ممكنة الا بتخيل حاد جدا، فالأشياء والأشكال غير موجودة ولا مجسدة حرفيا انما الانطباع المتأتي من توتراتها الخارجية، وارتعاشاتها الجوانية، وهو أقصى ما تصله النزعة الذاتية تعبيريا.

وعلى عكس ما تفترضه أنطولوجية الصورة، لا تبدو تلك الأشكال المرسومة بحرفية عالية خرساء ولا ساكنة الا ظاهريا فهي متحركة ضمن سكونها، بل متململة للانفلات حتى من الزامات المسطح التصويري، ففاعليتها البصرية، أو غايتها الفنية كما يبدو من منظورها خلق عالم محسوس، غرائبي، يقوم على التخييل وتصعيد صراعه كفنان مع المادة القابلة للتشكل والانصياع إلى منطق اللوحة، فالأعمال تنطرح بصورة مبدئية كمشهد قابل للاستيعاب الكامل بصريا، ولا تلبث أن تغري المتلقي بتأملها تفصيليا وبقراءة موسيقية هادئة، شعرية وتأملية للقبض على سر التوثب في المفردات.

وهكذا تؤكد هذه التجربة، كما تجاربه السابقة، مخياليته الحادة، فهي سر شعريته البصرية ، أما " أناه " الإضمارية فهي الممر الغامض الى رومنطيقيته، أي إدراكه التخيلي للعالم الذي يمكنه في نفث أجساد حائرة، منفوخة بجرعات غرائيبية، مسلوخة من حدتها التصويرية، تستحم في السواد بانفلاتات شعورية أخاذة، تبعث في الفضاء رنينا مؤانسا، وتنم عن حياة خفية تجري مرجعياتها في الأعماق، وفي الخفي من الأحاسيس الغامضة.

كل ذلك يعني أن المشاري يجيد موضعة " أناه " بصورة فنية فطنة ، إذ يمارس حالة من الحضور والفعل، بتمديد العالم على اتساعه الفانتازي على مقاييس شطحة " الأنا " ، ولا يكون ذلك التمادي للعالم المحلوم به، الا جزءا من مستوجباتها لينتفي الغياب.

وهذا الوجود على اتساعه مجرد امتداد لروحه ونفسيته، فمهمته، حسب طريقته الاختزالية، أن يرسم حوله - في الواقع - فراغا ، ليقف فيه وحده، ويتحول فيه الى المصدر الوحيد لأفكاره. وفي هذا الفراغ يرسم لوحته - بشكل غير مباشر – للواقع، فهكذا تكلم المشاري بريشته الهاذية.