طباعة    ايميل

أمين صالح في تعاطيه مع اللغة كجسد لطيف

اللغة شرط اللا وعي. وهي بتصور جاك لاكان شرط للوعي بالذات أيضاً، على اعتبار أنها كيان مميز، وهي أيضا الوسيلة التي يكتسب الفرد عبرها تباعداً واستقلالية عن عالم الأشياء الواقعية، بمعنى أنها تهبه ملكة تصوير الوجود وتصوّره في آن. وهذا الالتصاق والإنفصال عن الأشياء والحالات، فيما يشبه الواقعية السحرية، المحقونة بجرعات سريالية هو ما يميز ذات أمين صالح الكاتبة، ويُبين عن فرادة مزاجه وقاموسه اللغوي كما يتبدى في نصه »ندماء الريح .. ندماء المرفأ« المصمّم بمخيالية فارطة، لإضفاء أكبر قدر ممكن من الإنفعالية الموجبة لتحريكه والذي شكل في مرحلة من مراحل التجديد الإبداعي مرجعية مؤثرة لجيل من الكتّاب.

تتجلى تلك (اللغة/البصمة) في عبارته »غيمة تطرق بابا .. لا أحد يفتح « التي تختصر أسلوبه القائم على المزج بين المعاش والمتخيّل. وعلى ذات الإيقاع تتدافع الصور الغرائبية، وتتوالى الخطفات الشعرية، المتأتية من غوصات عميقة في اللاوعي، المؤسسة في الأصل على تصويرات حية ومتدفقة، قوامها المزاوجة ما بين الحلم والواقع، أو هو الهذيان الذي يتمفصل كنفيٍ نحوي للجُميلة، بتعبير فرويد، الأمر الذي يشي بكون الوعي الذي يبدده أمين صالح على سطح نصه، إن هو إلا المظهر البراني لحياة تجري في الأعماق، يحاول استظهارها من خلال كثافة ذاته التي تختزن مزيجاً من الخيالي والواقعي.

إنها ذاته الهاذية، التي تنوس ما بين الدرامي والتاريخي، حيث تنسرد حياة بأكملها، في التشكل الفاصل بين برزخي الجمالي والموضوعي، يحتويها أمين صالح بطاقة اللغة، التي تتبدى كفورانات لا واعية، وإن كانت لغته لا تعادل أسلوبه تماماً بشكل تطابقي أو مرآوي بمعنى أدق، رغم حضورها كمكون جوهري من مكوناته، على اعتبار أن الأسلوب ضرورة مزاجية لا إختيارية، تقوم على النظام والحركة، وهنا تكمن نبرته الفريدة التي يعادلها رولان بارت بما يسميه (السمت) الذي يظهر على الوجه، بما تعكسه جوانية الفرد من غضب داخلي، أو انقباض، أو حتى البطء والسرعة، المتأتية كلها من أنس حميم مع النفس، وتلك هي المرجعية العباراتية الأسلوبية التي تسم نصه، فسر نبرته الخفيضة الموحية يكمن بالتحديد في الحلم.

يبدو ذلك مؤكداً عنده من خلال توالد وتكثّر مفردة/قيمة »الحلم« بما هي مضخة للهلوسات والهذيانات والشطحات والكوابيس، التي يترتب عليها توسيع مجازية قاموسه، وانزياحه بتراتبية الجملة نحوياً ودلالياً، حيث يطوّح بالسرد إلى حافة الشعر، على اعتبار أن الحلم قيمة شعرية مركزية، وحيث تتشكل ملامح (عالم/نص/أسلوب) غرائبي يعوزه التماسك. وهو فرط جمالي متقصّد لخيطية السرد، وتتالي أحداثه، نتيجة قناعة متأصلة عنده كرؤية مفادها أن العالم »ليس نتاج الضرورة والصدفة فحسب، وإنما الحلم كذلك«. أجل الحلم، كما يعدّد مقاماته الشعورية والموضوعية في صوّر »المؤجل .. الفاخر .. العذب .. الطعنة .. المأوى« وكما يتفنن في التنويع على موضوعته، من خلال ما يعرف بالكلام المتعدد في جوهره، أو ما يصر على التلويح به تحت عنوان »الحلم الأكبر المشترك الذي سنحلم به معاً .. عندما نولد في فم الموجة«.

ليس غائباً عن الوعي تماماً كما يشي نصه، ولكنه يتناوم، أو يندس مجازياً في ضبابية حلم يقظة، فيه من الواقعية ما يصد ضراوة المراودات الإشراقية والماورائية، حيث يؤدى بعض طقوسه - مستيقظاً وواعياً - قبالة البحر »هاذياً بكوابيس النهار« .وحيث يؤسسه على »المنادمة« كما يحيل العنوان إلى ذلك المكمن كمفتاح سردي »ندماء الريح..ندماء المرفأ«. بمعنى أنه ليس فعلاً خيالياً صرفاً خارج اللغة، بقدر ما هو محاولة لتصميم الواقع من منطلق شعري، وعلى اعتبار أن اللغة فيها من الحمولات العقلانية واللا عقلانية ما يكفل له - نصياً - إقامة نظام العالم، حيث تسمح بتنشيط الانطباعات المحسوسة، والوعي بالوجود. أما اللاوعي المبنيّن مثل لغة، كما يتجسد في استطراداته فهو أشبه باللغة المادية التي تنتمي إلى المحسوسات. أي اللغة المتعاطاة كجسد لطيف، حسب التحليل اللاكاني، أي الجسد الذي تقع فيه الكلمات، وتتشكل من خلاله وضمنه جميع الصور الجسدية التي تأسر الذات.

بهذا الالتحام العضوي بخام مادته السردية تتصعد لغته حتى تغدو كعضو وثيق الصلة بجسده. ومن خلال ذلك الضلع الجمالي الذي يصل جسده بنصه يجس الوجود، ويوّلد بمقتضى ضروراته الشعورية والذهنية متوالية رهيفة من الأفكار الواعية والأحاسيس الحية، ففيض الصور التي تنبث من منطقة اللاوعي، حمولتها لغة واعية أصلاً، مهمتها إعادة إنتاج الواقع، ولكن من منطلقات حلمية وخيالية، أو ما فوق-واقعية، أي بلغة مفارقة ومنتجة ضمن مختبره كذات شاطحة، ممسوسة بحرقة اللغة، كما يؤكدها بسريالية عبارته الواعية »ها هنا نصنع من عجين اللغة لغة أخرى. لن يفهم العبارة غير الذي يمتزج دمه بدم البحر. حارس الأشلاء. أقحوان التعب«.

منذ أول عبارة في الإهداء ثمة إغواء بالتورط في شراسة دراما الصور الحلمية التي تبدو أكثر حدة حتى من الحواس، حيث يستهل نصه بعبارة أو دعوة لإغفاءة حلمية »حين واجهني، بسط سجادة قلبه وأدخلني حلمه بلا رأفة«. ثم يؤكد على هذا المنحى بين طيات السرد باستنبات امرأة حالمة أيضاً، مخبأة داخل نظام الأشياء اللامرئية »وكأنها على موعد مع حلم فريد«. حيث يصعب رؤيتها إلا من خلال الحلم أيضاً، لأنها منغرسة في تجريداته ومتخيلاته كما يتأكد هذا الهاجس كذلك من خلال ندائها القادم من هناك  »أيها الضرير النوراني، إن وجدت حبيبي عند مذبح المدى قل له أن يدخل حلمه ليراني جميلة كما يشتهي. خفيفة كالندى«. أو هكذا تشير إلى خفتها كمادة حلمية، وإلى مكوثها المؤلب داخل سطوة الحلم »وأنا جالسة على مقعد يهز أشياء الكون أمامي ... سجينة حلم .. وحيدة مع خمر الانتظار« فيما يتأملها السارد كقيمة محلوم بها كأنها »امرأة تمطر شهباً وأحزاناً لا تنسى«.

في منادمته المتصّورة شيء من مناخس الحقد والإنتقام والندم والكبرياء، المستزرعة كاستيهامات في (أناشيد مالدورور). نفس المراودات الصادمة، وذات الاستعارة للمزاج الداكن الكثيف، بل هي الاستطرادات المتخيّلة ذاتها التي أراد أن يعكس من خلالها رغبته في إبداء صورة تستبطنها ذاته عن نفسها في المكمن الخيالي، أو هو تأجيج الغريزة الضامرة من خلال اللغة والتأهب للدخول إلى الحلم وتمديد الذات في نعومة مدياته. تماماً مثل لوتريامون الذي لم يرتكب إثماً واحداً طوال عمره القصير، ولكنه كان يتصوّر ويحلم أنه يرتكبها بالفعل، فالطيبة برأيه ليست سوى تلفيق لمقاطع رنانة، ووهماً توعد كل من نجا من سفينة غارقة برصاصة يطلقها على إيقاع قهقهة هستيرية، أو كسر ذراع طفلة تعبر الشارع والتهام مرفقها، وهي ذات الارتكابات المتخيّلة التي يراود بها أمين صالح نفسه على الايقاع ذاته وإن لم يصل إلى ذلك المدى من طيش الذات الحالمة.

كل شيء بالنسبة له لغة، أو هكذا يبدو له العالم في مقابساته لندماء الريح والمرفأ، بما في ذلك العواطف. حتى القلق الذي تستشعره ذاته لغة، فهي ليست مجرد تعبير عن شعور أو رغبات مكبوتة، فيما يشبه الإنصياع بمعنى نقدي نفسي لتحليل جاك لاكان، حيث الخيالي يعادل البعد النفسي حد التطابق ضمن حياة العواطف والحواس التي تستحوذ على ذاته بل حتى على فكره، وحيث تتضاعف كلماته كرموز داخل نص، قاعه واقع وسطحه حلم، كما بتوضح هذا المقصد في سعيه لتحشيد اللغة كمادة حلمية ضاغظة ومهيمنة، أو هكذا يعبّر هذا المتناوم عن استراتيجة نصه بعبارة إيحائية تحمل من اليقظة ما يعادلها من اللاوعي »ولأعلن للجميع أني محبرة اليأس وأن حديثي حديث حالم«. وهنا مكمن الخدعة اللغوية الملذوذة لكائن يستيقظ داخل الحلم يريد التيقن من وجوده عبر الجسد الذي تقع فيه الكلمات ليتوب عن خطاياه المتصّورة ثم يعود إلى إغفاءته المدبّرة »هش..إني أحلم...هش..دعوني أحلم قليلاً«.

جريدة الرياض – الخميس 11 يونيو 2009