طباعة    ايميل

7 ) تركيب لغوي آخر لحياة وديع سعادة

أرأيت يا وديع! ها أنت تنكتب مرة أخرى لتفصح عن جانبٍ آخر غير متداولٍ منك. عن كينونتك المتخيلة ربما، فالذين يعتقدون هذا الاعتقاد الراسخ باللغة، بالشعر تحديداً بما هو " اللوغوس " أو الكلمة الخالقة، هؤلاء لا يكّفون عن الانكتاب، وبتصور ميشيل فوكو، هم إنما يكتبون كي لا يكون لهم وجه واحد بعينه، فمن ينكتب على الدوام كمن يريد التأكيد على أصالة الهوام المشترك بين الكتابة والحياة.

ذلك ما يسميه ميشونيك في أحوال الشعرية " حركة الكلام الحياة ".كأن الكائن المقيم خلف ذاتك المتكلّمة لا يريد الثبات على فكرة قارة، أو لا يطيق أن يظل " هو " باستمرار، لتتأكد دينامية الرؤية الفرويدية " حيثما يكون الهو، لا بد للأنا أن يكون " فمنذ أول عبارة شعرية وأنت تجترح المحاولة تلو الأخرى لإعادة إنتاج ذاتك، ففي " نص الغياب " راودت نفسك بعبارة صريحة " عليَّ، على الأرجح، أن أعيد تركيب نفسي. أفكّكها قطعةً قطعة، أرمي اللعين منها وأُركّبها من جديد. لو أن النفس آلة، لو أني فقط أرى قِطَعَها ".

وها أنت تعلنها مرة أخرى في آخر محاولاتك بشيء من التأكيد، لكأنك بهذا التلفظ القصدي والصريح لاسمك قد أدمنت حالة البحث الدائم عن معناك الحيوي، من خلال ما سمّاه هايدجر " الكائن هناك ". أجل يا وديع، الكائن المعني بتحقيق وجوده الانساني الخاص زمناً ومكاناً، كما يتبدى ذلك الهاجس من خلال وعيك بالنص المرصّع بذاتيتك، فهكذا يبدو الأمر حين يتعلق الأمر بالكتابة، إذ تسلم المبادرة للكلمات، وحيث تطلق العنان لذاتك النزاعة لشخصنة الوجود، انطلاقاً من ذلك الحدث المركزي الفاجع. تتركها وشأنها، حرة، طليقة، بل شريدة لتستوي فيما تسميه " البال " كما تجسّدها عباراتك الذائبة في خفة شعورية ملذوذة " ارسمْ نفسك نهراً، وَسِلْ ".

شعور الخفة الفارط هذا، بتحليل غاستون باشلار " شعور واقعي للغاية! مفيد، ثمين، ومؤنسن " كما تفرض هيمنته اللغوية، وتبدده بسخاء حسي وجمالي فيما سميته " تركيب آخر لحياة وديع سعادة " فما تبثه ليس إحساساً صرفاً يعبر عن ذاته كيفما اتفق، وهو ليس طريقة في التكلم قد لا تعبر عن شيء، كما يضيء جيرار جينت مفهوم الأسلبة. نعم يا وديع إنه أسلوبك التأثيري الذي لا تتوب عنه، بما هو تقنية كتابية ورؤية فكرية، وبما هو نسيج من الأصوات التي تتحشد بشعروية ساطية لتشكل موضوعك. إنه " أناك " المفكر، كما تفصح عنه طريقتك في الاحساس والتفكير.

خطابنا كله زلة لسان بمعنى ما. هكذا يحلل جاك لاكان السيرورة الانزلاقية والالتباسية للغة، فليس بمقدورنا يا وديع أن نعني بدقة ما نقوله، أو أن نقول بدقة ما نعنيه، لأن المعنى هو نوع من التقريب، أو هكذا يدفعك شعور الخفة الساطي ذاك لتصد الوجود المادي بلعبة اللغوي، وتقوّض المتشيء حسياً بالمعنى المتخيل، وعليه يتصعّد انجذابك لسطوة الوجداني، وقدرتك على الإنسلال من ذاتك، والنظر إليها من خلال ما تستشعره وتتودد به إلى نفسك " قال سيعيد تركيب حياته كي تُشْبه النسيم " بمعنى أنك ما زلت مستغرقاً في مناجاة ( أناك ) برهافة فعل الأمر الناعم وليس الناهي، حيث الوعي بالذات والوجود، المتأتي من خيلولة الحالم المتيقظ " دعْ عينك في مكانها .. واغلقِ الرموش .. قد ترى عابرين كثيرين على جفنك .. وكوناً بأكمله في عماك " فكل ما هو جميل ينبغي أن يكون واعياً، كما حلم يوربيدوس.

هكذا أنت يا وديع، رهيف لدرجة أنك تراود نفسك بمحو حتى " الظلَّ الذي رسمه عبورُك " لأنك تتكلم عما عشته وتأّلمته، لا عما فكرت فيه أو تخيلته. تلك هي النواة الغنائية لنصك، إذا جاز لي - نقدياً - تأويل المفتاح الشعري لحياتك ككاتب، حيث اضطرك حدث " الغياب " للإجهاز على ما تبقى من تفكيرك الميتافيزيقي، أو هنا يمكنني التأريخ لبداية انغرامك بالأشكال القصوى من الوجد، والذهاب بالذات إلى أقصى احتباساتها الشعورية.

ذلك هو حال الكائن الفرداني، الذي لا يرضى بأن يكون جزءاً من الكون أو الوجود أو القدر الكلي، ويعاند كل ذلك لفرض ذاته، أو هذا هو ما يفسر تراجيدية المعنى المترسب في مقولاتك الانطولوجية، المتأتي مع أوجاعك الذاتية، والساطية بالضرورة كحمولات وجدانية على قارئ تغريه بمصاحبتك والتخلي حتى عن أعراف القراءة، فنصك أو ( أنت ) بمعنى أدق كائن خفيف أشبه بالخيال " مرَّ ظلُّه على كائنات جديدة .. لا أسماء لها ولا أشكال .. لكنَّها وُلدتْ .. هكذا سهواً .. في نقطةٍ غريبة .. بين الحقيقة والوهم ".

ذلك هو ميثاقك السردي الذي تمسرحه بشعروية نثر غنائي كدليل على حياة معاشه، وتلك هي الخفة المتأملة من كائن رشيق العبارة مرهف الشعور " تقريباً اتَّكأَ على نسمة، وأسبلَ بالَهُ على زمنٍ هوائيّ مديد .. تقريباً اتَّكأَ على خيال .. تقريباً على وشك أن يهجر البال والخيال ويتّكئ على عماه " والعمى يا وديع ليس ألا نرى، كما يتفجّع بورخيس، إنما ألا يكون لنا رفيق، أو ألا نمتلك القدرة أو الرغبة على استفزاز ذاتنا المتوارية ومنادمتها، أو إعادة تركيبها، أو هكذا أفهم مونولوجك الحزين، وأعي اللا معنى، واللا جدوى ليدك الممدودة في الفراغ " في المكان الذي لا يعرف فيه أحدٌ أحداً، وحيث الجميع واقفٌ في انتظار أحدٍ وسوطُ العبور يضربه لكي يمشي .. وقفتُ أنا أيضاً وقلتُ سأمشي، لكنّي أنتظر رفيقي ".

لن يرافقك أحد يا وديع، ما دمت تقيم في حديقة بالك، فالبال منفى. خلاءٌ للحالات القصوى، الميئوس من عودة أصحابها إلى الواقع، الذين ينتهي بهم الحال في الغالب إلى إختلاق قرينٍ من كلمات، أو اشتقاقه من الذات المأزومة بانهدام المعنى لمنادمته. ألم تصرخ مباهياً بنبعك الجواني " آتٍ من عيونٍ كثيرة لكي أجلس في عيني .. وإن احتجتُ إلى رفاق، هم تحت جفني " !؟ ومن يطيق التماس مع كائن يعيش كينونته الخيالية!؟ أو التجادل مع كائن سرّاني يصرخ بإباء المتوحد مع ذاته " لا أقول: تعالَ، فقط يمرُّ في بالي مجيء ... والسماء إذ تمطر فليست مشيئةَ غيومها، إنّها مشيئة بالي ... أرضٌ بلا مسافات، وليس عليَّ أن تكون لي قَدَمٌ لأمشيها ... الأرض في قدمي والمدى في عيني، ما حاجتي إلى المشي؟ ".

بعد آخر نقطة في نهاية السطر، قد يطرأ بعض الكلام، لكن النقطة التي تنزع في نص الحياة لا يعقبها أي كلام. وها أنت تحاول عبثاً، ومنذ أول شهقة شعرية، أن تصمت. أن تتعثر ذاتك بنقطة أخيرة، فقد اغتربت بما يكفي للكف عن الكلام، وها هي روحك اليتيمة تنشد لوعة استيحاشها " مشيتُ كثيراً حتّى صرتُ هنا. مشيتُ كثيراً حتّى وصلتُ إلى كون الوقوف ". إنه مكان موحش لم تعد تأنس فيه إلا لنملة ربيتها منذ أول عبارة شعرية. إنها ذات النملة التي نادمتها في أول مجموعاتك " ليس للمساء أخوة " وأردت أن تدربّها على رنين قصائدك، فكنت تستدعيها بما يشبه التودد لنديم " لنملة أقرأُ قصائدي " نعم يا وديع فاشهى أمنياتك بعد كل ذلك الاغتراب أن تتجاذب الحياة مع نملةٍ " فليس عاقلاً من لا يعيش مع نملة " كما أكدت استيهاماتك في " رتق الهواء ".

ها أنت في منفى لا يُسمع فيه إلا أنينك " أجلس على لا مكان، ولا يجلس معي زمن " ولا يتردد فيه إلا صدى نشيدك العدمي " وقوفٌ، سكونٌ، صمتٌ، بهاء " فهذا هو المكان اللائق بكائنٍ " ينام في ظِلّ خيال ". المكان الذي أقام فيه المخدّر بقيلولة أزلية، أعني جان دمو. يومها تنهد عبارته باسترخاء المستسلم " خلو البال راحة أبدية " تماماً كما زفرت أنّتك الرومنطيقية " رسمتُ لا مكاني وجلستُ. قعدتُ على خريطة بالي ".
أجل يا وديع، فالكائن الذي أردت إعادة تركيب حياته على درجة من الرهافة. بمقدوره رؤية " عطر يمشي ". هوايته العبث بالهواء ليشكله " كوناً جديداً ". وأظنه لا يحتمل أن يطأ أحداً بظله، وربما لهذا تسامى هذا الكائن بداخلك إلى الحد الذي " أراد أن يخرج من تراب ويشكّلَ نفسَه هواءً ". هذا الكائن العدمي الباطني المعبأ بمزيجٍ غامضٍ من الهيجان الوجداني والمفهومي، هو ذاته الذي راود نفسه بالصمت داخل الكلام، أو هذا هو إمكانه الكلامي " لغتُه ذكرى لهاث محميٌّ في صمته ".
هو ذاته يا وديع الذي طالما حلم بالجلوس على حجر. هو ذاته الذي اسمعه الآن في آخر محطاته الكلامية ينشد بحنجرة مبحوحة، وعبارات متقطعة أشبه بالاستغاثات " كوني الصغير الخفيف الذي يسعْه حجر، وتحمله نظرة ... آتٍ من هناك، فارّاً، كي أستريح على حجر ... آتٍ من الذي كان فسيحاً كي أجلس على نقطة ... على شيء نحيل، لا هناك فيه ولا هنا ". كأنك وأنت في غاية التعب، تفترش ذلك الضيئل بذاتك الصغيرة المعاد تركيبها لتحقق ما يسميه ابن عربي " الأنانة " بما هي محاولة ذاتية صرفة لإدراك فاعلية الذات. إنها ذات الرغبة الأصيلة التي راودتك في " مقعد راكب غادر الباص " حيث الذات المتضائلة الموشكة على الانهيار، التي تتوهم النقطة ملاذاً " عابر في شارع بسيط، فيه دكان، ونقطة بعيدة أعتقد أنها مقعد ".
ما زلت صديقاً للحجر يا وديع. مأخوذاً بالنصب الخرساء، أو هذه هي طريقتك للاحتجاج على قدرك الشخصي المطبوع فيك أصلاً، وهنا تنولد روح مأساتك، أي من محاولاتك الواعية واللاواعية لتخطي هذا القدر، أو التخفيف من وطأته. ولأن هذا الأمر يبدو مستحيلاً ينبجس اليأس من لغتك، ولا تقوى على إعادة تركيب ذاتك إلا بمعول القنوط، كأنك تتحدث عن " آخر " اغترب عنك فأنكرته لفرط التباعد " إنّي في وليمة دعا الضيوفَ إليها شخصٌ آخر على الأرجح .. وعلى الأرجح صرتُ ذاك الآخر الذي يسبل فراغاً ويلقّمُ فراغاً لفراغ ". كم يشبه هذا التهيّل العباراتي صرخة رامبو " أنا آخر " لكأنك انتهيت إلى ما آل إليه من استلاب عقلي، حين اعتقد أن بمقدوره انتزاع هويته الضائعة من أناه التائهة.

ولأن كل أنظمة الأدلة اللسانية لا يمكن تأويلها إلا باللغة، فأنت إذاً بصدد معرفة متصوّرة عنك يا وديع، وليس معرفة " هيأوية " بتعبير نيتشة، أو هكذا تحاول إعادة تركيب حياتك مرة أخرى عبر اللغة، وعلى إيقاع غيابٍ أشبه بالمحو، إذ لا تدري عن الحدود الشعورية أو العقلانية المقنعة لذاتك، ولا تعي حتى من منكما يحدد مستوى وشكل الصوغ، الماكث منك خارج الماهية أو العكس " قال ومشى .. واستمعتُ ومشيت .. وكانت خطواتنا مشياً في غياب .. أطأُ على غيابه ويطأ على غيابي .. حتى التقينا: قطعتين من غياب .. مسجَّاتين على سرير ".

مفتون أنت بأنسنة الوجود. بتأمل كل ما يمكن أن تهبه نظرتك روحاً " ربَّما على الحافَّة عشب كان يرغب أن يكون كائناً آخر ". أجل يا وديع، هذا هو جوهر الشعر، والعالم ليس عقلاً تاماً، بل هو مجال يلعب فيه خيالك وذاتك الدور الأكبر، كما تدلّل بنصك. أليس هذا بعض ما أردت أن تتكئ عليه في آخر محاولاتك اللغوية لإعادة تركيب حياتك!؟ أظنك تعي الآن تماماً، أنه لا يوجد صمام أمان فكري أو شعوري يمنع تدمير الذات، حتى الشعر ليس بمقدوره أن يكون عاصماً لك من اليأس والتعب والتلف.

بالمقابل، لا يوجد ما يمنع الكائن العائد من رحلة غياب قصوى من التأسف على " حياته التي رآها مثل حريق شبَّ فجأةً في نزهة ". إنها ذات العبارة التي أرعبتك كفكرة منذ " مقعد راكب غادر الباص " حين تأملته، ذلك الضائع منك وهو " يتدفق بعيدا، ناظراً صوب حياته مثل حريق شب فجأة في نزهة ". ألا توافقني يا وديع أن العودة إلى ذات العبارة تعني العودة إلى الفكرة!؟ تعني الاستنقاع في الحدث!؟ تعني الاصرار على المكوث في ذات الاحساس، او إعادة تركيب الذات من نفس المنطلقات!؟ وأظنك توافقني أيضاً على أن ذلك الكائن لا يلام بالتأكيد حين يجدد مستوى صوغ ذاته بالإقامة في اللغة، بعد أن  " وَضَعَ قدمه على النقطة الأخيرة للحافَّة وراح يغنّي .. لنسمة العدم الأولى التي ستمرُّ على جسده .. وللفضاء الذي كان فارغاً وسيمتلئ به الآن ".

تجربة " الغياب " القصوى تلك أجهدتك جسداً وروحاً، وأودت بك إلى الاضمحلال الارادي. وهذا التلاشي القصدي مهما بدا تفصيلياً وجارحاً، لا يحتويه النص، بل يتجسد فعلياً في حياتك كإنجاز معاش فعلياً، ليكون جسدك هو عين نصك. وها أنت يا وديع تحاول أن ترى لك ملمحاً جديداً من خلال اصرارك على التحدث. التحدث بشعرية يقال - نقدياً - أنها لا تنتج مفهوماً، ولكنك تحاول وتصر على تأكيد الوظيفة الشعرية للغتك كما ألاحظها بمنهجية شكلانية في النبرة والتكرار. وأظنك تنجح في شحنها بالأفكار، ففي رأسك " أجسادٌ كأنْ ليس فيها سوى نسيم .. قلوبٌ كشطآن تتمدَّد عليها أرواح ناعسة .. كأنّما فلتتْ من عذابات تاريخ طويل وجاءت لتستريح ".
وما دمت تشتهي الكلام يا وديع، فأظنك ستقيم طويلاً في هذه التسوية المرعبة ما بين " حرية وذكرى " أعني الكتابة، كما اقترحها رولان بارت. وكما اعتبرتها مجرد " بحثٌ متوهَّم عن الزمن، عن الحياة، عن الحريَّة ".نعم يا وديع، الحرية التي مضغتها طويلاً حتى زفرتها في مجموعتك "  ليس للمساء أخوة " بمنتهى الرغبة في الانعتاق فقلت " الحرية نصف اشمئزازي " لولا أنك طمرت هواجسها في الذكرى فأعلنت باستسلام المنكسر " الذكرى تكاد تكون كلَّ وجودنا " أو هكذا تأسفت عليها في " غبار ".
ما زال بعض الكلام عالقاً في حلقك، وأنت مثقل بفكرة استدعاء ذاتك عبر اللغة، والحديث عنك من خلال حيلة لغوية قوامها الاتكاء على الطابع الوجودي للضميرين ( هو – أنا ) أو الإمعان في التحدث عن الذات باستعمال ضمير الغائب، بما هو اسلوب حياة، حسب التصور البارتي. إنه نوع من الانفصال المدّبر على الطريقة البريختية، يتحتم فيه عليك كممثل أمام ذاتك الابتعاد عن الشخصية، ويتوجب عليك إظهارها لا تقمصها، تماماً مثلما تجيئ عباراتك من ذات مشتقة منك ومنفصلة عنك في آن " تَعِباً على كتفه حمولات كلام يريد أن يوزّعها على آذان ".
رغم كل ما قلت يا وديع، تراودك نفسك الأمّارة بالشعر أن تتكلم. أن يتساقط منك كلاماً هو المعادل لفعل المشي بالنسبة لك، إذ لا يمكنك أن تدل على نفسك، أو تعيد تركيبها، في اللغة إلا بها ومن خلال ضمير مناور يقوم مقام الذات المتملصة، لتحقق ضرباً من الوحدة، ولو من ذلك النوع الخيالي حيث الصور المتراكمة، المتحولة بالضرورة إلى موضوعات.

أظنك ما زلت في ذات المكمن الشعوري. وما زلت في طور إعادة تركيب حياتك تحت وطأة المتخيّل بذات منشطرة بين الأنا الواعية والرغبة اللاواعية، بذات فردانية نزوية مفتتة مقابل ذات موضوعية، لتهدهد ذلك الذي يسكنك " ويريد أنْ يضع لغةً على الحافَّة .. أنْ يضع أُذُناً في النقطة ". إنه ذات الكائن الذي حاول على الدوام وعجز عن استعادة جمال الغائب. نعم يا وديع، هو ذات الكائن المعاد تركيبة الآن باللغة، الذي أصر على أن يجس الوجود بالشعر حيث " وَضَعَ قدمه على النقطة الأخيرة للحافَّة وراح يغنّي  للخطوة التالية ".