طباعة    ايميل

نساء كالفواكه وشواهد قبور مرتلة بلسان أخضر

 

تحت عبارة مقدودة من قصيدة للشاعر هوشنك بروكا أنجزت الشاعرة خلات أحمد أضمومة من الشعر الكردي في سوريا بعنوان (نوافذ باكرة). وقد صدرت كمختارات عن (منشورات البيت) بالجزائر ضمن سلسلة (زهر الآداب) على شكل مقتطفات نصية، لا تعبّر - برأيها - عن كامل التجربة وتضاريسها الفنية والشعورية (إنما هي وردة واحدة تود الدلالة على بستان مترامٍ ينتظر الاكتشاف). أو هكذا تصف المحاولة الأولى التي يتم فيها عرض هذا القدر من (الأدب المكتوب باللغة الكردية وليس ما يكتبه الأدباء الكرد باللغات العربية والتركية والفارسية).
بالإضافة إلى النصوص الشعرية التي تضم نبرات متعددة لأجيال وأصوات مختلفة، يحتوي الكتاب على شهادات تعكس القدرة اللافتة للشاعر الكردي على مفهمة وجوده الشعري، والتعبير عن وعيه ومزاجه، كما يشير إلى خصوصيته في التدليل على إمكاناته الفنية والموضوعية إزاء سؤال الشعر والحياة، حيث تتخذ المقولات طابعاً حوارياً شاعرياً أيضاً حول القضايا المركزية لواقع حياة الكردي ومداراته الأدبية كالإزدواج اللغوي، والمنفى، والوطن، والمرأة، والطبيعة، وهي متوالية جمالية على صلة وثيقة بالمزاج والنزعة القومية، تبدو منغرسة بعمق كشفرات في نص جمعي مكتوب وفق تصورات كائنات تتموضع على حافة الحياة.
الكردي كما تنرسم سيرته في النصوص والشهادات كائن يعيش على التفاعل والامتداد في الآخر، والالتصاق المادي والروحي مع محيطه، الأمر الذي ينتج عن ذلك التماس سواء بشكله القسري أو الطوعي مفارقات مّولدة بدورها للشعر وموجبة للحياة، ففي مسألة المنفى اللغوي - مثلاً - يرفع سليمان آزر صوته في مديح الأمية، باعتبارها الخزان اللاواعي لأصالة اللغة الكردية كما يتبين في عباراته الضاجة بالدلالات (كيف يمكن للأمية التي يحاربها العالم المتمدن كل هذا الفضل على الشعراء الكرد؟ نحن ممتنون أن قلة قليلة فقط من آبائنا تيسّر لهم أن يتعلموا في المدارس العربية، ممتنين أن أمهاتنا بقين أميات!!!؟؟؟ فبقي لسانهن الكردي نقياً، وبقين يغنين لإهتزاز مهود أطفالهن الملاحم الكردية...الأمية هي التي حافظت على لغتنا ووصلت بنا إلينا).
وهو كغيره من الشعراء الكرد يعتقد بكون الكتابة بلغته مسألة وجود، كما يتأكد هذا الاعتقاد من خلال كلماته الدالّة على الاستمساك بكل ما هو كردي (كأنك تسأليني لماذا ولدت كردياً؟..أنا أيضاً سألت نفسي لماذا أكتب باللغة الكردية؟ رغم مغريات الكتابة بالعربية كسهولة الحصول على المراجع وكذلك التواصل والنشر). أما كمال نجم فيميل إلى توسيع الممكن الشعري عندما يتعلق الأمر بالحساسية الفنية كمتلازمة وثيقة الصلة بفرادة وأصالة القاموس الكردي حيث يدخله في صيرورة لها سمة التمدُّد والتفاعل (لا يوجد أصلاً معجم يكفي الشعر أو ربما أن الشعر لا يحتاج إلى معجم أو ربما أن المعجم الكردي بحاجة إلى الشعر ليصبح كاملاً). وهو أمر تشدّد عليه أيضاً خلات أحمد التي لا تعاني هي الأخرى من عقدة التعبير عن وجودها بلغتها أو بلغة الآخر لتبقي على جوهر الشعر، كما يتضح في المرونة التي تتسم بها عباراتها (في الكردية أيضاً أتحرر من الواجب الملقى على عاتقي في كتابتي بالعربية، وأعني أن أترك في اللغة العربية أثراً يدل على كرديتي).
وهي بهذا المنحى الذي يتفق عليه معظم الشعراء الكرد تلتقي مع  نذير شالو ولو من منطلقات مغايرة حيث يرى أن (اللغة الكردية كانت وما زالت اللغة الخطر والمحظور بتفكير الحكومات، وقد حُرم الكرد من لغتهم الأم ولذلك كتبوا بلغات أخرى غير لغتهم وأبدعوا فيها. كل شاعر كردي كتب بالعربية حمل في كتاباته النفحة الكردية إلى اللغة العربية). كما يؤكد تلك الصيغة التفاعلية أيضاً طه خليل، بكلمات على درجة من الصفاء تدلّل على ووعيه بجدلية الأثر والتأثر، وإقراره الصريح بالمديونية الجمالية للآخر (ساعدتني اللغة العربية ودراستها في فهم لغتي الأم أي الكردية، اللغة العربية تشدني إلى آفاق بعيدة ربما لأنني أتقنها أكثر..والكردية تقربني من نفسي لأنها من متمّمات روحي). وكل تلك الزحزحة، حسب محمد نور الحسيني، إنما حدثت (تحت تأثير ما شهده الكرد من تحولات كثيرة في مفاهيمهم تجاه اللغة والآخر والذات في حمى ما تشهده المنطقة بأسرها).
ورغم أن المنجز الشعري الكردي يزدحم بالأنوثة المتمثّلة بإطلالات شعرية على درجة من الجرأة والشفافية، وبحضور المرأة الدائم أيضاً كموضوع شعري، كما يتأكد هذا الهاجس في المختارات، إلا أن حسين حبش يطالب بحضور أنثوي أكثر كثافة وفاعلية فقد حان الوقت برأيه (لتأنيث الشعر الكردي في وجه الذكورة الطاغية التي تعصف بالمدونة الشعرية الكردية منذ القديم وإلى الآن). وهو يرصد في هذا الصدد تطوراً لافتاً لتفكيك السطوة الذكورية، فالشاعرة الكردية - الشابة بالأخص - كما يحلّل (تكتب حالياً نصاً شعرياً يتفوق على النص الذي يكتبه الشاعر الكردي من حيث سعة الخيال والعمق والجرأة وقوة التعبير...الشاعرة الكردية تكتب روحها وأنوثتها بالقرب من ذاتها وأعماقها، تدوّن لواعج قلبها وألمها العميق بلغة هادئة أحياناً وجارحة أحياناً أخرى). أما أغلب الشعراء الكرد - بتصوره - فهم (يكتبون بصوت عالٍ، تجذبهم وتغريهم المواضيع الكبيرة، القومية، والوطنية، أعني الألم والعذاب الكردي الطويل).
الكردي كشاعر وككائن لا يتفاعل مع الآخر وحسب، بل يتمدد في حواضن الطبيعة التي يماهيها بالمرأة، ويماثل جسدها دائماً - من الوجهة الحسّية - بمباهج المملكة النباتية ومآثرها، فالكتابة باللغة الكردية بالنسبة لطه خليل كما يتباهى (مجرد تمرين لبقاء لساني أخضر). أما هوشنك بروكا فيوسّع مداراتها، حيث يأخذها من اليومي إلى الكوني، ومن المباشر إلى الإيحائي كما يفلسف مذهبه الجمالي بعبارات فائضة بالشعرية (لا يمكن الحديث في هذا السياق عن تطبع الشعر الكردي بأخلاق الطبيعة وعاداتها بقدر ما يمكن الحديث عن وصف مكرور للطبيعة كردياً..حضور الطبيعة في الشعر أو صناعة الطبيعة شعراً ليست صناعة بماركة مسجلة كردياً بقدر ما هي صناعة كونية..الطبيعة إذ تحضر في شعر أكرادها إنما تدخل في لاإرادتها ولاحريتها ولاحقيقتها ولا براءتها أكثر من دخولها المفترض، لا بل الواجب، في إرادة وحرية وحقيقة وبراءة طبيعتها). وعليه يؤطر رؤيته بمقولة ذات مغزى تحمل شيئاً من الإقرار بسطوة النطاق الأيكولوجي (أنا لا أذهب إلى الطبيعة باعتبارها بعضاً، بقدر ما أذهب إليها في كونها كلاً أو كوناً كبيراً كثيراً..الطبيعة شاعرة كبيرة وكثيرة، ولا يمكن لحضورها الممكن في الشعر كردياً، أو في أي شعر بأي لسان كان، أن يكتمل ويزداد من دون لسان مفتوح على حرية كبيرة وكثيرة).
إنه الشعر الممتزج بأنين الشهداء المدافعين عن طهر الأرض. الشعر المنبعث كتلويحة أبدية من تحت شواهد القبور، والمنقوع في الوجع الآتي من المنافي، الذي (يكاد أن يكون صورة حية عن الشعر الكردي في الوطن) برأي حيدر عمر. الشعر المغنى على وقع أقدام الصبايا، وتأملهن وهن يعبرن الحقول والمروج. إنه الشعر المكتوب على إيقاع دموع الأمهات وهن يلوّحن بمناديل الفقد والعزاء، حيث تسيل القصائد الحزينة من العيون على حواف الأضرحة، ويتبرعم الكلام الطري من بين مياسم الورود، وتنساب الأحاسيس على صفحات الجداول، لتنحت وجع الكردي في الماء والهواء.
في هذا البستان الإنساني المترامي يتوسد رجال تراب أرضهم في قيلولة أبدية، وتنبت نساء يشبهن الفواكه، كما يخاطب هوشنك بروكا امرأته (التي من التفاح وأكثر) بترنيمة عذبة (النوافذ الباكرة..التي مددتُ يدي خلالها..إلى فاكهة قامتك). وكما يناغي كمال نجم حبيبته (قبل طلوع الفجر في مياهك الحلوة) بخطفات غزل صريحة (لم ينم نهداك لفرط حيائهما). فيما يعلن أحمد الحسيني لوعته (يا لصرختي وهي تسير وراءك..صرختي..وهي تتشقق في خطوط حبرك). وكذلك يغني سليمان آزر نشيد إبائه (أمشي وعليائي تسبقني) لينزرع في تراب وطنه (نصبت لنفسي تمثالاً..ولمرة واحدة..أسقي عظامي في المقابر).
وبالمقابل تعيش ديا جوان لحظة اعتناق قصوى لوطنها في نص أشبه ما يكون بالنشيد تبعثه (إلى شعوب أخرى) معدّدة مآثر أرضها وناسها (اعذروني..فبسبب من شموخ جبال بلدي..لم أرَ خلفها أية جبال أخرى..ولشدة آلام شعبي..لم أنتبه لآلام أخرى..ولعظمة حب وطني..لم يعد من متاح في قلبي..لأية عاطفة أخرى). أما تنكزار ماريني فيتقرب من حبيبته بنص (أومئي لهما بالنهوض لقبلتك) حيث يتوسلها للتماس الحسّي برغباته (لا تذريني..وحدي..في ليلة مهترئة..بسماء حزينة..فقط شفتاي..أومئي لهما بالنهوض..لقبلتك).
أما مروان عثمان فيراود نفسه بحالة (فرار) لكنه يراوح في مكمن الوجع (إلى متى..سأستعيد أعمار منسيات ما قبل الانهدامات..بدعاء وتمائم الجدات؟). كما يستولد هيمن كرداغي قصيدته (تناهدي إلى قبلة) بمجرد أن تنقدح شعلة رغباته (كلما اشتهيت أن تقبل شفتي..قالت: ألا قرأت لي قصيدة) في الوقت الذي يتبعثر فيه دلدار آشتي بين (غبار الحديث..وأطراف الكلمات في المنفضة). وبالمقابل يتودّد نزير ملا إلى حبيبته بمسكنّة العاشق (باقةٌ..باقتان من القُبل..هل تكفي يديك؟). كذلك يغمر سليم بجوك حبيبته بوابل من القبل، ويتأملها (كفراشة ثملة) حيث يناديها بتولُّه (آن ترتوي رموشك من القُبل..وينفرج جفناك..تضحك فيهما أفروديت..وينحني أهوار لنور عينيك).
وبمنتهى الأسى يرثي آرشف إوسكان ناسه المعذبين ووطنه المقهور في (بكاء جبلي) حيث ينهمر نصه على شكل عبارات متهاطلة (زهرة حمراء..ضحكة صفراء..على ضريح مؤرخ..قبلة حارة..على شفاه عازف ناي..دمعةٌ ناعمة..من قلم شاعر..عتاب أخرس..من عيني عاشق..تذكرني بمذبحة حلبجة). أما سرحان عيسى فيستدعي امرأته فيما يسميه (ومضات ليلة عاهرة) مناجياً إياها باشتياق (عيناك..اللتان لم تألفا بعدُ رؤيتي..تسيلان في الدروب..ينابيع..وجداول) قبالة امرأة (لا فصول لها) يستحضرها آزر أوسي بعبارة تصويرية خاطفة (شفتيك..ورقة لا فصول لها) ليصدح مسعود خلف منادياً حبيبته (غاليتي) بنبرة حزينة (كفي عن مضغ ذاك الوشاح..عن غسل تلك الصورة بالدموع).
ومن نفس النبع الحزين يأتي صوت دليار ديركي (في مديح الحدود) وهو ينشد تراتيل وداع مر (في فيض خفقان مناديل الأمهات..أغلق عيني على نفسي..لئلا أرى دموعي في مرآة المدينة..وأنا مدينة مزروعة بطوفان الأحزان) فيما تأوي جانا سيدا إلى ضريح حبيبها وتستنهضه في نص (على الجانب الأيسر من صدري) بلوعة العاشقة (12 ايلول..قادمة لزيارتك..بيننا شاهدة الضريح..لو أنك ترى عينيّ..بأي غبطة..ستضمني إليك؟). ويجاريها رزو خرزي في نص (ضريح) الذي تنبعث منه عبارات الفراق الفاجعة (أي حبيبتي..لئن عدت ضريحي ذات صباح باكر..اشربي قهوتك قريباً من رأسي..أدلقي فنجانك لحجارتي..سأقرأه لكِ).
ابراهيم حسو أيضاً يقف (بصدد امرأة) ليعاهدها على الوفاء (لم أرتكب امرأة في عمري ضدك..سأعيد..جسمك الكثير على يديّ..والوردة إلى شكلك الأنت). فيما يمزج عارف حمزة بين المرأة والوطن بشراسة حسّية في نص (كي نلمس رائحة البنفسج) حيث يستعير صوت امرأة عاشقة تتذلّل إليه بكل حب، وهو تقليد تعبيري ما زال راسخاً على ما يبدو في الشعر الكردي، حيث الحديث عن شعور المرأة بالنيابة عنها، أو زرع الكلمات العذبة على شفتيها (قبل أن تذهب إلى الحرب..أريد منك طفلاً..قبلني..قبل أن تذهب إلى الحرب..اغتصبني..كما يفعل الأعداء..في أرض كهذه الأرض..وكي أغفر لك..قل لي كلاما عن الحب..وليكن طفلاً يتيماً).
أما آسيا خليل فتتشامخ في نص (لي في الأعالي زهرة) بما تستعرضه من تاريخ السلالة في الوجدان الكردي المعذب (أنا الناي الملولُ..أتهجى أثر الهجرات..منذ الميديين وبابل والسريان..وليس انتهاء بأرض السواد). كذلك يرقب مروان علي حبيبته (من تحت عيونهم بشهوة واضحة) وكأنه يستجديها برسالة حسرة ووداع (صورتنا..صورتنا الوحيدة..بالأبيض والأسود..الصورة التي أخذها لنا..الأرمني العجوز خاجيك..في حضرة غرباء..نظروا إليك..ومن تحت عيونهم..بشهوة واضحة..كانت عيونهم..تسيل على الأرض..من شدة الشهوة..أظن لم تعد..تعني لك..لذا..يمكنك أن تنسلي منها).
نفس الهاجس يعيشه نذير بالو وهو يتمتم بانكسار (وأنحني بذبول لقامة الضوء) حيث يتأمل ذاته الوالهة المنزاحة ناحية امرأة (هناك مرآة نسيت فيها ملامحي..وامرأة نسيت في عطرها قصائدي). يشاركه ذات الإحساس الملتبس دلدار فلمز الذي يسير (وحيداً ومشرقاً في شوارع المدينة) وهو يترنم بخفة شعورية (أتذكر..كم كان السير صعباً..ذات مرة عندما كنت..أسير وحيداً ومشرقاً..في شوارع المدينة..وكان جسدي يرتطم..بالهواء كما قشة..تعبر خلسة ردهة منزلك). أما أفين شكاكي فلا تبدو مترددة في الاعلان الصريح عن إحساسها في نص (لن أفيض من نهر صغير) حيث تتدفق عباراتها ناحية الرجل بلا مواربة، لترتمي في أحضانه جسداً ونصاً (يكفي أن ترسم على كفي: قبلة..كي تنبت ألف قصيدة).
ومن مدخل نصّي غير معتاد، يتغارق هوشنك أوسي في العبارات التصوّفية التي يدلقها بلا هوادة في (يائية فقيه الماء) على شكل خطفات إشراقية (يا مصنف ألواح الغيب صحائفاً للبقاء، آتني بفائح عسير المعنى، آتيك بما يتيسر من غزير المجاز، يتيح لك عبور الوقت الجزّار). أما لقمان محمود فيعود إلى ما يسميه (الجحيم) ضمن مفارقة الحنين وحدة التذكُّر إلى غبطة البدايات (آهٍ..لو أستطيع..أن أنسى طفولتي..لأنسى هذه الجغرافية الحزينة..لكن..لا شيء على الإطلاق: حجلٌ يتنفس الطيران في قفص). يؤازره في الوجع ذاته ومن نفس المنطلقات إبراهيم اليوسف، الذي يتألم على حافة النص المتلازم بنيوياً بالمكان حد مطابقته (حين أعود غداً..تحديداً..إلى مسقط قصائدي..سأكسر كل أحلامي..وأحرق كل دفاتري..وأقرأ وجه المكان....!). فيما يرتكب حسين حبش مفارقة تعبيرية من نوع آخر حيث يصرخ ملتاعاً ومستجدياً حنان النبع الأمومي المفقود كمعادل ورمز لحضن الوطن (كلما وجدت امرأة تلبس فستاناً طويلاً، أو تضع على رأسها شالاً أبيض..أناديها: أمي..كل هذا التعب، ضحكة أمي) إلى أن يصعّد المفارقة بخطفة شعرية مباغتة فيما تبقى من (شذرات الحكاية) ليغري حبيبته بما ينقذهما من لحظة انعدام الوزن الحسّي (ضعي نهدك على نقرة إصبعي..وتهجي حروف الاشتهاء).
محمد نور الحسيني أيضاً يرمي (على مائدة نوروز- تهليلة على العتبة) معللاً نفسه بمجيء فصلّي يعيد إليه توازنه ويدوزن مواسم روحه (أنا التي..قدماي صغيرتان وتمرحان لقدومه..أنا التي ساعداي مرجان من نداء: متى تجيء أيها الأثير؟!). كما ينادي حنيف يوسف حبيبته في نص (بمستوى افتراضك المضيء) ويدلّلها على أرجوحة الكلمات (حين ترتدين تنورتك الزرقاء..وتصل السماء الى ركبتيك..وتكونين مغمورة بقميص بنفسجي). أما آخين ولات فتتبرج بالشعر متشبّهة برقة الزهور ورهافتها (لن أكون أكثر من وردة تدعوك لقطفها) حيث تختال حد الانكسار (الحسناء التي خذلت كل الرجال..تراقص ظلاً بقي صامتاً..في المرمر الأسود). كذلك يعود طه خليل إلى تراجيديا المكان في نص (موتي، قمر على مراياكن) ليغني بشيء من الأسى (ما تبقى..جدار وحيد..متبق هناك..منذ ثلاثين سنة..لا تعرف حجارته لأية جهة تميل..فتسقط..وترتاح).
خلات أحمد أيضاً تقبّل (يده التي بطعم الحرية) لتقاسمه مباهجها، وتستدر حنانه (منهمراً مني عليّ..يدعوني..تعالي نعد الملائكة معاً). أما لقمان ديركي فيرسم حيرته في أحجية لغوية طافحة بمعنى ذاتي مضيّع (الكلمة على طرف لسانكِ..الغصة في حلقكِ..الفكرة الضائعة في بالكِ). ليبقى سليم بركات (خياّل الهاوية وعرّاب المتاهة). وهو يروي سيرة الكردي الراكض بزانته الطويلة المكسورة، المشتغل على يقين مهشّم في مرآة مهشّمة، والناثر قلبه كفراشات وزبيب للشهداء، كما يرسم ملحمة الكرد في كلمات شاهقة (أأسمي لكم الأعلام التي هناك، فوق الشرفات العالية المستندة على البنادق؟ أأسمي؟ لكن البنادق الكثيرة هناك، حيث البطولة تتقنع في الدخول على الكردي من حيائها؟ أأسمي الكردي ليتدفأ الليل بقميصه المنتهب؟).
جريدة الرياض – الخميس 8 أكتوبر 2009