طباعة    ايميل

قصيدة بنّية داكنة يرتلها منير عوض عند تلة الجنائز

عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الانطباعات المحسوسة، لا يمكن للغة أن تكون أداة حيادية، حيث يتضافر الخيالي والواقعي في رسم بنية الذات المتألمة. وهذا ما يتأكد في منطوقات النص الفجائعي (ما ظنّوه وداعاً عند تلك الجنائز) الذي يتبدى كمبكى شعوري، بقدر ما ينبني كتكوين لغوي، كما يشكل امتزاج المكوّنين المادي والروحي الأساس الفني الذي تقوم عليه العلاقة الجارحة والمحيّرة ما بين اللغة والموت، فيما يبدو منير عوض مفضوحاً بمشاعره، ومنكشفاً كذات عاطفية هشة، وهو يخبئ مازوخيته، وعدم قدرته على استيعاب حدث الفقد، تحت نبرات العتاب والتودّد، المنسوجة في صيغ كلامية تراوح بين الإرادي والرغبوي، إذ تعجز الكلمات عن ترميم فجيعة الغياب، فيعلن يأسه عن معانقة الغائب، بعبارة تنم عن الاستسلام (لمَ تنمُو السَلالمُ، كلما حاولتُ الصُعودَ إليكْ).
بموجب ذلك التماهي الجوهري ما بين الكلمة وما تدل عليه من شعور، يؤسس نصه التراجيدي، ثم يصعّده، ليس من المنطلق الموضوعي بل من زاوية ذاتية، إذ تتحول اللغة عنده إلى مضخة نضّاحة للألم، أي كمصدر للصور الجسدية، على اعتبار أن الكلمات هي موجودات مادية لطيفة وليست مجرد أصوات، فكل كلمة هي بمثابة محاولة للتأوّه، والإبانة عن الجرح. أو هكذا يدلق خزينه المعتّق من الأوجاع في عبارات واخزة (تدليت بكامل حزنك من عينيه). وكمن يتتبع آثار ومكامن الألم المتأتية من حسرة الفقد، يدحرج التصويرات الواصفة لمشهد انهياره على إيقاع انتحابي (فتِـلكَ الأقاصِي المَربُوطةِ إلى إصبَعِكَ بخيطٍ َيدُلـّكَ إلى القبر، بَاتتْ تـُحَدّثُ كلَ منْ زارَهَا عنكْ).
حدة الحزن، المتوّلدة من حدث الفقد الموجع، هي التي دفعت بذاته المتكلمة إلى الغوص بوعيه ولا وعيه في أقصى أعماقه لينفث شطحات سريالية مدّوخة. حيث يلجأ أحياناً إلى حالة من الاستهياء الإرادي ليقوّض ما يستحيل تصديقه (تلكَ الزاويةُ ليستْ معتمةً، إنه ظلك متكومٌ هناك). وتارة يشكّل صورة مربكة شعورياً، منضّدة بكلمات رهيفة، ومدفوعة بالشوق العارم إلى الغائب (فليسَ من الحِنكـَةِ تركُ يَديكَ تـلبسَانِ قـُـفازاً من القـُـبَـلِ). ومرة أخرى يسقط في الهلاوس المعبّر عنها بخطفات تصويرية منفلتة من خيطية منطقها (أقلُّ ما يمكنكَ فِعْلُه  ــ الآن ــ تجبيرُ كلمة، انزلقت للتوِّ من فم كرسي، تعلق عليه المبلل من حديثك، جوار جسدك المائل للعتمة).
هكذا تتوالى تصويراته المنحوتة في أعماق نص انتحابي أشبه ما يكون بالزفرة المكتظة بالأشواق التي يبثها للغائب، حيث يكّدس الحنين، بين السطور المزدحمة بالمفردات الحسّية الحارقة (كمن يدوزنُ خيبةً، على إيقاع مفصلٍ يئن) وكأنه يذيب إحساسه المرّ بالموت في إيقاعات طنانة لا هوادة فيها، تتدافع جملة إثر جملة، ولا تسمح للقارئ، الذي يدفعه لأن يلبس لبوس المعزّي، برفع بصره عن النص، لكأن التوقف عن مناداة الراحل يعني التيقُّن بالإنفصال عنه والتسليم بموته، الأمر الذي يجعل من هاجس عدم تصديق مرارة الفقد لازمة بنيوية في النص، قوامها كثرة التشبيهات الدالّة على الحسرة (كمن يثقبُ بكلتا عينيهِ جداراً يَفْصِلُهُ عمن يُحب).
ذلك هو المحتوى التراجيدي للأضمومة الشعرية الصادرة حديثاً عن دار نينوى للدراسات والنشر بعنوان (ما ظنّوه وداعاً عند تلة الجنائز) إذ يحاول أن يجعل من حدث الموت المؤكد مجرد شكوك، كما يحتال بنص فارط في الحزن والمجازية على الواقع. حيث تبدو نبرة معاتبة الغائب ساطية ومتأصلة، حين يخاطبه بلوعة الثاكل (كيــــــــفَ سأسيرُ بعدَ اليوم ِدونَ أن يُشيرَ الآخرون إلى بهجةٍ في عينيك تـُسرُ إلى روحي معنى الحياة؟ وكأننا حكمةٌ نقشَهَا المارونُ بأقدامِهـِم على حوافِ الأرصفة؟! ألم يكُن هناكَ حلٌ غيرُ الغياب؟!). وبموجب ذلك الإحساس الساطي يغمره بوابل من المعاتبات، بعد أن يذيبها في (دعاء الأمهات عند الفجر) ليُلحق  المفردات، على ما يبدو، بقوة الدافع الحسّي، ويعزّزها بنداءات العاطفة (مُـتـنصِلاً من  ُفـضول ٍ يُطاردُ نِـيّـتـَكَ في الموت ولو حتى لقليل. ماذا ستجني عيناكَ من الغياب؟ هذا ما يدفعُـكَ لأن تخطو للوراء).
أما الإفراط الذي يبديه في معاتبة الغائب، الذي يتبدى في بعض الأحيان بمثابة رغوة لغوية فائضة، فما هو إلا محاولة يائسة لتأصيل حس الكآبة، للإرتقاء بالكلمات إلى مستوى الوجع. ووفق تلك المقتضيات الشعورية المعزّزة بمستوجبات فنية، تنعدم المسافة بين النص وما يقوله، أو هكذا تنجرف المفردات والسياقات ومستوى الصوغ أيضاً ناحية الحنين، المحفوف بمتوالية من التوق والحزن، والرغبة في إحياء الذكرى، واستفزاز المنقضي. وحيث تشي كل تلك التداعيات بظلال لون يوحي بالذواء، أقرب إلى عتمة وكآبة اللون البّني، الذي يغترفه منير عوض من فراغ لا نهائي ليكتب فيه وبه ذات العبارات الموجعة، المشبّعة بلوعة الفراق، واستحالة اللقاء (ألم يكُن هناكَ حلٌ غيرُ الغياب؟!.. أعلمُ أنّكَ لم تكُنْ لتخْتارَ بيني وبينَ الغياب؟! وأنّ رطوبة َ يَديكَ على الكُوب، ستـَنْدُبُ كثكلى، فيما لو لم تعُدْ؟؟ كيف تعُود؟؟ ذلك الحنين إليك..ما استطعتُ إيقافَ عبورهِ إلى ناصيةٍ مُبللةٍ بأنفاسِك!! ألم يكن هناكَ حلٌ غيرُ الغياب؟؟).
إنها قصيدة بنّية داكنة تنسج مركباتها الفنية والموضوعية على أنين الواقعة. وإن كان ذلك التطابق الموّلد للألم، لا يجعله مهجوساً بإعادة إنتاج أو سرد حدث الموت، بقدر ما يعيد إنتاج الألم المتأتي من الفقد، فهذا هو طقسه الواقعي والكتابي، الذي يمزج بمقتضاه الألم باللغة، أو يستنقعه فيها بمعنى أدق (ليس الصدقُ. هو ما يدفعني لأبعثرَ أكوامَ الصمتِ في داخلي، قُربَ منَافذِ الدمِ الصاعدِ نحوك. أبداً..!! إنه وَجدٌ يقتادني إلى ساحتهِ كلَّ صباح لينحرني هناك، على مشهدٍ من حزني، وهو ينزف اسماً واحــداً فقط. أبدا لك أن السماءَ اقتربتْ منك حينما بكيت؟؟ أحقاً ما يـقـولونه إنك نذرتَ مـقـلتيكَ للدمع حتى يعود المستحـيل؟؟).
وعند فحص الدلالات الجوهرية للنص، يُلاحظ أن المعنى يفرض سطوته من خلال كثافة التصويرات المتلاحقة، المؤكدة على مضمونه التراجيدي، أو تلك هي السمة الجوهرية لمعنى النص، حيث يمكن التقاط ذلك الاحتشاد التصويري في مساحات نصية  صغيرة جداً، تنهض كالعادة على مهاتفة الغائب، وكأن الإشتياق يصعّد الخيال ويزيده حدة (اغسل ثرثرةً علقت بكفين، تلوحُ بهما لصدى يعبرُ التلة، إلى ضوءِ مضطجعٍ على جنبه. ربما يجدي كل ذلك في استدعاء أساطير. تعلمتُ من حزنك.. كيف تنظمها أشباحا حول عنقك،  تطرد بها ما تخلفه التلة من أنفاس، كلما سكنت رئتك. استبدلتها بإسفنجة أكثر عطبا. أبـيـتّ حقاً نية اللواذ إلى التلة؟؟).
ويبدو أنه قد تقصد إشباع نصه بذلك المضمون الفجائعي، لا بالمعنى الفني وحسب، بل نتيجة انقياده اللاإرادي لسطوة الحدث، كما يتضح ذلك الهاجس في طبيعة البنى اللفظية، التي استطاعت بصدقيتها ودفئها التكويني أن تنحت مجرى النص، ليس نتيجة كونها كلمات فائضة بالشاعرية، وذات حمولة دلالية وحسب، ولكن بوصفها أنساقاً للمعاني التي أراد توطينها في النص، حيث بدت بمثابة الوسيط اللغوي للتعبير عن وجوده المادي والشعوري، بمعنى أنها صارت، هي الشكل التعبيري الذي أقامه كقداس جنائزي لمناجاة الراحل (ولو أنك حبوتَ  ـ معتمداً على نيتِك ـ إلى التلة، تستعير حياةً من الموت، لما عاجلك الصدأ!! ولكنك أصغيت إلى هتاف، فما إن تحدثُ نفسك بتجاهله، حتى ترجوكَ من أجلهِ شغافٌ تحتَرِق).
إنه نص مسكون بمازوخية لغوية مردها فائض الحنين، الذي يتحرك باتجاه عمودي كمعولٍ لتمرير التصويرات المباغتة بطزاجتها وسريالية تراكيبها اللفظية (أشمُ رائحَتـكَ في أكمَامِي!! مثل غصن ٍتسلقَ مِزْلاجاً ـ للتو ِـ كسَرَتْهُ الريحُ، فوقَ عنق ِ بابٍ وقفَ حائراً لمنظر ِ دَمعَةٍ، اندفعتْ للعَزاء). لدرجة أنه يقلب معادلة الغياب، فيستدمج نبرته بصوت الغائب، فيما يبدو حالة من التماهي، على أمل أن يكون النص محل التقاء، إن لم يكن عودة ممكنة (إذا كنتَ ـ الآن ـ تـنـبـشُ التلةَ بحثاً عنه، فلم يبق أمامَكَ إلا تتبعُ الصوت. فهنا رتقَت بتجاهلِك ما خرجَ عن النص، وهناك ستجدُ ما غادرَ منك متكوماً إلى جانِبِه!!). أو هكذا يراهن على سطوة الكلمات، لتمكيث صورة الغائب في ذاكرة يخشى عليها من النسيان. كما يشتعل خياله على حافة التمنّي ليتصور الفقيد فوق الرمل الذي يُفترض أن يضم جثمانه، وكأنه يهب الأرض بكل وساعاتها شيئاً من هالته (لم يعد يسعُك ـ أيضاً ـ إهالــةُ جسدِكَ على الرمل).
هكذا ينمو النص، ويتبأر في وحدة شعورية عمودية، يتم بموجبها تكثيف النوبات العاطفية في حقل شعوري مركزي، أشبه ما يكون بالذاكرة المثقلة بأفعال كلامية متوازية وضاغطه، تستمد طاقتها التعبيرية من قوة الإستعارة، تتحشّد لتنصيص الشعور في أضمومة يقلّبها أمامه ويخاطب فحواها المفجع بانكسار (أوراقٌ ـ لـطالما غـَمَسْـتـَها بالحزن). أو تلك هي الغمرة الشعورية المهيمنة، لنص ينهض على هاجس إثباتي، يختزن نبرة نعي كثيفة، معتمة، وطاغية، تتردد في صور شعرية موقظة للحس (ولستَ تملكُ من الرغبة..ما يَكفي لسدِ منابع ِ الدمع، وأنتَ تهذي بالقصةِ ذاتِها..لحُطام ٍ باتَ مَسكنك!!). وبموجب تلك الرغبة الإثباتية تشق المفردات الذائبة دربها في مجرى الدمع وتمتزج -بنيوياً- بمرادات النص الرثائيه (ربما لا يكفيكَ ــ وأنتَ تحرِّكُ ساعةً نَـمَـتْ على كـــفِّ طفولـــتك ــ أنْ تخمنَ أنَّ أصدقاءَك لم تعد تفتنُهم أسطورةَ حزنٍ وفقدٍ ترويها، كلما جذبَك حنينٌ من ياقةِ غفوتِك. اليقينُ ها هنا هاوية ٌ لا بد أن تلقي بنفسك من عليها).
كلماته المُتعَبَة، لا تبدو مستجلبة من القاموس، بل تقفز على غير إرادة منه إلى سياقات نصه، فهي مقدودة من مهجة محترقة بالشوق، ومغمّسة في ضراوة حنين لاهب، وهنا يكمن سر كثافة ظلالها البنّية الداكنة، التي توحي بصورة كاحلة عن الوجود، نتيجة ارتباطها العضوي والشاعري بفكرة الموت، وذلك هو مصدر جماليتها أيضاً، وقوة تأثيرها، خصوصاً أنها تتخذ، في أغلب الأحيان، من صيغة المناجاة والمناشدة مبرراً لتشكّلها الفني (فكيف لبُرعم ٍ نمَا على تِلال ِ صَوْتهِ أن يَعِي أنّكَ غادرتَ ــ بالفعل ِــ تاركاً خلفك ظلالاً تـَتدلى على أكتافِهَا حِبالٌ فَتَلَهَا الحُزن!!). إلى الحد الذي يمازج فيه بين أفق التوقع القرائي خارج النص وداخله (لا شك ستموتَ لو أخبَرُوكَ " أنَّ ريحاً ستحمِلُه إليكَ " لِـمَ لا تسنِدُ رأسَكَ إلى يَديْكَ، تبحثُ في جغرافيَا الأفق عن اتجاهاتِ الرياحِ!!).
الشوق إذاً هو القيمة المهيمنة في النص، وهو المكمن النفسي الذي تصب فيه الأحاريك الأفقية للنص. وكل تلك المصفوفات الكلامية تؤدي في نهاية المطاف إلى ذات المعنى، كما يفصح الشكل الداخلي للغة، والبنية اللفظية أيضاً، حيث تنوجد اللغة بصفتها شيئاً موجوداً ودالاً، بل خالقًا للمعنى (سيـبـقى ذلك الكائنُ النائمُ في البعيد " أسطورة شوق ٍ" تـُرددها حينما لا تجـِدُ من يحتضنُ ذهولكَ الراكضَ خلفك). وعليه، فإن كل عبارة من عبارات النص، إما أن تعمّق حالة التوق، أو تدفع بالنص إلى تشكيل وحدة كلامية أفقية تؤكد على ذات المعنى، وتفصح عن المحتوى (تقاطرت حَـكـَايَـا لا ُيفضِــي بكَ وَهنُ استعَادَتِهَا إلا إلى الجُنونِ، وأنتَ تكتبُ على الجدَارِ ذاتِهِ اسمَهُ قُربَ روحِكَ وتصلُ بـينهما بغصنِ).
من كلماته المستمدة في الأصل من هول الحدث، تتشكل القوة الأولية للنص، حيث تتخفف (أناه) من موضوعيتها لتتحول إلى حالة شعورية، فكل تلك الشطحات التصويرية ما هي إلا صورة من صور الانعكاس الطبيعي لحاجاته التعبيرية الأصيلة، باعتباره المتكلم، أي منتج النص، المتورط شعورياً بمادية الحدث، والمستحوذ بدوره على عقيدة اللغة، حيث ترتبط لغته مع الواقع من خلال المعنى المتمثل في الموت. وذلك هو منطق النص، المكتوب بإحساس ذات أعياها الإنتظار من خلال باب أخرس، تُسمع من ورائه خطوات الراحل وهو الذي يغادر إلى التلة ليندس فيها، دون أدنى التفاتة إلى من ينشده البقاء، الأمر الذي يجعله يغص بعبارات مثقلة بالوجع (هـذيَــانٌ ترتـَدِيـهُ فـــــــــــوقَ ابتسامَـتِك..سيواري ذلك المخنُوق بداخلِك).
ولأن اللغة، مهما تمادت، لا يمكنها أن تحتوي انطباعاته الحسّية، يراود نفسه بالخروج عن النص، ليتمكن من العودة إلى الواقع، أو تلك هي طريقته اللاواعية -ربما- للإحتجاج على فجائعية الحدث بعبارة ناتئة ومباغتة (ألـمْ تـَـشْـــتـــَـقْ إلــــيَّ!؟). إلى أن تنخفض نبرته، وتتضاءل رغبته في الكلام، فيما يوحي بالتعب، والإنهاك، والإفصاح عن فشل مفاوضة الفقيد على العيش. أي انهيار الوعود المتخيّلة، ليعلن قراره الأكيد بإغلاق النص، حيث الصمت بما هو اللغة التي تعادل الموت أو تليق به (. . . . . . . . نُقط لم تعُـد هناكَ أسطرٌ بعدَك).
جريدة الرياض – الخميس 22 يوليو 2010