طباعة    ايميل

نهاية التاريخ الشفوي

 

 

تنصيص الواقع - من المشافهة إلى الكتابة

بما يشبه الحنين الروسوي للريف والتأفف المجازي من المدينة، يقرر عبده خال أن " المدينة تعلمك القذارة " وذلك في روايته " مدن تأكل العشب " وهو هجاء يتكرر بكثافة في الرواية المحلية مع معرفة الروائيين، المتحدّرين من أصل قروي في الغالب، أن المدينة تغري الكائن وتجرؤه على كتابة الرواية، وهي الكفيلة أيضاً، من الوجهة الإبداعية، بإنهاء ما يعرف بالتاريخ الشفوي، أو هذا هو مكمن النظرية التي تضع سحرية خطاب القرية، بعفة تداعياتها الثقافية والأخلاقية والإجتماعية قبالة خطاب المدينة، الذي يبدو بدوره مكشوفا ومعقدا في آن كناظم للعلاقات الإنسانية، حيث تنتفي الكينونة ويتصعد الحس الفرداني، فالولادة الجديدة للرواية المحلية مدينية بامتياز، وعليه فإن النصوص الروائية المتولدة لا تنفصل بحال عن تلك البنيه الثقافية الأشمل، وعما تؤمّنه لها من فضاء ديمقراطي، واختبار حداثي أشبه بالصيرورة الدائمة.

ليس من المصادفة أن تنتهي مجموعة من الروايات بعودة البطل إلى " الرياض " أو مغادرتها ( ناصر بطل سقف الكفاية يعود إليها من كندا مقبوضاً، وإلى نفس الوجهة تغادر هند بطلة هند والعسكر ) أو بعبارة رثائية تثير الذعر والتخرص مما ستؤول إليه هذه المدينة الساطية ماديا ونفسيا، كما اختتم ابراهيم الخضير روايته " عودة إلى الأيام الأولى " بالقول  " الرياض لم تعد إلى ما قبل الثاني من أغسطس 1990 !!! شيء ما تغير " وكأن الحياة والرواية أيضا في مكان آخر، يلهث الرواة بحثاً عنها، فيما يشبه الرحيل إلى إيثاكا، فهكذا يستدعيها الوعي الروائي، بما هي فضاء ضاغط، أو مدينة مكتوبة حتى قبل أن يسردها الرواة، وتعبّر في حقيقة مضامينها كمكان، عن هوية استحواذية جامعة. ولأنها ككل الأماكن ظاهرة مرتبطة بالذات وبالوقائع المعاشة المتعلقة بالإنسان، جعلها بعض الروائيين عنصرا حكائيا، وربما مارسوا شيئا من الكراهية ضدها، لأنها مفروضة بقوة حتى على رواياتهم، أو تموضعوا فيها قسرا ليسردوا قراهم، كما روى أحمد الشويخات " سيهات " في روايته " نبع الرمان " وتغنى أحمد أبودهمان أيضاً بقرية " آل خلف " في روايته " الحزام ".

الرياض، قيمة مادية على أرض الواقع، تفرض سطوتها على الفعل الروائي، إذا ما تم تحليل هذا الجانب من السرد الأدبي، ومقاربة الشعرية الجديدة للمكان، حيث تتحول إلى مدينة ملعونة. جاذبة ماديا، وطاردة روحيا، يصعب الإقتراب منها - روائيا - دون استدعاء جملة من التداعيات التاريخية والسياسية والإجتماعية والنفسية، ودون تحميلها، كفضاء مديني، وكمختبر شامل للحداثة، جريرة الفتك بعفة القرية وشعرية تداعياتها، فقد موضعها أحمد الدويحي بهجاء جمالي في ثلاثيته " المكتوب مرة أخرى " قبالة قريته " العسلة " أي خارج مفردات أمه الجميلة، كما اختصر ذلك الوسواس الحداثي تركي السديري في إشارته المبكرة إلى " جدار القرية " الذي كان يتهاوى أمام ضربات المدينّة والتحديث، أو كما عبّر فهد العتيق - روائيا - عن اضطراب تلك الصيرورة بكائنه المؤجل، الذي رآه صعب التشكل على أرضية متحركة، تتعرض على الدوام لمؤثرات واستقطابات على درجة حادة من التباين.

ذلك الصاعق الحداثي هو الذي عجّل بتقويض الحاجز بين المضمر وما تمت معالنته سردياً، للتأكيد على أن الرواية بنت المدينة. ولأنها كذلك، تورطت بشكل لا إرادي في حالة من التدافع مع الشعر، إذ عاشت الرواية المحلية على هامشه لزمن، وأدمنت صمتها تحت وطأة الأيدلوجي والشعري والسياسي والإجتماعي، لتصل اليوم إلى خطاب أكثر تعقيداً يتم بموجبه كسر حاجز الشفاهي كما يتداول كحكايا، على حافة الكتابة بما هي وسيلة من وسائل الحداثة لتشكيل الذات وحضورها، فهي الحلقة الأكمل والأهم في متوالية ( الكلام - اللغة - الكتابة ) وبما هي المعادل البنائي للهوية، على اعتبار أن السرد شكل من أشكالها، بتصور بول ريكور، أو هكذا صارت الرواية تفرض شعرية من نوع آخر، بما تقترحه من شرط خاص يتأسس على مسافة بين التطلعات الشعرية وبين نثرية العالم الخاص.

كل تلك التداعيات الموضوعية والفنية عجلت بالإجهاز على ما تبقى من التاريخ الشفوي، والتقدم داخل مستوجبات اللحظة التدوينية، بوعي مضاعف يتمثل في نص يتجاوز النزوة الذاتية وإمتاع السامعين بلذة الحكي، إلى استراتيجية متعددة الأبعاد تراهن على شكل جديد من التلقي، برواية تشبه منتجها بالضرورة، ولا تستعير عوالمها وشخوصها من المنافي، أو بالمعنى النقدي، صار " السرد " بما هو فعل واقعي أو خيالي، بتعبير جيرار جينت، أمراً ملحاً لتجاوز شفاهية الخطاب، كما يتمثل في بساطة المركبات البنيوية للقصة والحكاية، الأمر الذي استدعى تجاوز الوعي السماعي القروي، وتنشيط فعل القراءة النوعي، رهاناً على قارئ يقارب النص كمؤلف مضاد، أي ككائن تداولي، لا يكتفي بملامسة النص أو المنتج الإبداعي بمعزل عن عملية انتاجه، إنما يمارس التفكير المعلن في شروط تولده التاريخية والإجتماعية والنفسية، لتفتيت وهم الملكية الفردية للنص، المتأتية من الإيمان الأحادي باللغة، والتماس بالمعنى الخلاق للثقافة.

إذا، المدينة كانت ضرورة فنية وموضوعية، ليس كفضاء مكاني متخيل وحسب، ولكن كحاضن حياتي، تستشعر فيه الذات جملة من المعاني الإنسانية الحية عبر اللغة، لإمتصاص مركبات الثقافة القبلية والقروية والفئوية والمذهبية، واختبار كفاءة الذات على حافة المعنى الأحدث للثقافة، بما يعنيه من التعدد والإقرار بالآخر، داخل حاضن مديني أوسع يتمثل في العولمة، التي تهب صوتا لكل فرد مهما طالت إقامته في الهامش. وبموجب هذا التحول تم التخفف من غلواء التهويمات الشعرية، واستثمار فرصة تاريخية ثمينة لصعود " الفردانية " كما أعلنها القصيبي في " شقة الحرية " والتعاطي الأحدث مع متطلبات الكتابة الروائية، رغم العناد الرومانسي الذي أبداه عبدالله ثابت في روايته " الإرهابي 20 " لمديّنة " أبها " وإنكاره المجازي لما طرأ على قريته من تحولات دراماتيكية، بديالكتيك نفي مكتظ بالعبارات الشعرية " لا يليق بأبها إلا أن تكون قرية مهما ملؤوها بأعمدة الضوء والبنايات والشوارع الإسفلتية والمتاجر والأسواق. إنها قرية على طريقة المدن، مثل الفتاة الريفية التي ألبسوها ثياب المدينة إلا أنهم لم يستطيعوا تغيير جسدها الريفي ".

هكذا تم تجاوز اللحظة الشفهية بتحريك مكامن المسكوت عنه، المحكي ضمنا، أو الراكد، بسبب جملة من الإعتبارات الفنية والموضوعية، وعليه صار إنطاق ما يعرف بالتاريخ الشفوي أمرا ممكنا، من خلال ذات مهجوسة بالحضور عبر مدونات هي بمثابة الوثائق أو السجلات، كما تمثل في " ميمونة " محمود تراوري مثلا ، حيث الإنقلاب على " زمن الكليات المغلقة " والإنتماء إلى " زمن الخصوصيات المفتوحة ". أي الذهاب إلى المجتمعية عبر الفردية، والخروج من خرس مجتمعات ما قبل الرواية إلى المابعد الروائي، التي يشبهها بيير كلاستر بالكتلة الصماء، أو هذا ما يقرره بنقدية جارحة حين يقارب الكيانات البشرية التي تعيش عماها الحياتي وليس التعبيري وحسب.

في ظل تلك العتمة الماسخة للفرد تنهض الرواية كممر لتفتيت بنية الصمت، إثباتا للحضور، أو هكذا تبدو كفرضية أنطولوجية تقوم على الرغبة في الإنوجاد المعززة بروح الإستمرارية. وبمقتضى هذا التقعيد الأناسي يمكن التماس بتلك المتوالية من الروايات في مجتمع مصاب بالتشظي، وانفقاد السحنة الإجتماعية الموحدة، أو خضوعه لهوية مركزية مفروضة من نسق أعلى، وانكشافه الصريح أمام بؤس الواقع ومزاعم الشعارات، ووهن الأيدلوجيا، وتهاوي المركب القبلي والطائفي، وانفضاح ميكروفيزيائية السلطة بكل أشكالها ( الدينية والسياسية والإجتماعية ) حيث أصبح حتى الإنشقاق على مركزوية النسق، ومهادنة الخراب، وانمساخ السحنة الإجتماعية مادة ضرورية وصالحة للكتابة، بل وقودها للتصالح باليومي مع الجغرافيا والتاريخ وإعلان الرفض للهوية الضيقة أحادية البعد، بما يعني استدراج الروائي للتماس بالمفهوم الأحدث للثقافة الذي يتجاوز سكونية مركبات الموروث الثقافي الفلكلورية، إلى الإقرار بالتكامل التعددي عبر الفردي.

ولأن الرواية خطاب تفاعلي يحدث تماسه مع كافة أشكال الوعي ( الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والنفسي والتاريخي والأسطوري والنسوي وحتى الشعبي ) يفترض وجود ذلك الوعي في الفعل الروائي المحلي ولو بمنسوب بسيط، فالرواية تعبير عن مجتمع يتغير، ولا تلبث أن تصبح تعبيرا عن مجتمع يعي أنه يتغير، بتحليل إيان وات، وهذا هو مكمن الوعي الذي يمكن امتصاصه بالفعل من عالم بعض الروايات الجديدة، المحقونة بالمضامين حد تحولها الى خطابات أيدلوجية لا تراعي متطلبات البنى الفنية، بل تقتات على صيرورة أوسع وأشمل من مقاصد وقدرات الفرد، كما يلاحظ في روايات تركي الحمد مثلا، التي تم تعاطيها كمنشورات سياسية وعاطفية إلى حد ما، على اعتبار أن الرواية، بتصور ميشال بوتور، ليست مغامرة الفرد بل المجموع، أي المجتمع الذي " لا يتألف من أناس فقط، بل من كل ما هو مادي وثقافي ".

هذا ما تتطلبه الرواية في علاقتها بالواقع، عندما تحاول تنصيصه، أي الكتابة بروح اللحظة التي تماثل النص الإبداعي بمقومات الخطاب الإجتماعي والسياسي، فيما يعني الإقرار بالتحول وبالتاريخ الإنساني كترجمة لانزياحه المستمر، حسب فيصل دراج، وكتعبير عن زمن راكد يعوزه التغير والتبدل، على اعتبار أن الرواية، تنتمي أيضاً إلى زمن الحداثة الاجتماعية، التي تمارس ضربا من نقل العلاقات الإجتماعية من الواحد الى المتعدد، ومن المتجانس الى المختلف، ومن الثابت المقدس الى متحول لا قداسة فيه، فهذه الإنعطافات اللافتة في المشهد المحلي انما جاءت اثر انهيار الوهم الأيدلوجي، وما تبعه من ترد اقتصادي، وانكشاف الكائن أمام قدره كفرد وليس كمنظومة فكرية وسحنة اجتماعية وحسب.

إذا، الرواية تحدث في لحظة التحول، وتؤثر فيها بعمق عندما تعبر بوعي عن ذلك الإنتقال التاريخي، فهي أكثر نظم التمثيل اللغوي كفاءة، بالنظر إلى ما تتسم به من حيوية وتنوع يسمح بتعدد وجوه التعبير عن الحقيقة، ولذلك تأهلت كخيار أدبي ينهض بالتحديث على مستوى المرجعيات الجمالية والمفاهيمية، فهي خطاب استحواذي على درجة من الإشتباك بالمنظومات الفكرية والعقائدية والأخلاقية، ويتداخل فيها آخر طرازات السرد والتفكير الإنساني، بل هي الفضاء التواصلي الأصدق لتمثل شكل الحداثة الإجتماعية، وعليه جاء النص الروائي المحلي ليعمل ضمن وظيفة تمثيلية كاشفة لطبيعة الوقائع، من خلال رواية جديدة هي بمثابة نص أدبي متعدد الأبعاد، لا يتخفف بحال من المعنى الوظيفي للثقافة، وكأنها أرادت أن تشكل ضميراً متنوع الدلالات بتحريك جملة من المرجعيات التاريخية والإجتماعية، والتماس بنظريات ما بعد الحداثة التي تضع الإعتراف بالتباين والإختلاف والتنوع والتعدد شرطاً لتحديد معنى الثقافة.

هكذا انفجرت بنية الصمت، وقررت ذوات كانت تبدو مجبولة على الإمتثال، ومجتمع موصوم بالخرس المزمن أن ينروي، فيما يبدو انهياراً مبيتاً وحتمياً للحاجز القائم بين الشفاهي والمكتوب، كما تفترض نظرية الرواية أيضا في طابعها التدويني، حيث أفصحت بدرية البشر عن ذلك التحول بصراحة في روايتها " هند والعسكر " من خلال تحريك التاريخ الشفوي من أقصى مكامن صمته، من خلال تصديها لتاريخ العبودية كما اختزلته في بطلتها " عموشة " ففن الرواية كما عبرت عنه هو " مهارة توارثها أهل بيتي، وكنت أول تلميذة تحب أن تصغي وتتعلم فن نسج الحكايات، ثم إعادة رسمها على الورق " فيما يبدو محاولة للخروج من الحكاية إلى السرد، أي التدوين، ليس بمعنى التوثيق والتسجيل وحسب، بل بدعوى الاقتراب من المستوجبات الأحدث للفن والأدب.

إذا، صار من الممكن الإصغاء الضمني، أو التنبؤ بقصص لم ترو بعد، والتعويل على إنهاء منهجية التملص والمراوغة التي كانت تحد من سقف التعبير، أو ما ينبغي أن يقال، أو " التأريخ " بما هو غائية تقوم على المحو والكتابة، وبما هو مرجعية للإجتماعي والسياسي بمعنى أدق، فالمواظبة الكتابية اللافتة - روائيا - أنتجت في العقد الأخير ما يفوق رصيد المنجز الروائي منذ بدايات التأسيس، وما يمكن اعتباره " رواية محلية " ولو بالمعنى الكمي، فذلك التنامي المطرد في أطوارها، الذي أوصلها إلى ما يشبه الظاهرة متعددة الدلالات، هو ما يقلب رتابة السؤال الجوهري المزمن عن سر غيابها إلى البحث عن سر تعاظمها، والبحث عن معنى إعادة تموضع طابور طويل من المبدعين في خانة الرواية.

وبالتأكيد تجسد تلك المراودات السردية وثيقة حية لشخصية المكان والإنسان، فهذا التواتر في الإصدارات دلالة صريحة على كتابة من صميم التجربة والخبرة، أو هكذا يمكن التعاطي مع إشارات هذا الفعل الإبداعي، حيث أطلت زمرة من الروائيين الجدد، ولكن " الرواية الجديدة " لم تنوجد، إذا جاز استعارة وصف روبير بانجي للمشهد الروائي الفرنسي إبان حمى البحث عن رواية جديدة، فقد برزت مجموعة من الأسماء الجديدة التي تقتحم عالم الرواية للمرة الأولى، وتقاربه بمحاولات تجريبية جادة، أو تثويرية لمضامينه بمعنى أدق، بحثا عن رواية مختلفة بكل ما تعنيه الكلمة من إنشقاق، للخروج بالسرد أيضا من صرامة بناءاته التقليدية، إلى أفق حداثي متعدد الأبعاد شكلا ومضمونا.

ولكن يبدو أن أكثر تلك الروايات مجرد قصص قصيرة منفوخة، عند الإتكاء على التعبير الإنتقاصي لامبروز بيرس، لأن دلالات المنتج - كما وكيفا - لا تتناغم بنيويا بالمعاني المتعددة للكتابة كمفهوم ووظيفة وفن، مهما قيل عن محاولات الحد من تطرفاتها التعبيرية والبوحية، فالرواية المحلية في علاقتها بالواقع تبدو ذات طابع امتصاصي، تلهث وراء الحدث، وتستعرض اللحظة، التي هي أكثر مراوغة وغموضا مما يعتقده ويسجله الروائيون، بشكل توثيقي، ولا تقوم بمهمة تحليل تداعياتها، حيث يتبين أن الواقع بعموميته هو أكبر مرجعية، وأهم مضخة معتمدة، كما تنفرض عبر الحدث والوقائع وليس بموجب مناخ فكري، وهو ما يفسر عدم وجود مرجعية سوسيولوجية حيوية متبلورة، كما هو حال " المخيم " بالنسبة للرواية الفلسطينية، وكذلك " الحرب الأهلية " بالنسبة للرواية اللبنانية، لحظة ولادتها الجديدة، وأيضا " الحارة " بالنسبة للرواية المصرية في طور تشكلها، أو الرواية العراقية الحديثة في لحظة الشتات وهكذا.

وإذ تؤسس هذه الأصوات لرواية بمواصفات محسوبة تراعي المنسوب المتواضع، أو الحذر للحداثة الإجتماعية، تتقاطع بشكل أو بآخر مع فكرة لوكاتش عن الرواية كصوت للبرجوازية والفردية، أو هكذا يتحقق ضمنها ذلك المنحى من نظرية الرواية، بما هي الشكل التعبيري الأكثر انفتاحا واستيعابا للخطابات الإنسانية، أي ملحمة العصر الحديث، كما تصورها باختين كحوارية قوامها التعددية اللغوية، حيث تتكثف غالبا على حافة الهوية كمعادل للكتابة، وهو ما يتأكد بشكل جلي عند تأمل الذوات المنتجة للروايات المحلية، وتفحص وعيها أو صلتها بالكتابة، أي اختبار ما تنتجه من مستويات متباينة في المواقف والتجارب، على اعتبار أن الرواية كتابة تضطلع بمهمة إعادة اكتشاف الذات، من خلال مفهمة التاريخ، والإحساس الشخصي به كذاكرة، أو توسيع معنى الموروث بوعي تداعياته الزمانية والمكانية.

إذا، الرواية المحلية تشبه بالضرورة منتجيها، ولذلك تبدو معظم ضرباتها الأولى سير ذاتية مموهة، وبالضرورة هي رواية مقنّعة، بدليل عدم وجود مسافة بين المنتج الروائي وما يقابله من كتابات سيرية أو حتى فكرية، وهو ما يتقاطع مع استنتاج كليف جيمس، ومع ما يعلنه حول جدلية التقنّع بنبرة نقدية جازمة، إزاء تلك الأوتوبيوغرافيا الروائية، فإحساس الروائي الضمني أو الصريح بتميزه عن الآخرين - اختلافا أفقيا أو ترتيبا سلميا - يكون في الغالب هو الدافع لسرد جوانب منتقاة من حياته، والترويج لسنته في الحياة، وكذلك اعتقاده بأهمية وجاذبية الأحداث التي عاشها خلال تلك الفترة وما تضمنته من زخم أيدلوجي وسياسي، يكون دافعا أيضا لا يقل أهمية عن الأول في ولادة الرواية.

وقد بدا الأمر جليا في جملة من الروايات التي لم تكن سوى لقطات بيوغرافية مستعادة من الذاكرة، إذ لا ترسم ذلك الخط العمودي داخل التاريخ، وبالتالي فهي لا تؤسس حدث الكتابة الروائية بمعنى متجاوز، كما يفترض في الرواية أن تكون، أي كجهاز " هدمي بنائي في آن معا " بوصف جاك دريدا، وبما هي معنية بالحداثة المتأتية من البحث عن أدب مستحيل. وهكذا كان سرد الحكاية الذاتية، واعلانها كمدوّنة شخصية معادلة للتاريخ المكتوب، ممرا لتحقيق " الفردانية " كما أسس لذلك المنحى المتجاوز حتى للمنزع الذاتي غازي القصيبي بروايته " شقة الحرية ".

هكذا أعيد اختراع " الأنا " ولو بنبرة خطابية فارطة، وهو أمر متوقع فللخطاب من الوجهة الفنية والموضوعية، مكانة واسعة في السرد الأتوبيوغرفي، عند تحليل ميثاق السيرة. وبتلك الشخصنة التي طغت على المنجز الروائي انتصرت " أنا " الراوي، بما تحمله من نثار السيرة الذاتية والإعترافات المموهة، عبر ازاحات المتخيل الروائي، حيث أعاد الراوي اكتشاف ذاته، أو بمعنى أدق، أعاد مركزتها ازاء " الآخر" بكل أطيافه وامتداداته، في منعطف العلاقات الاجتماعية، بحيث بدت أغلب الوقائع والحوادث لفرط واقعيتها مسرودة بشكلها النيء الذي يحيل الى متخيل روائي محدود في تمويهاته.

ذلك المتخيل الروائي المراوغ لتسريب الوقائع المسماة من النص، وتأكيد " الأنا " هو ما جعل من رواية/سيرة علي الدميني أيضا ( الغيمة الرصاصية ) تنفصم على حافة مربكة ما بين اللعبة الأدبية - اللغوية تحديدا - وبين الشهادة الشخصية الحية، المنذورة لتسمية الأشياء، وإن بشيء من الوجل الذاتي، الأمر الذي أسس لعازل نفسي عند إحداث تلك " الأنا " تماسها بنسق الحياة الأشمل، ربما لأن الذاكرة كمكان افتراضي، لم تقارب عموديا، أو لأن زمن الكتابة، غير زمن الحكاية، كما تحلل يمنى العيد ذلك الفاصل التعبيري في مقارباتها للسرد، فهنالك مسافة بين الحكاية واستعادتها، أو بين العيش في واقع ورؤية هذا الواقع، قد يؤدي الى فصل التجربة عن الحقيقة.

ويبدو أن ترسبات التاريخ الشفوي ورهاباته المزمنة، لم تغادر الذات الراوية تماما، فقد عمد الروائيون إلى توظيف المتخيل الروائي لممارسة بعض التشريح التجريدي البارد للوقائع، وتبني ديالكتيك حذر، للإنزياح عن مهمة تنصيص الواقع، والإنشغال بما يشبهه، وهو ما أدخل أغلب الروايات فيما يعتبره فيليب لوغون خطيئة سيرية، أي إعادة البناء المفصلة والوهمية للمشاهد والحوارات، والحرص على ذكر أسماء الأعلام، وإقحام الأجزاء غير المفهومة من اليوميات الخاصة، الأمر الذي أفقد المتخيل الروائي سمة التجانس ليس مع ميثاق السيرة وحسب، بل مع البنية الروائية، نتتيجة المغالاة في التمويه، والرغبة الواعية واللاواعية ربما للتأريخ.

وهكذا صار التخييل النثري في صيغته السيرية والتدوينية عصباً - شكلياً - للفعل الروائي، دون إمكانية مقنعة لتوليد رواية صادمة تنهض على الإفضاء، يمكن للفرد فيها أن يروي ذاته ومجتمعه بصدق، نتيجة غياب فعل المكاشفة، وازدراء أدب " اليوميات " بما هو المضخة الأهم في تشكيل الوعي الروائي، كما تؤكد العلوم الإنسانية، وتاريخ الرواية حيث يتم تشييد " الأنا " كوحدة تتكون بموجبها البنيات المركبة للتشكيلة الإجتماعية. وبما هو - أي الأنا - الممر السري الذي يمكن عبره سماع صوت الراوي، الذي يطمح بدوره إلى إعادة التمركز في علاقاته الإجتماعية، من خلال الفضاء التعبيري الذي تتيحه الرواية.

ولأن الكتابة الروائية ليست مجرد تعبير عن الذات، بقدر ما هي حالة من الخضوع لسطوة اللغة التي تمارس وعيها المسبق على الذات الراوية، كما هي ضرب من المحو والكتابة لتوسيع مفاهيم الثقافة والذاكرة، تزداد أهمية مساءلة وعي الروائيين، لمقاربة إشكالية هذا المنحى المتعاظم كمفهوم تاريخي، وكاشتغال معرفي، فهذا اللون من الإبداع فن من الفنون التي تحتم التلفت إلى الوراء، فهو إذ يسجل حراكه ككتابة داخل اللحظة الراهنة، يرتد كوعي تاريخي إلى المنقضي، بمعنى أنه واقع لا محالة، فنيا وموضوعيا، كذوات ومنجز، على مزدوجة الحداثة والقدامة، ليجيب على سؤال التجاوز الإبداعي بما هو حراك نحو الحرية ورهان عليها، أو الارتهان التكيفي إلى السكوني بمعناه المحافظ داخل منظومة التراث والثوابت التقليدية، بمعنى أنه أداة ومكان الصراع، أو وسيلة التغيير التي تختزن وعي الذات الراوية.

على تلك المنعطفات التأويلية يمكن قراءة شكل الحضور الروائي المكثف بهذا النحو الاستفزازي، أي من خلال ربطها بمفهوم الكتابة بما هي أكبر دلالات التمثل وتأصيل الهوية، فالقفز على صيغ المشافهة إلى أفق الكتابة الإبداعية، وتوسيع دائرة التجريب، بقدر ما كان ضرورة لإنهاء التاريخ الشفوي، أدى في المقابل إلى التنصيص التسجيلي الساذج للواقع، وإلى شيء من التطرف الحداثي، فأوصل بعض التجارب الروائية إلى كتابة فوقيه أو انغلاقية، تأجيلا أو هروبا من استحقاقات الذات ولحظتها، وبالتالي لم يحدث المنجز أو الفعل الروائي حتى الآن ذلك الإنقلاب المأمول في العلاقات، نتيجة الوعي القاصر بمفاهيم التاريخ والتراث والمكان، ففيما تتسم بعض الروايات بحداثة متطرفة، تختزن في جوهرها انفتاحا أقل، وحذرا أكثر، إذا تبدو بعضها مجرد فضالة حداثوية متأتية من يوتوبيا الإعتقادات، ومشاكلة اللعبة اللغوية لفكرة الحداثة.

وربما تضاءلت فاعلية الرواية المحلية لأنها ما زالت تنكتب بدافع نزقي وليس تحت مظلة فلسفية، لأنها رواية تصف ما تستوعبه - برانيا - من شكل اللحظة، ولا تنبعث من داخلها، إذ لا توظف الطاقة الرمزية والمجازية داخل وعي الكتابة الروائية، بقدر ما تكتفي بالتفنن في بنائها المعماري، وهو ما يعني إنتفاء العلاقة التبادلية مع شكل الوجود المعاش، المقترح، أو المحلوم به، وذلك أيضا نتيجة التعاطي مع الرواية كوسيط لغوي لا أكثر، فهي من وجهة تلك الذوات الروائية غير معنية بتمثل الحضورات النفسية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية إلا كعناوين، وليس كمكونات بنيوية داخل السرد.

وبالتأكيد هنالك الكثير من القرائن الأدبية تؤكد السعي للوصول بالرواية المحلية إلى نصاب أدبي جدير بالتأمل، ويمكن بموجبه الخروج من عماء ما قبل الرواية، من خلال ملاحظة النسق العلوي الناظم لكل تلك المنتجات الروائية، وايجاد رابط جوهري، فني وموضوعي ما بينها، فكل رواية وإن رويت بصوت مفرد، إلا أنها تمثل فئة بشرية أوسع، وفي ذلك الصوت من الدلالات ما يعكس محاولات مستمرة لوعي معنى ووظيفة وخطورة الفعل الروائي، فهذه المنتجات الروائية ليست استطرادا عضويا لرواية عبدالقدوس الأنصاري " التوأمان " وليست انقلابا مدبرا عليها أيضا، فهي أسئلة وحضورات عالقة ما بين الفني والموضوعي وتصب في مفهوم الكتابة، وتعيد موضعة الوعي الروائي في علاقة تجادلية مع الواقع، على اعتبار أن الكتابة هي إسهامة الكائن لتغيير ذلك الواقع.

هكذا يبدو المنجز الروائي في لقطته الآنية، فهو صوت أماكن أو حقب، بمعنى أنها كتابة نوستالوجية متخثرة، مهمومة بتفسير اللحظة لا التوغل بداخلها، وهذه سمة الأدب المقهور الارتكاسي، الرثائي، الأدب الذي يلهج بالأشياء المستحيلة، والوعود المنكوث بها، فهو نتاج بنية خوف وارتباك ومراودات حذرة للحضور، وبالتالي لا يمكن أن ينتج إلا ما يشبهه، ولا يسهم ببناء تصور جديد له من الشمول والتعدد الدلالي ما يواشج الكتابة بالذاكرة والهوية واللغة، كمحل للمغامرة الكفيلة بموضعة الذات على خط الزمن، كما تفترض الحداثة، وكما تشترط على الذات الحداثية لتحمل أوزار اختلافها وجرأة تمثلها.

وبذلك الانزياح عن مكمن الصلة بمفهوم الكتابة يغيب النص الروائي التدميري الذي يفتح الذاكرة و" الأنا " على أقصاها، فالرواية ليست فقط فن الالتفات الى الوراء ، بتعبير كونديرا، بل الكيفية التي يلتفت بها الكائن الى وجود ليس هو ما جرى في المنقضي وحسب، بل ما يمكن للكائن أن يصيره، ويقدر على إتيانه كممكن انساني، ولو بوعي كئيب، حسب بروخ، لتاريخ يكتمل في ظروف معادية، وبشكل عميق لتطور الفن عموما، والرواية بشكل خاص.

لم تعد الكتابة ضريبة للكاتب تجاه المجتمع، كما رسم معالمها رولان بارت، بل أصبحت فعلا نصياً يعبر به الكائن عن تحرره الثقافي، فدخول الاجتماعي في النص، برأيه لم يعد يقاس لا بشعبية استقباله ولا بصدقه في عكس الجانب الاقتصادي والاجتماعي الذي يختزنه أو الذي يمنحه لبعض السوسيولوجيين الذين ينتظرون استقباله بشوق، ولكنه أصبح يقاس بدرجة العنف التي تمكنه من تجاوز قواعد يصنعها مجتمع أو أيدلوجيا أو فلسفة بغرض تحيق الانسجام في حركة تاريخية جميلة وواضحة. إن هذا التجاوز له اسم هو الكتابة. أجل " الكتابة " بما هي المنعطف أو الأداة التي ينهي بها الوعي الفردي والجمعي سطوة التاريخ الشفوي.

**

فهرس

تنصيص الواقع ( من المشافهة إلى الكتابة )
الحزام ... تصميم شعري للحقيقة
ستر ... واقع يشبه الواقع على وجه التحديد
سقف الكفاية ... تمثال لغوي لإمرأة عادية
كائن مؤجل... بلا قيم شخصية
ميمونة ... التاريخ كما تألمّه الأسلاف
عودة إلى الأيام الأولى... مرثية مثقف مهني تافه !!
المكتوب مرة أخرى ... يوتوبيا الكنّاسين
الغيمة الرصاصية .. نص لا يتنازل للواقع
القارورة ... مدفن المجتمع الساهي
قنص ... الموت كمعبر للوعي بالذات
بنات الرياض .. أبيزودات غرامية
الفردوس اليباب .. وجع يتأنث، ويغدو المكان آنية
نبع الرمان .. لقطة طللية لمكان متعدد المعاني
القران المقدس .. حمّام نفسي لذات معولمة
الآخرون ... جسد ايدلوجي