طباعة    ايميل

(مدْينة الحياة)

جدل في الفضاء الثقافي للرواية في السعودية

ردهة...

كل ممارسة كتابية تعادل تطلّع الذات للحضور. وبقدر ما تتضمن شكلاً من أشكال التدمير الثقافي والإجتماعي مقابل ما يُزعم أنها حقيقة مطلقة، تستبطن كتمثلات تعبيرية في داخلها حساسية جمالية تعد ببروز قوة سياسية ذات ملمح حقوقي جمعي، ولو في طورها البدائي، على اعتبار أن النص - أي نص - هو مظهر من مظاهر تجلي الذات، ورغبتها الملّحة في أداء أدوار الفاعلية والمغايرة بمعناها الإبداعي. وهو ما يعني أن اللغة المتوّلدة من شفرات النص، تتجاوز وظيفتها التواصلية بالضرورة، إلى مهمة ذات طبيعة إبدالية، أي تحويل النص ذاته إلى نسق دال، يكون فيه الموضوع الإجتماعي أداة اختراق - واعية أو لا واعية - لقواعد أيدلوجية وفلسفية وعُرفية أيضاً، بالإضافة إلى قيم جمالية اتفق مجتمع ما على تقديسها وتثبيت أركانها داخل حامل نصي يختصر منظومة أفكارها. ومن هذا المنطلق التأملي ينبغي التعاطي مع معنى ودلالات كثرة الروايات الصادرة في السعودية، بما هي منتجات ثقافية إشكالية مغايرة بطبعها، وبحكم كونها صادرة عن ذوات مقهورة ومبعثرة تسعى للإسهام في حركة تاريخية إجتماعية، آخذة في التشكل داخل شروط العولمة وإلزاماتها.

وقد لا تمتلك أغلب تلك المحاولات الإبداعية مقومات الشكل الروائي الأمثل، فهي تتدفق بلا هوادة في فضاء ثقافي على درجة من الإتساع، إلا أنها لم تتصعّد - فنياً - حتى الآن بما يكفي، لتحقيق نصاب أدبي مقنع، بمقدوره التعبير بصدق وأمانة وجرأة عن متناقضات وتوق وتشظي مختلف الشرائح الإجتماعية، وإن كانت من الوجهة الموضوعية، إذا ما تم استنطاقها نقدياً، تمتلك الحق والقدرة على التصادم من منطلق توسيع محدودية وضيق الأنساق الكتابية المكرّسة، بالنظر إلى احتقان بُناها بقيم تقويضية كثيفة وصاعدة تكفل لها التموضع في صدارة خطاب الإبدال الثقافي، بما تختزنه من نزعات تحرّرية، ومطالب حقوقية، وهواجس إجتماعية، تشير من خلال فردانية طرحها إلى الرغبة الأكيدة في تعطيل القدرة الإمتصاصية لتلك الأنساق المحافظة أو مجاورتها على أقل التقديرات، أي التقدم داخل اللحظة الحياتية والإبداعية على قاعدة التضايف، وعدم مطابقة النموذج السائد اجتماعياً وروائيا أيضاً، فيما يبدو إصراراً على التعبير عن اختلافها الصريح والانقطاعي مع المألوف من القيم والمظاهر الحياتية، وما يوازيها من المعايير والأشكال الأدبية، بمعنى الخروج على مسلمات الذائقة ومعاندة العقل المستكين، أي مساءلة شكل ومضامين المنجز الروائي لا تكريس طقوسياته الأدائية.

وفي هذه الأوراق المطروحة في مناسبات ومنابر مختلفة، محاولة أخرى لحفر أعمق داخل تعاريج المنجز الروائي، أي قراءة ما يُنبئ عنه هذا الفضاء الثقافي المتنوّع، وما يتولّد عنه من وعي روائي جديد، محمول على هاجس الإنعتاق من الواحدي (الإجتماعي والإبداعي) إلى مكوّن نصّي متعدد الأبعاد والأصوات، مهجوس بمدْينة مظاهر الحياة، وإن كان هذا الوعي ما زال يؤكد على ارتفاع منسوب الهدف الإجتماعي للكتابة، وإعلاء الوظيفية التعليمية للسرد بمعناها التعقيمي، وهو أمر يمكن تفهمه عند النظر إلى مفارقات المشهد الحياتي وما يستتبع ذلك من طريقة اشتغال اللغة داخل النصوص الروائية المتدافعة بدون احتراز ولا انضباط، في مشهد بات مفتوحاً على إتساعه لمختلف النبرات، ومغرياً بمقاربة أكثر الموضوعات وعورة، ولو على مستوى العناوين، وهو ما يستدعي تلمّس تلك المنتجات الروائية عن قرب. أي تأويل تلك الخطابات وتفكيك مراداتها اللامعلنة، لا تقويل الذوات المنتجة لها. بمعنى عدم النظر إلى ذلك التوالي الهائل من الروايات كبنى مغلقة أو منكفئة على صيرورتها السردية، بل كمنطلق لجملة من الدلالات اللسانية، التي تجد لها على أرض الواقع المعاش مرجعيات قابلة للمجادلة والزحزحة، بما هي مقدمة لإشتباك أشد ضراروة مع متوالية ممتدة وراسخة من الأنساق المغلقة.

إنها محاولة استنطاقية أخرى للتعالق بهذا الوعي الجديد، لاستكناه الطريقة التي يحايث من خلالها الرواية بمقومات واشتراطات المجتمع المدني، بما هو عنوان على درجة من الإلحاح في المشهد الحياتي، تتحلق حوله جملة من القضايا الحيوية، أي كما تتعاطاه الرواية كقيمة تغييرية مهيمنة. ولأنها - أي الرواية - نقطة تتقاطع فيها العديد من المركبات الدلالية، التي ينتج عن تأويلها التعدد في المعاني والشفرات اللا محدودة، تفترض المحاولة أن وفرة وكثافة ألفاظ الفحش الآخذة في التراكم داخل المنجز، لا تخلو من مبرر جمالي صادم، وأن معرفة مغزى ودلالات الإنحياد إلى لغة خادشة للحياء هي ملمح من ملامح التدمير الثقافي الكامن في الفعل الروائي، حيث يتم استغلال الطاقة التعبيرية للخبرات اللغوية لاستكمال الخبرات اللالغوية. وهي ذات النتيجة التي يمكن استناجها عند تلمس وعي الذات الروائية بمسألة الهوية أيضاً بكل حمولاتها وعبء العيش تحت وطأتها والتعبير عنها، وكذلك الكيفية التي يتم من خلالها توسيع المعيارية الأخلاقية والحقوقية عندما يتم توظيف موضوع الحب، بما هو صاعق أخلاقي يتأسس على حافته خطاب الإبدال السوسيوثقافي، حيث الاستدلال به كقوة استبصارية يمكن من خلالها التقدّم داخل ألغام المحرم الثقافي.

وبالتأكيد، يتم اختبار كل تلك المتوالية من العناوين الجدلية وما يتداعى عنها داخل وعي الروائي، وأفق التلقي للقارئ، الذي بات ركيزة هامة من ركائز المد الروائي، لدرجة أن أغلب الروايات صارت تنكتب تحت سلطته كمستقبل فاعل ومشترك سواء بالإيجاب أو السلب، حيث يتصالح الوعي النقدي مع الوعي العام أو يتواطآن على جملة من الإشكاليات، لتبقى تداعيات الإجابة على حال الرواية في السعودية ومآلها مبثوثة داخل الروايات ذاتها، وعرضة لقراءات كشفية متوالية، بما هي إنجاز نصي يدعي لنفسه القدرة والرغبة ليس على تحطيم قواعد الحياة الإجتماعية وحسب، بل الإخلال بتقاليد السرد واجتراح مقروئية متجاوزة لنص الحياة. وعلى هذه الحافة الحادة ينبغي قياس درجة العنف المنذورة داخل هذا المنجز الروائي لاختراق قواعد الثبات الإجتماعي والأدبي، الذي يمكن من خلاله كضمير كتابي، فيه من الوظائف التواصلية والتمثيلية، ما يكفل الاستجابة لاستحقاقات اللحظة، والالتحاق بمتطلبات حركة تاريخية تلوح في الأفق.

*من مقدمة كتاب (مدْينة الحياة - جدل في الفضاء الثقافي للرواية في السعودية) الصادر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.