طباعة    ايميل

نص العبور إلى الذات

القصة القصيرة النسائية الكويتية في الألفية الثالثة

توسيع الذات في فضاء اللحظة الديمقراطية


يُعد الأدب النسائي محاولة لبناء لغة تمثل التحرّر. وهو حسب تصور جوليا كريستيفا للنظرية النسائية بمثابة »البناء الخيالي لجسد الأنثى باعتباره الموقع المتميز للكتابة« فالمرأة الكاتبة مهجوسة على الدوام بالإفصاح عن خبراتها مع العالم الخارجي، وإثبات حقها في الحضور. ورغم إنجازاتها اللافتة في مختلف الحقول الفكرية، إلا أنها لا تكف عن التلويح برغبتها وقدرتها على الإنفلات من قبضة الرجل، على اعتبار أنه (آخر) تتقاطع عند نقطة التماس مع عالمه مبررات حضورها، الأمر الذي يفسر دوي صوتها في نصٍ تحيله ذاتها المقهورة إلى مدار تحرري، وتتغيا من خلاله الكشف عن جرحها التاريخي، لدرجة أنه يتحول إلى مقولة أيدلوجية، يتلازم فيه فعل الكتابة بفعل المقاومة ومراودة النفس للإنعتاق ورفض السائد من العادات والتقاليد، حيث تستنفذ المرأة مقدراتها الروحية والمادية لتفكيك عالم تعتقد أنه قد تم تشييده وفق معتقدات ذكورية.
وعند تأمل ببليوغرافيا القصة القصيرة النسائية في الكويت في الألفية الثالثة، يبدو هاجس إثبات الذات، وما يترتب عليه من استعلان الهوية الأنثوية وتوسيع حيز حراكها الحياتي والأدبي على درجة من الوضوح، كما يتبين - مثلاً - من كثرة التصدي للسرد بضمير السارد العليم، كانتفاضة - واعية أو لا واعية - على حس التهميش والانتقاص، فبمجرد استخدام هذا الضمير الاستئثاري تستشعر القاصة طاقة أو لذة بمعنى أدق على تحطيم كل مظاهر التسلط، وفضح المتناقضات الإجتماعية، وتهديم كل مظاهر الهوية التابعة. تتعزز هذه القدرة برغبة الذات الأنثوية المتعاظمة للبروز كقوة فاعلة ومتحكمة في السرد، لإبدال موقعها من خانة المفعول به إلى صدارة الفاعل، للبرهنة على وجود حياتي يوازي من حيث الرؤية والفعل ما يتنصص داخل القصص.
هذا الشعور الأصيل بممكنات (الأنا) أو نزعة (الأنانة) التي يشترك رينيه جيرار وابن عربي في التأكيد على فاعليتها لإدراك الذات، لا تتعارض مع حقيقة أن المنجز القصصي النسائي الكويتي هو أكثر الأشكال الإبداعية ارتباطاً وتعبيراً عن التحول الإجتماعي، بالنظر إلى كون فن القص على درجة من التلازم البنيوي مع مستوجبات اللحظة الديمقراطية، بما يمتلكه من قدرة على التفاعل مع أنساق الحياة الاجتماعية، واستعراض مظاهر تطورها، حيث تمددت القصة القصيرة النسائية في الكويت إلى ما يتجاوز حدود الجنس الأدبي، حتى صارت بمثابة الفوضى الجمالية الممكنة للتعبير عن اللاتوازن الذي يعتري الذات الأنثوية في محطة عبورها نحو الشكل الجديد للحياة، كما أبانت عن قدرة معيارية لرصد حراك المجتمع الكويتي ما بين القدامة والحداثة أيضاً، وهو أمر يتوضح عند فحص المكوّن اللغوي لذلك المنجز الموصوم بشبهة الذاتية التي لا تنفصل بحال عن شرطها الاجتماعي، إنطلاقاً من النظرية القائلة بكون اللغة صورة شفافة لهواجس الذات، حيث يمكن التقاط ملحمة الحياة على خلفية وساوس الـ (أنا). كما تفضي أغلب القصص بشكل ما من الأشكال إلى الإعتراف بالرجل ومساءلة حضوراته، حد التلويح بإلغائه وطرده خارج النص، أو هكذا يوظّف الوعي الأنثوي القصة التي لا يمكن تصور وجودها خارج اللغة، وبما هي جزء من الظاهرة الأدبية من أجل تحسين شرط المرأة الإجتماعي والإبداعي، وتغيير مواضعات الرؤية التاريخية.

هاجس الاشتراك في الظاهرة الأدبية وتفتيت وهم القوامة
على هذه الحافة يمكن موضعة القصة القصيرة المكتوبة بأقلام نسائية في الكويت، حيث  تبدو المرأة الكاتبة، من الوجهة الفنية، معنية بافتكاك معنى أكثر تطوراً لعلاقتها بالكتابة، إذ يستحيل إنوجاد الذات إلا بها، من خلال اشتراكها الفعلي في تشكيل أحدث تجليات الظاهرة الأدبية لتستكمل ما أسهمت به في تأسيسها، حيث تتفسر من خلال هذا المدار سمة التكثّر في الإصدارات حد استسهال الكتابة وتفشي منتجات تحاول الاستنساب للأدب، وكأن مصطلح الإبداع النسائي يعادل الرغبة في التنفيس الإجتماعي، كما يتبين في استهلال بعض المجموعات القصصية بمقدمات عن معنى الكتابة، تتعمد توجيه القارئ لا التعاقد معه على ميثاق قراءة حرة، وحتى إندفاع بعض قاصات الجيل الجديد إلى أفق الرواية، كما حققت هذه النقلة ميس العثمان، وهبة بوخمسين، وبثينة العيسى، ومنى الشافعي، نتيجة إحساس القاصات باحتياز مخزون في الذاكرة تضيق به محدودية أفق القصة القصيرة، ولصد شكوك الرجل - ربما - إزاء اقتدار المرأة على تشييد بناء حكائي طويل النفس، إذا ما تمت قراءة المنجز وفق ما تشي به معطيات النصوص الداخلية ومن خارجها أيضاً.
الإصغاء التأويلي الى خطاب تلك الذات، يؤكد على وجود صيرورة سردية في هذا الإتجاه، حيث يمكن التمثيل بقصة هديل الحساوي (الدهليز) التي تعتبر بمثابة خميرة لروايتها (المرآة – مسيرة الشمس) حيث الذات الحائرة قبالة لغز الحياة، والشاخصة بمخيالها وعباراتها المعراجية إلى فلسفة مقنعة للوجود. كما يمكن إيضاً، إدراج مراودات التجريب - على قلتها - تحت هذا العنوان الفني، بتأمل ما انزاحت به أفراح الهندال - مثلاً - في ومضاتها القصصية (جدران ممتدة) التي تكتسب أهميتها من مغايرتها للسائد السردي، حيث جاءت على شكل نثيرات سردية (ق ق ج) معاندة لفعل الحكي، لتؤاخي ليلى العثمان في مسعاها لتوسيع حقل التجريب الإبداعي بقصصها القصيرة جداً، ولاستزراع إشارة جمالية مفادها أن المرأة الكاتبة لم تعد زاهدة في كسر مألوفات السرد وتجريب أنماط سردية مغايرة.
ومن الوجهة الموضوعية التي لا تنفصل بحالٍ عن المعطى الفني، تبدو القاصة الكويتية مشحونة بفكرة الإفصاح عن ممكناتها المعنوية والمادية، حيث يعني القص بالنسبة لمعظم القاصات حالة من حالات توسيع الذات، وتعزيز الحضور، الأمر الذي يفسر احتقان المنجز بالرغبة لمحاورة الرجل، وكشف ما يحاول حجبه، أي تفتيت وهم قوامته، والإيذان ببدء مهمة تعريته، حد تشريحه كذات مضادة تحت طائلة الرؤية (النسوية) وإن كانت حدة المجابهة تعني في جوهرها الإقرار من جانب تلك الذوات بأهمية وجوده، إذ لا قص بدون (آخر) ولا سرد إلا من خلال الإعتراف بالغير، فمن البديهي - فنياً - أن القص، أي قص، وبأي ضمير كان من ضمائر السرد يفضي بالضرورة إلى ثنائية (الأنا والآخر). وهو الأمر الذي يحتّم ألا تكتفي القاصة بتوثيق وقائع القهر الذكوري وحسب، إنما أن تكون قادرة على الإنطراح بتجرد أمام (الآخر/الرجل) بمعنى أن تكون (قارئة/ناقدة) لذاتها.

حميميات النصوص وعتباتها
ويمكن تقصي معالم خطاب الذات الأنثوية الكويتية المؤكد على كون المرأة إشكالية تاريخية اجتماعية وعاطفية من خلال عناوين بعض المجموعات، بما هي عتبات للنصوص مختزنة لوعي ومشاعر ومرادات القاصات، حيث الحضور الطاغي للتاريخي والأيدلوجي، وحيث معركة بناء (النص/الهوية) التي تبدأ بتدشين لافتات تحيل إلى فائض المكوّن الرومانسي، أو تلوّح بمغويات التفاصيل الأنثوية (أشياؤها الصغيرة). وأحياناً تحشّد نون النسوة فيما يشبه التظاهرة النسوية (لسْميرة وأخواتها). كما تتمظهر تارة أخرى باغراءات الأنوثة قبالة الرجل (غواية الآخر). أما بعضها فتصرّح برغبة التحاور مع الرجل من منطلق تنضيد وحداته التكرارية كقيمة منسجمة داخل طائفة مغلقة ومجنّسة (الرجال لا رموش لهم). حتى تلك التي تتضمن ايحاءات الخيبة والتجابه معه (ليلة القهر) تومئ إلى تجابه بشكل ما من الأشكال مع قوة ذكورية غير متلفظ بها، مع الإقرار بوجودها كمبرر للمواجهة، وكذلك تلك التي تهجس بالعزف المنفرد على مشاعر الذات (فضاءات الحب) التي تستجدي حضوره، وهكذا يمكن التقاط متوالية من العناوين القائمة على التدافع والتجاذب والإغواء والتوتير التي تحمّل أغلبها (الرجل/الآخر) جريرة إندحار مشروع الهوية الأنثوية.
ولا شك أن هاجس الحضور الحياتي والإبداعي للمرأة منغرس بعمق في المشهد الكويتي. وقد قطع الجيل الأول من القاصات شوطاً ملموساً لتحقيقه، حيث تراكم انتاج المرأة بشكل ملحوظ، وبرزت متغيرات على أرض الواقع أدت إلى ظهور مصطلحات جديدة ترسم شكل العلاقة الجديدة بين المرأة والكتابة، وعليه صار السؤال يأخذ أبعاداً أكثر عمقاً واتساعاً نتيجة انفتاح الفضاء الاجتماعي، الأمر الذي أتاح بدوره فرصة تطوير الشأن الحقوقي، وتحديث أدوات ووسائل وحيز الحراك، كما ضاعف عدد الذوات الأنثوية المتورطة بالفعل الإبداعي المنذورة لتعزيز التراث الليبرالي للقصة الكويتية، حيث يمكن الحديث الآن عن إبداع نسائي بملامح وهوية وحضور ولو في حده الأدنى، وإن كان يغلب على جانب منه بوح الذات الممددة على هامش عريض من الموضوعات، كما تم التعبير عن ذلك التظلم من خلال القصة القصيرة التي أصبحت دليلاً من أدلة التحول التاريخي، التي يمكن الركون إليها، باعتبارها مظهراً من مظاهر تعبير البرجوازية الصغيرة عن وجودها وحقوقها وتطلعاتها الإجتماعية، إذ لا يمكن فصلها، بما هي جزء من الظاهرة الأدبية، عن جدلية المجرى السوسيوثقافي العام.
تحت تأثير ذلك التوق للتماس مع (الآخر) وتوليد أسئلة مضاده في وعيه بالأنثى، تفشت قصص مكتوبة بانفعال لغوي، تراوح بين الشراسة اللفظية المتأتية من إحساس بالحيف الذكوري، وبين شاعرية الاستسلام كرهان أنثوي يتم من خلاله المبالغة في تمثيل دور الضحية، ولفت الانتباه إلى أصالة المكوّن الحسي أو عمق جرح الذات الأنثوية، كما تمثل ذلك في تكديس المنجز بشخصيات مرتبكة، مشوشة، أو خائبة وفارطة في ترهيف حضورها، على اعتبار أنها مشمولة بوقائع إجتماعية، أو نتاج حقائق تاريخية تؤكد مظلومية المرأة قبالة حيف ذكوري مزمن، فيما كان من المفترض أن يتم ترحيل تلك القضايا بتجرد داخل النصوص، من خلال شخصيات هي بمثابة العلامات الثقافية المنعكسة داخل القصص، بالنظر إلى أن القصة - كعملية تحويلية مركبة - هي أكثر الاجناس الأدبية ارتباطا بالشخصية، وعلى اعتبار أن الشخصية، بالمعنى النقدي، مقولة من مقولات القيمة التي تحتشد فيها الإعتقادات الفكرية والجمالية المراد توطينها في النص.
من هذا المنطلق الفني، القائم على الفحص (العبر-نصي) للمنجز القصصي، يمكن مساءلة الذات الابداعية الأنثوية الكويتية لطبيعة وعيها بالمتغيرات الإجتماعية، أي تأمل الكيفية التي تمت بموجبها عملية تحويل العلاقات المادية تلك إلى إشارات ودلالات لغوية داخل المنجز، بمعنى فحص معنى الفني في القص بما هو مجموعة التقنيات لتبيان سر المسافة المهدورة بين البنى الدلالية لبعض القصص وبناها الشكلية، والوقوف على سر غلبة روحها الإخبارية، وعطالة نظامها الإشاري، وانتفاء الرغبة أو القدرة ربما عند بعض القاصات على استخدام اللغة كمكون بنيوي، أو حتى تغليب اللغة المتسمة بحس الإيصال على اللغة الايحائية، أو عدم إدخال شبكة الوقائع والشخوص في علاقات مفهومية ودلالية مقنعة، لدرجة غياب لذة القص وضمور المخيلة أحياناً، وتمادي سمة الحكي في مساحة غير يسيرة من المنجز، الذي قد لا يشكل الكثير منه أي شكل من أشكال التراكم الكمي الذي يمكن أن يتحول إلى إضافة نوعية، مقابل هامش من القصص التي جهدت للجمع بين استدماج المضامين والصنعة الفنية، في كتابة حققت بالفعل قدرة على زعزعة خطابات السلطة من خلال قص لا يشي بأي اغتراب نفسي أو تاريخي بينه كمنتج وبين الذات المنتجة له.

نص العبور إلى الذات

فاطمة يوسف العلي: مرافعة لغوية ضد الرجال الأحذية
اللغة، بتصور بلانشو »وعي متجسد أُغري باتخاذ شكل الكلمات المادي وحياتها وصوتها« وهو تصور يتأكد عند مقاربة المنجز القصصي المكتوب بأقلام نسائية في الكويت، فكل نص قصصي هو امتداد لجسد كاتبته بمعناه الرمزي والمادي. وكل بطلة من بطلات القصص تحمل شيئاً من مشاعر ووعي منتجته، المؤكد على هاجس توسيع حيز الذات وإصرارها على التماس بسجالات الظاهرة الأدبية، فراراً من التوصيفات الذكورية التنميطية المجحفة التي تحبس الذات الأنثوية في الحسّي والدوني والاستلحاقي، حيث يمكن إمتصاص فكرة إنهمام القاصات بتدشين خطاب الذات وابتناء الهوية من داخل النصوص ومن خارجها، كما يعكسها الوعي الأنثوي بحقيقة التجربة التاريخية، ومدى قدرتها على التقاط مهبات اللحظة الديمقراطية وتطور الحوافز الموجبة لتشكيل فضاءات وأداوات إبداعية معبرة عن واقعية الشرط الإجتماعي وممكناته.
في قصة (انتخبوني) تطالب »منال« بأن تكون نائبة في البرلمان، كتطوير للسؤال الحقوقي حول حق المرأة في التعليم والحضور الإجتماعي، فيما تسبسل بطلة قصة (الموؤودة) الكاتبة الحالمة بأطياف الشهرة والانتشار في الدفاع عن المرأة المبدعة، وفيما يبدو أيضاً إنتصاراً معلناً للمرأة المبدعة في قصة تقوم على حس المبارزة، حيث يمطرها الناشر الشهير »مؤنس توفيق« بعبارات تحقيرية يريد بها تحييد المرأة، والإبقاء عليها في مرتبة إنسانية وإبداعية أدنى »الأنثى قلب حين تخلطه بالعقل يفقد طعمه الشهي...الكاتبات اللامعات المبدعات الكبيرات ظنن أنهن يملكن مباراة الرجل في ميدان الإبداع، بل صور لهن خيالهن المريض أنهن قادرات على منافسته والتفوق عليه...ما أنتن إلا جوار في المنفى« وحين أدركت خطته لاستدراجها إلى أحضانه، بعد تحطيم ممكناتها وتزهيدها في الكتابة، أعلنت تمردها على عقيدته الذكورية مع إصرارها على ضرورة التمسك بالكتابة لتغيير معادلة القوامة »تباً للكتابة، لو يكون شرفي هو الثمن ...لن أكتب حرفاً بعد الآن، إلا بشروطي«.
تلك هي بعض النماذج النسائية في مجموعة (لسْميرة وأخواتها) التي نذرتها فاطمة يوسف العلي (لتدافع عن قضايا بنات جنسها) حسب وصف ناشرها الذي قدمها بوصفها (حكايات من دفتر أحوال النساء). وهي بالفعل مرافعة لغوية سافرة ليس من أجل إكساب المرأة بعض حقوقها المهدورة وحسب، ولكن لتصفية حسابات تاريخية وإجتماعية ووجدانية ومفهومية مع الرجل. أجل (الرجل/الآخر) الذي لا يحضر في كل القصص إلا كصورة من صور القهر والتسلط والاستغلال والبرود العاطفي، كما استعرضته من خلال نموذج ضابط الشرطة، والأديب، والناشر، والسياسي، ورئيس العمل، وحتى العاشق. أو كما اختصرتهم »لبنى الطفران« بطلة قصة (المجني عليها) بعبارات تبخيسية ذات دلالة »الرجال عندي كالأحذية، مقاسات، المقاس الضيق يؤلمني، والمقاس الواسع يعثر خطواتي، وأنا لا أقبل إلا المقاس المريح«.
يتأكد هذا الإعتقاد في كل قصة من قصص المجموعة، على اعتبار أن القول اللغوي يحدد موقعه داخل القص من خلال نهوضه على المستوى الأيدلوجي، وكأن الكاتبة تتجاوز كون الشخصية مجرد خيال مبتدع لغاية فنية حيث تمسح المسافة بين صوتها وصوت بطلاتها، أو تعيرهن وعيها ليصبحن مجرد صور كلامية لوعيها واعتقاداتها، لتضاعف منسوب حنقهن على الرجل كقيمة حياتية، وهو الأمر الذي يهدد فنية القصص أحياناً، فرغم رمزية قصة (في قاعة المحكمة) المكتوبة بروح تهكمية ساخرة، كما تقعيد مبدأها البنيوي، يتم التمثيل بالمحامي ككائن منزوع الضمير وعديم الفهم »حاصل على دكتوراة فخرية من محكمة راحة البال الابتدائية«. وفي قصة (شهيق بلا زفير) ترسم بورتريه على درجة من القبح النفسي والجسدي لمسؤول سياسي »معالي الأمين« المستسلم »لأصابع تنغرز في لحمه المترهل« فهو مفرط في الأكل والكحول »ولا يرتاح بالطابق العلوي إلا اذا أمضى وقته كله عارياً، إنها عادته القديمة منذ طلق زوجته بعد أسبوع من الزواج«. وهذا هو حال الضابط الكبير »سيف« بطل قصة (انتخبوني) فهو رجل انتهت صلاحيته العاطفية »عمله في الداخلية أضفى عليه طبيعة قاسية«. أما هوايته فهي الاستنقاع بجسده السمين طوال الليل في السرير، يشخر، لا يمارس الرياضة، حتى أصيب بالتبلد الشعوري »الكشف عن المشاعر لديه ضعف لا يقبله«. ومقابله يبرز النموذج الضاج بالحياة لزوجته »منال« الرومانسية الممتلئة بطاقة الحب، كما تنحتها القاصة بعبارات مصقولة »الحياة لديها فن، وعلى الإنسان أن يحيا عمره فيها كفنان«. ولكنها غالباً ما تكافأ بما هو أقسى من البرود، فحين أرادت أن يدللها »رفسها بقدمه مداعباً، رفسة أوجعتها«.
الوعي هو الذي نسج هذه القصص وليس اللاوعي. حتى القصدية تبدو واضحة في هذا النمط من القص الذي ينهض على الأيدلوجي. وهي وقائع كما يبدو لا يلعب فيها المتخيل السردي أكثر من إعادة ترتيب الحدث، حيث تعادل فاطمة يوسف العلي العنف الجسدي الذي تتعرض له المرأة بعنف لغوي مضاد، ومن خلال شخصيات على درجة من التشوّه، حتى شخصية (لسْميرة) المرأة الشبقة التي كان »يكفيها فحسب أن يردد كل الرجال من حولها: لسْميرة..يا لها من امرأة كاملة، تجمع بين كل الكوامل، بينما النواقص خلقت لكل النساء دونها« يتم تقديمها كضحية لنزوات الرجال (الباهي - ميمون - سعيد... الخ) حيث تنتهي محطّمة ومغمومة عند حافة السرير، محفوفة بنبرة تعاطف غامرة من الكاتبة رغم (بوفاريتها) الجامحة و»رغبتها المتزايدة في امتلاك الرجال« واحتقانها باعتقاد مفاده أن القليل »من السقوط يجدد رائحة الصبايا«. ربما لأن الرجل يُقدم في هذه القصة كمخلوق ساذج يمكن اصطياده بسهولة لأنه لا يسير إلا وراء رغباته ومطامعه الآنية، او هذه هي الحيلة السردية التي اعتمدتها القاصة لتعرية الرجل.
السقوط أيضاً هو مآل بطلة (قصب السكر) كما سماها عاشقها »فيصل« بهذا الاسم إفتتاناً بطولها الفارع، ولم يكن هذا اللقب إلا بمثابة هدية مسمومة، أو مجرد طعم لاقتناص الفريسة، فقد كان »أول من خدعها وأول من وضع قدميها على طريق التلاشي والضياع وفر هارباً دون مزيد من التفاصيل«. وبعد أن كانت تحلم بحياة زادها الحب والفن، صارت ترسم بريشتها دروب الخيبة، وتتهاوى بمنتهى الإبتذال إلى القاع، حيث امتلأت حياتها بالرجال الإنتهازيين، بعد أن قتلوا أحلامها، وأنسوها آدميتها، ومسخوا أنوثتها على وقع مغازيهم، وهكذا انتهت حياة فنانة »اختلط لديها لون الحناء بلون الدم...ما كان لها قبل اليوم هوية ولا بعد اليوم، اشتد الحزن وطأة عليها، صارت صديقة للوجع والوحدة من جديد، في فمها أعواد جافة« لتصل إلى قناعة مؤلمة مبيّتة في وعي الكاتبة، كما يتوضح من تقريرية العبارة المتمادية حد الشعاراتية »الشرق لا يتعاطى الحياة إلا بنصفها الأسفل«. وبموجب هذا المآل البائس قررت أن تقتل من تسبب في تعاستها، فيما استمرت تحدق في المجهول نتيجة عثرتها التراجيدية، تنتظر موتها المادي بعد موتها الروحي »فراشة تطير نحو الضوء لتلقى حتفها«.

ليلى العثمان: تحرير مستعمرة الجسد
القص مزاج شخصي، أو هذا ما أرادت ليلى العثمان أن تؤكد عليه بتعميق منزعها الايروتيكي في السرد، فبخبرتها في تخليق النماذج النسائية الحالمة والمغدورة، جعلت من مجموعتها (ليلة القهر) بمثابة مختبر تستعرض فيه شريحة نسائية مفعمة بالحياة ولكنها مقهورة بمرارة الواقع المحتل بالرجال، فكل (امرأة/شخصية) مشحونة بالرغبات والتطلعات يقابلها رجل تفصله مسافة جسدية وشعورية ومفهومية عن امرأته، إلى أن تنتهي قصتهما بمعركة غير متكافئة وبوجع مضاعف، ففي قصة (لعبة خدوجة) امرأة شابة يتوسدها كل مساء رجل عجوز بجسده المتهالك »وبعدما يقطف ثمارها الشهية« يغط في النوم ليتركها في حسراتها تحلم وتخطط لإغواء أخيه الشاب »نايف« الذي تحلم به مخلصاً عاطفياً. وفي قصة (ليلة القهر) إمرأة مهجورة، تتوهم أن إغراق جسدها البض في عطر أخاذ سيجرفه ناحيتها، ويعيد الإعتبار لذاتها المهملة على هامش امرأة أخرى »سيرويني بعد القحط ويقطف ثماري الناضجة«.
هنا ملمح من ملامح نقل المجابهة من سجالية (القوامة) إلى مهمة فضح العقيدة والممارسات الذكورية، أي تعرية الرجل المعتد برجولته من خلال (كتابة/قصة) أشبه ما تكون بمعركة تحرير مستعمرة جسد المرأة من (المحتل/الرجل) بعد تحفيزه - أي الجسد - على التخلص من أغلاله الذاتية أيضاً، أو هكذا كانت خبراتها تتسلل إلى القص، من خلال لغتها المعجونة بلحم الشخصيات، حيث التوظيف الواضح للغة كمكون بنيوي وليس كقشرة قولية برانية، وحيث الربط الذهني بين الكلمات والمشاعر، والتحريض الصريح للذات الأنثوية للدفاع عن نفسها من خلال إبداء أكبر قدر ممكن من الحب إزاء نسيجها الداخلي، بما يحتويه من وعي وشعور، كما يتبدى هذا الوعي في قصة (كوريتاج) فمبجرد ذكر (الكيوريت) يمكن تخيل حال المرأة التي خضعت لعملية كحت بعض قطع المشيمة العالقة في جدار الرحم بدون بنج، كما يمكن تلمس مدى الضمور الذي كان يعتري ضمير الدكتور قبالة عباراتها ومسكنتها »شو أعمل راح أستحمل« أو مقابل بؤس تطمينات زوجها الفقير »هادي أخت الرجال، هلق شوف كيف ابتستحمل«.
ويبدو أنها صممت لغتها لتكون مصدراً من مصادر الألم، فهي تستخدم الملفوظات دون أكسية. ولم تقبل بتمييع مواقف شخصياتها أو حتى إنطاقهن بنبرة حيادية، بل أن الكلمات المدلوقة في القصص، سواء على مستوى الحوار أو السرد، كانت مشحونة برغبات الحب والكره، ومشاعر الخوف والإقدام، فيما يبدو أنها كانت مهجوسة بتقليب النساء قبالة مزاج الرجل ونزقه وتبرماته واستيهاماته أيضاً لتصفعه بحقيقته، فتنوع النساء المرغوبات والمهمّشات يعادله تعدد الرجال، واختلاف مكوناتهم الشعورية، أو انخداش نمطية النموذج الذكوري باستثناءات رومانسية. أو هذا بعض ما أرادت التعبير عنه داخل قصص هي بمثابة نصاب أدبي له مقابل حياتي، كما في قصة (وعدها الأخير) المنسوجة بنفس شهرزادي يضع الوعد المؤجل قيمة حقوقية عاطفية بين الرجل والمرأة، رغم ما تبدو عليه بطلة القصة من استجابة لشروط الرجل مراعاة لذوقة، وخوفاً من خسرانه.
في هذه القصة الممتلئة بالتصويرات الحسية للمرأة، تتحطم تمنعات المرأة قبالة حبه الجارف، فتعيد صياغة مظهرها بموجب استيهاماته ومطالبه المتكررة »اتركي شفتيك بلا روج...يستحق لأجله أن أكسر قانون الأحمر...سيخاصم المقص شعرك طالما بقيت حبيبتي...أشعر أن المرأة التي ترتدي البنطلون وكأنها نصف رجل! «إلى أن تتمكن من تدجينه، بل أسره وفق شروطها، كما تعبر عن ذلك المزيج بطلة القصة بنبرتها المستعارة من وعي الكاتبة في مرافعة جمالية تتجلى فيه أبرز قيم خطاب الذات، وكأن ذلك الفاصل من الخطاب قد أسقط على النص من خارجه، مع بعض التقصيف اللغوي الناعم لحوافه »هي تعرف أن للرجل أطواره التي لا تخلو من جنون وغرور وتعالٍ مصطنع لكنه في لحظة مدهشة يسقط أقنعة التعالي، يزاول جنوناً جميلاً، يتخطى المسافات، يقفز درجات السلم التي اعتادت النساء أن يصعدها الرجل إليهن درجة درجة. لكنه الآن يلغي ترتيب الدرجات، ويستقر عند الأخيرة، وبلا مقدمات يهمس: أشتهيك«. وهكذا تلوح بأنوثتها كوعد يمكن إنجازه بشروط يتم الإتفاق عليها على قاعدة التعادل، مع مغالاة في إخفاء هشاشة الكائن الأنثوي مقابل الهيام الذكوري »لم ييأس. ظل يلح فتراوغه. يثور عليها فتلملم حضورها وتتركه وحيداً في المكان. لكنه استطاع أن يهز أغصانها برياح جنونه الآسر. أحست بعنف حاجتها إليه يفقدها السيطرة على اقتياد خيولها الجامحة بعيداً عنه. لم تجد وسيلة للنفاذ غير أن تعطيه الوعد في يوم قادم«.

ليلى محمد صالح : العقيدة البيتية
المرأة الكاتبة لا تتولد من عدم، وإنما من حراك إجتماعي، وهو ما يفسر إعتناء القاصات بتفحص معنى التحول التاريخي في العلاقات الإنسانية، ومجاراة ذلك التبدل بصوره الظاهرة والخفية بالسعي لإنتاج قصة هي بمعنى ما من المعاني محاولة إضافية لإبتداع شكل جديد من أشكال العلاقات الإجتماعية، على اعتبار أن القصة لا تعكس وقائع المجرى السوسيوثقافي وحسب، بل تسهم بوعي وحماس في تحريكه إلى الأمام، وهو أمر يبدو على درجة من الوضوح عند ليلى محمد صالح في مجموعتها (عطر الليل الباقي) الرافلة في سطوة الاجتماعي بتقليدية معناه اليومي، والمحتفية بموروث ومظاهر الحياة الكويتية المادي منها والمعنوي، خصوصاً معادلتها لروح المكان والناس بالرائحة، بما هي - أي الرائحة - إحدى أهم علامات الأصالة، حسب امبرتو إكو، كما تتلمسها - مثلا - في »الملفع المرشوش بدهن الورد والعود الذي حضنني...غطاني...وأنا طفلة أرضع الحليب«. وإن كانت تتمترس خلف قناع (الموضوع) بواقعية تقليدية، قوامها العبارة الوثوقية الإخبارية الجازمة، لطمر وساوس (الذات) ناحية (الآخر/الرجل) إو ربما عتق المرأة من إشكالية مقاربتها كمعطى أنثوي خالص والكشف عن ممكناتها داخل الموضوعات.
وقد يفسر هذا المنحى الذي لا يخلو من حس المحافظة والأدلجة في آن، كثرة طرقها على فكرة (الزواج) واعتباره قيمة مركزية في أغلب القصص، دون إغفال (الحب) الذي يأتي على هامش العلاقة الأسرية، حيث يقدم فضاء (البيت) كمصدر للأمان واستئناس الذات الأنثوية بشفافية مكوّنها الرومانسي، كما يتم تقديمه أيضاً على أساس كونه المحل الأمثل لإعلان التمرد في نسخته الأسرية، وإنتاج قيم الحياة الجديدة المتأتية من المحافظة والتدرج في التغيير وليس من التقويض والإنقلاب، فالبيت هو المنصة الصلبة التي يفترض أن تبني الذات الأنثوية خطابها منها، ففي قصة (الزواج..ولكن) ترسم الأم قدراً إجتماعياً تتوجسه إبنتها التي ترفض الزواج من خلال عبارة صادمة بقدر ما تحمل من الحب والمودة، لا تخلو من حس التنميط وحبس الذات الأنثوية في قالب الإعتياد الحياتي أو ما يمكن تسميته بالعقيدة البيتية »أنت واحدة منهن.. «الأمر الذي يزلزل قناعات البنت ويهدد أحلامها، بعد أن سمعت تلك الجملة التي »ركضت في متاهات الفضاء..بأجنحتها الفضية..استقرت في رأسها المشحون بالأفكار الهلامية..والتصقت بأهدابها التي تتراكم عليها أحلام النجوم«.
وبشيء من الترغيب الأمومي تقترن البنت بشاب يبدو طموحاً وشاعرياً، لكن عاطفته الجياشة سرعان ما تنتكس كأغلب الرجال، فيتخلى عن رومانسيته، بل يتنازل حتى عن آدميته، ليتحول إلى زوجٍ خوّان، لا يكف عن التلويح لزوجته بالمصير الإجتماعي الأسود للمرأة (المطلّقة). إذ لا يبدي أي عاطفة إلا ناحية المرأة الأخرى، ولا يعود إلى بيت السعادة والأمان المهدّم إلا »فاقد الشعور والإتزان...تسبقه رائحة الخمر« كما رسمت معالم انهياره الإنساني بعد ثلاث سنوات من زواجهما، حيث يسقطان في متاهة الحب المغدور بسبب فائض العقيدة الذكورية لدى الرجل. ومن خلال هذه الفجوة الحياتية المدبّرة تندس ليلى محمد صالح بأفكارها وعباراتها الجاهزة، وبدون تورية أو إحماء فني لتدفع النص إلى حافة الخطاب.
بنبرة الذات الفاعلة، ومن موقعها الإجتماعي تحديداً ترسل وابلاً من الأحكام الجاهزة عن الحب والحياة والحقوق والجسد، حيث تندفع في مرافعة منبرية لا تبدو متسقة مع السرد وكأنها تدافع عن جنس النساء وليس عن كرامة بطلتها وحسب، وبدون مراعاة للمسافة بين المعنى الفلسفي واليومي لمفهوم الحرية، تتجاوز بعباراتها التقريعية مهمة وصف مشهد خلاف أسري إلى تقديم درس في الحقوق »للمرأة كرامة..للمرأة احترام ورأي..وعلى الزوج أن يقدس حرمة البيت..للمرأة اليوم مكانة وكفاءة وقدرة..كفى حلماً بالماضي. ذل.. وانتهاك لشخصيتها المسيرة والمجردة..هي لم تكن تملك شيئاً..حتى حريتها لا تملكها..كل شيء بيد الرجال..القانون معكم..والناس تقف إلى صفكم..وأنتم بسيوفكم تسلطون عليها الظلم والقهر..تغير الأمر..اليوم المرأة لها دور إجتماعي..تتحمل المسؤوليات بجدارتها..تعتمد على ذاتها..تحترم وجودها وتفرض احترامها على الجميع«.
ولولا كثافة الفكرة الزائدة داخل السرد التي أحالت القصة إلى (خطاب) لكان بالإمكان التقاط الظلال النفسية والروحية للبطلة، التي قررت منذ تلك الحادثة »أن تكون سيدة مشاعرها«. ولكن طلاقها وخروجها من بيت الزوجية المدّمر لم يكن نحو الحرية ولو لفترة إنما باتجاه رجلٍ آخر، وفي بيت آخر أرادته الكاتبة أن يكون رحيماً وفائضاً بالمحبة، لتعادل الحياة ربما، بعد أن أقنعتها أمها بهذا الخيار البيتي، بما يحمله قصر الشريط اللغوي من دلالة فنية مؤكدة على قصر المسافة بين البيتين أو الرجلين أو القدرين، الأمر الذي يعني الإبقاء على المعادلة ذاتها، مع حشو فم البطلة بعبارات الغضب لإبداء بعض التذمر اللفظي، كما هي عادة أغلب بطلات المجموعة اللاتي لم يبدين أي مقاومة تذكر لانتزاع حقوقهن، أو التعبير عن مكنوناتهن العاطفية. كما يتأكد هذا الهاجس المعبر عن إنهيار مشروع الهوية الأنثوية في قصة (الليل الباقي) مثلاً، وبالتحديد من خلال (روحها/عبارتها) المنكسرة »بهدوء شديد نزلت من مرتفعات الأحلام إلى منخفضات الواقع«.

باسمة العنزي : حين يغيب الرجل... تتأزم دلالات الوجود
وسواء كانت كل تلك المواجهات مستمدة من الواقع أو مستدعاة من خزان الذاكرة التي لا يمكن الكتابة دون الإصغاء لأعماقها السحيقة، يبقى وجود الرجل في المشهد الحياتي وداخل النص سبباً لأزمة مستعصية، كما تم التعبير عنها بكل ذلك التراشق الكلامي الصاخب، أو التودد المفرداتي الناعم، حيث اللغة السافرة الجارحة، وما يقابلها من لغة التقرّب والتوسل. ولكن إنعدام وجوده أيضاً لا يعني نهاية المشكلة بقدر ما يولّد معضلة من نوع آخر. إنها أزمة رجولة كما تبدو في ظاهرها، يتم تكديس كل القضايا والاستحقاقات على هامشها، أما جوهرها الخفي فيكمن في الأنوثة المستباحة التي لا تتعب المرأة من ترديدها، ولا من التذكير بمظلوميتها، حيث الحب الضائع والذات المركولة خارج القلب، والتي تعني فيما تعنيه أن القصة النسائية الكويتية لا تمتلك مقترحاً جمالياً لفكرة المرأة بمعزل عن ترسبات الذاكرة، التي بمقدورها تعطيل الفكرة وتبديد الخيال والأحلام، بما تمتلكه من سطوة شعورية، كما يمكن استشفاف ذلك من خلال تقصي الآثار القصصية، حيث المبالغة في حبس اللغة داخل منطلقاتها الإجتماعية والعاطفية، وكأن اللغة بمعناها الوظيفي المتعالي لا تنبعث من ذات الكاتبة أو لا توازي القصة ذاتها.
حين تأتت لها فرصة الفرار من كونها موضوعاً مجادلاً داخل النص إلى فرصة إنتاج خطاب مضاد، أصرت على الاستنقاع في خطاب التيه والشكوى، ربما لأن المرأة ليس لها منطلق تتحدث منه، كما تميل بعض النظريات النقدية المعنية بمفهمة منازع الإبداع النسائي، وهو الأمر الذي يفسر كثرة الطرق على فكرة المرأة، والعودة إليها وبها مرة أخرى داخل النص، أي الدوران في ترسيمة الزمن الدائري، ولو على حافة تلاشي فكرة الرجل، أو طرده من النص، حد الدوران البائس في حفلة الإحتفاء بخدعة الأنثى المكتفية بنفسها، حيث تحضر المرأة وكأنها وحدة مركزية مهيمنة، أو باعتبارها وجهة نظر قائمة بذاتها، دون حاجة إلى حوائط صد ذكورية، وحيث تبدو الرغبة ملحة للإفصاح حد المسكنة، ليس عن هشاشة الذات الأنثوية ورهافتها وحسب، ولكن عن عمق الجرح التاريخي والإجتماعي لتلك الذات المنسية في العراء، أو التي آثرت - طوعاً أو اضطراراً - أن تنسج شعرية خطابها خارج مداراته.
يتبين ذلك الإنجراح عند باسمة العنزي في قصتها/مجموعتها (حياة صغيرة خالية من الأحداث) المسرودة بنبرة رمادية خفيضة، منبثة من ذات تعبر فاصلاً مربكاً من حياتها البائسة على إيقاع دراما الصمت، حيث لا ينوجد فيها الرجل، مع إصرار - قصدي أو لا قصدي - على تجريده حتى من آثاره، كما يتضح ذلك النفي اللاواعي من خلال اللغة »طفلها..صغيرها«. في هذه القصة يبدو غياب الرجل مصدراً للوحشة، أو سبباً غير معلن لوقوع البطلة في العادية، كما تسرد وحشتها ذاتٌ تتنزه بإيقاع بطيء على سطح (النص/الحياة) وتراود نفسها بالغوص في العمق مع شيء من التردد، وكأنها تستدعي نفس الإشكالية المتأتية من حضور الرجل الذي يعادل وجوده تأزم الحياة في أغلب النصوص القصصية. وبمغردات شفافة مغلفة بالحنين، أشبه ما تكون بالإجراء الوقائي لحفظ الذات من التلف النفسي والجسدي داخل اللغة، تجسد الكاتبة من خلال بطلتها المستوحشة حسرة »إمرأة ملتزمة حد الرعب تصحو معها وتغفو دون أن تتركها للحظة تمرد واحدة تطوف في فلك جديد«.
إنها امرأة مخدوعة بالحياة، أو بالشكل الذي تورطت باختياره تحديداً، إذ لا تتوقع أن تنجز أي شيء حتى لو أتيحت لها فرصة تكرار المحاولة، لأنها منذورة، حسب استراتيجية النص، للدوران الفارغ »في فلك أيامها ومهامها باستسلام مبهم. كأنها ترس صغير في مصنع عملاق لا مجال فيه للتوقف، وإلا شلت جميع الأجزاء« إلى أن ترتطم برتابة وجوه معارفها من النساء، وكأنها تندب أقدارهن »تحدق فيهن ....! في رحلتها القصيرة المزيفة. يتملكها الشك، تطرق برأسها ...تحجم عن الاختيار: أليس لكل منهن ضجرها الخاص بها يتمدد مع أيامها كخيوط مطاطية كافية لنسج حياة صغيرة خالية من الأحداث؟!!«. أما سر هذا الضجر الذي يخيّم على سياقات كل القصص فهو غياب الرجل، وتأزيم كل دلالات الوجود نتيجة انتفاء وجوده، أو الاكتفاء بوجوده الشبحي أحياناً، وما يتداعى عن ذلك الفراغ من موت العواطف، مقابل إمرأة تلعب ذات الدور في كل القصص، أو ربما أرادت الكاتبة تفتيت تلك الذات في مقاطع كما يفترض المنحى الفني للقصة القصيرة الذي يقوم على إقتطاع لحظة حاسمة في  حياة إنسان.
من هنا جاء التنويع على خيبة تلك الذات الطافحة بالحياة، المقموعة بالرتابة، حيث مكمن الجرح الأنثوي الذي لا تكف عن مراودة نفسها في الإعلان عنه، كما في قصة (غبار الخارجين من نهاراتنا) مثلاً، فكل قصة تنسرد بصوت إمرأة تندب وحدتها، كما تتبين فداحة العيش بمعزل عن (الآخر/الرجل) في قصة (بلا رائحة) حيث ترثي الساردة ذاتها وتتفجع بمنتهى الأسى حين تلمح »الشابة الجالسة قبالتها تخرج من حقيبتها هاتفها النقال ذا الرنين العالي. تتمتم ببضع كلمات ثم يحتقن وجهها وترتجف أصابعها فتعيد نقالها إلى مكانه. يبدو أن من أزعجها رجل ما. تحسدها على أن هنالك من يهتم بها حتى وإن كان مصدراً لألمها الذي بدا على وجهها. وبالتأكيد هو أيضا مصدر لسعادتها في أوقات أخرى«. لكأن القاصة تعاند الواقع الهبائي، أو الوجود الصفري للعالم بشخصية على درجة من الإمتلاء الحسي.
وإذا كان الوعي هو الذي نسج هذه القصص، فإن لا شعورها يفصح عن حقائق على درجة من الأهمية، على اعتبار أن كل عبارة داخل القص هي حوارية بطبعها، إذ يبدو أن ذات باسمة العنزي توسعت في إنتاج خطابها الشخصي أكثر مما ينبغي لدرجة أنها حولت (الآخر) إلى مجرد ظل أو هامش غير مأهول، وإن لم تبدر منها عبارات هجائية فارطة، بالنظر إلى عدم رغبتها في استزراع قصتها بأي قيمة شريرة حسب مفهوم شترواس للشخصية بما هي كتلة من العناصر المرجعية التي تحيل إلى خلفيات النص المتعددة. المهم، أنها لم تعد معنية إلا بذاتها، وهذا هو ديدن الذات التي تتمركز في قلب المشهد فيما تدفع بالحياة بكل مركباتها المادية وصخبها الإنساني إلى الوراء كخلفية لحراكها، حتى الذات كحالة متشيئة تكاد تذوب فيما يبقى الشعور المحمول على كلمات شاعرية غامضة تعكس طبيعة الواقع اللامفهوم، أو الذي عجزت الذات الكاتبة عن الإقرار بفداحته.
بنفس اللغة الإقصائية تم إخراس الرجل في مجمل المجموعة، أو تغييب صوته حد إماتته، من قبل إمرأة محاصرة بمفردات وعوالم (الوحدة - الغياب - الوحشة) مع الإحتفاظ بنفس الإيقاع الأنثوي المتعطش لرجل يستمد قوته من غيابه أو من عبثية تغييبه، كما يتبين ذلك الهاجس في قصة (عنوان قديم) حيث كانت »البطلة تفرد الصحف والمجلات التي يكتب بها أمامها على الطاولة المستطيلة وتمضي مساءها تفتش عن رائحتها فيما كتب«. أو كما تخاطب البطلة غريمتها في قصة (حلم يمرق) عن غدره »لن أشعره بأني رصدت لحظة احتراق قدميه وشاهدته يهتف محتفلاً بامرأة تتشح السواد وتحسست في ظهري طعنة خنجره سأبقى في عينيه الواسعتين الزوجة الضعيفة اللامبالية«.

 

فوزية السويلم: الرجل مشروع خيانة أزلي
وبذات الروح المغدورة تتمترس القاصة فوزية السويلم بكل هواجسها وشروط وجودها المادية وراء اللغة، وما يستدعية فعل القص في هذا الصدد من واقع مرٍ يدفع المتخيل السردي إلى الوراء، لتكشف عن وجه لا يقل إيلاماً من وجوه الانجراح الأنثوي، ففي مجموعتها (أشواق شيطانية) يحتل موضوع (الخيانة الزوجية) مجموعة من القصص، حيث تعلن اعتقاد بطلة قصتها (أمل – أشواق شيطانية) بمنتهى التحدي، ومن خلال عبارة صاخبة أشبه ما تكون بالصرخة »كلكم مشروع خيانة«. وكانت قد تمتمت بهذه الجملة الإتهامية المشحونة بالوجع في داخلها بعد أن فرغت من محاضرة حول ظاهرة الخيانة الزوجية. وكانت المحاضرة قد خصصت لفكرة »خيانة الزوج لأنها هي الأكثر انتشاراً في المجتمعات الشرقية« فيما يبدو إمعاناً من القاصة في تخوين الرجل، الأمر الذي أثار حالة من التهكم بين الرجال اتخذ طابع الممازحة والاستعلاء، لكن »أمل« التي تعتقد حد اليقين بأن الخيانة طبع ذكوري أصيل تواجههم بعبارة تهبط بها إلى مستوى شخصنة المفهوم، الذي تستعرضه كحالة مرضية ذكورية، وكأنها تتحدث عن جرح شخصي لا عن ظاهرة إنسانية إجتماعية يفترض التماس معها بتعاليات معرفية، وهو أمر يبدو مستوعباً حين يصدر عن الذات الأنثوية النزاعة أصلاً لشخصنة الوجود، إذ لا تستثني بعباراتها التعميمية أحداً منهم »لن تكونوا أفضل من أبي الذي وضع تضحيات أمي وصبرها تحت أقدامه حين أقدم على الزواج منها بامرأة أخرى« .
يتكرر الهاجس ذاته في قصة (وتبقى صورته الفاتنة) حيث تعتري الزوج حالة من الذعر والإرتباك بمجرد أن ينتبه إلى ما يمكن أن يحدث فيما لو تم اكتشاف جريرة خيانته »حتى زوجتي هلا وأسرتي الصغيرة ستقرأ تفاصيل خيانتي يا له من عقاب«. وفي قصة (أمي تحت الشجرة) تتأمل البطلة »أوراق البحث الموضوعة في ملف أخضر مقسم إلى عشرة أقسام كتب عليها: الخيانة الزوجية« وهكذا تتراكم مخاوف البطلة من فكرة الخيانة، لدرجة أنها تصاب برهاب الإقتران بأي رجل، لأن الأصل عنده بتصورها هو تهديم أي إمكانية للعلاقة العاطفية بمعول الخيانة، رغم امتلائها بالمشاعر الجياشة إزائه، واحتشادها برغبات التماس به، كما تجيد فوزية السويلم التعبير عن ذلك التناقض الحارق بعبارات رهيفة خالية من الأيدلوجيا وفائضة بالحس الرومانسي »اقترب مني..هدأت ثورتي وانقلابي على حواسي التي لا تريد أن تفهم أنني جبانة..لا أستطيع أن أهرب وأمتطي حصانك الأبيض..لن أحارب حواسي مرة أخرى..سأتفاوض معها سأقترب منه...عندما أحلم بشفتيك اللتين تخفيان وراءهما إرهاباً جميلاً ورعباً أحتاج إليه أيضاً«.
تلك هي المرأة الراغبة المتأهبة دائماً للحب، المنفصمة على حافة رغبات الرجل بكل تشظياته الشهوية كما تشرح القاصة بؤس واقع بطلاتها الحالمات بالحب، واستحالة وجود رجل واحدي الهوى، بمقدوره توحيد المرأة في كيان جسدي شعوري، لا تبعيضها بالخيانات وتعدد العلاقات، حيث تقيم مأتم العواطف في قصة (عصف من النساء) بعبارات غاية في الشاعرية ودقة التوصيف »كل ليلة تعطر رغباتهن العارمة أجواء الغرف التي وزعت عليهن بالعدل، ما أسهل توزيع الغرف وما أصعب توزيع الحب! «. ثم تنفجر غاضبة بعبارة حانقة »تمنيت أن يكون للرجال سن يأس« فيما يبدو أن بطلاتها لا يعتقدن بفكرة أن المرأة كائن (استكفائي) يمكنه الانكفاء في داخله ولأجل ذاته وحسب، بل العكس هو الصحيح، بدليل أن بطلة قصة (بالإكراه) لا تنغلق على ذاتها ولا تكتفي بها، ولا يمكنها - حسب العلامات النصية - أن تنغرم بذاتها مهما بلغت نرجسيتها، وهو الأمر الذي يفسر شفافية العبارات التي رسمت بها معالم رجل ملتبس الحضور في حده الأدنى، يشبه البحر»أضعف من الحب وأقوى من الرغبة«.

استبرق أحمد: المعنى الموارب للرجل
ورغم أن إستبرق أحمد من أكثر القاصات توظيفاً للحوار، إلا أن لغتها الحوارية في مجموعة (عتمة الضوء) التي تقوم على التخاطب لا الحوارية بمعناها الباختيني، تستبطن رغبة للهيمنة على السرد، وتقويض الأمثولة الذكورية، مقابل تنصيع الذات الأنثوية كقيمة جاذبة، مع انصراف واضح عن (تذويت) السرد، حيث تستعرض ذوات أنثوية تقيم على حافة المرغوبية من قبل الرجل المشكوك في متانة نواياه العاطفية والجسدية أيضاً، كما في قصة (قبل مجيئه) حيث تبني صورة واعدة ومؤلبة لبطلها »باسم« الذي يستحوذ على مشاعر بطلتها »منذ قدومه - باسم - أحببته نموذجاً لافتاً للوسامة، للألفة وطلاقة اللسان، طيفه...يأتي يؤود مراراً في أفكاري يحمل تراتيل إعجاب غامضة، يستنهض قامة الشوق، يورق له الوله والحيرة إزاء لهفته وابتسامات الإطراء عند لقائي... يدهشني برشاقة انتقالاته وعمق معرفته« لدرجة أنها ترسم القادم من حياتها بصحبته استئناساً بوساعات حلمها، وبسبب جهلها لحقيقة ميوله »خجلت تماماً، همست لنفسي أخبر أخته عني«. لكنها سرعان ما تطيح به وتنتقص من رجولته بلغة إشارية فطنة لتفصح عن خيبة الوعي الأنثوي بالمعاني المواربة للرجل »كان باسم يتمايل بغنج مستنسخاً زينتي، ملابسي، وربما عطري...يراقصه فؤاد« وكأن القصة منذورة لتدمير مظهريات الرجولة وهياكلها الكرتونية، وليس معناها، أو بمعنى آخر تفكيك ما ترسب في الذاكرة الأنثوية من صور نمطية للرجل والتأهب لإعادة إنتاجه .
كل كلمة داخل القص تنطلق من ذات، ومن زاوية لتؤكد على هوية ما، أي على مكمن انطلاق أو مكان تموضع. وربما أرادت إستبرق أحمد من خلال تلك البانوراما القصصية استعراض نماذج أنثوية متباينة، إنطلاقاً من رغبتها في استثمار هامش التعدد والتنوع والتشظي الإجتماعي، للتاكيد على أن المرأة يمكن أن تكون ذاتاً قادرة على اجتراح خطابها الرمزي والأدبي على قاعدة الإختلاف، بما هي عنوان من عناوين عافية المجتمع وتمدينه، لا أن تستمر في تكريس المرأة كموضوع جمالي يستدعى داخل النص على الدوام بوعي ذكوري، كما يتأكد هذا الهاجس على مستوى المضامين والصوغ الفني، ومن خلال كثافة الحوارات، وتقطيع النص للقطات أو مشاهد منفصلة تتعاضد مجتمعة في قيمة مهيمنة، حيث تم تضمين العناوين الفرعية في النص القصصي، فيما يبدو محاولة للإنزياح عن تقاليد السرد، وعن البنية المدماكية للقص. مع استمساك القاصة بنماذجها الأنثوية المتمردة، الفاتنة، المرصودة بعيون رجال لا يرقبون المرأة، إلا بحس الاقتناص والنهب كما في قصة (سيرة ذاتية للشراهة) حيث تتموضع في موقع السارد المتفرج، لتعفي نفسها من متعلقات الذاتية، فيما تضبط إيقاع نظرات وحراك الرجل على تكتكات أنثى باهرة »يحادث نفسه كلما سمع زر قميصها... تبتسم كلما ضبطته متلبساً بجرم التلصص«.

مي الشراد: قتيلة أنيقة في كفن لغوي
اللغة لا تكتسب أهميتها وفاعليتها إلا حين تحقق الذاتية، حيث ينبثق المعنى الخاص للذات مقابل المعنى العام والمتشظي للحياة، وهو ملمح يمكن التماس به في مجموعة من هذه القصص التي ينبعث منها بالأنين. كأن اللغة المكتوبة بها ليست أداة لتوليد الأفكار وتوصيل المعلومة بقدر ما هي مضخة للإفصاح عن الرغبات وتفجير الأحاسيس، ففي مجموعتها (الرجال لا رموش لهم) تسجي مي محمد الشراد بطلة قصتها (القتيلة كانت إمرأة) في كفنٍ لغوي، حد المبالغة في التوصيف الجنائزي، لتنهي حياتها بقتل فعلي، وموت معنوي مفجع، كما يستشف من عنوان القصة، ومن التنويع على مفردتي (الموت والقتل). أو هذا انطفأت بما يشبه الاستنحار »باردة على السرير« نتيجة التهميش والجفاء الذي تتعرض له ممن كان يعتبرها »حب العمر« وكأنها تتنازل عن حياة لا يحتلها رجل بمقدوره أن يكون عاشقاً إلى الأبد.
بلغة حادة الحواف، تخاطب الكاتبة (الرجل/الآخر/الحبيب) وبضمير الـ (أنا) تحديداً، لإسباغ شيء من شعائرية التوتر الدرامي على النص »أجمل ما يمكن أن يحدث..أن أموت، لا أروع من أن أموت، ألا تجدني في الصباح ولا حتى في المساء«. وبما يشبه التمرين على الانتحار الذي تجيد المرأة تمثيله، تودّعه بعبارات فائضة بشاعرية الفراق، ومحتقنة بدفق من مفردات الإباء الأنثوي »سأرحل تاركة إياك في مساحة زمنية تمارس فيها فعلاً لم تمارسه في حياتي، لك كتبك وركامك من الألم داخل صدرك، لك كل كلام الحب الذي تحفظه في صندوق مخملي بين طيات جلدك، احتفظ به أو حدّث به شاهد قبري يوم الجمعة بعد الصلاة«. وهنا مكمن اللغة الممزوجة بدم الضحية، أي في طريقتها الخاصة لدس الكلمات الناعمة تحت طيات الموت لإحداث أعمق ما يمكن الألم والندم في معذبها.

هبة بوخمسين: الكلمات كامتداد لحواس الأنثى المخذولة
عندما تختار المرأة قدرها مهما كان مؤلماً تشعر بشيء من الإنتصار، أو ربما تعيش من خلال القصص ثأرها الشخصي، ولذلك تميل أغلب القاصات إلى أن التمثّل - نصياً - عبر بطلة طاردة للرجل أو حتى كارهة له على أن تكون مهجورة أو مرفوضة. وبهذه الطريقة تكون الكتابة القصصية وسيلة لتفريغ الذات مما تختزنه من الكلمات والأحاسيس الموجعة، والتي لن تكون في نهاية المطاف سوى حالة من حالات رثاء الذات لنفسها، ففي مجموعتها (في قعر أمنية) تستدعي هبة بوخمسين على لسان بطلة قصتها (باسم الحب) رجلاً متغطرساً، معتداً برجولته الزائفة، يعذبها ببلادته العاطفية، وخياناته المعلنة، لتقتله في النص والقلب على حد سواء، فهو يزعم أنه يحبها فيما »يحدثها عن مغامراته« بمنتهى الوقاحة واللامبالاة لدرجة أنه يولّد في داخلها »مشاعر احتقار لذاتها«. كأنها بعد أن غفرت له »علاقاته وزلاته« انتبهت ولو متأخرة لحقيقة غدره وتبطله. والأهم أنها اكتشفت ذاتها، وقررت أن تفر من أخدوعاته الرومانسية بما تبقى فيها من حطام »اليوم تراكم غضب فوق غضب، فما عادت ترى سوى ثورة عارمة تحاول التفجر، أن تتوقف عن الاعتمال مكبوتة في داخلها، ثورة للثأر لكرامتها، لبقايا شخصيتها التي حاول طمسها باسم الحب«.
تكاد البطلة أن تتشيأ من خلال الكلمات المنحوتة بعناية شعورية دقيقة، لدرجة أن إحساساً ما ينبعث بسقوط المسافة بين هبة بوخمسين وبطلتها، نتيجة توظيفها للغة كامتداد لحواسها، حسب التصور السارتري، وهو إحساس ناشئ عن تجسّد الشخصية المنفعلة في ملفوظات حية. وبهذه اللغة الفارزة استطاعت أن تطرد (الرجل) وتبقي على (الحب/المعنى) حيث أسدلت الستار على ما تسميه قصتهما الهزلية، واقتلعت وجوده الممرض بلغة فائضة بالنرجسية الأنثوية، كردٍ منصصٍ على عنفه الواقعي، بعد أن باغتته في مقهاه الأثير، حيث »الفنجان هو منبع قراراته«. وبدون أن تترك له فرصة مناورتها وإعادة خداعها كما يفعل كل مرة، صرخت في وجهه »أنا هنا من تقرر وتقول لك: لاأريدك! وأنا من تلفظك من حياتها بكل فخر، باسم الحب أدعوك ألاّ تعود« لتضاف إلى المشهد مغدورة أخرى.

هيفاء السنعوسي: نزعة التطهّر من الحب الأرضي
وفيما يبدو حالة من التأكيد على أن المرأة كائن لا يتحقق حضوره بوجوده المستقل إنما بغيره أو المضاد له، تبتكر هيفاء السنعوسي في مجموعتها (رحيل البحر) وبالتحديد في قصة (عالم بلا عيون) حيلة رثائية من نوع آخر من خلال قاص يستذكر زوجته »أمينة« ويعدد مآثرها وكأن الكاتبة تنتقم لأقنومة المرأة المثالية المفتقدة عبر صوت الرجل، أو تقارب ما يعرف بسرد الأنوثة بلغة الذكورة، حيث يستعيد القاص في مذكراته مآثر حبيبته في إشارة إلى تبجيل المكون الأنثوي وإعلاء قيمته »ودعتني بابتسامة أعرف تفاصيلها جيداً« قبل أن تنطلق رصاصة الموت وتنهي سر بهجة »خالد« الذي يودعها بعبارات تنم عن عدم التسليم أو التصديق »لا أريد أن أرثيها...لا...لم تمت...لم تمت...هل...؟ سأغفو على الكرسي...سأسند رأسي للخلف...وأغمض عيني..«. الأمر الذي يعني أن الكاتبة مصرة على الاستغراق في حالة الاستدعاء للمرأة الكاملة المأسوف عليها، كما تم تمجيدها في النص بعبارات أفقية أريد لها ان تكون دعامات لفظية لإسناد الشخصية.
من ذات المنطلق الاحتفائي بالمرأة تنسج هيفاء السنعوسي أيضاً نبضاتها القصصية (فضاءات الحب) في مدار لغوي استرواحي، حيث تكثر من الطرق على مفردة (الحب) وكأنها في حالة من التبتل به، بما هو القيمة المهيمنة أو جامع النص بالمعنى النقدي، حيث الإعلاء من شأن الحب الإلهي، يأساً أو تطهّراً ربما من مشتبهات الحب الأرضي، كما يتبين من المفردات وكأنها تستعرض المناقب الجمالية للذات الأنثوية من خلال تشخيص أعراض الذات الذكورية عبر خطفات العناوين المتضمنة لهجائية مبطنة ضد الرجل الجاحد، التي تصل بالحب إلى درجة التلفيظ (حب أنثوي ممنوع...حب متجمّد...الحب بعين واحدة...بقايا حب...حب تبخر...حب مزيّف...حب غريب الأطوار...حماقات محب...حب مريض...نهاية حب مأساوية...صورة حب مشروخة...حالة حب حولاء...عدو الحب...الحب وهم). وهكذا تتدافع أفكار وموضوعات حول الحب والحياة والإنسان في حكايات أشبه ما تكون بالمادة الحياتية الخام التي يعوزها (التسريد) و (التحبيك) وحتى الاستواء كنص قصصي، إذ لا زمن للقص المتخيل، ولا مراعاة لما يعرف فنياً بالزمن الميت، كما يتبين فيها حيرة الذات الأنثوية وبحثها الدؤوب عن الحب الصافي، أو تفانيها لصياغة خطاب العشق كما تتخيله ذات أنثوية، بما يعتوره من الرومانسية والأماني والخيبات ووصول مشروع الهوية بكل مراميه إلى طريق مسدود نتيجة انهيار أفق التوقع إزاء وجود رجل يعرف معنى الحب.

عهود بدر السالم: بؤس الحياة بمزاج ذكوري عاطل
ويبدو أن الرجل بأي معنى من المعاني المنغصة لبهجة الحياة هو لازمة (صدْمية) لأغلب القصص النسائية للتنكيل بالذات وإعلان حيرتها قبالة متطلباته، ففي قصة (تقلبات) من مجموعة (من حيث ننتهي نبدأ) تستعرض عهود بدر السالم المزاج العاطل لرجل لا يعبأ لأحاسيس زوجته، ولا يراعي تفانيها لاسترضائه وإمتصاص غضبه الساذج على العالم فهي »تعلم كم هو منظم ويحب الترتيب، وكم يثور لو اختلت مزاجية التناسق «وكأنها منذورة لترتيب حياة رجل لا يرتدع عن إهانتها لأتفه الأسباب، فلمجرد اعتلال مزاجه نتيجة مروره بوقت عصيب مع رئيسه »رمى القهوة في وجه زوجته«. وبعد أن لملمت بقايا الزجاج المتناثر ورتبت الفوضى التي أحدثها في المكان، لم يوجه لها أي عبارة إمتنان بل »نهرها بشدة لأن إحدى اللوحات كانت مائلة قليلاً«. والأهم في هذه القصة أن الزوجة والزوج بلا أسماء مقابل زملاء البطل »راشد وأبوغازي وعواطف« وكأن التنكير اللاواعي للزوجين هنا يوازي التعميم، وتنميط الخواء، أي تأكيد قدرية البؤس الإجتماعي. وهذا هو الشكل الذي يستدعى به الرجل في أغلب قصص المجموعة فهو إما قاتل أو مخمور أو خائن أو مستهتر، ولا يجيد سوى الضرب أو البصق أو التوبيخ او تمثيل دور المحب في أحسن الحالات.

الجوهرة القويضي: رهاب الآخر
حتى لو تأخر ظهور الرجل في القصة، ومهما تم تضبيبه، أو التلاعب بالسرد لتفادي وجوده، غالباً ما يظهر في النهاية تحت ما يعرف بالمعنى المؤجل في النص لترميم جرح الذاكرة الأنثوي الأزلي، ففي قصة (صراع بين الحرف والرقم) من مجموعتها (غواية الآخر) تنثر الجوهرة القويضي ودع طلاسمها من الأرقام والحروف الموحية إلى قيم متأرجحة بين التذكر والتأنيث، لتعبر بكثير من التوجس والقلق »لحظات مصفرة كئيبة... وأوقات مريضة« خوفاً من انفصامها ككائن يعيش حربه الأزلية »بين حرفي والرقم كلاهما مذكر وأنا أنثى فهل من الممكن أن يعشق الطهر اثنين« إلى أن تعلن بروزه كقيمة إجتماعية بلغة تقريرية مباشرة تتنافى مع مفهوم القصة كنظام إشاري يقوم على التلميح لا التصريح، كما يتبين من خلال عبارات مؤكدة بصراحة لفظية على ثبات وترسّخ قيم البطرياركية »ما أسعد المرأة عندما تفيق من غفوتها لترى أنها أنجبت ذكراً..تغمرها الفرحة على أمل أن تكتمل وتنسجم الأحرف وتتآلف خلال البعد الذي أتى«.
الغواية بالنسبة للجوهرة القويضي تعني حالة من الرهاب إزاء (الرجل/الآخر) كما يمكن استشفاف ذلك التوجس من داخل النصوص ومن خارجها أيضاً، ففي مجموعتها (غواية الآخر) تستهل الإهداء بعبارة مربكة تعكس إحساسها بالخوف والحذر قبالة الآخر »إلى الذين أحبوا فكري ورسمي ولم يصلوا بغوايتهم إلى ذاتي«. كما يتعزز هذا الهاجس في قصة (خطوط متوازية) من مجموعتها (عطش الروح) من خلال عبارة بطلتها »وأن الكثيرين يستدرجونني إلى كارثة الإنعطاف، أنا لست منهم«. والسبب كالعادة هو التجوهر الأنثوي المهدد بالزيف الذكوري، وموضعة الذات في مركز الحدث الكلامي، كما يتم استعراض كل تلك المتوالية من المفارقات الجنسانية بلغة يعوزها الوعي بشروط القص وبناء الحدث، وهذا هو حال بطلتها »الجميلة التي تزاحمها مدارات الفضوليين« مع قناعة أكيدة بأن الرجال، عدا نموذج (الأب) كعادة أغلب القاصات في استثنائه من المنظومة البطرياركية، مجرد قطيع من الصيادين الذين لا يتعبون من اللهاث وراء (المرأة/الطريدة) كما حال »ماهر« بطل قصة (ماهر فوق الشجرة) المحتال المنتحل الذي »دخل البرلمان رجلاً فارغاً من الداخل مبطناً بكلام معسول«.

جميلة سيد علي: الدونجوان الدونّي
كل ما يتم تداوله في الوعي الشعبي عن الرجل يتم ترحيله إلى النصوص القصصية بدون تمحيص أو تقنين للشفهيات المحكية، أو حتى دون معاينة متجددة لمعنى الرجولة، وكأن النص القصصي ليس مكاناً لبناء خطاب الذات بقدر ما هو المحل المثالي لتفتيت الرجل عندما يتعلق الأمر بمسألة التنادد معه، ففي مجموعة (يرجى عمل اللازم) يبدو الحضور المباشر للكاتبة جميلة سيد علي واضحاً، حد إسقاط افكارها المستعارة بشكل مباشر، والوقوع في شبهة إصدار الأحكام المتداولة، بشكل مضخّم نتيجة المبالغة في تغليب ضمير القصة على مجريات الواقع، كما في قصة (ناقد بلا رواية) حيث ترسم بورتريه لرجل مدعٍ تعتقده مطابقاً لشخصية الناقد بدون مرجعية واقعية مقنعة، كما ترسم لغة جسده وإيماءاته »حرك كرسيه الدوار قليلاً إلى اليمين ثم إلى اليسار حركة بسيطة تتناسب ووقار الناقدين...رفع نظارته عن عينيه« مع الإصرار على تقديم دفعة أخرى من الضحايا الأنثوية، كما في قصة (حلم يكاد) حيث تحلم »نجاح« بأن تصبح أديبة لكن والدها يريدها أن تكون طبيبة. إلى أن تبلغ المفارقة بين المرأة المتوثبة للحياة مقابل الرجل الصياد حدتها في استبدال معايير الكفاءة المهنية بمقترح انتهازي يقوم على المنفعة، فحين ذهبت بطلة قصة (بسمة الترحيب) للمقابلة الشخصية حاصرها رئيس العمل الدونجوان الذي قولب سابقتها على مزاجه وأهوائه، باشارات إغواء ذكورية تتبين وحشيتها في الإطار الذي أراد أن يحبسها فيه، كما أفصح عن دونيته من خلال عباراته المهينة »ضعي مواصفاتك هنا وارتدي المواصفات المطلوبة للتعيين« .

منى الشافعي: صد مرارة الواقع بكذبة رومانسية
كل هذه الرثاءات والإنتحابات لم تتولد داخل هذه المتوالية من القصص بالصدفة. إنما هي  قصة واحدة مسرودة بصوت واحد نبراته متباينة. حيث يحضر الوأد المعنوي أو الموت الفعلي في سياقاتها، خصوصاً مراودات إماتة الرجل كدلالة على حياة تفتقر إلى الجماليات والمعاني. وبالتأكيد، لا تتحمل المرأة ولا نصها بالضرورة فكرة تجفيف منابعها الذكورية، فقد يكون وعيها الحياتي وليس الإبداعي وحسب وجد الرجل ميتاً بالفعل، أو هكذا يفترض التماس مع هذا الوعي وقراءة تاريخ نكالاته الحياتية ومعاناته الإبداعية، أي الكيفية التي ينصص بها خبراته اللغوية واللالغوية، حيث وصل الأمر في بعض النصوص إلى درجة الكذبة، على الطريقة التشيكوفية التي تحرض على التواطؤ مع القارئ لاستثمار الوهم واستفزاز المخيال، لتمكيث الخيبة، أو إغلاق أفق التوقع بمرارات الواقع، كما حاولت ذلك منى الشافعي برؤية فارطة في التخييل لاعادة بناء ذاتها المستفردة قبالة صقيع العالم الخاوي.
في قصتها/مجموعتها (أشياء غريبة تحدث) التي تتبدى فيها بعض تمظهرات علاقة المرأة بالكتابة باعتبارها مكان البوح باختلاجات النفس، تشحذ منى الشافعي خيالها حد التماس بالغرائبي كما يومئ العنوان وتؤكد السياقات النصيّة. وعلى طريقة رولان بارت فيما يسميه (الإستهياء) تستجلب (الآخر) كحلم استيهامي مفتعل يحتله ملاك، مستنسخ من فيلم نيكولاس كيج الشهير (مدينة الملائكة) أو هكذا تدبره لتنادم رجلاً يفيض بالشهامة والعاطفة والنخوة، تتوهم اصطفافه إلى جانبها في ألبوم صور مكتظ بالذكريات الرومانسية، إلى أن تنتبه على حقيقة استحالة وجود مثل هذا الرجل، وعندها تناغيه بنبرة جوانية حزينة محتّمة بسرّانية الكائن الأنثوي »أتدري يا حبيبي سوف تعجبك هذه الصورة إنها إحدى لقطاتك الرائعة والغريبة، أما تلك فقد كانت النسمة لئيمة وهي تداعب طرف ثوبي الحريري، حتماً سأحمر خجلاً عندما تقلبها بين يديك، وهذه صورتي وحدي، وتلك صورة أخرى وحدي، وهذه أنا، وتلك أنا، أنا، أنا وحدي..و...و...و... «.

سارة العتيقي: الميؤوس منه في حضرة الأنثى المصقولة الطاردة
العزف المنفرد على الحياة أيضاً هو قدر بطلات سارة العتيقي، كما يتبين في مجموعتها (بقايا لي باقية) التي ينوء عنوانها بدلالة تحطم الأنثى، وانكسار أحلامها على حافة الرجل. يتعزز هذا الهاجس من طريقتها في سرد الحكايات الحزينة، حيث ترمي بأفكارها وأحاسيسها داخل النص بانفعال لتستعرض أقدار ذوات مأزومة عاطفياً غالباً ما تنهي حياتها مع الآخر بطرده من نعيم أنوثتها، وإن كانت في أغلب الحالات علاقات زوجية يستحيل ترميمها، ففي قصة (ظل لا ظل له) تنفي البطلة زوجها خارج حياتها بعبارات باترة بعد يأسها من آدميته المضيّعة »ليس لك مكان هنا، بت مضجراً، مملاً لا هم لك سوى أن تدور حول ظلي حتى ناء بثقل ظلك والآن بت تضربني«. ولتأكيد حنقها على الزوج الميؤوس من أحاسيسه أيدت القاصة ما فعلته بطلتها بعبارات لا تقل ضراوة »قالتها وهي تصرخ بأعلى صوتها نافضة عن نفسها إحساس الإهانة«.
في قصص المجموعة دائما هناك أمثولة أنثوية باهرة يتوددها رجل مشكوك في عاطفته فتصده بمنتهى الحدة والألم، بل تطرده من عالمها إلى غير رجعة. يتكرر هذا الفاصل المحزن مع بطلة قصتها (أمسية في الأوبرا) حيث يباغتها زوجها الخائن بلقاء مدبّر في أمسية موسيقية فتلقي به من أعلى درجات كبريائه الذكوري إلى واقع رفضها القاطع له بعبارات قاسية تدوي على أسطر النص »لا تنس أنني سأكون طليقتك بعد أيام، عد لمن تركتني من أجلها، فأنا، أحـ..تقرك«. وفي هذا المقطع بالتحديد أبدت القاصة فطنة لافتة في التعبير عن حدة إنجراحها وتمسكها بنرجسيتها من خلال الشكل الذي كتبت به حقيقة مشاعرها المتضاربة »أحـ..تقرك« حيث المحو القصدي للحروف الطرية المستبطنة لأحاسيس الود والرغبة، وحيث تبديد المعنى في اللا متلفظ به. وبانفلات شعوري مصدره اللاوعي، أكدت أيضاً كعادتها على مدى الإنسجام البنيوي بينها وبين بطلتها بعبارات تنم عن رفضها لأي شكل من أشكال المساومة أو الصفح »جذبت يدها..سارت بذات الهدوء والكبرياء الذي دخلت به عائدة لذات المقعد بجانب أخيها..تسمع الغناء ولا تسمعه..ترى الراقصين بذات العينين الزجاجيتين..لتغرورق عيناها بالدموع للمرة الأخيرة«.

ميس العثمان: إنكسار الهوية ..تحييد الجسد
الوحدة إذا هي قدر الذات الأنثوية، أو ربما هو قرار إضطراري لعبور الحياة بذات مأزومة، مؤرقة بفكرة الرجل، كما هو قدر أغلب بطلات ميس العثمان في مجموعتها (عبث). ففي قصة (حين يتحدث الصمت) تعطي »هند« ظهرها للحياة المكتظة بالناس العاجزين عن الحب وتلوح لهم بالوداع »في لحظة ضجر قاتلة قررت هند أن تترك كل شيء وراءها ..هند قررت منذ اليوم أن تبقى بعيدة...تبقى لنفسها، تعيش وتحيا بها ولها! «. وفي قصة (عذراً صديقي الصغير) تكفر البطلة بحماقات صديقها »فهد« معلنة يأسها من وجود الرجل الذي يعي بالفعل ما تريده الذات الأنثوية بعبارات تمتزج فيها الشعارات بالمعاني اليومية والمقولات الفلسفية »لن يستطيع أحد مهما كان فهم معنى الصداقة بين الرجل والمرأة«. فيما يبدو محاولة لتحييد الشهوة والجسد لصالح علاقة تنبني على العاطفة والأحاسيس الصادقة. أما في قصة (صورة وزيارة وصراع وصورة) فتغادر البطلة مكان اللقاء بحبيبها متنازلة عن كل شيء »تسحب منديلاً ورقياً، تمسح أحمر الشفاه، تعدل عن فكرة لقائه، تنسحب تاركة المكان واللقاء والفضول... «. وهذا هو مآل بطلة قصة (أريد حباً) الملعونة بغصة فراقه، والتي تتمتم بحسرة في نهاية القصة بعبارات لا تشفع للمحب خيبته »ضحكت، لم تكن ضحكة حقيقية بل انعكاساً لانهيار بداخلي...كان متوقفاً بالقرب من سيارتي ومعه زوجته...حبي القديم! «.
الذات الأنثوية لا تبدي توترها إلا عندما تكون العلاقة بينها وبين الرجل مبنية على التنادد بالمعنى العاطفي. وربما تفسر هذه المآلات المأوساوية ارتداد بعض القاصات إلى نموذج الأب أو الجد كحالة تعويضية، إذا ما تم فحص القصص تحت ما يسميه باشلار بالحياة الكلامية، كما يتوضح هذا المنحى عند »سلوى« بطلة قصة (التصاق) لميس العثمان في مجموعتها (أشياؤها الصغيرة) التي تحتمي برجل ذي ملامح أبوية وارفة، له سمات التاريخ، كما يتبين من موضعته بين نخلاته الست، ومن مناداتها المحببة له »أبوي عيسى« باعتباره جدها لأمها، فيما يبدو، تعلقاً حد الالتصاق من امرأة عصرية وعاملة برجل هو بمثابة الملاذ لها من التعب والشرور والجفاف العاطفي، كما تتباهى بامتيازها »دفعت الباب بخفة، خيبة أمل لبست ملامحي، وجدته مستغرقاً في نومه! خطوت للداخل أكثر، استقبلتني رائحة المسك التي يعشق، اشتممتها حتى انتشيت، سمحت لنفسي بالجلوس قريبة منه، اعتدته حتى صار أقرب إليّ من والديّ! هو من رباني، فكان التصاق يحسدني عليه كل الأحفاد...الكل يعرف أن سلاّوي دلوعة عيسى«. ولكن يبدو أنها إنما كانت تستدعيه لترثي رجلاً من نوع آخر هو بمثابة الماضي الأصيل، فمجرد الربط بين كلمات القصة والموت، يؤكد على التشابك اللاواعي للعواطف مع اللغة، والايحاء بموت هذا النموذج »لا إرادياً، انطلقت نظراتي تستطلع شباك غرفته، ركضت كما لم أركض من قبل، فتحت الباب. كان كما تركته، غير أن ابيضاضاً لم ألحظه كان قد سكن شفتيه«.

جرح الأنوثة النرجسي منصّصاً
هكذا تكشف القراءة (العبر- نصية) أن منجز القصة القصيرة النسائية في الكويت، قد عمق اشتباكه مع سؤال الإبداع الكتابي والحقوقي، حيث انتقل في فتراته الأولى من مرحلة التخفي والموادعة إلى صراحة الانكشاف والمجابهة ثم تصعيد نبرة الإحتجاج وبسط الذات في المشهد الحياتي والإبداعي، أو هذا ما تفسح عنه فكرة الإنطلاق من النصوص إلى ما يخترقها ويحاذيها ثم العودة إليها، حيث تشير أغلب القصص إلى وجود لغة مناهضة لأي صيغة من صيغ الخطاب التبريري على أرض الواقع، مصدرها ووقودها هو إحساس ووعي الذات الأنثوية واشتراكها أيضاً في صياغة المجرى السوسيوثقافي، وما يستتبع ذلك من متغيرات تنطبع بالضرورة على الذهنية التي تنتج القصص النسائية والوعي الذي يستقبلها أيضاً، على اعتبار أن شرط حضور المرأة في الكتابة لا يقتصر على الكيفية التي تقدم بها نفسها وحسب، إنما تعني أيضاً معانقة شروط الوعي القارئ، بما هو أفق استقبال معني بفحص حقيقة المضامين إلى جانب تذوق جماليات وآليات التعبيرعنها.
ولكن يبدو أن تخففها من هويتها المشوشة، المبنية وفق مدارك الثقافة الذكورية المهيمنة، لا تتضمن ما يمكن أن يوّلد عند (الرجل/الآخر) الفضول لمعرفة الهوية الأنثوية الجديدة، إذ لا يتم تسليط الضوء على العوالم الداخلية للمرأة ونسيجها الجواني وتمزق روحها الباطني أو حتى نوبات ضجرها المحيّرة إلا بشكل عرضي. وبالمقابل لا تطرح أغلب القصص أسئلة متقدمة أو مربكة حول هوية الرجل، فأغلب المجموعات القصصية تختصر سطوة النظام البطريركي في شكل من أشكال الرجولة، حيث يستدعى الرجل دائماً ككائن مسكون بشرٍ أنطولوجي، هوايته التنكيل بالمرأة لمجرد كونها أنثى مناقضة لعقيدته الذكورية، مع استثناء الأب في معظم الأحيان من تلك اللغة التعميمية.
هذا هو منطق النرجسية الأنثوية التي تتسرب - بقصد أو لا قصد - من وعي وأحاسيس القاصات إلى بطلاتهن، وربما لهذا السبب يتم الإبقاء عليه كمشروع عدوٍ دائم، تتم من خلال التصدي له مهمة انجاز خطاب الذات الأنثوية بشقيه الفني والموضوعي، نتيجة الوعي القاصر، أو ارتهان القاصة لكتابة حكاية شخصية أكثر من إعتنائها بطرح المفاهيم الخلاصية التحررية، وهو قصور يمكن تفهمه عند ملاحظة العمر الزمني والإبداعي لأغلب قاصات الجيل الجديد الذي لا يتناسب مع الخبرات الحياتية المطلوبة للموضوعات المجادلة ولا مع منسوب الإصدارات، عند الإحتكام إلى ما يُبين عنه المعجم الببلومتري للمنجز، مع الإقرار بوجود استثناءات، ومع تسجيل ملاحظة حول عدم مغادرة قاصات الجيل الأول مواقع التصادم أو إضافة أبعاد جديدة لمتطلبات الخطاب والهوية الأنثوية.
وبدون تكديس لمجمل المنجز في سلة واحدة، يلاحظ أن أغلب القصص تتوقف عند نقطة فرار البطلة أو انعتاقها من قبضة الرجل، وهي نهايات ذات دلالة لافتة وبحاجة إلى التأمل التحليلي، فالفرار ليس قيمة مضمونية وحسب، إنما هو قيمة فنية أيضاً. بما هو دال يراد من خلاله التأكيد على مدلول الحرية. وبقدر ما يعني من الوجهة الموضوعية استحصال المرأة على ذاتها ولو ميتة، يشير أيضاً إلى ما يعرف فنياً بذروة القصة. وهو ما يعني نصياً إنبثاق لحظة التنوير، فانتزاع (المرأة/البطلة) لجانب من حقوقها لا يصل بها إلى أهدافها النهائية، ولا يعني تمكّنها من بناء هوية مستقلة في ذات اللحظة، إنما يحتّم على الأقل أن يتم التأكيد على أن الشخصية أو المرأة المنكّل بها في النص تمثل قوة مضادة، ولكن أغلب القصص تبقي على شكل العلاقة بين مختلف القوى داخل النص، كاستجابة لما يحدث على أرض الواقع، الأمر الذي يعني أن المنجز القصصي النسائي في أغلب اشتغالاته ومنتجاته يمارس - بوعي أو ولا وعي - مهمة تمكيث ثنائية (المرأة/الرجل) على اختلالها، كما يكرّس قلق الهوية، وهي مراوحة ارتكاسية لا يقرها الواقع الموضوعي، ولا يتولد عنها ذلك الأثر الجمالي، الموّلد بالضرورة لشخصيات إشكالية جاذبة تمتص عناصر السرد وتبثها كقيم موجبة للتمرد، فالاقتداء لا يكون بالشخصيات المحطّمة المنهزمة إنما بالنماذج المحتشدة بالمقترحات والحمولات المؤكدة على جمالية الحياة وشاعرية الوجود.
ذلك الإستسلام اللاواعي هو ما أدخل أغلب القصص في سمة التوثيق. وتوسيع سجل الحيف الذكوري، ولم يتقدم بالمنجز في لقطته المتأخرة إلى مهمة الكشف عن قانون التطور داخل سياقات المجتمع. وإذ لا تتوفر إلا إشارات عابرة توحي بالثقة في قوى النمو الإجتماعي، تحتشد القصص بدلالات تململ الضحايا من سطوة الواقع، وعبارات تنم عن الإنقهار والإنهزام، بمعنى أن القاصات لا يستولدن إلا بطلات موؤودات أو خائبات على أقل تقدير، مهما أبدين من قوة مظهرية، ومن عبارات غضب طائشة تواري هشاشة الذات المأزومة، وهو أمر يُضعف البناء الفني للقصص، ويغلق أفق توقعها، كما يقلل من فرص تلقيها كمنتجات إبداعية، بل يصيب الموقف الإنساني بشيء من العطالة، فالقصة من حيث كونها مادة لغوية لا ينبغي لها أن تحاكي الواقع المادي بل تفارقه. وهو المكمن الذي يفترض بالقاصة أن تتقاطع معه، اي بأدوات ووعي مغاير يعكس مطامحها الحياتية واستحقاقها للمكانة اللائقة في تشكيل الظاهرة الأدبية.
مرحلة ما بعد إنفلات الذات الأنثوية من أسر الرجل، كما تم التعبير عنها بكثافة وفي مساحة عريضة من المنجز، تكشف عن كسل واضح عند القاصات للخروج من ضيق النسق الأنثوي المغلق، وعن عجز في اختراق مزدوجة (الأنثوي/الذكوري) بمقروئية منفتحة تنتقل بخطاب القاصة الكويتية إلى أفق مجادلة طبيعة الذات البشرية، التي تتموضع دائماً على جدليات الخير والشر والجمال والقبح، أي تجاوز توصيف الحال والمآل الأنثوي الضيق، إلى تحليل الغائر من البنى والدوافع والسلوك المطمورة تحت مظاهر العلاقات المتأزمة، أي التخفف من صرامة ومضامين اللغة الأيدلوجية والعبور إلى جماليات اللغة التعبيرية، بما يكفل تجاوز الإشكالية السردية الموجبة لإنتاج قصة توائم باحترافية فنية بين المعنى والمبنى، وتُبين عن كنه الذات المقيمة خلف الكلمات. أجل، الكلمات الأدبية التي تترسب فيها فلسفة حياتية كاملة.
الاستقلالية لا تعني الإكتفاء بانجاز مهمة الإنفكاك من سطوة الرجل، ثم السقوط بشكل إرتدادي في وحشة الوحدة، والعودة إلى الإستنقاع في الهم الشخصي، إنما تحتّم أن يكون للذات المتمردة فاعلية وحضور، ورغبة أكيدة لتدشين هوية جديدة، تتلازم بالضرورة مع صيرورة نمو الظاهرة الأدبية. ومن هذه المضخة الينبوعية بالتحديد يفترض أن تستمد القصة القصيرة النسائية جذوتها الجمالية والمعرفية، أي من مدى قدرتها على الوعي المتجدد بالرجل، وإعادة صياغته كسؤال أزلي مقابل المرأة، داخل صيرورة خطاب الذات الأنثوية، لتصبح القصة بالفعل أداة لاستعادة الوعي والإحساس بالذات واكتشاف تاريخها، أي استظهارها بالمعرفة الجمالية ورفع مستوى الكلام أو الوعي المتداول إلى أفق الخبرات الوجودية، لا بالفوارانات الوجدانية، وردات الفعل، فكفاءة المنجز - كنص أدبي - هي الكفيلة بدفع مصطلح الإبداع النسائي داخل مدار وشرط الظاهرة الأدبية.

إنفجار (الأنا)  في عالم غادره الإله
أغلب بطلات القصص يهربن من البيوت المحصّنة بأسوار التقاليد البالية، ومن أحضان وقلوب الرجال القساة الخوّانين، ومن الفضاءات الخانقة الموبوءة بسلطة الرجل، ولكن فرارهن من (بيت الدمية) كما تفصح أغلب القصص، لا يبدو أنه باتجاه (الحرية/الحياة) كما فعلت (نورا) بطلة (هنريك أبسن) إثر صفقة الباب الشهيرة، إنما إلى القبر، إلى العزلة، إلى الصمت. أي إلى غياب لا يعادل بمجازيته قوة الحضور الواقعي. حيث الوأد الذاتي، أو الموت المعنوي، كما يُعبر عنه بقدرية التيه والخيبات، وحيث لا تعرف البطلة المصمّمة بوعي القاصة إلى أين تتجه، لأنها لا تمتلك أي تصور خارج اعتياداتها التصادمية مع الرجل، وعليه تعيد إنتاج الهوية المضطربة المستهلكة عبر أسطورة الذات الأنثوية عن نفسها، والمملاة من ثقافة وسلطة (الآخر/الرجل) كمعطى أزلي، وهو مآل حياتي بائس يعزز فكرة الوهن التكويني في النص الأنثوي من الوجهة الفنية، كمعادل لفكرة تهافت الهوية الأنثوية المستقلة، حيث يبقي على المرأة في الحياة والنص بين استهامات وعود الرجل اللفظية المحلوم بها، ووعيده المتحقق على الأرض قمعاً، أي في حالة من النضال العبثي الذي لا تراعي القاصة بموجبه منسوب التمايز في بنية العمل القصصي بين مستوى القصة كتاريخ ومستواها كقول له حمولاته الموضوعية ودلالاته الجمالية، بقدر ما تتفنن في إثقال المنجز بالمزيد من الأدلة على التهميش والظلم والعذابات التي تمتص طاقة النص التعبيرية والتخييلية، وتوسّع قاموس قصص الإضطهاد.
القصة القصيرة النسائية في الكويت ليست مجرد أداة تعبير، ولا يراد لها أن تكون كذلك كما يبدو من خلال التنويع الكمي والنوعي والتأكيد على إبقائها فاعلة ومؤثرة في المشهد. إنما هي، كما يستشف من القراءة العبر- نصية، مدخل لتفكيك خطابات السلطة كما تتمثلها في الرجل. وفيها تحتفل الذات الأنثوية بقدرتها على استعادة مخيلتها ولسانها، أو هذا ما يتأكد بإصرار القاصات على امتلاك ضمير وزمام السرد، وهذا هو تاريخها، ومنطقها في التقدم بالكائن إلى الأمام. وعليه لا يفترض أن تتحول إلى حائط مبكى للذات الأنثوية، أو لعبة شكلية تنحصر مهمتها في تأريخ القهر الأنثوي، أو توثيق سجل إجتماعي حقوقي للمضطهدات، بل تعميق فكرة توتير (النص/الحياة) بشخصية تتجاوز فكرة كونها أحد مخترعات الواقع النفسي والاجتماعي كما يتم تقديمها في مجمل المنجز، أي إعادة إنتاج الذات وموضعتها بحدة على خط الزمن من خلال (أنا) شديدة الوعي بتاريخها وبالعالم من حولها، فالقصة ليست وعاء لتوصيل الفكرة، بل هي المعنى ذاته محمولاً في نسيجها الداخلي، جاراً وراءه كل عناصرها. وهي بهذا المعنى تعمل بمثابة التعبير داخل الفكرة وبها، وليس عنها.
ربما يوحي هذا المشهد المعتم، الذي لا تشبه قصص نسائه القصيرة إلا شظايا صغيرة مبعثرة ومتساقطة من مرآة إجتماعية كبرى مهشّمة، إلا مقولة جورج لوكاش عن »عالم غادره الإله«. حيث القصص المأساوية التي تتكثّر بإطراد فيما يشبه الوحدات التكرارية المفضية إلى رؤية مجازية مشوّهة للحياة، وإذ تدوي في جنباته صرخة امرأة تئن تحت وطأة رجل مأزوم هو الآخر بوعي قاصر، وضمير ميت. هذه المرأة، الكاتبة تحديداً، تراود نفسها بالإنتقام لذاتها من خلال قصة أشبه ما تكون بأحلام اليقظة، حيث تشيّد عالماً جمالياً من الوهم تكون فيه هي البطلة والساردة والفاعلة. تستعير أشباحاً بشرية مؤنثة لتنطقهن بكل ما يعتمل في نفسها، ولكن بدون قدرة على تبديل مواقع الرؤية لهذه الشخصيات، كما يستوجب فعل القص، وبدون تزويدهن بوعي مضاد ليتخلين عن لعب دور الضحية.
ذلك هو منطق الذات التراجيدية التي تتهاوى إلى صفرٍ حسي. التي تنفي نفسها بنفسها بقتل رغبتها في (الآخر) وإغلاق كل الممرات المؤدية إليها. وهي سمة الميثاق السردي للنص الذي يبالغ في تجسيد الزلاّت الشعورية بزلاّت لسانية أمضى، وهو يعادل فنياً ونفسياً القنبلة الصوتية التي تنطلق كصرخة مفزعة، ثم تتهابط إلى أن تنتهي إلى الخفوت، الأمر الذي يفسر إنغراس أغلب القصص باستغاثات، تدوّي في النص، لذوات أو بطلات منفعلات تتمتم كل واحدة منهن بعبارات خطابية صاخبة تطفو على سطح النص بدون تجذر في سياقاته السردية، ترددها البطلة - عبثاً - لتسعير نبرة الذات الأنثوية، وتشريس ملفوظات خطابها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة في المستشفى، أو تلهث مشردة في الشارع، أو مخذولة وخائرة في بيت خاوٍ، فيما يشبه الصورة الكلامية لانفجار (الأنا) التي تتموضع في خانة قريبة من الصفر، وهي تتفصّم على حافتي (الحرية والذكرى) كما يشخّص رولان بارت معضلة الكتابة.

• محاضرة ألقيت في ندوة المرأة العربية والأبداع في الألفية الثالثة 3 – 5 ماية 2009 - الكويت