طباعة    ايميل

مقدمة كتاب (سقوط التابو) – الرواية السياسية في السعودية

 

المناضل السياسي.. مدخل للرواية السياسية في السعودية

المظاهرات العمالية التي حدثت في الظهران إبان الحركة النضالية المطالبة بتحسين أوضاع وحقوق العمال، مرحلة مقدسة في التاريخ والوجدان الوطني. فمازال بعض الذين شاركوا في تلك الاحتجاجات يحتفظون بقطع من القماش المهترئة مما تبقى من العلم الأمريكي الذي تم إنزاله من على سطح القنصلية الأمريكية وتمزيقه، وكأنهم لا يريدون أن يغادروا حلمهم. وربما يكون الكائن الرومانسي، الذي يصر على الإحتفاظ بتلك النتف البالية كتذكار، مجرد حالم يعيش أوهام الماضي، ولا يمتلك من مواصفات المناضل السياسي ما يكفي لتخليد سيرته. ولكن الذي لا شك فيه، أنه يختزن داخل قلبه تذكارات من الأحزان والآلام والآمال جديرة بأن تُروى.

هذا الحالم الذي يبدو مبالغاً في فكرة تجسير راهنه بماضيه من خلال قطعة رهيفة من القماش، ينتمي إلى سلالة أصيلة من الحالمين البسطاء، الذين يمكن أن تكون حيواتهم مادة روائية على درجة من الخصوبة والجاذبية بالنسبة للروائيين، فالتاريخ لا تمتلكه النخبة، وبالتالي لا يفترض أن ينكتب من وجهة نظرهم فقط. وهذا هو المكمن الجمالي الذي يدفع عبدالرحمن منيف الروائيين ناحيته، لإرساء مجتمع ديمقراطي، تكون فيه الرواية إحدى آليات التصعيد بذلك الإتجاه، فيما سجّله من (ملاحظات حول الرواية العربية والحداثة). حيث يفترض بصفته أحد الآباء الروحيين للرواية السياسية في العالم العربي (أن يكون الروائي المعاصر جزءاً من حركة تاريخه ومجتمعه، وهذا لا يتم إلا من خلال الاتصاق بالناس والاحساس بمعاناتهم ومعرفة مشاكلهم وهمومهم).

وليس من الضروري أن يبالغ الروائي في التماس المباشر مع قضية سياسية، ليحقق معادلة الإنتماء الفعلي إلى الحركة التاريخية الإجتماعية، بقدر ما يفترض أن يقترب من القضايا الإنسانية، التي تعادل المعنى اليومي أو اللامباشر للمارسة السياسية، لتقوم روايته مقام الضمير. وربما لهذا السبب اعتبر واسيني الأعرج رواية (ترمي بشرر) الفائزة بجائزة البوكر في طبعتها الثالثة، بأنها رواية سياسية بامتياز، وذلك في مقال نشره في جريدة الخبر الجزائرية، إثر فوز عبده خال بالجائزة بعنوان (البوكر العربية عودة الروح السياسية) رغم خلو الرواية من مفردات المعجم السياسي المتعارف عليه، وانتفاء وجود الشخصيات المناضلة، بمعنى أن سياقاتها لم تتقاطع مع ما يعرف بالبناء العلوي للسياسة كما يتمثل في الأحزاب والحركات النقابية، بقدر ما تضمنت روح الجدل السياسي، وملامح التجابه الضمني بين مختلف الطبقات الاجتماعية.

بهذا المعنى يمكن أن تكون كل محاولة روائية هي صيغة من صيغ الممارسة السياسية، إذ لا تخلو رواية من صراع يحيل إلى مظهر من مظاهر السياسي، على اعتبار أن الإنسان ثوري بطبيعته بالنظر إلى أنه يحب الحياة، ويتفانى في الذوذ عن معناها الذي يعادل وجوده. وبهذا المعنى أيضاً يبدو البحث عن دليل ارتباط الرواية بالسياسة ضرباً من العبث التأويلى، فهي منزرعة بعمق في كل الفنون، وهو اتجاه يمكن ملاحظته فيما شهدته الرواية في السعودية، في مرحلة ما بعد الألفين الميلادية من استحضار لافت للموضوعات والشخصيات السياسية بذرائع فنية وموضوعية مختلفة، كاستجابة طبيعية لموجة الحركات الإصلاحية والحقوقية، المتأتية أصلاً من طوفان العولمة، لدرجة أن أغلب الروائيين بالغوا في تطعيم رواياتهم بلقطات سياسية لتعزيمها بمضامين جاذبة، وإضفاء طابع الإثارة فقط، وليس من منطلق توظيف فني للأحداث السياسية أو شخوصها، أو هذا ما ينم عنه البناء الفني لمعظم الروايات.

أما الرواية السياسية بوصفها نوعاً، فلا يمكن الإقرار بوجودها في المشهد، ما لم تمتلك القدرة على الإقناع، بكل دلالاته المنطقية والفعلية، بمعنى أن تتعادل مقومات الخبرة الفنية مع شمولية ومعاني التجربة الواقعية، وهو ما يعني أن كل تلك الإشارات الرمزية الذاهبة باتجاه تسييس الصراع داخل الرواية في السعودية، لا تعفي المشهد من إنجاز رواية ذات ثيمة سياسية واضحة المعالم، تحطم سياجات ذلك التابو، لتستحق التجنيس بمعناه الأدبي. إذ يفترض أن تقوم على (التسمية) أي التصريح بالحوادث والأسماء والوقائع التاريخية، وتشكيل لوحة شرف للنضال الوطني، راصدة بالضرورة لحركة الجماهير إلى جانب حياة الزعامات الوطنية، الأمر الذي يحتّم أن تكون قادرة على الاضطلاع بمهمة تصوير مختلف النشاطات السياسية، وبث قيم ومفاهيم النضال، التي يمكن الوقوف على مظاهرها، ليس في التجمعات الحزبية، وتسيير المظاهرات، وطباعة وتوزيع المنشورات، بل حتى في المقاومة الكلامية، وتنظيم الاحتجاجات السلمية، وإبداء الرأي حول هاجس الحرية بمعناه الإنساني الأشمل.

الرواية السياسية قد لا تحتاج إلى تشكيل الملامح الطبوغرافية لفضاء السجن، أو كشف الدلالة المكانية لجحيم الزنزانة، أو حتى الإتكاء على قاموس السجالات السياسية اليومية. ولكن يصعب بالمقابل تصور وجود رواية سياسية بدون أن يكون عصبها مشدوداً إلى جاذبية شخصية المناضل السياسي، الذي يشكل قيمة مهيمنة بالمعنى النقدي، إذ يُفترض أن تختزن شخصيته دلالات كبرى تتقاطع عندها كافة العناصر الشكلية، وتنتظم الأحداث بموجب فاعليتها، كما تعطي النص الروائي بعده الحكائي، بمعنى أن النص يقوم على سطوة حضورها ونموها، وبالتالي يكون القارئ تحت تأثيرها. ومن خلالها يمكن إكتشاف آراء ومواقف الروائي، على اعتبار أن شخصية المناضل السياسي لا تنفصل عن الوعي الذي أنتجها، وبالتالي يمكن التعاطي معها كأحد أهم المداخل الحيوية للاقتراب من واقع وطموحات ومعوقات الرواية السياسية في السعودية.

المناضل السياسي ليس مجرد شخصية عابرة في النص الروائي، بل هو جوهر العمل الذي يتموضع في صميمه، بما يشكله من امتداد طبيعي لجاذبية الشخصية وسلطتها المعنوية التي تفرضها على الشخصيات. وهو إما أن يُستمد من الواقع أو يتم اختلاقه. أو ربما يعاد تركيبه وفق مزيج فني من الواقعي والمتخيل، أو من المعاش والمحلوم به. وهو خيار يطرح إشكالية مرجعيات الروائي، ووعيه الذاتي بنموذجه المراد توطينه في النص، بمعنى أن الأحداث التي يعبرها بطل الرواية قد تتقاطع مع سيرة الروائي، فتكون (سيرة ذاتية) ولو مموهة. أو قد تفارق حكايته لاعتبارات زمانية ومكانية ومضمونية فتكون بالتالي (سيرة غيرية) قابلة للتعديل والإضافة والتأويل، ووفق تلك الإعتبارات تتحدّد طبيعة وظيفته ومكانته داخل السرد.

هنا تكمن مفارقة على درجة من الأهمية فأغلب الروايات المعنية بالحدث والخطاب السياسي في السعودية، تلهج بمفردات الحرية، والسجن، والوطن، والحزب، والتنظيم، والثورة...إلى آخر منظومة القاموس النضالي لكنها تكتفي بالعناوين البراقة، ولا تتجرأ، أو ربما لا تقدر على تفكيكها داخل النص، إذ لا تستدعي حالات نضالية بمسميات ومعالم واضحة، إلا بقصد التبرؤ منها، بل انها في الغالب تطوف حول التابو السياسي، لتتحدث عن نموذج نضالي من الزمن المنقضي، يتم اعتباره مجرد دليل متهافت لسيرة جيل خائب، حسب منطوق أبطال أغلب الروايات، حيث يتسيّد الماضي هذا النمط من الكتابة الروائية، ويرتهن النص لنزعة رثائية نكوصية، يُستجلب بموجبها نموذج المناضل المنهزم من ذلك الزمن بطريقة توحي بانتفاء الفعل النضالي واستنفاذ ممكناته المستقبلية، كما يبدو هذا الهاجس صريحاً في رواية (طوق الطهارة) لمحمد حسن علوان مثلاً، ورواية (رقص) لمعجب الزهراني، إلى آخر مظاهر البطولات المنهزمة والمنكسرة.

وهنا تتولّد خطيئة كتابية أخرى لا تقل أهمية عن المفارقة السابقة، فالإفراط في الحديث عن الأمس بلغة ووعي اليوم، بالإضافة إلى ما يعنيه من مساءلة التجربة المنقضية، ووجود مشروع مبيّت للإنقلاب على الماضي بمعطيات الحاضر، يعني أيضاً أن المناضل السياسي اليوم إما أنه لا وجود له ولا جاذبية ولا سطوة، أو أن الروائي غير قادر على التقاط النماذج الفاعلة وتأوينها في السرودات، حيث يُلاحظ انتفاء وجود البطل المحايث للحظة في مجمل الروايات، وغياب مفهوم البطولة كدلالة على الهزيمة التي يتحرك بمقتضاها فصيل من الفاشلين، ويمثلون دور الأبطال.

كما يُلاحظ أيضاً، أن نموذج المناضلة السياسية لا محل لها في وعي الروائيين والروائيات، إذ لا تحضر إلا كظل باهت للبطل الرجل، باستثناء (هيفاء) بطلة رواية (الرياض نوفمبر 1990م) التي تتميز بنفس نضالي رمزي، لكنها لا تمارس النضال السياسي بمعناه الحقيقي. بل أن الروائيات في السعودية لم يقاربن الرواية السياسية، إلا من خلال تضمين رواياتهن بإشارات عابرة لا تنم عن وعي أو انهمام بالشأن السياسي، ولا تشير إلى رغبة حقيقية لتخفيف ذكورية التجربة النضالية.

حتى المظاهرة الشهيرة المطالبة بقيادة النساء للسيارات في السادس من نوفمبر 1990م، التي أرادت من خلالها مجموعة من النساء إبداء بعض التحدي بتظاهرة عبر طريق الملك عبدالعزيز بالرياض، والتي تعتبر هي الأخرى انعطافة نضالية على درجة من الإثارة والتقديس في الوجدان الوطني، لم تُستثمر كما ينبغي لتجسيد شخصية نضالية نسائية تليق بالواقعة وأهميتها التاريخية، رغم أن الحدث الذي احتل مساحة هائلة في السجالات اليومية، كان حاضراً بكثافة في سلسلة من الروايات، كمادة خبرية، أو تزيينية للسرد، إذ تم توظيفه روائياً للإخبار فقط عن الواقعة، واختبار ما تحاوله مختلف الأطراف المتصارعة من استعراض لمظاهر القوة والحضور، حيث أورده يوسف المحيميد في رواية (القارورة). وجادله فهد العتيق في رواية (كائن مؤجل). كما اتكأ عليه سعد الدوسري في رواية (الرياض نوفمبر 1990م). واستثمره ابراهيم الخضيري في رواية (عودة إلى الأيام الأولى).

أما (المجاهد) المنتمي لحركات الإسلام السياسي، والذي يعادل (المناضل) بمقتضى قاموس الحركات اليسارية والقومية، فلم يتم تجسيده في الروايات الحديثة إلا كإرهابي، وبصورة مسطّحة، مع زعم واضح بأن التفاصيل المسرودة مستّلة من الوقائع، أو هي حكاية من داخل الجماعة المتطرفة، إذ لم يتم -مثلاً- تشكيل نموذج روائي مقنع من واقع احتلال جهيمان للحرم المكي الشريف بمائتين من المسلحين، في العشرين من نوفمبر سنة 1979م، وما توّلد عن ذلك الحدث المأساوي من متوالية عنفية تمثلت في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا، وتفجيرات الثاني عشر من مايو، والثامن من نوفمبر عام 2003 في الرياض، كما يتبين هذا الإتجاه التبسيطي في رواية (الإرهابي 20) لعبدالله ثابت. ورواية (الحمام لا يطير في بريدة) ليوسف المحيميد. ورواية (عين الله) لخالد المجحد، وهكذا. وكأن الروائي قد تبنى المروية الرسمية، أو ربما لا يمتلك إرادة التوغل في أعماقها ودلالاتها، أو أداة دحضها، أو مقابلتها على الأقل بمروية موازية، وهو تنازل محيّر، يجعل من روايته مجرد ملحق تفسيري لما تبثه الآلة الإعلامية.

ومنشأ ذلك الافتراق، على الأرجح، يعود إلى كون الرواية السياسية في السعودية تضطلع اليوم بدور يقوم على تجميع التاريخ النضالي من المرويات الشفهية، وتحاول تدوين المنسّي من الشخوص والذكريات، لتفعيل تلك الحركة الاجتماعية التاريخية، وذلك الإفتقار الواضح إلى المرجعيات هو ما يفسر بهوت النماذج النضالية، وبساطة المضامين، الملفوفة في تلابيت سرد على درجة من السذاجة والتبعثّر والتشوّش، وكأن الوقائع والرموز النضالية، التي كادت أن تُنسى، لا تمتلك القدرة على الظهور مرة أخرى والتأثير في الأحداث الجارية المكوّنة للإبداع الجماعي.

ولا شك أن الرواية السياسية في السعودية التي لا تمتلك تاريخها السحيق كجنس أدبي، ولم تتشكل بعد تقاليدها الكتابية، تحاول أن تتغلب على الكثير من العوائق الموضوعية والفنية لتتمكن من طرح رؤية أمينة لجوانب هامة من الصراع، ولكنها غير قادرة، حتى هذه اللحظة، أن تقدم صورة مقنعة تليق بطبيعة المرحلة، أو كاشفة لتراكمات وعمق التجربة، ليس بسبب محدودية الأفق الديمقراطي المسموح لها بالتحرك فيه وحسب، وانخفاض منسوب الحرية التعبيرية والمعاشة على حد سواء، ولكن لأنها هي الأخرى تعبر صيرورة تشكّلها الخاصة، التي تتناسب بشكل طردي مع حركة الحداثة الإجتماعية، بمعنى أنها في طور الإنكتاب، وبالتالي فهي لن تكون إلا منصاعة، في مرحلتها التأسيسية الآنية إلى إيقاع الحركة التاريخية، وخاضعة بالضرورة لوابل من الإرغامات الفنية والموضوعية.

أما الصورة الهشة التي يبدو عليها مناضلو الرواية السياسية في السعودية، فما هي إلا انعكاس طبيعي لهيمنة طقس الخوف على الروائيين، وضآلة المادة المتعلقة بالحركة النضالية، أو بمعنى أدق عدم توفر مرجعيات مادية في هذا الصدد، إذ لا تتوفر أدبيات سياسية كما تتمثّل في كتب المذكرات مثلاً، أو الشهادات المتعلقة بالتاريخ السياسي، حيث تم إمحاء آثار كل تلك الحقبة وطمسها في عالم النسيان، كما أنه لا يمكن للروائي في حالة تقليب مرجعياته السوسيو-ثقافية أن ينهل من الحروب مثلاً، أو الحديث عن حركات تحررية مقاومة للإستعمار وهكذا، وبالتالي فهو لا يغترف إلا من التجارب المجهضة.

بموجب تلك المحدودية في الرؤية والتجربة يعود الروائي إلى مرجعيات معرّفة، فواقعة الإضراب العمالي المقدسة مثلاً، يتم التذكير بها من وجهات نظر مختلفة، من خلال الإسم المموه لأحد رموزها (خالد البعيد) في رواية (شغف شمالي) لفارس الهمزاني، أو من خلال ما يحاول أن يقوله (جابر السدرة) عن التاريخ الغامض للرمز (سميح الذاهل) في رواية (شرق الوادي – أسفار من أيام الانتظار) رغم أن تركي الحمد لم يكتبها من منطلقات سياسية صرفة. وكذلك، ما يرويه (حمدان) في (الغيمة الرصاصية) لعلي الدميني من ذكريات عن تلك الواقعة الأثيرة في نفوس المناضلين. وما حاول أيضاً عبدالله المعجل استعادته في (الغربة الأولى). ولكن كل هذه المحاولات تبدو تلميحية لا تصريحية. بل منقوصة ومشوشة، وتفتقر إلى الدقة والتفصيل السردي، بل يعوزها الاستطراد الذي يسمح لنموذج المناضل السياسي أن يحتل مساحته المستوجبة في السرد، وهو نقص يباعد بينها وبين المتطلبات الحقيقية للرواية السياسية.

الرواية السياسية في السعودية رواية مذعورة. وهو واقع إبداعي يمكن تفهّم أسبابه، لأنها منبثقة في الأساس من بنية خوف وحذر، إذ تقترب من حدود التابو السياسي لتُحدث فيه بعض الشروخ، بعد أن استنفذ الروائيون تطوافهم حول تابوات الجسد والموسسة الدينية. ولذلك تتخذ من منطقة المسكوت عنه مكانها ومبرر حضورها، كما يكشف وعي ولا وعي الروايات عن وجود سكتات وشقوق غير معبأة بالكلام، الأمر يفسر إعتماد الروائيين على لغة التمويه، وابتعادهم القصدي عن الحاضر، حيث يزعم أغلب الروائيين أنهم يختصرون حكاية جيل في شخص، هرباً من استحقاقات اللحظة، وهو خيار موضوعي ينعكس بشكل مباشر على شخصية المناضل السياسي، فهو إما مراهق مغرّر به سرعان ما يتوب عن مراهقته الثورية عند أول اصطدام مع السلطة، أو طالب يمارس نزوة النضال الصوري خلال فترة دراسته في بيروت أو القاهرة أو أمريكا أو باريس، وبمجرد أن يعود إلى الوطن يتخلى عن أوهامه وينسحب ناحية مشاريعه الشخصية، ليلتحق بتجار المدن وسماسرة المال العام. وفي أحسن الحالات هو مجرد حالم تقتله أحلامه الرومانسية بسبب لاواقعيته، وحماقاته الدونكيخوتية فيقضي ما تبقى من أيامه مأزوماً بحمولاته الأيدلوجية.

السجن مظهر من مظاهر غياب الديمقراطية في المجتمع، وهو أداة ضغط مادية ومعنوية من أدوات السلطة لتأديب المناوئين لها، بالنظر إلى أنها هي الجهة التي تمتلك قرار استلاب حرية الفرد وتعقيمه، أو حتى إخراسه وتغييبه. كما تتبنى أدبياً ومادياً مسؤولية ذلك قرار تطويعه. وعند الاحتكام إلى صيرورة وبنية المتن الروائي، يفترض أن يكون وجود المناضل في السجن، دليل إدانة ضد السلطة، بشكل ما من الأشكال، لا محل محاكمة للحالمين والمتحزّبين. وبالتالي يمكن أن يمثل حضور الفضاء السجني الكثيف، من الوجهة الروائية، أداة كشف لزمن سادته الإضطرابات السياسية.

وفق ذلك الرصد لنظام العلامات، ينبغي قراءة دلالاته، بمعنى التعامل معه كإشارة إلى وجود بيئة نضالية، لا مجرد إحالة إلى حالات عصيانية فردية، أو نزوات سياسية غير ناضجة الملامح، لكن أغلب الروائيين يتعاملون معه كعزلة تأديبية للمناضل، أو فرصة لعودة إبن الوطن الضال إلى رشده الوطني، وكأن المناضل كما تستعرضه أغلب الروايات، مجرد كائن مارق، بحاجة إلى الإستتابة، بل تشي أغلبها بكونه خائناً لوطنه، أو مجرد كائن مفتون بثوريات (الآخر) العربي المزّيفة، إلى الحد الذي تتم فيه تبرئة السلطة من مسؤولية سجنه وسلب حريته، وإلقاء اللوم على طابور من المتنفذين المزايدين على الوطنية، بعد تأثيم المناضلين والهزء بأحلامهم.

وعند فحص أساليب التذكُّر والإستدعاء والتخييل عند الروائيين، بكل ما تحتمله أدائياتهم من إختلاف ممكن بين روائي وآخر باختلاف لغته وموقعه من الحدث المسرود، يتبين أن أغلبهم، عدا استثناءات ضئيلة جداً، يتفقون في نهاية المطاف على تجسيد المناضل في صورة كائن مهدّم وغير مؤهل سياسياً، يسكنه الخوف، أو يُميت نفسه بنفسه بالإفراط في الكحول والتدخين والأوهام والثرثرة، كما يتم رسم معالمه على المستوى الإجتماعي كشخصية معتلّة، مشوشة، وغير مستوية نفسياً، وهي مواصفات مجحفة وغير دقيقة، لا تعبّر عن جوهر الشخصيات النضالية، وعمق درايتها بالشأن السياسي، ومنسوب استوائها النفسي والإجتماعي والذهني، بقدر ما تتطابق مع شفاهيات المخيال الشعبي المتواطئ مع المروية الرسمية، التي تردد مقولات السلطة بوعي أو بدون وعي.

أما السبب فيكمن، على ما يبدو، في اعتقاد معظم الروائيين بأن إنجاز رواية سياسية يعني إما التلويح بإمكانية مقارعة السلطة، أو الانحياز التام لمشروعيتها، كما تكشف سياقات أغلب الروايات، والتنازل عن إبداء أي رأي ينم عن الإختلاف مع مشروعها، خصوصاً في الروايات المكتوبة بنزعة ثقافوية تنم عن وهم نخبوي بأهمية رأي كاتب الرواية في الأحداث والتحولات السياسية الجارية، إعتقاداً منه بأن روايته التي يعرضها كصك توبة أو استرضاء، ستسمح له بإعادة التموضع على مسافة أقرب إلى مفاعيل السلطة، كما تكشف رواية (رقص) لمعجب الزهراني -مثلاً- عن هذا البعد بمنتهى الوضوح، بما تحمله من مراجعة فكروية لمراحل اضطراب العلاقة بين المواطن والسلطة، وما تقترحه من تصورات كحل لإشكاليات الدولة الحديثة، وكأنها تقترح إزاحة الكتابة الروائية السياسية عن ذلك السياق التجابهي مع السلطة.

اللحظة الديمقراطية آخذة في الإتساع، ولكن التعبير الروائي عنها لا يزال على محدوديته، أو ربما لا يمتلك الروائيون الرغبة، أو القدرة أصلاً على إلتقاط مهبّاتها، فهم يتعاملون مع مضائق الواقع حتى هذه اللحظة، ويبالغون في مداهنة السلطة واستعطافها، رغم أن الواقع فيه من الذوات النضالية الفاعلة، التي تتكئ على تاريخ من الإنجازات والبطولات، ما يكفي لأن تكون مرجعيات ملهمة للروائيين، وتمتلك من الرصيد والخبرة ما يؤهلها للحضور في الروايات كنماذج نضالية، إذ ليس من المنطق أن تنتهى أغلب الروايات بتوبة المناضل عن فكرة النضال، عوضاً عن ترميم أخطاء التجربة، باستثناء (سهل الجبلي) الذي أراد علي الدميني من خلاله تجسيد معنى البطولة الجماعية ومفهوم المجايلة النضالية في روايته (الغيمة الرصاصية). وكأن معظم الروائيين لا يحبون أبطالهم، حيث يبدون بعض التعاطف معهم. أو الشفقة عليهم، ولكنهم لا يتبنون أحلامهم، وبالتالي يتنازلون عن رسم الظلال الإنسانية لشخصياتهم، وتوطينهم في النص كشخصيات قابلة للالتصاق بالذاكرة، وتوسيع معيارية الفعل النضالي.

الرواية السياسية تنتمي بالضرورة إلى نسق الكتابة السياسية، المبنية على أطروحة تعتمد بلاغة المحاججة والإقناع، أو تقديم رؤية عمادها الإغراء بأهمية القيم، والمبالغة في إمكانية تغيير العالم، إنطلاقاً من الواقع، مع مراعاة أنها يمكن أن تزدهر من خلال ارتباطها بتاريخ سياسي وطني مليء بالصراعات الأيدلوجية. ومن هنا تأتي أهمية فحص الرواية السياسية وهي تعيش صيرورة تشكّلها، فأهميتها تنبع من حيث كونها تضطلع اليوم بمهمة تأريخ الفعل الوطني، وتأسيس مروية شعبية موازية، وليست بالضرورة داحضة للمروية الرسمية، أي تشكيل ذاكرة أو معجم يضم المناضلين بأسمائهم ومختلف توجهاتهم، الذين يشكلون رافداً للنضال من أجل مجتمع متقدم تسوده القيم والحقوق.

ولا شك أن بإمكان الرواية السياسية في السعودية، بل أن مهمة من مهماتها، هي إثارة الجدل، والتصدي لما تبعثر من التجربة النضالية من جميع جوانبها لتقدم صورة مرآوية لمختلف التوجهات، داخل حاضن ديمقراطي، هو بمثابة المقترح الممكن للتعايش، في ظل انعدام ذلك الأفق الحواري على أرض الواقع. ولكن المثير للحيرة هو عزلتها المزمنة داخل السياق الثقافي والحقوقي، وانتفاء كونها محل المتخاصمين سياسياً، فالمتوالية الروائية السياسية لتركي الحمد -مثلاً- لم تتعرض للمساءلة سواء داخل النص أو خارجه من قبل أطراف معنيين بمفاهيم وإشكالات المرحلة التي تطرق لها، وأمعن في تفكيكها لدرجة الإخلال بالتجربة والشخوص، وهو تمنّع يؤجل إستواء المروية السياسية، ويعمّق حالة الصمت، رغم ما يعلنه معظم الروائيين عن ضرورة قراءة التجربة، وما يحاولون تمريره من أفكار حول أولوية الكتابة في هذه المرحلة.

المهمة تبدو شاقة بالنسبة للروائي وهو يحاول استلال الحكايات المتيبّسة على الشفاه منذ زمن نتيجة الخوف والإحباط واليأس، أو عندما يجهد لاستفزاز الذاكرات المطمورة بالنسيان، كما يستثير الضمائر المتمّنعة عن الحضور والترافع عن جدوى النضال، وفي ظل موجة نكوص معولمة، لذلك يُلاحظ أن أغلب الروايات غير مدّعمة بالوثائق، وغير معزّزة بالمعلومات الدقيقة، حول الحوادث والأسماء والتواريخ، بل أنها تنأي عن التسجيلية تغليباً للكلام العمومي، حيث تتفشي الأفكار الفضفاضة، على حساب الوقائع، فهي أقرب إلى الخطاب منها إلى الحدث. وهو أمر يمكن تفهّم مبرراته مرحلياً، عند الروائيين الذين يعتمدون تذهين الرواية، نتيجة انعدام التجربة وانتفاء الممارسة، ولكن ليس من المقبول أن تستحوذ تلك النزعة التمويهية التعميمية عند روائيي التجربة والخبرة، أي أولئك الذين عاشوا بالفعل مرحلة النضال وأسسوا لأبجدياتها المادية والمعنوية.

إن استدعاء رمزية وشخصية جمال عبدالناصر في معظم الروايات كنموذج نضالي، قد تعني في جانب منها محاولة لايجاد صلة مع حركات النضال العربية، وتجسيد وحدة النضال، من خلال إبراز ذلك الأثر الساطي، الذي يتضاعف مع كثرة التطرق لرموز النضال القومي، كما يستظل بقامته فؤاد الطارف في (شقة الحرية) وهشام العابر في (ثلاثية الأزقة المهجورة) ورديني السالم الرديني في (عودة إلى الأيام الأولى). أو كما يتم التيمّن باسمه، حتى في الروايات التي لم تُكتب وفق تصور سياسي، كشخصية (جمال السورجي) مثلاً، في رواية (جبل حالية) لإبراهيم مضواح الألمعي، بالإضافة إلى طابور طويل من مناضلي الرواية السياسية في السعودية المفتونين به. ولكن القراءة العميقة لذلك الإستحضار الكثيف والدائم، يفيد بأنه ليس سوى حيلة سردية لعدم تسمية المناضل الوطني، واستظهار منجزاته، وفي هذا التغييب الواعي تبخيس لقيمة المناضلين الوطنيين، وتقليل من إسهامهم، وتقديم ما يشبه الدليل المجاني على هامشية المناضل الوطني. أما الحديث الدائم عن النضال في المنافي فيحمل في طياته دلالة التهرّب من التماس مع جوهر النضال داخل المكان المفترض خوض المعركة فيه، وبالتالي فهو يعكس ضحالة الرؤية السياسية عند الروائيين لطبيعة العلاقة بين القضايا الوطنية وحواضنها القومية.

كذلك يمكن تأمل الإطلالات الحيوية واللافتة لشخصية ورمزية الملك فيصل كمعادل ملكي لحضور جمال عبدالناصر، حيث تم اختصار عهده الصاخب بالأحداث والتحولات في مزدوجة (القبضة الحديدية وبناء الدولة الحديثة) كما وصفته أميمة الخميس في روايتها (البحريات). وكما حاول معجب الزهراني أن يعمّق هذا التفكير، في روايته (رقص) من خلال بطله (سعيد). وهو اختزال مخل، يتغاضى الروائيون بموجبه عن تداعيات المرحلة، وتعقيداتها السياسية، بالقدر الذي يتم فيه تبخيس رموز التغيير حقهم النضالي، فالصراع لا يمكن اختصاره في الانتصار للنظم الملكية على حساب الجماهيريات الصاعدة آنذاك، بالنظر إلى وجود إشكال صريح حول مفاهيم الحرية والتنمية التي يشكل الإنسان مرجعيتها، ولذلك تبدو مراودات تركي الحمد في ثلاثيته لتبرئة السلطة من أزمة الثقة المتبادلة، وإلصاق تهمة قمع الحريات بالمتنفذين، مجرد محاولة يائسة، وغير مقنعة، بل ظالمة ومحبطة لطابور طويل من المناضلين، عند الإحتكام إلى المفاهيم الإنسانية، ومشروعية الكتابة الروائية بمعناها السياسي.

الرواية السياسية الناقدة لمفاعيل السلطة تدفع بالأدب الروائي إلى مكان الصدارة، كما تحرّر طاقته الإبداعية على المستوى الفني والموضوعي. وعليه، ينبغى ألاّ تجنح الرواية السياسية في السعودية لمراجعة المرحلة الآفلة بعين واحدة، وأن تتجاوز مرحلة سرد الوقائع بنصف لسان، بمعنى ألاّ يكتفي الروائيون بإدانة القهر، واستهجان قمع الحريات بعبارات وصفية رخوة تموت بمجرد الإنتهاء من قراءة الرواية. وبالتأكيد ليس مطلوباً منهم تبييض تاريخ أبطالهم، أو التغاضي عن أخطائهم الأخلاقية، ولا تبرير ممارساتهم الحزبية، بقدر ما يُفترض الإشتغال على رواية مهمتها سرد الحقائق، واستحضار الوقائع كما حدثت، مع إبداء موقف جدلي إزاء ما حدث، لأن هذا هو الكفيل بجعل الرواية في السعودية ركيزة من ركائز التغيير بمعناه الشامل.

معظم المناضلين في الرواية السياسية في السعودية لا يلهجون بمعاني الحرية ورحاباتها، بقدر يراودون أنفسهم دائماً بالاستقالة الطوعية عن النضال، كما فعل (سليمان) بطل (الرياض نوفمبر 1990م). أو كما تاب (بدر الشراحي) بطل (عين الله) بشكل استسلامي عن أوهامه الجهادية. ومن ذات المنظور تراجع (سليمان السفيلاوي) بمنتهى البساطة عن مغامراته الجهادية في (الحمام لا يطير في بريدة). وكذلك ارتد (سعيد) بدون أدنى أسف في رواية (رقص). أما (هشام العابر) فقد انشق بشيء من التشفّي في رفاقه على وعيه في (أطياف الأزقة المهجورة) فيما انسل (فؤاد الطارف) من الحياة الحزبية، بانتشاء صريح في (شقة الحرية) إلى آخر سلالة التائبين أو المستتابين.

هؤلاء الأبطال المحكوم عليهم بالإنجراح بدون أن يُصابوا بشظايا المواجهة، هم في الغالب بدون سمات ثورية أو قتالية، مقابل امتلاء عقولهم بالأفكار والأيدلوجيا التي تفوق مستوى أعمارهم ومهماتهم الحزبية. إذ لا يجرؤ أحد منهم على التفكير بالهرب من السجن، ولو من منطلق التمنّي والتوق إلى الحرية، وهو تمنّع يخصي الخيال الروائي. ولا أحد منهم يتكلم عن تجربة النضال من المناطق الآمنة في المنفى، وهو إمتناع يعني تأجيل سرد الحقيقة. ومن ينجو من قدر الإستتابة الحتمي، لا يحدّث نفسه إلا بابتكار طريقة نكوصية للتواؤم مع فكرة كونه مناضلاً أو سجيناً سابقاً، وتأهيل نفسه للتكيّف مع المتغيرات والكف عن الأحلام. وهي مفارقات مربكة، تقتضي البحث في سر اقتراب أغلب الروائيين إلى هذا الحد من التطابق مع المروية الرسمية، لإعادة مواضعة تجربة كتابة الرواية السياسية.

تلك الكتابة المغلوطة الناقصة، التي تحمّل المتلقي وزر اعوجاجها، ينبغي تعديل مساراتها، وذلك برصد التجربة النضالية من جميع جوانبها، وسرد الوقائع من خلال رواية سياسية واعية، ومؤثرة بالضرورة في الحياة الفكرية والاجتماعية، يتم بموجبها توثيق ارتباط الكتابة الروائية بالتاريخ السياسي، كما يتم الإفصاح من خلالها عن حقيقة أن المناضل ليس مجرد دليل على رومانسية الزمن الماضي وخيباته، كما تحاول أغلب الروايات تقديمه بهذه الصورة، توليداً للحسرات، وتبريراً للراهن، بل هو فعل وجود يختصر إحساس المجموع بالمكان، ويعكس بالضرورة وعي الكاتب بالفعل الروائي كفن ومضمون، فمجرد وجود مفردة تشير إلى النضال السياسي في بنية السرد، ينبثق الإحساس العبقري بوجود كائن ملهم، يمكن أن يؤدي دوراً جمالياً استثنائياً، داخل الحدث الإنساني، بكل تجلياته السياسية والإجتماعية والثقافية.

فهرس الكتاب

* المناضل السياسي..مدخل للرواية السياسية في السعودية

* مناضلو الروايات

- فؤاد الطارف – الهارب من جحيم الأحزاب إلى وعود الوطن

- هيفاء وسليمان – خيبة النضال المعجون بالحب

- رديني السالم الرديني – العروبي الغارق في الكحول والأوهام

- أبو حسان - مناضل أخرس، من المؤلمفة قلوبهم..المكسورة أقلامهم

- هشام العابر – الوعي المنشق على نفسه

- سهل الجبلي – السجن كفضاء لتعزيز البطولة الجماعية واستكمال التجربة النضالية

- خالد البعيد - الفارس العمالي المستعاد من التاريخ وقلوب الجماهير

- سليمان السفيلاوي – السلفي الخائف من ظله

- بدر الشراحي – الصحوي التائب..المعاد توجيهه

- سعيد – المناضل الباريسي الملكي