طباعة    ايميل

قصيدتنا النثرية ، إذ تعلن حضورها الفارد
- وعي اللحظة الشعرية - 
رغم المعوقات التأسيسية ، حصار الذائقة الجمعية ، والقطيعة النفسية حتى ضمن الدوائر الثقافية الاكثر تعالقا بالابداع استطاعت الكتابة الجديدة ممثلة بالنص المفتوح ، أو ما يسمي الدكتور عبدالله الغذامي امتداداته الأعرض بالنص المضاد ، وبصورة أخص القصيدة النثرية ، ان تثبت حضورها الصريح والملفت في ساحتنا الثقافية . ففي ظل انحباس القصيدة العمودية في حلقة مفرغة تجتر الاطر والمضامين المستهلكة ، وانطفاء جذوة شعراء التفعيلة الأكثر مغامرة وابتكارية ، انفرجت مساحة للتجريب ، بدت كأنها المآل الذي ستنتهي اليه قصيدتنا .
وبالفعل أكدت تلك الجماليات المؤسسة على القطيعة ، ومن خلال الاصدارات المتواصلة اصرار الموجة الجديدة من الشعراء على تثبيت مواقعها الأمامية  ، دون ضجيج المعارك التي نشبت في عواصم الثقافة العربية ابان ظهور الشكل الشعري الجديد ، والمحاولات المستميتة من رواده لشرعنته . وقد تحمس لقصيدة النثر عربيا أصوات شعرية هامة كانت في الأصل وثيقة الصلة بقصيدة التفعيلة وقبلها بالقصيدة العمودية ، وقد صاحب ذلك الزخم فيض من التراشق النقدي والتلاسن السجالي الذي أكد في النهاية حق الشعر الجديد في الحياة .
أما بالنسبة لساحتنا فان الأسماء التي غامرت بقصيدة النثر متواضعة ، بل ولا توجد تجربة حتى اليوم مقنعة باستثنائية جاذبياتها الجمالية ، لا حسب الذائقة الجمعية وحتى بالنسبة للحساسية النقدية ، فهذا الشكل الأدبي المستورد ، المخلّقة تشوفاته شكلا ومضمونا وحسا أحيانا من دوائر ثقافية نائية ، لم يتفاعل معه رواد شعرنا ، أو بمعنى أدق لم نشهد تحول أي صوت شعري هام سواء من شعراء التفعيلة او القصيدة العمودية الى كتابة القصيدة النثرية ، وهو الامر الذي حكم على ولادتها باليتم ، بل والخصومة الابتدائية لكل تمظهراتها.
ولم تحظ كاسهام ابداعي ناشيء بأي رعاية أبوية أو مجادلة نقدية جادة ، وكل الذي لمسناه تهجمات صريحة حتى على الواعد منها ، واتهامات جزافية لمتعاطيها بالتخريب ، أو تحفظات حذرة لا تنتصر لها ولا ترفضها ، أو تأييد مجاني مطلق لتبرعماتها الناشئة والتأكيد على أنها البديل للشعرية العربية عموما ، قبل أن تخف هذه الحدة مؤخرا لتصبح قصيدة النثر خيارا وليست بديلا ، باعتراف شريحة عريضة من أبرز المتحمسين لها ، وربما يعود ذلك الى احساس الشعراء عموما وليس كتاب قصيدة النثر فحسب ، بالتهميش وبتراجع الشعر عموما الى مرتبة أقل في المشهد الثقافي العالمي .
وربما لعدم وجود تجربة ثرية قابلة للجدل ضمن مغامرة الكتابة الجديدة ، أو لأن ظهورها كان " مربكا لكل المقاييس التي توصل اليها نشاطنا البلاغي والنقدي في تاريخنا والمتعلق بثنائية الشكل / المضمون " حسب محمد العلي ، لم يجد النقاد بدا من تجاهلها ، فحكموا عليها بالاغتراب والقطيعة دون اعطائها فرصة لقطع حبل سرتها الغربية ، ولتبيئة أدواتها ومضامينها بل وأحاسيسها وكافة أدائياتها . أو قد تكون الأسماء المكرسة ضمن محيطها غير قادرة بالفعل على التحول بها نحو فرادة فنية ملفتة ، لذلك سقطت في النمطية وصرنا نقرأ تجارب متقاربة شكلا ومضمونا ، بل أن الأصوات المنفردة تمددت على مساحة أعرض ، وباتت كجنس ابداعي مفتوحة لكل مجرب ولو بخاطرة ، وملتبسة كصوت متفرد بمواصفات ابداعية خاصة .
ولئن عانت قصيدة النثر العربية عموما من قراءات قاصرة اعتبرت نشأتها تتويجا للانتصار على التقفي والايقاع ، أو انعكاسا لتطور اجتماعي أو تحولات في المعيش اليومي ، أو حتى شكلا مستوردا من الغرب ، فان قصيدة النثر في ساحتنا لم تحظ نقديا حتى اليوم بما يتلاءم وحضورها المكثف ، ولم تجادل انبثاقاتها وواقعها الا من موقع ما يسمى بالصدمة الثقافية ، ووفق منظور قصيدة النثر العربية والعالمية ايضا ، كما في دراسة الدكتور سعد البازعي “ عظام الاحلام وشعرية الضجر عند محمد الدميني “ ، والتي اضطر فيها للتشاغل ببودلير ورامبو وجبرا وحجازي ، واستعادة بعض الجوانب التحليلية العربية والعالمية حول القصيدة النثرية عموما كتعويض لغياب المرصود من تشكلاتها ، وانتفاء الرغبة لدى الكثير من الدارسين أو عجز اداتهم عن  استكناه فلسفتها الجمالية .
ومجادلة العلاقة العضوية بين الشعر وكافة أوجه النشاط الانساني تحتم بالتأكيد الوصول الى نتيجة مفادها أن الشعر أيضا ، وفق تلك الجدلية ، يتطور كمفهوم وكشكل وكلغة ، وهي مسألة مقاربة بعمق حد الاشباع في مساجلات الحداثة بمفهومها الأشمل ، وبالتالي يمكن الركون الى أن ظهور قصيدتنا النثرية ، وان كان نتيجة لمؤثرات عربية مستمدة من حاثات الحساسية الشعرية الغربية ، ومشاكلة صريحة لنماذج جاهزة ، الا أنها عاكسة لبعض التحولات الجارية في مركباتنا البنيوية من الناحية الاجتماعية والذوقية .
ولأنها اليوم متمثلة بشريحة عريضة من المبدعين ، ومؤكدة على استمرارية الانتاج ، وتجهد كجنس أدبي لشرعنة وجودها وتأكيد جمالياتها الخاصة ، وفرادة جاذبياتها ، ينبغي ملامسة توثباتها تلك بجد وتأن ، لوعي لحظتنا الشعرية أو جانب منها ، مهما اختلفنا أو رفضنا أي مظهر من تمظهراتها ، لا أن ندخلها في سباقات خاسرة ضد انماط ابداعية أخرى ، أو ننحرف بها في مجادلات هامشية عمن هو الأسبق أو الأفضل من متعاطيها .
وبعيدا عن مجادلات القديم والحديث ، أو الأصالة والعصرنة ، ومهاترات الاشكالات الاجناسية ، وشعرية أو لا شعرية النصوص الجديدة ، يمكن التأكيد على ان الحالات الشعرية الفاردة حضورها اليوم في ساحتنا تبدو أمرا حتميا من الناحية الفنية والمفهومية ، نظرا لحالة التطور الشاملة في مجتمعنا ، حتى وان كان الشعر والابداع عموما يتطور وفق حساسية مختلفة عن آليات التطور الصناعية والاجتماعية . واذا كان هذا النموذج بالفعل مستوردا فهذا لا يعطي الحق لأحد لبتره والاجهاز عليه ، فهو نتيجة للتلاقح الفني والفكري بين الشعوب والثقافات المختلفة في عالم يتناظر فكريا ووجدانيا ، والمطلوب ليس الانغلاق دونه بل تحديه بنماذج أكثر شعرية ، أو تبيئة جمالياته على اقل تقدير ، لأن المراد هو القصيدة الجيدة ، من أي مدرسة جاءت ومن أي جيل شعري وتحت أي مسمى ، والبقاء للقصيدة الأكثر قدرة على صوغ احساسنا وتجسيد تطلعاتنا ، وليس للشعر الأكثر ضجيجا او المراهن على الموروثات المرسّخة في وجداننا.

لقد قادت المغامرات الفردية قصيدة النثر واثبتت بداياتها الاولى ، ولم تتجبّه تلك التجارب المحدودة في تيار قادر على السجال وصوغ مبررات جمالياته المستحدثة ، وربما لم تكن هناك حاجة ماسة لذلك قبل أن يتمدد صوت الموجة المجربة . ومن الصعب القول بأن هذا الشكل الجديد قد أخذ نفس المسارات التراكمية التي عبرتها قصيدة النثر العربية ، رغم احتضانه لكل متوالياتها وجدليات حضورها ، فقد دخل النموذج الجديد بشكله الأنضج مشهدنا الثقافي ، بعد أن استكمل عربيا الكثير من أدواته الشكلية والمضمونية .
ومن المبالغ فيه أن ننسب انتصاب قصيدة النثر في واجهة مشهدنا الثقافي الى متغيرات البنى الفكرية والاقتصادية والاجتماعية دون الاشارة الى جاهزية النموذج شكلا وحسا والآتي من الغرب ، فهي حتى اللحظة لا تتمثل الا ضمن شريحة ضئيلة جدا وتعاني من غربة استثنائية قياسا الى بقية الأجناس الأدبية ، مع العلم بأن التحديث الفني عموما يعاني من الاغتراب الحاد لأن ذائقتنا ووعينا الجمعي لم يتسع لتراكمات بعيدة المدى قادرة على التأثير وتغيير حساسيات الاستقبال الابداعي في مجموعنا العام ، ولا زالت ذائقتنا مسكونة بالايقاع ، وموسيقانا أكبر شاهد على ذلك .
وقد بالغ الدكتور سعد البازعي في التقليل من شأن تلك الرواسخ ، في تحليله السوسيو-ثقافي لقصيدة النثر ، حيث تعامل مع حالات محدودة وليس مع المزاج العام ، فقرر ان قصيدة النثر " شكل شعري اقتضته تجربة الحياة المدنية " ، وهو بهذا التفسير أميل الى اعتبارها او بالاحرى ادراجها ضمن سلم الثقافة التكيفية ، فيما يلاحظ ان الكثير من كتاب قصيدة النثر في ساحتنا يرجعون الى أصول ريفية وحارات شعبية ، وشعرهم ينوء بالآفل والمنقضي والانتحابيات على الريف والعوالم المتهدمة ، فيما يشبه جدلية الريف الطارد / المدينة الجاذبة ، وهو مكمن لم تتجاوزه قصيدتنا النثرية ، رغم أهميته القصوى في حداثة القصيدة فهو متعلق بمفهوم الزمن في القصيدة النثرية والذي يختلف اختلافا جدريا عنه في القصيدة القديمة ، فالأول توصيفي لحدث منسرب ، فيما يقترب الثاني من الدائرة الرؤيوية .
وهذا النفي الابتدائي لا يعني أن قصيدتنا النثرية تحمل مواصفات متخالفة مع القصيدة العربية أو العالمية ، أو أنها تنوء بجدل استثنائي ، بل العكس هو الصحيح فكتابتنا الشعرية اليوم ، مثلها مثل كل التجارب العالمية ، آخذة في التمدد والحضور داخل كل الاجناس الادبية تقريبا وفق المفهوم الأحدث للشعر المزّخم بالصوت والحرف والحركة والمشهدية ، وبالمقابل متأثرة بألوان ابداعية وفق جدلية جمالية مؤسسة على التأثير والتأثر ، تصل في كثير من الأحيان الى التماس والتداخل مع دائرة المفاهيم  الفاعلة جدا في تخصيب قصيدة النثر بمفهومات أعمق وأحدث .
ومن هنا نرى التنوع العريض لممكنات التجربة واصرار متعاطيها على ألا تكون ومضة خاطفة سرعان ما تافل ، كما حدث لبعض شعراء الثمانينيات ، وهو الأمر الذي سيؤكد على تسيد الساحة لفترة طويلة ، وقد نشهد تحولات نوعية مبهرة ، فاغراء قصيدة النثر يتعاظم في ساحتنا بشكل ملفت لدرجة أن الشاعر حسن السبع ، وهو أحد القلائل الصامدين من شعراء التفعيلة ، والمتميز شعريا بالغنائية حد التقفي ، استجاب لمغريات الشعر الجديد فجرب التنثير كما في “ أسئلة برج الميزان “ مثلا . والشاعرة بديعة كشغري التي بدأت وجدانية واحيانا مفعلة ، صارت أميّل الى النثرية ، وتكاد عدوى التنثير الخالص تصيب شفافية الشاعرة لطيفة قاري ، بالاضافة الى اسماء نسائية تدخل المشهد الشعري باصرار كسلوى خميس وآمال بيومي . كما تطال تلك الموجة  محمد حبيبي وعيد الخميسي ، حتى يوسف المحيميد المتميز قصصيا ، انتقل الى ضفة النص المفتوح فدخل محاولة أوسع لكتابة النص النثري بمجموعته الأخيرة " لا بد أن أحدا حرك الكراسة " ، ناهيك عن الشاعر والناقد محمد الحرز الذي جرب هو الآخر كتابة القصيدة النثرية ، ونفس القول ينطبق على عبدالله السفر الذي فاجأ الساحة بمجموعته الملتبسة اجناسيا  " يفتح النافذة ويرحل " ، والقائمة تكتظ بأسماء لم تتمثل بمجموعات شعرية مطبوعة .
وفي جانب الأسماء التي عرفت نثريا وحسمت صوتها بدواوين ، يبدو التنوع اكثر اتساعا وتلونا فبداية محمد عبيد الحربي في " الجوزاء " ثم في " رياح جاهلة " بالغت في المراهنة على المضامين والمباشرة الاسلوبية ، فيما لم تؤسس لجاذبيات شكلية خاصة بالقصيدة النثرية ، فظلت تراوح في التنثير المفرط تتأبى المغامرة الى ما هو ابعد من مصادمة الواقع . أما أحمد الملا فقد بدأ في “ ظل يتقصف " مشاكلا لتصويرية الماغوط ومخالفا له تقنيا أو معصرنا لتشبيهاته ، حتى تخفف اليوم في " خفيف ومائل كنسيان " من ركام الصور واقترب من النثرية الخالصة ، مع اصرار واضح على استلهام عوالم تشكيلية ومشهديات سينمائية بحثا عن مرجعيات جمالية أرحب . وغسان الخنيزي المتأثر باشتغالاته على الترجمة أكد في " أوهام صغيرة - أو التي تراود الموهوم في الحمى " على المحكي باحالاته المباشرة مستحضرا المؤثرات المعدنية الجافة في لغة الآخر ، دون أي تضمين أو ازاحات مجازية أو تصويرية ، فجاء ديوانه سيرة ذاتية ممنتجة ، ومرسومة بتزخيمات لفظية مصوّرة، وممثلة لابسط صور قصيدة النثر الرافضة للتصدح . وهو في جانب السيرة المنتقاة أو المنظور اليها عن بعد ، يتقاطع مع علي العمري في " فأس على الرف " المؤكد في مجموعته على الانشاد الاوركسترالي أحيانا والحوارية المسائلة للمرئي والملموس من الأشياء بلغة توصيفية تستمد قوتها من نبرة رسولية رائية ، تعمل ملامساتها الجمالية في ظلال الاشياء فيما يمكن اعتباره أدائية فوتوغرافية اقرب الى جدلية الليكارو - سكورو التشكيلية .
أما حمد الفقيه الممتليء بنشوة حسية فهو أميل الى التوقيع والاقتصاد اللغوي بل والشعوري ، ففي مجموعته " نقف ملطخين بصحراء " سيكولوجيا جمالية مازجة بين أناه وتجلياته الفنية ، ومعبر عنها بتقنيعات حسية متمثلة مفرداتيا بطغيان غريزي مندفع لتمثل وجوده الانساني، مع امتناع فني وروحي عن الرثائية تأكيدا لمفهوم أحدث للزمن في القصيدة النثرية . وابراهيم الحسين الذي بدأ في " خرجت من الارض الضيقة " أقرب الى ايقاع التراتيل الروحية ، والقرآنية على وجه الخصوص ، فيما يمكن أن نسميه " مرجعية روحية " صار اليوم في “ خشب يتمسح بالمارة “ أكثر انفعالا بالاعتيادي ، مع اشتغالات ذهنية لاستيلاد تصويرات تجريدية متجاوزة للمرئي والمحسوس ، وقد شاطره في نفس الايقاع - ابتداء - أحمد كتوعه  في مجموعته " كرة صوف لفت على عجل " المتميز باختزالية اشارية وتكثيف تصويري ، مع حساسية تشكيل بصرية ناضجة مدعمة بالتقاطات فنية ثرية وملفتة ، ودالة على التنوع الذي يسمح لنصوصه بالنماء والتمدد الحر في فضاء مدني يعطيه فرادة اسلوبية ويسند شعريته لروح داحضة للترنم .
وتبدو مغناة سعد الهمزاني " منتصف الحدس " رغم ايقاعها التفعيلي في بعض المفاصل ، سردية حائرة تبحث عن ناظم روحي وشكلي لمقول مندغم بصوت الجماعة حد الانبثاق عنه ، مثله مثل محمد عابس في " الجمر ومفارش الروح " ، وعلى العكس منهما ياتي صوت هدى الدغفق التي حققت ضمن نجاحات القصيدة النثرية في " الظل الى أعلى " انفلاتا ، ولو جزئيا ، من مفهوم الابداع كوثيقة اجتماعية ، خصوصا بالنسبة للمرأة ، وأكدت بنثريتها الحذرة قدرة على توصيف ما هو أبعد من المشهد المرئي ، وتكاد تتطابق هذه الأصوات ايقاعيا وتتمثل حالات ذاتية وأدائية متقاربة . فيما تندفع ذاتية نصوص " سنابل في منحدر " لمحمد الدميني ، و" ماء السراب " لفوزية ابو خالد في خطابية صارخة تعكس حيرتها أو صدمة الأنا المأزومة وسط ركام وتناقضات العولمة بسردية منفرطة ومستفرغة من التنبيض ومتراصة لما هو أقرب الى القص المساجل ، المراهن على التأثير ببناءات لغوية جازمة .
ويتسع هذا التنوع لكل الجدل المعمق حول قصيدة النثر بكل تشعباتها، فتجربة قصيدتنا النثرية تتعالق بشكل أو بآخر بما يعرف بالتأصيل أو العودة الى الجذور ، مرورا بالاقتباس والترجمة ، حتى أبعد نقطة في التغريب . وبنظرة عابرة يمكن ملامسة حالات متشكلة ومتمثلة على الساحة لكل المفاهيم المجادلة حول الشعر  وتعريفاته كتصويرية الجاحظ ، والصورة الخاطفة عند والت ويتمان ، والازاحة البلاغية عند لاكان ، وتناسبية القرطاجني ، ومجازية ابن سينا ، وبنائية رتشاردز ، وايقاعية جاكوبسن ، بل والمضامين المتحولة من الجوهري الى الاعتيادي ، وجدلية النهل من عوالم المتصوفة ومصادر التراث الروحي ، واستنساخ المترجمات واعادة صياغتها ، والتصادم مع غرائبية التطرف الابداعي العالمي ، الى آخر الجدالات الدائرة حول الخصوصية الشعرية ومفارقتها للحالة النثرية ، مما يؤكد حضور شعراء القصيدة النثرية ، عبر منتجهم الابداعي دائرة هامة من الجدل .
وعلى الجانب الآخر ، فسح هذا التنوع أو الانفتاح التجريبي اللا منضبط لكثير من المحاولات للانسراب داخل الموجة ، وتخفيت صوتها ، فقصيدتنا النثرية على ما تعانيه من اغتراب ، وعجز عن نحت نبرتها الخاصة داخل صوتنا الشعري ، تعاني ايضا من نفس معضلات القصيدة العربية بكل تشكلاتها ، فرغم حداثتها الا انها سرعان ما وقعت في الشكلانية ، والنمطية ، والاندفاع اللاواعي لاستنساخ التصويرات من عوالم ابداعية متباعدة  وأحيانا متناقضة ، فهناك اصرار على الانتصار لشرعيتها بتطلعات مصنعّة في مختبرات الآخرين ، وانبهار بعوالم مشيدة بمزاج وخبرات طليعة شعرية نائية ، فابراهيم الحسين مثلا يستحضر في " حديث الردهة " شوقي عبدالأمير ، فيما يبحث علي العمري عن قاسم حداد في عزلة ملكاته ... وهكذا .
ولعل تعاظم الانتاج الكمي دون مجادلات نقدية جادة ، هو الذي ولّد التكرار المخل بتنامي قصيدتنا النثرية وأسس لتلك النمطية المستهلكة ، فكل متعاطي قصيدة النثر يتقصدون الاحتفاء بالاعتيادي وتغليب الهامشي على المركزي ولكن دون قدرة حقيقية على جوهرته أو مبادلة مواقع تلك القطبيات . كما يغلب على التيار حس تجريبي متعاظم ، مراداته الانفلات من قطبيات الجمالية الكلاسيكية والتأسيس لجاذبيات أحدث ، ولكن دون نجاحات استثنائية أو ملفتة ، حتى النهل من التجريدات الخالصة ، الذي يشكل تطلعات الغالبية ، يبدو بعيد المنال عن كثير من الأصوات حاليا ، وقد لا يطال الا بعد مراكمات تجريبية طويلة .
ويبدو أن التنويع على نفس الثيمات ، واعادة دوزنة ذات المفردات ، مع اختلاف الخصائص الأسلوبية لكل صوت ، هو المهيمن ، وهو الرهان الجمالي حتى اللحظة ، نظرا لتقارب الاهتمامات والاشتراك في نفس الهواجس ، وبالنظر الى حداثة التجربة ، ومحدودية عمرها الزمني ، وهي تقاطعات موحدة لصوت قصيدتنا النثرية ، وليست مبررة بالطبع لانتاج صور كربونية متطابقة تنسخ من بعضها ، فمثلا صالح الحربي يترك في " مقهى " وجهه على مقعد خشبي ، فيما ينسى عيد الخميسي في " آخر ليل المقهى " اصابعه فوق الطاولة . واذا كان الحربي والخميسي يتفقان في الجانب التصويري فان " المقهى " كثيمة مكانية خضع لتوظيفات قولية حد الاستهلاك ، ولا يوجد شاعر نثري لم يجادل تلك المحطة ، وان كان لكل شاعر " مقهاه " .
ويمكن مقابلة عوالم احمد الملا بعوالم حمد الفقيه ، حيث " الرمل الناهد " عند أحمد الملا ، هو " صحراء تنمو أردافها " بالنسبة لحمد الفقيه ، والتي تذكرنا بالصحراء ( رومية الكفل ) عند محمد عبيد الحربي . اما الهواء المشوه عند الفقيه ، فيصبح عند الملا " هواء لم يستعمله غيري " ، حتى وصف الحالات المشهدية تتقاطع ولا تتطابق فمحمد الدميني مثلا يصف ليلته الآفلة في " وصايا البارحة " بقوله :
الخدر الذي تركه لي اصدقائي على مرأى من زجاج
البارحة لم يزل يتناسل في حشفة الرأس
في الصباح كان عليّ أن اغسل تبغهم من مداخل
الجسد ، وأن اخترع حكايات سارة للطفلة التي
تتعثر تحت شمس واجمة
وببنفس الروح المشهدية يكرر أحمد كتوعة توصيف " سيمفونية الفوضى التي خلفها الاصدقاء " في : تعابير الغرفة المجاورة " بقوله :
الصمت صاخب في آخر الليل
بقايا غناء على الجدار
رقصة منهكة في الركن
رائحة لا تكره الرحيل
يتركونه
ليلتهمه الصباح
ولنلاحظ القواسم المشتركة لبقايا الرائحة او الرؤية الماثلة في الزجاج او الجدار ، والاحساس بتبدلات الحالة الوقتية ، أحيانا بالمفردة المباشرة الفصيحة المتمثلة في الصباح ، وأحيانا بالاحالة الى الشمس . وبنظرة متأملة يمكن الوقوف على تقاطعات مفرداتية وموضوعية لقصيدتنا النثرية عموما مشتركة في جامع بنيوي غالب .
واذا كانت تحقق نجاحات هامة وعلى أكثر من مستوى الا أنها لا تعد على المدى القريب بتغيير خارطة الحساسية الشعرية ، والسبب يعود الى القصور في الوعي الشعري لبنيات القصيدة النثرية ، والانصراف عن فهم الابعاد الفنية والمضمونية لها ، حيث يتعامل معها كثير من الشعراء على انها مجرد فرط للأوزان واخلال بروح الايقاع في القصيدة وتلاعب باللغة أو تحذلق لفظي ، فيما هي أفق لغوي متجاوز للاعتيادي من التعبير، ونمط ابداعي يحتمل التجديد الثوري على مستوى الشكل والمضمون وتقنيات التعبير ، وتحقيق مفاهيم اعمق للزمن والأشياء داخل القصيدة ، وأيضا تجسيد جوانب هامة من المسكوت عنه ، وحالات اللاشعور ، ستصله قصيدتنا اذا ما واجهت اختلالاتها بجرأة وصدق ، وهذا لن يسمح ببروز قصيدة وذائقة نوعية وحسب ، بل بانوجاد ذوات انسانية جديدة قادرة على التعاطي مع تحديات التغيير .
**
فهرس
* مدخل
* قصيدتنا النثرية ، اذ تعلن حضورها الفارد
- وعي اللحظة الشعرية -                                   
* " يفتح النافذة ويرحل "
تشوفات أولى لعبدالله السفر                                                                      
* " ماء السرّاب "
تموقف داخل الحياة ... انزلاق خارج الشعر
* " خشب يتمسح بالمارّة "
حس فطري ، قد يتجرد                                     
* بعد تصويرية " ظل يتقصف "
أحمد الملاّ ، أخف وأميل للنثرية الخالصة                    
* " نقف ملطّخين بصحراء "
نص حاسم ، ينص .. ينبض ولا يتنمق                      
* " أسماء وحرقة الأسئلة "
نصوص مخذولة تكوينيا .. معطلة مجازاتها                  
* “ كرة صوف لفت على عجل "
اندهاشة بصرية لا مهاد لها                                  
* أوهام بيوغرافية صغيرة
تراود غسان الخنيزي في حمى لفظية                        
* " فأس على الرّف "