طباعة    ايميل

حداثة متعثرة ومشهد ثقافي لم ينضج

 

حداثة متعثرة ومشهد ثقافي لم ينضج
الناقد محمد العباس مستعرضا لـ «الشرق الأوسط» المشهد الثقافي السعودي
الخميس 19 نوفمبر 2009

الرياض: فتح الرحمن يوسف
أصدر محمد العباس مجموعة من الدراسات النقدية، وأسهم عبر كتاباته في الصحافة المحلية والعربية في نقد الإنتاج الإبداعي السعودي، وهو يُعرَف بصرامة لغته النقدية وقدرتها على «استفزاز» المثقفين المحليين.
في هذا اللقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدث العباس عن المشهد الثقافي المحلي، والخطاب الشعري وقصيدة النثر، والرواية وموجة الحداثة كما يسميها.
في البداية لا يرى الناقد العباس سوى تحول طفيف في المشهد الثقافي السعودي، وبخاصة بالنسبة إلى الجانب الشعري، ويقول: «لم يتغير المشهد الشعري كثيرا إلا على مستوى كم الإنتاج، فرغم طفرة الرواية فإن وفرة ما يصدر تحت عنوان الشعر تبدو لافتة». ويلاحظ العباس أنه ما زال هناك تقديس «لا مبرر له» لبعض شعراء الثمانينيات، رغم ظهور جيل جديد يفوق بعضهم في ابتكار الصور واقتحام الموضوعات وحتى تشكيل العبارة الشعرية. وقد يقع بعض اللوم على الشعراء الجدد الذين ما زالوا يبحثون عن شرعيتهم من خلال التمسّح بالآباء المكرّسين عوضا عن الرهان على نصوصهم.
ويضيف: «إن الإنتاج الشعري في السعودية، الذي يحتوي على عموديين وتفعيليين ونثريين، يكاد يكون مجرد امتداد لمراحل سابقة، مع زيادة كمية مطردة، لدرجة يصعب معها متابعة المنجز، والأسوأ هو عدم وجود اهتمام نقدي يُذكَر بتحولات الخطاب الشعري، حتى الملتقيات القليلة جدا التي كُرست للشعر في السعودية اكتفت بكونها مجرد كرنفال للإنشاد وتكريم الشعراء المنتهية صلاحيتهم منذ زمن، دون أن يتم التركيز على قراءة التجربة الشعرية واستشراف أصواتها القادمة».
ويقول عن قصيدة النثر: «إن طابور قصيدة النثر الآخذ في التمدد له من الحضور الشكلي في المنابر العربية ما لا تتم ترجمته كفرادة على مستوى القول الشعري، وعليه تبقى مرجعية الشعراء أو مجرة تأثيرهم مستمدة من (الآخر) العربي حيث يتكاثر الدرويشيون (نسبة إلى محمود درويش) مثلا والبيضونيون (نسبة إلى عباس بيضون) لعدم وجود شاعر له بصمة متفردة يمكن أن يكون مرجعية في هذا الصدد».
ويستخلص العباس أن المشهد الشعري السعودي لم ينتج رموزه الشعرية المتفرّدة القادرة على خلق بؤرة استقطاب جمالية.
وسبق للعباس أن أصدر كتابا بعنوان «قصيدتنا النثرية ـ قراءات لوعي اللحظة الشعرية).. والكتاب عبارة عن قراءة في مجموعة من تجارب الموجة الأولى لشعراء قصيدة النثر، وكانت المقاربات تلاحظ الظاهرة الصاعدة آنذاك من حيث كونها خطابا شعريا مضادا. يقول عن هذا الكتاب: «إن الرهان كان كبيرا على تلك المقترفات الشعرية في تلك الفترة ليس لأنها أداة تقويض للقديم وحسب، ولكن لأنها كانت تبشر بنص على درجة من الانحياز للشعر، ولكن للأسف سقطت أغلب التجارب تلك في ما بعد في الشكلانية والبهرجة اللغوية التي لا تستمد رصيدها من حرقة التجربة والخبرة، كما مالت بعض التجارب إلى تقليد الآخر حد استنساخه، فصارت الإصدارات تتراكم بشكل كمي دون أن تؤكد الذوات الشعرية الواعدة قدرتها على قراءة اللحظة الوجودية والتعبير عن استحقاقاتها، عدا محاولات ضئيلة جدا، وأسماء ما زالت على وفائها للشعر، والنتيجة كانت مؤسفة حيث لم تعد قصيدة النثر في السعودية تؤدي دورها الجمالي، وكأنها كانت تكتسب شرعية وجودها من خلال محاولات تحطيمها وإعاقة حضورها، لا من خلال رؤيويتها وفرادة تصوّرها للوجود». ويضيف: «هناك موجات شعرية جديدة غاضبة ومنفعلة، وهي للأسف أقل وعيا بالضرورات الشعرية، وبمعنى نثرية الحياة، وانفراط العالم المفترض مقابلته بنص نثرى يعادله ويماهيه حسّيا ومعرفيا، حيث تكتفي أغلب التجارب بتدوين اليومي وتهمل صلته بالكوني، وحيث لا تتهاوى الذات الشاعرة في أغلب الأحيان إلى حافة التلاشي، أي النقطة الصفر للمعنى لاجتراح معنى جديد كما يفترض النص المنثور».
* الرواية في قلب المشهد
* أما الجانب الروائي في الثقافة السعودية فيتحدث عنه العباس بالقول إن ما يقع على الإبداع الشعري يقع على الإبداع الروائي مع اختلافات في منسوب الطرح، فالرواية خطاب له سمة الحركة الجمعية وفيه من الحمولات ما يتجاوز الشعر كحالة فردية، حين يكون الحديث عن حركة أو ظاهرة، وهي اليوم تقع في قلب المشهد، وتحظى بمتابعة نقدية وإعلامية، كما يتم تلقفها في المشهد العربي كوثيقة اجتماعية لاستجلاء صورة الإنسان في السعودية.
ويرى العباس أنه لهذا استطاعت الرواية في السعودية أن تفرض حضورها من خلال كثافة المنتج الذي تم بموجبه إنهاء اللحظة الشفاهية، ومن خلال مقاربة جملة من العناوين الوعرة ولو على مستوى التماس الأفقي معها، لكنها لم تبتدع من الأساليب السردية ما يمكن أن يُنظر إليه كانقلاب على تقاليد السرد، وكأنها تراهن على جذوة المضامين وإثارة الغرائز، والتلويح بالدخول في دائرة المحرم الثقافي، وهو أمر يمكن تفهمه عند بعض الروائيين الذين يحاولون بالفعل نسف المروية الرسمية، والتقدم بالذات في الفضاء الثقافي، بما هو محل التصارع لتوطين قيم المجتمع المدني، أو هي لحظة التناقض التي بلغت أقصاها وصار لزاما استيلاد حالة تنويرية تؤكد الاستحقاق، بحيث تكون الرواية هي المنتج اللا مادي المعبّر عن روح التحولات المادية والواقعية، كما يبدو ذلك واضحا بمظاهر العلمنة الطافحة في أغلب الروايات المستدعاة إلى سياقات الخطاب الروائي بوعي أو لاوعي، والتي تريد التأكيد على أن حركة اجتماعية تاريخية حاصلة بالفعل، يتم تسريدها عبر الرواية، الآخذة بدورها في التمدد في نسيج وتفاصيل الحياة كفعل اجتماعي بامتياز».
ويضيف العباس: «بناء على ذلك، يمكن التقاط محاولات قليلة جدا في هذا الصدد تجمع بين قوة المضمون وإمكانية تحقيق نصاب أدبي، وأظن أن المحاولات والحضورات على المستوى الكمي ستستمر، وستكون الرواية واحدة من أدوات خلخلة النظام الثقافي والاجتماعي إلى أن يزدان المشهد بروايات ناضجة تعكس طبيعة الوعي والإحساس والتحدي لإنسان هذه الأرض».
* النقد بين الأدبي والثقافي
* أما ما يخص النقد، فلا يرى العباس أن هناك تحولا لدى النقاد السعوديين نحو النقد الثقافي، معتبرا أن ما يتم تداوله مجرد استجلاب غير ناضج لنظرية بكل عناوينها دون قدرة على تفعيلها، فالنقد الثقافي الذي اجترحه بعض المثقفين العرب تحت مسميات مختلفة كالنقد العلمي والمعرفي والشمولي إلى آخر المسميات قبل أن يتم تقديمه كنظرية، ما زال يمارس من منطلقات إيديولوجية، ومن خلال قراءات (عبر ـ نصية) معروفة منهجيا تفسر النص من خلال الواقع وتعود إلى حرث الواقع بسطوة النص وهكذا، ومنذ اللحظة التي سمى فيها محمد الأسعد هذا النقد بعنوانه الواضح والصريح «النقد الثقافي» في كتابه «بحثا عن الحداثة» الصادر سنة ???? لم يتم ذلك الانجراف نحو مثاقفة النص خارج المنهجيات المعتادة، حتى من قِبل المنادين بالتحوّل، رغم ما تبع ذلك المدخل من إصدارات تبشيرية بانقلاب نقدي».
ويقول العباس: «إن أي متابع للجهد النقدي العربي سيقف على هذه الحقيقة، فالخطاب النقدي الذي كان في يوم من الأيام حكرا على قامات فلسفية بحجم أفلاطون وأرسطو صار اليوم بمتناول القراء العاديين حيث أعلن الناقد الأميركي في صحيفة (لوس أنجليس تايمز) (موت الناقد) لصالح نقاد المدونات، وبين الرأيين رحلة طويلة أراد من خلالها النقد أن يكون خطابا موازيا للإبداع وغير مستلحق به، بمعنى أن التجربة الأدبية وإن كانت هي محل الجدل إلا أن الطريقة التي يتم بها مقاربتها هي جوهر العملية النقدية، أو هذا ما يفصح عنه تاريخ النقد الأدبي، وعليه لا يفترض أن يكون النقد الثقافي مجرد موضة يتم استجلابها والترويج لها حتى نهاية الموسم ثم يتم الاستغناء عنها كما حدث من الألسنيات مثلا.
* حداثة مؤجلة
* عن الحداثة، يقول العباس: «من المفترض أن تكون الحداثة هي الفضاء الذي تتولّد فيه وبموجبه أسئلة الممكن الثقافي والاجتماعي، ولكن الذين ركبوا قطار الحداثة ولوحوا للمجتمع بشيء من التباهي مودعين لحظة البداوة المتخثرة، لم يكونوا أكثر من ركاب طارئين سرعان ما ارتدّوا إلى محطة البداية وكأنهم كانوا بصدد رحلة سياحية، فالحداثة تعني في جانب من معانيها التقويضية القطيعة مع جملة من المرجعيات، ولكن هذا لم يحدث، فبعض رموز الحداثة حتى هذه اللحظة لا يجيد تعريف معنى أن يكون حداثيا كما شاهدناهم وهم في حالة ارتباك وجودي وتيه معرفي على الفضائيات، والبعض الآخر تبرأ من فعلةٍ لم يرتكبها أصلا بعد أن صارت وصمة، فيما استمر آخر يحملها كنيشان على صدره حتى صارت جزءا من لقبه العائلي، وهو يعرف أن تاريخه الثقافي لا يشي بأي ملمح حداثي، ولو فتشت منجزه كناقد فلن تجد له مقالة نقدية واحدة».
ويضيف: «إن بعض الذين تطلق عليهم صفات الحداثة، ستراه إذا فحصت منتجه الشعري قد تحجر منذ الثمانينات، مفضلا أن يراكم الألقاب، فمثل هذا الكائن الذي لم يترجم طوال حياته الإبداعية عملا حداثيا يعتد به، ولم يستحضر اسما لشاعرٍ من دوائر الآخر، ولم يستشهد برأي مفكر مغضوب عليه من مفكري الاختلاف، ولم يكتب مقالة واحدة لتفكيك ما تؤديه المؤسسة الثقافية من برامج، ولم يتجرأ على منازلة فكرية ذات قيمة ليفصح عن قدراته وأخلاقياته الحوارية فيما يبدي قدرة عجيبة على التلاسن والاستخفاف بالآخرين، مثل هذا الكائن للأسف مجرد بقرة حداثية مقدّسة، يمارس عبَدة الأوهام التطواف حولها دون كلل، ويسبحون بحمده، بل يضعونه فوق النقد، وهو في تصوري خارج سياق الحداثة في السعودية، لأن سؤال الحداثة في هذه الأرض أصيل وممتد في الجذور، ولا يمكن لأي ذات أن تصادره وتحتكره، كما لا يمكن لأي جهة أو سلطة أو مؤسسة أن تلغيه من تاريخ وتوق الناس».
لكن العباس يستدرك بقوله: «أعتقد أن في بعض النصوص والمناقدات وحتى المقالات اليومية لكتّاب لا يتنطحون بلقب الحداثة ما يكفي من الوعي باللحظة لرفع رصيد الإحساس بالحداثة، حيث تستبطن تلك الكتابات الواعية بعض الرهان على التاريخ الذي قد يبطئ سيره ولكنه لا يتوقف».