طباعة    ايميل

  قال إن النقد الرياضي يعاني من رهاب مزمن وانتهازية واضحة


العباس: أغلب النقاد الرياضيين كتّاب مقالات صفراء بأقلام مستأجرة وضمائر منتهية الصلاحية
 
محمد العباس
الدمام- محمد الشيخ

جريدة الرياض - الجمعة - 28 مايو 2010 

    الرياضة أصبحت حاضراً صناعة، لذا لم تعد متابعتها مقتصرة فقط على الرياضيين، فهناك آخرون خارج الوسط الرياضي وأصحاب مسؤوليات ومهام بعيدة عن الرياضة، لكنهم يعشقونها سواءً حديثاً أو منذ فترة بعيدة.
الوجه الآخر الرياضي لغير الرياضيين تقدمه "دنيا الرياضة" عبر هذه الزاوية التي تبحث عن المختصر الرياضي المفيد في حياتهم وضيفنا اليوم هو الناقد محمد العباس.
* كيف يرى محمد العباس منتج النقد الرياضي السعودي، وهل يمكن أن يندرج هذا النوع من النقد تحت ما يسمى النقد الثقافي أو النقد العلمي؟
لا علاقة لما يُطرح إعلامياً بالمفاهيم النقدية. وما ألاحظه هو مجرد اجتهادات تلامس سطوح بعض الظواهر، ولا تخدش القشرة إلى ما تحتها. وربما تولد إيحاء بوجود خطاب رياضي قابل للمجادلة نتيجة كثرة الضجيج حول لعبة هي انفعالية بطبعها وهذا أمر غير صحيح، لولا بعض الأصوات التي تباغت المشهد بين آونة وأخرى بملاحظات تؤكد القدرة على التشخيص، واقتراح الحلول، وحتى قراءة عمق الظواهر بمعزل عن الصخب الإعلامي، وهو أمر نادر جداً.
*أكثر من يكرر مقولة "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية" هم النقاد الرياضيون، لكن ما يحدث من مطارحات نقدية في الساحة الرياضية السعودية يؤكد عكس ذلك تماماً، فهل يمكن توصيف هذا النوع من المطارحات بالمثاقفة النقدية؟
المهاترات الرياضية لا علاقة لها بفعل المثاقفة. أما من سميتهم بالنقاد الرياضيين الذين يتسببون للمشاهدين بالتلوث السمعي، وللقراء بالمغص اللغوي، فأغلبهم مجرد امتداد عضوي وطبيعي للمشجعين المتعصبين الذين يتلفون أعصاب المتفرجين، ويخربون مدرجات الملاعب. وكما يفترض أن لا يدفع المشجع المتعصب إلا نصف تذكرة لأنه لا يرى داخل الملعب سوى فريقه، كذلك ينبغى ألا يعلق الناقد المنحاز بكل ثقله وأدواته عن جماليات اللعبة إلى لون وشعار فريقه، لأنه في هذه الحالة لا يحاور إلا نفسه، ولا يعي معنى الاختلاف والتعدد والتنوع، فكل ما يهمه هو تسجيل النقاط ضد محاوريه الذين ينظر إليهم كخصوم، ولسان حاله هو: كونوا ديمقراطيين وشجعوا فريقي.
*طرقت بما تملك من أدوات نقدية وبقوة واضحة كل أبواب الفنون، فمن الشعر إلى السرد إلى التشكيل وحتى الموسيقى لكنك حينما وصلت لباب الرياضة رحت تطرقه على استحياء واضح.. لماذا؟
لا أدري من أين استخلصت حس الاستحياء، فمقاربتي لكرة القدم لامست الظاهرة من كل جوانبها وتحولاتها الجمالية والتاريخية. وتعمدت أن أقدم صورة بانورامية لمختلف الآراء لتحقيق أكبر قدر من الحوارية بعيداً عن التعنت والانتصار لرأي دون آخر. أما إذا كنت تقصد غياب حدة اللغة التشريحية فيمكن أن أعلّل اقترابي الحذر من هذا المكمن بضرورات تحتمها طبيعة هذه اللعبة، فهي على درجة من الجماهيرية، والاختلاف حولها من الوجهة الثقافية فيه الكثير من التباين، بالإضافة إلى ندرة المرجعيات الأدبية بشأنها.
*في المنطقة العربية على امتدادها يوجد نقاد رياضيون يصنفون تحت قائمة (الرموز النقدية)، فهل ترى في الساحة الرياضية السعودية من يمكن أن يندرج ضمن هذا التصنيف؟
ترميز بعض الوجوه الرياضية العربية لا يعني التسليم التام بقدراتهم على تحليل الظواهر الرياضية من منطلقات معرفية وجمالية، وما أميل إليه هو حضور أصوات قادرة على الاقتراب من الحدث الرياضي، وملامسة سطوحه، وللأسف بعض الرموز الإعلامية تمارس التهريج تحت مسمى النقد، وادعاء الخبرة، الأمر الذي ينطبق تمام الانطباق على الساحة الرياضية في السعودية، فالخبير الرياضي الذي يساوي الناقد يفترض أن تكون له بصمة أسلوبية في مطالعة الحدث الرياضي، وأن يكون معجمه اللغوي من عندياته، لا مجرد مستنسخ من قاموس الآخرين، وأن لا يعيد إنتاج خطابات الغير وفق مزاجه. وإن كنت أفاجأ بمقالات جريئة وشاعرية لبعض الكتاب أحياناً، خصوصاً أولئك المتعالقين بالثقافة والشعر والأدب الذين يمتلكون بالفعل دراية بتاريخ اللعبة.
*كثافة منتج النقد الرياضي في الصحافة السعودية، هل يشي بوجود حراك نقدي فاعل، أم أنه في مجمله غثاء كغثاء السيل كما وصفه ناقد ذات زفرة نقدية؟
الكثير مما ينشر تحت مسمى النقد الرياضي ليس أكثر من نفخ في الهواء، وهو من الوجهة الفنية أشبه ما يكون بالثرثرة التي يمارسها لاعبو فرق الحواري بعد كل مباراة، حيث التشاوف والتنافخ والتكاذب. وببساطة هو بمثابة الشحم الزائد الذي يثقل جسد الرياضة. لدينا قلة قليلة جداً من الكتاب الواعين والأخلاقيين، والبقية كتّاب مقالات صفراء، بأقلام مستأجرة، وضمائر منتهية الصلاحية.
*هل ترى النقد الرياضي السعودي قد واكب النقلة الكروية التي شهدتها الرياضة السعودية التي بلغت العالمية منذ (مونديال الولايات المتحدة) عام 1994م؟
المآل الذي وصل إليه حال المنتخب الوطني تدل على أنه لم يكن كذلك، فهو إما مطبل بعد الإنتصارات، أو ناقم بعد الهزائم. وهذه نتيجة متوقعة بالنظر إلى عدم وجود العقول الرياضية التي تتحلى بالثقافة، القادرة على التفكير الاستراتيجي من الوجهة النقدية. فالانتصار له ألف أب أما الفشل فلا أب له. الناقد الرياضي يفترض أن يقرأ المشهد بكل أبعاده، المرئي منه والمخفي، المسكوت عنه، والمراد إبرازه. المحاباة لا تصنع الأمجاد الرياضية، والناقد الرعديد يعمق عقد الخوف. أعتقد أن النقد الرياضي في هذا المفصل بالذات يعاني من رهاب مزمن، فالحديث عن ارتباكات المنتخب الوطني قد يُفهم منه الرغبة في التقليل من شأن الوطن، والجرعات الزائدة من الفرح تتحول أحياناً إلى رغبة في التزلف والانتهازية، وهذا أمر ينبغي تجاوزه من خلال إنعاش الفضاء الديموقراطي حول مستقبل المنتخب.
* قدمت عبر جريدة (الرياض) قراءة نقدية لصورة التقطت لماجد عبدالله وهو يرتقي عالياً في نهائي كأس الملك الذي جمع النصر والهلال في العام 1987، وذلك تحت عنوان (الكلام الأسطوري حول ارتقاء ماجد) فحظيت تلك القراءة باهتمام كبير، ما جعل البعض يفسر إقدامك على هذه القراءة بأنها سعي لزيادة رصيدك الجماهيري –المتواضع أصلا- خصوصاً وأنت المصنف كناقد نخبوي؟
القراءة لم تكن موجهة لجماهير كرة القدم، بل هي قراءة ذات حمولة عباراتية ثقيلة، وكثقافة اصطلاحية، لا تتناسب مع جماهير المدرجات، بالإضافة إلى أنها قراءة ثقافية بريئة تزعم الحياد، وإعادة إحياء لقطة تاريخية من منظور جمالي. وقد تم استقبالها على أكثر من مستوى، حتى اعتبرت سابقة ثقافية باتجاه كرة القدم. وقد كنت على يقين بأنها ستستقبل ضمن آليات الوعي الجماهيري، ولذلك لم يكن في حسباني زيادة هذا الرصيد الجماهيري الذي يصعب قياسه، إذ يكفي الإشادة بماجد عبدالله لأخسر كل من لا يقر له بالفرادة والتربع على قمة النجومية، كما يمكن أن أكسب عداء الذين لا يكنون الحب لنادي النصر، وما أكثرهم!.
*بعدما أنجزت قراءتك النقدية لصورة ماجد عبدالله في النهائي الشهير قلت: "إنه أسطورة أصيلة، وليست كتلك التى يصنّفها بارت ضمن قائمة الأساطير المنتجة حسب الطلب، ولغاية زمنية محدودة، التي يتم اختراعها بشكل سيئ لضرورات إعلامية أو تضليلية".. وسؤالي هل خانتك الشجاعة حينها حتى منعتك من أن تسوق أمثلة على بعض من اللاعبين الذين يندرجون تحت "الأساطير المنتجة حسب الطلب" وهل تفعل الآن؟
لم يكن المقام يحتمل إحداث المفارقة بين ماجد وغيره من النجوم. ولا تحمل القراءة أي نوايا ولو ضمنية للإطاحة برمز ما من الرموز الكروية، فلكل جمهوره وتاريخه، إنما ابتنيتها على قناعة بأصالة أسطورة ماجد، ووجود رصيد يؤهله لأن يكون بمنأى عن متوالية الأساطير المعلّبة، التي تُخترع وفق الضرورات، وكنت حينها أتكئ على تصورات رولان بارت الذي قارب هذه المفاهيم في ظواهر إنسانية أخرى غير كرة القدم.
*في مقالتك عن ماجد صرخ أحد القراء "حقاً أنت مبدع بقلمك وفكرك كما هو ماجد مبدع بقدمه ورأسه" صف شعورك وأنت تقرأ هذه المقاربة بينك وبين ماجد؟
لا غناء بلا رقص، ولا مباراة بلا مشجع. ماجد نص شاعري جميل، والنص الجميل هو الذي يحملك قارئاً وناقداً معه إلى الضفاف الرهيفة. والقارئ الذي علق هذه اللافتة كان بتصوري يتجاوز متعة التفرّج، إلى بهجة التلقى، وبالتأكيد أنعشتني عبارته الرائعة، بالإضافة إلى شلال من التعليقات التي أشادت بالقراءة، كما خدشتني العبارات المضادة، التي لم تر في القراءة سوى محاولة ثأرية لنادي النصر. وأظن أن عندي من الروح الرياضية ما يكفي لاستقبال الغاضبين والمحبين.
*في ورقة قدمتها في نادي الرياض الأدبي تحت عنوان (المثقفون وجماليات كرة القدم) دافعت بشراسة عن كرة القدم إزاء ما أسميته نظرة الإزدراء من بعض المثقفين الطليعيين الذين يرونها مظهراً من مظاهر العنف والتفاهة والسوقية، وحينما نسقط الأمر على واقع كرة القدم العربي، ألا ترى صدقية مثل هذه الرؤية، ولعل في معركة (أم درمان) بين مصر والجزائر، وموقعة (زعبيل) بين الوصل والنصر ما يعزز ذلك؟
لو عدت إلى الورقة فستجدني أفرق بين جوهر كرة القدم كلعبة جمالية، وبين كونها مظهراً من مظاهر العداء والاحتراب كما تشي طبيعتها الانفعالية. كذلك أردت التفريق بين المتفرجين والمشجعين، فالمتفرج ينتمي لجماهير تحضر من أجل الاستمتاع، أما المشجع فبقدر ما يؤازر فريقه يتعصب ويتحول إلى وحش. لهذا حملت الورقة إدانة صريحة ل(الهوليجانز) الذين يتكاثرون في الملاعب الغربية وما يعادلهم عربياً من (البلطجية)، وبهذا المعنى يمكن القول إن العداء والتدمير لا يتم بسبب الاشتباك حول سحر وشاعرية الكرة المنفوخة، ولكن بسبب النوايا التي تحاك في الغرف السرية والشوارع الخلفية وتنتقل بقدرة قادر إلى المدرجات. وما حدث بين مصر والجزائر لا علاقة له بخطاب كرة القدم. والسفاهة التي أبداها الإعلام هي السبب.
* قال الكاتب صالح الشيحي في أعقاب فوز الروائي عبده خال بجائزة (بوكر) :" لو صرف على عبده خال ربع الميزانية التي تم صرفها على منتخب الهزائم لاستطعنا أن نحقق انتصارا مذهلا من خلال هذا الروائي الفذ"، وأضاف: "لو اهتمت الصحافة بعبده خال وتابعت أخباره مثلما تفعل مع محمد نور لكنا نجحنا في تقديم هذا الأديب السعودي العملاق للعالم". والسؤال: إلى أي مدى يلامس طرح الشيحي الواقع؟
المبدع لا يحتاج إلى جوقة دعائية، بل يؤسس منجزه على حافة الهوس بالكتابة. ولم يتمكن المال في يوم من الأيام أن يستزرع مبدعاً في فضاء الثقافة. عبده خال لم يكن نكرة قبل البوكر، فله اسمه ومنجزه وتاريخه، الذي حمله إلى العالم. وطرح الشيحي يندرج في خانة تحميل الرياضة وزر التنمية العرجاء، ولا يراعي انتفاء المقارنة ما بين متوالية النجم الرياضي أو السينمائي أو الغنائي مقابل النجم الثقافي.

جريدة الرياض - الجمعة 28 مايو 210