طباعة    ايميل

العباس: الرواية السعودية تتعامل مع التابوهات من منطلقات استعراضية

 

موضعة المجتمع على حافة الثنائيات الحادة خدعة خطرة لا تخدم المجتمع ولا الإبداع.
 
ميدل ايست أونلاين
كتب ـ محمد الحمامصي
يتابع عن كثب حركة الإبداع السعودي 
 
يعد الناقد محمد العباس واحدا من أبرز النقاد في الحركة النقدية السعودية خاصة والعربية عامة، يتابع عن كثب حركة الإبداع السعودي شعره وسرده، وقدم العديد من الكتب التي تحمل رؤاه وقراءاته النقدية للظواهر والكتابات الإبداعية، هذا فضلا عن حضوره اللافت في المؤتمرات والندوات الدولية. وقد صدر له أخيرا كتاب "سقوط التابو.. الرواية السياسية في السعودية" عن دار جداول في بيروت، ويناقش فيه محاولات الروائيين في السعودية الاقتراب من الهم السياسي، وكسر حاجز الخوف من ارتياد تلك المنطقة الوعرة، حيث يجادل مفهوم المناضل السياسي، كمنطلق لمساءلة وعي الروائيين، وفحص ممكناتهم الفكرية والجمالية، واختبار منسوب جرأتهم على الخوض في المحرّمات.

وفي هذا الحوار نتعرف على مجمل رؤاه وآرائه في الرواية السعودية والحركة النقدية ودور المثقفين في الحراك الثقافي والمجتمعي.

** تتابع عن كثب مسيرة الرواية السعودية التي شهدت أخيرا زخما في الإنتاج، هل لك أن تضعنا في مشهد هذه الرواية ما له وما عليه؟

* هي بالفعل تشهد زخما - كمياً- في الإنتاج، على حساب الجودة الفنية، إذ تحولت إلى ورقة تصويت في صندوق المزايدات الاجتماعية، نتيجة انفعال معظم الروائيين بالقضايا الاجتماعية، ومحاولتهم الدائمة تسجيل موقف من القضايا وإبداء الاحتجاج من خلال الكتابة الروائية، أي تشكيل جبهة تحرير وكتائب تنوير تراهن على توطين المضامين الحداثية وتوليد السجال الحقوقي في الفعل الروائي عوضاً عن تخليق القيم الجمالية. ولذلك صارت الرواية في السعودية منطلقاً لإحداث الهزات أو اللحاق بها. وعليه، انزاحت بقوة ناحية الخطاب، بالنظر إلى ارتفاع منسوب العناوين الصاخبة، وتضاؤل اللمسات الجمالية، وانطفاء الحس الإبداعي، رغم المحاولات الحذرة لسرد تاريخ شعبي بديل عن التاريخ الرسمي، وابتكار مدونة مكتوبة تنقل المجتمع من الشفاهي إلى المكتوب، أو بمعنى أدق إنهاض مروية مناقضة للمروية المكرسة منذ عقود. وهو اتجاه يموضعها في مقدمة الخطابات المنذورة لتشكيل ملامح (المجتمع المدني) من الناحية المفهومية، بسبب تجاوزها الواضح لحدود الأدبي، وتورطها في وساعات الحياتي، وتمثيلها الفعلي لشكل الحياة الحديثة في السعودية. وهذا ما تفصح عنه مساءلاتها وحفرياتها المتمددة في كل الاتجاهات تقريباً، والمتشابكة مع كل المدارات. وهذه هي طبيعة التفكير الذي يستحوذ على تفكير أغلب الروائيين، الذين ما زالوا يتهيبون مما يُعرف بمحكي الذات، ولا يقدرون على جس الوجود روائيا بما تقترحه السوسيولوجا من رؤية العالم، يساعدهم على تلك المراوحة بروز شريحة قرائية تستمرئ مثل هذه التوجهات السكونية، وكأنها غير معنية بتحقيق نصاب أدبي مقنع. 
 
** وماذا عن حصد عبده خال ورجاء عالم جائزتين من النسخة العربية للبوكر؟

* فوز عبده خال بجائزة البوكر عن روايته "ترمي بشرر" لا يؤشر - بتصوري- لشيء يتجاوز احتفالية الجائزة، ولا يضعها في مقدمة المنجز الروائي، وهي ليست أفضل أعماله، عند مقارنتها بروايته الأولى "الموت يمر من هنا" بل أنها لم تفتح شهية القارئ والناقد العربي على أدب استثنائي، ففي حين حظيت رواية "عزازيل" مثلا، ليوسف زيدان بعدد لا يستهان به من الكتب النقدية المخصصة لمجادلة الرواية، ومئات المقالات النقدية الجادة والعميقة، لم تُقارب رواية عبده خال، بأي مقالة نقدية واحدة، وكأنها مجرد علامة عابرة غير جديرة بالتوقف. وكذلك الأمر بالنسبة لفوز رجاء عالم بجائزة البوكر عن روايتها "طوق الحمام" التي ما زالت تعاني من ضعف المقروئية، ومن قطيعة نقدية غير مستغربة. وهي - بتصوري أيضاً - ليست أفضل رواياتها، مقارنة بروايتها الرائعة "ستر". كما أن حصول يوسف المحيميد على جائزة أبو القاسم الشابي للرواية في تونس عن روايته "الحمام لا يطير في بريدة" يؤكد الأمر ذاته، إذ يمكن القول أن روايته "فخاخ الرائحة" أجدر بتمثيل خطابه الروائي، وتمثيل حقيقة الفعل الروائي في السعودية. وأعتقد أن رواية عبد الله بن بخيت "شارع العطايف" تعكس بالفعل صورة متقدمة للاشتغال الروائي الحقيقي، رغم عدم حصولها على أي جائزة، وهي كفيلة بتقديم مقترح ناضج للرواية في السعودية بدليل أنها حظيت بمقروئية واسعة جدا، وبملاحظات عربية لافتة، وأظنها ستأخذ حقها في المستقبل كمعطى روائي استثنائي.

** كيف ترى وتقيم الجرأة التي حفلت بها الأعمال الروائية السعودية الأخيرة سواء في معالجتها لقضايا اجتماعية أو سياسية؟

* لا تحفل الرواية في السعودية بتلك الجرأة المزعومة، فهي لا تخوض في المحرّم بقدر ما تلامس عناوينه بغية إثارة شهية القارئ واستفزاز الخصوم الإجتماعيين. وهناك تسابق معلن لانتقاء القضايا الجدلية وإقحامها في الروايات، أما المقاربة الحفرية في الموضوع فتكاد لا توجد. الرواية ليست مجرد متوالية من اللافتات البراقة والألفاظ الخادشة للحياء، بل هي طرح معلن وقصدي للحياء. وبالتالي فهي حالة وعي أكثر من كونها مجرد ردة فعل. 
 
ومن يتابع الرواية في السعودية لا بد أن يلاحظ أنها تتعامل مع ثالوث (الجنس – السياسة - الدين) من منطلقات استعراضية، بما يشبه إضفاء بعض المقبلات والمنبهات على نص يعوزه الكثير من الحنكة الفنية، وليس بنوايا تفكيكية، بما يتحدر عن تلك المضخة من إشكالات القبيلة، وحساسية الطوائف والمذاهب، والنظرة النمطية للآخر، والأفكار المعلبة حول النسوية. فالبؤرة الدينية مثلاً، تقاربها الرواية كمؤسسة مادية ماثلة وممثلة في هيئة الأمر بالمعروف، لكنها لا تسائل الوعي الديني الغيبي، ولا تخترق تلك المتاهة بأدوات فلسفية يقتضيها الفعل الروائي، وتلك نتيجة طبيعية لضعف الرؤية التحليلية عند معظم الروائيين وعدم تمكنهم من تقاليد الرواية، وتغليبهم الصريح للبنية الشكلية على حساب البنية الدلالية، وتمنّعهم الدائم عن اكتساب الدربة على السرد بما هو فعل هدمي بنائي. وأي فحص للمكوّن اللغوي بالتحديد سيكشف عن تزمت فكري خفي عند معظم الروائيين، وحس راسخ من المحافظة المتكلسة، أو هذا ما تنم عنه مضمرات الخطاب الروائي، عند إخضاعه للتحليل، حتى أن الروايات التي تزعم التماس مع السياسي، إنما تقاربه بقصد التبرؤ منه، ونفي إمكانية وجود المناضل السياسي، فهو مجرد ذكرى بائسة من ماض يُستحى منه، وهو أداء يعكس بمنتهى الصدق ما يمليه الواقع المعاش على النص المستسلم، الذي يكتفي بالوصف عوضاً عن التحليل، وبالتلويح عوضاً عن تحريك الساكن والمتخثر من الحالات واللحظات والشخوص.

** في السياق العربي أين تضع تطور الرواية السعودية؟

* أميل دائما إلى وصفها بالرواية في السعودية، وليس الرواية السعودية، بالنظر إلى اعتقادي بعدم وجود رواية سعودية ومصرية ولبنانية وعراقية بل رواية ذات خصائص، وليس خصوصية فنية أو ثقافية، فالرواية عموما منتج إنساني، وبالتالي فإن الرواية في السعودية تخضع لنفس الشروط والاعتبارات والإرغامات التي تخضع لها الرواية العربية، حيث يلاحظ أنها تواجه ذات التحديات إذ تحاول أن إحداث رجّة في الوعي الجمعي، أي أن تتورط في كل المدارات وتخترق الحجب من منطلق التجريب، وتوليد حساسية فنية جديدة، تفصح بموجبها عن الهوية المقهورة أو المطموسة للإنسان العربي، وابتكار خطابها من واقع الهزات والتمرد والتصادم، فيما يجنح معظم منتجها إلى الرومانسي والذاتوي والتسلوي، وتغليب الرؤية الطهورية للذات بوصفها ناقداً اجتماعيا متعالياً على ضلالات المجتمع وجهالته وتخلفه، وهي بهذه الطريقة تمارس حالة من تغييب الحقائق المعاشة وتزوّر وجود الكائن، وإذ لا نحظى – عربياً - بروايات ناضجة تعد على أصابع اليد الواحدة سنوياً، لا يمكن في السعودية الوقوف على رواية أو روايتين كل عام في هذا الصدد، فأسئلة الرواية العربية التي تعكس تاريخها، هي ذاتها أسئلة الرواية في السعودية مع اختلاف شكل المقاربة، وما تزحزح من المرجعيات السوسيولوجية لكل حالة عربية، حيث غادرت الرواية اللبنانية مرجعيات وآثار الحرب الأهلية، وتجاوزت الرواية الفلسطينية حدود المخيم، وانفلتت الرواية المصرية من أسر الحارة، ودخلت الرواية العراقية دوامة الاحتلال الأميركي وظلال الحرب والحصار، فيما تعيش الرواية في السعودية حالة من الصراع بحثاً عن مرجعية خارج إطار الاجتماعي بمعناه السجالي، أي كتابة (المابين) وتطعيم السرد بالخبرات الذاتية المعاشة، الذي بات يضغط كخيار حداثي على الرواية العربية عموما.
 
** برأيك هل هناك حركة نقدية في السعودية تواكب أو تتوازى مع الزخم الإبداعي عامة وما تقييمك لأدائها؟

* توجد حركة نقد فائضة في السعودية حد التضخم، ولكن حين يتعلق الأمر بمقاربة النص تبدو محدودة وليس بمقدورها مواكبة الكم الهائل من المنتج الإبداعي، نتيجة وجود خلل بنيوي صريح بين العدد اللامحدود من منتجي النصوص والقلة من منتجي المعرفة، وانفراط ميثاق المشهد الثقافي برعاية مؤسساتية لا تمتلك أي خطة في هذا المجال، بقدر ما تتنطح بقدرتها ورغبتها في تكوين خطاب ثقافي جامع يقوم على مفاعلة أوجه النشاط.

وأظن بأن النقد المعني بمجادلة النصوص تحديداً يعاني من الغياب والمجانية والعزوف المعلن عن مقاربة مساحة واسعة من المشهد الذي يلبس لبوس الموقف النقدي، كما تعوزه الجدية والجرأة في التماس مع المنجز. ويغلب عليه الطرح المدرسي التقليدي، والإيغال في التنظير عوضاً عن التطبيق الفعلي للنظريات والمناهج، وأظن أنه مصاب بعدوى الخوف أيضاً التي يعاني منها النص. باختصار إنه نص يجبن عن اختبار أدواته وقراءة نفسه الأمر الذي يفسر شكوى المبدعين وإحساس نصوصهم الدائم باليتم.

** بشكل عام هل كسر الإبداع في السعودية حاجز الخوف من المحاذير والتابوهات السياسية والدينية والاجتماعية؟

* إلى حد ما، وقد أسهم بالفعل في توطين جملة من المفاهيم المدنية، وبث مقترحات الحداثة في السياقات الاجتماعية، كما عزز الطروحات الدنيوية مقابل الاستيهامات الغيبية بما في ذلك متوالية اليبرالية والعلمنة، بمعنى أنه زحزح الأفكار الشمولية والمركزية، وخدش رومانسية الوحدوي لصالح الاختلاف والتعدد والتشظي والتنوع بقدر يتناسب مع منسوب التحديات ومستوجبات اللحظة، ولكنه تأخر في جانب هام من جوانب أدائياته، إذ ما زال يمالئ مفاعيل السلطة بكل صيغها وأشكالها، ويبطئ في بسط إراداته، فما يحدث من الوجهة الإبداعية مجرد حفر أولى يهيئ لحفر أعمق حيث لا ينتمي أغلب المبدعين بالفعل لتلك الحركة الاجتماعية التاريخية التي يرفعون شعاراتها بقدر ما يحاولون التمسح بها، إذ لا تبدو الكتابة عند البعض سوى حالة مكملة للوجاهة، أكثر من كونها حالة وعي لتعزيز الممارسة وتأطير فكرة الإحتجاج وخلق مسارات يستقرئ النص بموجبها الواقع، ويحتشد الواقع بدوره في مصبات النص.

** كيف ترى دور المثقفين السعوديين في مواجهة حالات التشدد والتزمت التي تحملها فتاوى الشيوخ وتحكم حركة المجتمع معرقلة تطوره؟

* شخصيا لا أميل إلى مواجهة التشدد والتزمت بنفس أدواته، فهنا معركة خسارة عند اعتماد المحاججة والمشاكسة، وهو أمر استمرأه الكثير من المثقفين واكتسبوا بموجبه شهرة وسمعة بدون أدنى جهد، في الوقت الذي استطابه المتشددون بوجود خصم أليف لا يمتلك من المقترحات المضادة سوى المساجلة في الهوامش. وهي لعبة تدار في الكواليس بتواطؤ من الجميع، وهم الآن يتسيدون المشهد فيما يشبه الكر والفر المبيت والمتفق عليه. الأمر الذي عطل التجربة الجمالية، وألغى إمكانية إنتاج قيمها. وهذا هو المقترح الذي أميل إليه وأطالب به، فإنتاج الجمال هو الذي يقهر القبح، ويدحره، أما مجادلته وفق قوانينه الشرعية والعرفية والاجتماعية فيمنحه قوة ومشروعية.

أفضل تجذير حالة الوعي بطبيعة الصراع، وإعادة التجابه إلى منصاته الأولى، أما موضعة المجتمع على حافة الثنائيات الحادة فهي خدعة خطرة لا تخدم المجتمع ولا الإبداع، وللأسف البعض يدركها ولكنه يستفيد من استمراريتها، فيما يجهل البعض آلياتها الجهنمية ويغذيها بلا وعيه، وانفعاله، وبصيرته التاريخية الناقصة، وبالتالي فهو يتخلى عن الاشتراطات الأخلاقية للكتابة، فيما يبدى انفعالا مبالغاً فيه ناحية ما يُعرف بالوظيفة الإثباتية للكتابة، ويعجز عن إنتاج المعنى الذي يعادل تماماً فكرة ومهمة إنتاج النص.