طباعة    ايميل

المناضلون في الرواية السعودية لا يلهجون بمعاني الحرية

 

الناقد محمد العباس

المناضلون في الرواية السياسية السعودية لا يلهجون بمعاني الحرية ورحابتها

          الناقد محمد العباس من الأسماء النقدية التي تعمل بجد وتبحث في المنجز الحديث لتغوص في أعماقه، له اسهامات كبيرة في تعاطيه النقدي في الرواية العربية كما في صنوف الأدب الأخرى، صدر له (سقوط التابو..الرواية السياسية في السعودية) عن دار جداول مؤخرا،القدس العربي إرتأت ولوج عوالم الرواية السياسية السعودية من خلال رؤيته الناجزة:

حوار : حسين الجفال/القدس العربي

 

بداية كيف تقرأ رغبة بعض الروائيين في السعودية إلى الإشتباك بالهم السياسي، وهل يشكل كتابك (سقوط التابو – الرواية السياسية في السعودية) إنتصاراً لهذا الإتجاه الروائي، أو تبشيراً به؟

 

أغلب الكتابات هي محاولة الإلتحاق بحركة إجتماعية تاريخية، لأن الرواية السياسية تنتمي بالضرورة إلى نسق الكتابة السياسية، المبنية على أطروحة تعتمد بلاغة المحاججة والإقناع، أو تقديم رؤية عمادها القيم القائلة بضرورة تغيير العالم، إنطلاقاً من الواقع، حيث يزدهر هذا النوع من الكتابة من خلال ارتباطها بتاريخ سياسي وطني مليء بالصراعات الأيدلوجية، بالإضافة إلى أنها كأداة نقدية هادمة لمفاعيل السلطة تدفع بالأدب الروائي إلى مكان الصدارة، كما تحرّر طاقته الإبداعية على المستوى الفني والموضوعي. وهنا يكمن إفتتان معظم الروائيين بتجريبها، بدليل ما شهدته مرحلة ما بعد الألفين الميلادية من استحضار لافت للموضوعات والشخصيات السياسية بذرائع فنية وموضوعية مختلفة، التي تحمل روح الجدل السياسي، كاستجابة طبيعية لموجة الحركات الإصلاحية والحقوقية، المتأتية أصلاً من طوفان العولمة. أما الرواية السياسية بشرطها ومعناها الاصطلاحي The Political Novel المعنية بمجادلة البناء العلوي للسياسة، كالأحزاب والتنظيمات والنقابات وكافة أشكال ومركبات السلطة، المحمولة على وعي وممارسات شخصيات روائية فاعلة، وغارقة في الهم السياسي، فيبدو حضورها أقل. وعليه، فإن الكتاب (سقوط التابو) يراوح ما بين تأويل النصوص، وتصعيد هذا النوع الكتابي، وهي مقاربة لا تخلو من الإستبشار والتبشير، على اعتبار أن كل محاولة روائية هي صيغة من صيغ الممارسة السياسية.

 

بدءا بهشام العابر  بطل رواية (شقة الحرية) وصولاً إلى سعيد، بطل رواية (رقص). هل وجدت أن التركيز على النضال السياسي كان محصوراً في فترة زمنية محددة؟ وهل تجد من منطلق نقدي ثقافي أن النضال توقف بعد تلك الفترة، أم أن البوح الروائي قد توقف عن المضي فيه؟

 

معظم المحاولات التي قاربتها تنهض على خطيئة كتابية صريحة، حيث الإفراط في الحديث عن الأمس بلغة ووعي اليوم، وذلك بغرض مساءلة التجربة المنقضية، أي الكتابة عن اللحظة وليس من داخلها، الأمر الذي يشي بوجود مشروع مبيّت للإنقلاب على الماضي بمعطيات الحاضر، وهو ما يعني أن المناضل السياسي اليوم إما أنه لا وجود له ولا جاذبية ولا سطوة، أو أن الروائي غير قادر على التقاط النماذج الفاعلة وتأوينها في السرودات، حيث يُلاحظ انتفاء وجود البطل المحايث للحظة في مجمل الروايات، وغياب مفهوم البطولة كدلالة على الهزيمة التي يتحرك بمقتضاها فصيل من الفاشلين، ويمثلون دور الأبطال. هذا هو مكمن الإشكالية في تجسيد صورة المناضل السياسي. فالذي لا شك فيه، أن الحالة النضالية ما زالت موجودة، وإن لبست لبوسات مختلفة عن الماضي، وهو أمر يحتم على الروائيين الإنزياح عن الصورة النمطية للمناضل، والإنتباه للمتغيرات وتجسيدها، من خلال رواية تقوم على (التسمية) أي التصريح بالحوادث والأسماء والوقائع التاريخية، وتشكيل لوحة شرف للنضال الوطني، راصدة بالضرورة لحركة الجماهير إلى جانب حياة الزعامات الوطنية، وهو ما يستدعي رواية قادرة على الاضطلاع بمهمة تصوير مختلف النشاطات السياسية، وبث قيم ومفاهيم النضال، التي يمكن الوقوف على مظاهرها، ليس في التجمعات الحزبية، وتسيير المظاهرات، وطباعة وتوزيع المنشورات، كما كان في السابق، بل حتى في المقاومة الكلامية، وتنظيم الاحتجاجات السلمية، وإبداء الرأي حول هاجس الحرية بمعناه الإنساني الأشمل.

 

في تتبعك لشخصية المناضل السياسي داخل سياقات الرواية في السعودية، هل وجدت نمطاً معيناً؟ ماذا عن الزمن. هل كتب الروائيون مناضليهم السياسيين عبر أزمنة متعددة؟ أم كتبت في فترة واحدة؟

 

هناك ملاحظة مؤسفة ومحيرة، فمعظم المناضلين في الرواية السياسية في السعودية لا يلهجون بمعاني الحرية ورحاباتها، بقدر يراودون أنفسهم دائماً بالاستقالة الطوعية عن النضال، كما فعل (سليمان) بطل (الرياض نوفمبر ١٩٩٠م). أو كما تاب (بدر الشراحي) بشكل استسلامي عن أوهامه الجهادية بطل (عين الله). ومن ذات المنظور تراجع (سليمان السفيلاوي) بمنتهى البساطة عن مغامراته الجهادية في (الحمام لا يطير في بريدة). وكذلك ارتد (سعيد) بدون أدنى أسف في رواية (رقص). أما (هشام العابر) فقد انشق على وعيه في (أطياف الأزقة المهجورة) فيما انسل (فؤاد الطارف) من الحياة الحزبية، بانتشاء صريح في (شقة الحرية) إلى آخر سلالة التائبين أو المستتابين. هذا ما لاحظته فأغلب الروائيين يبالغون في التنكيل بالمناضل الخائب، الذي كان يمثل الإتجاه العروبي أو اليساري، المستجلب من الزمن المنقضي، الذي غالباً ما يعلن توبته وندمه، أو على الأقل صمته، بطريقة توحي بموت الفعل النضالي واستنفاذ ممكناته المستقبلية، كما يبدو هذا الهاجس صريحاً في أغلب الروايات التي تجسد مظاهر البطولات المنكسرة. حتى عندما تم الإلتفات إلى نموذج (المجاهد) الذي يعبر عن ظهور ونمو الحركات الأصولية، تكرر النموذج ذاته بحيث تم تقديمه بشكل تبسيطي كأمثولة أو دليل على عبثية النضال والجهاد، فهو مجرد إرهابي تائب، أو متطرف نادم، بمعنى أن النتيجة هي واحدة مهما اختلفت المنطلقات العقائدية، وهو إتجاه يدل على أن أغلب الروائيين يميلون إلي تسذيج أبطالهم، ولا يجيدون التغلغل في أعماقهم، لأنهم لا يحبونهم أصلاً، وبالتالي لا يستطيعون الذهاب معهم إلى مصائرهم وأقدارهم.

 

كيف تقيم الصدق الفني في الطرح السردي لهذه الروايات؟ ولماذا برأيك لم يحضر المناضل في الروايات السياسية بصورة إيجابية وواضحة؟

 

قليلة هي الروايات التي تتسم بالصدق والحرفية في سرد ما نسميه (الوقائع المقدسة) التي تختزنها الذاكرة الإجتماعية، ويراكم التاريخ قدسيتها. أما أغلب الروايات فهي مجرد تمارين على الإقتراب من المحرمات، أو محاولة لترصيع الرواية بقيمة مثيرة وإحداث جلبة حولها، حيث تعمل الثيمة السياسية كرافعة خارج النص وليس في داخله، وهنا ينتفي مفهوم الصدق الفني، فالمناضل السياسي هو الركيزة الأهم في هذا النمط من الكتابة، ويصعب تصور رواية سياسية بدون أن يكون هو عصبها، بما يشكله من قيمة مهيمنة بالمعنى النقدي، إذ يُفترض أن تختزن شخصيته دلالات كبرى تتقاطع عندها كافة العناصر الشكلية، وتنتظم الأحداث بموجب فاعليتها، كما تعطي النص الروائي بعده الحكائي، بمعنى أن النص يقوم على سطوة حضورها ونموها، لتضع القارئ تحت تأثيرها. وهنا بالتحديد يمكن إختبار آراء ومواقف الروائي، على اعتبار أن شخصية المناضل السياسي لا تنفصل عن الوعي الذي أنتجها، وبالتالي يمكن التعاطي معها كأحد أهم المداخل الحيوية للاقتراب من واقع وطموحات ومعوقات الرواية السياسية في السعودية. ومن هذا المنطلق يمكن تفسير الضبابية والتشتت في رسم ملامح المناضل، وإشكالية مرجعيات الروائي، فهو في بعض الأحيان مجرد (أنا) منفوخة ومدّعية، تجسد صورة الروائي نفسه، عندما يستمد من الواقع. وفي أحيان أخرى يتم اختلاقه، أو يعاد تركيبه وفق مزيج فني من الواقعي والمتخيل، فترتبك ملامحه على حافة المعاش المحلوم به، عندما يتم توطينه في النص كقيمة إعتبارية لا ككائن بشري قابل للضعف والسقوط والنهوض. وهنا مكمن إشكالية العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية.

 

دون نشر سير ذاتية مكتوبة لمناضلين عاشوا تجارب نضالية حقيقية في الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات، كيف تؤسس الرواية كجنس أدبي خلاق في ظل غياب هذا المعين؟

 

ولا شك أن الحكاية المسرودة والمتقاطعة مع جوانب هامة من السيرة الذاتية للمناضلين يمكن أن ترفد الفعل الروائي، ولعدم توفر هذه الأدبيات يبدو أن بعض الروائيين مارسوا بعض الإحتيال المشروع أدبياً وإجتماعياً، بإلباس جانب من سيرتهم لبوس الرواية، كما فعلها القصيبي مثلاً، وبشكل أكثر وضوحاً تركي الحمد في ثلاثيته (العدامة – الشميسي – الكراديب) حيث أفرد مساحة  لإعادة إنتاج (أناه) المناضلة، التي بدت محقونة بنبرات الخطاب السجالية الصاخبة، كضرورة من ضرورات السرد الأتوبيوغرفي، التي أجبرته في نهاية المطاف على أعادة مركزة ذاته ازاء (الآخر) بكل أطيافه وامتداداته، وإن بدت تلك الوقائع والحوادث لفرط واقعيتها مسرودة بشكلها النيء الذي يحيل الى متخيل روائي محدود في تمويهاته. وهكذا صار ينحت هويته السياسية الجديدة من خلال أنويته التي غدت هي المولد لأحاريك النص الماحي لمرئيات الآخرين، والتي أسست بالفعل لخلل سيري تمثّل في الكتابة التنميطية، والمغالاة في امتيازات بطله، ومنجزاته الاستثنائية، بما تحيله في كل مفاصل السرد إلى ذاته وفرادته، وتنصيع وعيه مقابل إطفاء الآخرين. حيث قرر التواري خلف شخصية مسطحة من الوجهة الفنية، نتيجة ثباتها على ارتدادها، رغم امتلائها المعرفي. وبموجب ذلك العناد حشّد جملة هامة من الأحداث والتحولات في بطله المهجوس بالرغبة في تعقيم الآخرين فكرياً، ثم التململ من متناقضات الحياة الحزبية، والانفلات في مغامرات الاكتشاف العاطفية، ومحاولة تصدير كل قناعاته الذاتية الى أفق موضوعي يجوهر العمل الروائي، مع احساس باطني بتمايزه العمودي. حيث أبدى طاقة مضاعفة من الاستشراس ضد الافكار والشعارات والايدلوجيا بحجة المراجعة، فيما هو يؤسس للتراجع والإنسلاخ، بالنظر إلى أن الرواية انكتبت بمونولوجية متضخّمة تكرّس احادية الصوت، فشخصية (هشام العابر) المقدودة من سيرة تركي الحمد نفسه، توحي ببطل مستقل، قائم بذاته، ولا يرتبط داخل الرواية إلا بشبكة زائفة من الصلات، وخطوط واهية تعكس وهن العلاقات خارجها، حيث تلقي التجربة الحياتية التي عاشها بظلالها على السرد.

 

هل تم توظيف المرأة روائياً بشكل مقنع في دورها النضالي بعد حادثة تظاهرة قيادة السيارات في الرياض عام ١٩٩٠ بالرغم من تعاطي أكثر من سارد للحدث في أعمال عدة؟

 

لا يبدو أن نموذج المناضلة السياسية يحتل مكانة في وعي الروائيين والروائيات، إذ لا تحضر إلا كظل باهت للبطل الرجل، باستثناء (هيفاء) بطلة رواية (الرياض نوفمبر ١٩٩٠م) التي تتميز بنفس نضالي رمزي، لكنها لا تمارس النضال السياسي بمعناه الحقيقي. بل أن الروائيات في السعودية لم يقاربن الرواية السياسية، إلا من خلال تضمين رواياتهن بإشارات عابرة لا تنم عن وعي أو انهمام بالشأن السياسي، ولا تشير إلى رغبة حقيقية لتخفيف ذكورية التجربة النضالية. حتى المظاهرة الشهيرة المطالبة بقيادة النساء للسيارات في السادس من نوفمبر ١٩٩٠م، التي أرادت من خلالها مجموعة من النساء إبداء بعض التحدي بتظاهرة عبر طريق الملك عبدالعزيز بالرياض، والتي تعتبر انعطافة نضالية على درجة من الإثارة والتقديس في الوجدان الوطني، لم تُستثمر كما ينبغي لتجسيد شخصية نضالية نسائية تليق بالواقعة وأهميتها التاريخية، رغم أن الحدث الذي احتل مساحة هائلة في السجالات اليومية، كان حاضراً بكثافة في سلسلة من الروايات، كمادة خبرية، أو تزيينية للسرد، إذ تم توظيفه روائياً للإخبار فقط عن الواقعة، واختبار ما تحاوله مختلف الأطراف المتصارعة من استعراض لمظاهر القوة والحضور، حيث أورده يوسف المحيميد في رواية (القارورة). وجادله فهد العتيق في رواية (كائن مؤجل). كما اتكأ عليه سعد الدوسري في رواية (الرياض نوفمبر ١٩٩٠م). واستثمره ابراهيم الخضيري في رواية (عودة إلى الأيام الأولى).

 

إظهار المناضل بصورة إبن الوطن الضال، أو ككائن مارق بحاجة إلى الإستتابة، وفي أحايين كثيرة – كما أشرت في محاضرتك – (مدخل للرواية السياسية في السعودية) كائن مفتون بثوريات الآخر العربي. ترى ما مرد ذلك؟ أهو الخوف أم ماذا؟

 

هذا يقود إلى الحديث عن رواية مذعورة. وهو واقع إبداعي يمكن تفهّم أسبابه، لأنها منبثقة في الأساس من بنية خوف وحذر، إذ تكتفي بالإقتراب من حدود التابو السياسي لتُحدث فيه بعض الشروخ. وما الصورة الهشة التي يبدو عليها مناضلو الرواية السياسية في السعودية، إلا انعكاس طبيعي لهيمنة طقس الخوف على الروائيين، وضآلة المادة المتعلقة بالحركة النضالية، أو بمعنى أدق عدم توفر مرجعيات مادية في هذا الصدد، إذ لا تتوفر أدبيات سياسية كما تتمثّل في كتب المذكرات مثلاً، أو الشهادات المتعلقة بالتاريخ السياسي، حيث تم إمحاء آثار كل تلك الحقبة وطمسها في عالم النسيان، حتى فترة السجن بالنسبة لأغلب الروائيين هي مجرد عزلة تأديبية، الأمر يفسر فائض الرطانة عن الحياة الحزبية العربية، وإعتماد الروائيين على لغة التمويه، وابتعادهم القصدي عن الحاضر، حيث يزعم أغلب الروائيين أنهم يختصرون حكاية جيل في شخص، هرباً من استحقاقات اللحظة، وهو خيار موضوعي ينعكس بشكل مباشر على شخصية المناضل السياسي، فهو إما مراهق مغرّر به سرعان ما يتوب عن مراهقته الثورية عند أول اصطدام مع السلطة، أو طالب يمارس نزوة النضال الصوري خلال فترة دراسته في بيروت أو القاهرة أو أمريكا أو باريس، فالنضال مجرد حالة ذهنية تأخذ مكانها خارج الوطن وفي الكتب، وبمجرد أن يعود البطل إلى الوطن يتخلى عن أوهامه وينسحب ناحية مشاريعه الشخصية، ليلتحق بتجار المدن وسماسرة المال العام. وفي أحسن الحالات هو مجرد حالم تقتله أحلامه الرومانسية بسبب لاواقعيته، وحماقاته الدونكيخوتية فيقضي ما تبقى من أيامه مأزوماً بحمولاته الأيدلوجية. وعند فحص أساليب التذكُّر والإستدعاء والتخييل عند الروائيين، بكل ما تحتمله أدائياتهم من إختلاف ممكن بين روائي وآخر باختلاف لغته وموقعه من الحدث المسرود، يتبين أن أغلبهم، عدا استثناءات ضئيلة جداً، يتفقون في نهاية المطاف على تجسيد المناضل في صورة كائن مهدّم وغير مؤهل سياسياً، يسكنه الخوف، أو يُميت نفسه بنفسه بالإفراط في الكحول والتدخين والأوهام والثرثرة، كما يتم رسم معالمه على المستوى الإجتماعي كشخصية معتلّة، مشوشة، وغير مستوية نفسياً، وهي مواصفات مجحفة وغير دقيقة، لا تعبّر عن جوهر الشخصيات النضالية، وعمق درايتها بالشأن السياسي، ومنسوب استوائها النفسي والإجتماعي والذهني، بقدر ما تتطابق مع شفاهيات المخيال الشعبي المتواطئ مع المروية الرسمية، التي تردد مقولات السلطة بوعي أو بدون وعي.

 

متى يكون بمقدور الرواية السياسية في السعودية إثارة الجدل، وتقديم صورة عاكسة لمختلف التوجهات ضمن بيئة ديمقراطية في ظل غياب كلي لأفق الحوار في واقع الحال؟

 

لا تمتلك الرواية السياسية في السعودية تاريخها السحيق كجنس أدبي، ولم تتشكل بعد تقاليدها الكتابية، وإن برزت محاولات جادة للتغلب على الكثير من العوائق الموضوعية والفنية وطرح رؤية أمينة لجوانب هامة من الصراع، ولكنها غير قادرة، حتى هذه اللحظة، أن تقدم صورة مقنعة تليق بطبيعة المرحلة، أو كاشفة لتراكمات وعمق التجربة، ليس بسبب محدودية الأفق الديمقراطي المسموح لها بالتحرك فيه وحسب، وانخفاض منسوب الحرية التعبيرية والمعاشة على حد سواء، ولكن لأنها هي الأخرى تعبر صيرورة تشكّلها الخاصة، التي تتناسب بشكل طردي مع حركة الحداثة الإجتماعية، بمعنى أنها في طور الإنكتاب، وبالتالي فهي لن تكون إلا منصاعة، في مرحلتها التأسيسية الآنية إلى إيقاع الحركة التاريخية، وخاضعة بالضرورة لوابل من الإرغامات الفنية والموضوعية. فاللحظة الديمقراطية آخذة في الإتساع، ولكن التعبير الروائي عنها لا يزال على محدوديته، أو ربما لا يمتلك الروائيون الرغبة، أو القدرة أصلاً على إلتقاط مهبّاتها، فهم يتعاملون مع مضائق الواقع حتى هذه اللحظة، ويبالغون في مداهنة السلطة واستعطافها، رغم أن الواقع فيه من الذوات النضالية الفاعلة، التي تتكئ على تاريخ من الإنجازات والبطولات، ما يكفي لأن تكون مرجعيات ملهمة للروائيين، حيث يمكن  رسم الظلال الإنسانية لتلك الرموز، وتوطينها في النص كشخصيات قابلة للالتصاق بالذاكرة، وتوسيع معيارية الفعل النضالي، أي ربط الرواية بمهمة تأريخ الفعل الوطني، وتأسيس مروية شعبية موازية، وليست بالضرورة داحضة للمروية الرسمية، أي تشكيل ذاكرة أو معجم يضم المناضلين بأسمائهم ومختلف توجهاتهم، الذين يشكلون رافداً للنضال من أجل مجتمع متقدم تسوده القيم والحقوق.

جريدة القدس العربي - الخميس 21 يوليو 2011