طباعة    ايميل

جريدة الرياض

جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

السبت غرة ذي القعدة 1434 هـ - 7 سبتمبر 2013م - العدد 16511

العباس..العاشق الذي يجيد معاقبة من يستهين بالحب:

تركت قلبي يطعن ويداس ويهجر لينمو بشكل طبيعي

حوار : عبير البراهيم

لم يسبق له أن التقى بمحمد العباس الذي يسكنه، في كل مرة كان يحاول فيها أن يلتقيه في منتصف الطريق كان يفاجأ بآخرين غيره، كان دائما قلبه متاحفا للبشر وإطارا لصور خالية وضجيجا لا يعرف كثيرا كيف يواجهه، يحدق في مرآته المقلوبة وحينما يكتشف بأنه ليس هو يضحك على نفسه كثيرا، يكره أن يضع خده على يديه لينتظر شيئا ما ولكنه حتى الآن لم يجرب أن يجلس على مقعده الخشبي ليعترف بكل مافعله ومايمكن أن يفعله.. محمد العباس يقول " لا أتخلى أبدا عن حقي في الطفولة "ولكنه يصمت، ثم يجلس بعد أن يرخي جسده مستسلما لقلبه ليهمس" لم أعد أكترث كثيرا بمن يطعن قلبي ويدوسه فمن تلك الأشياء أتعلم..!

 

 

في قلبي مدافن لمن ظننت أني لن أتمكن الإبصار لو انحرفوا عن طريقي للحظة

 

 

يباغتني الناقد " محمد العباس " في كل إجابة له عبر صفحة "على المكشوف" إذ يحاول من خلال أسئلتي أن يترك " نفسه " تشبع من الفضاء. ليس هناك مايصغي إليه من خلالها فقد بقي متناهيا حتى أوصل كل الاحتمالات إلى احتمالات مفتوحة.. هنا يعترف بأنه ليس جريئا في سرد أحاسيسه، ولكنه يرفض أن يتخلى عن أوجاعه، هنا يصر على أن نقطة نهاية الأشياء هي بداية لطرق متشعبة ولكنه يمد يده إلى الأفق ليلوح بأصبعه معترضا ليقول " لكنني لا أحتمل الإهانة ".

 

قضيت عمري وأنا أدبر صدفة للالتقاء بي

 

 

 

 

 

محمد العباس.. عبر صفحة " على المكشوف " يحب ويحلم ويتألم ويفتش عنه ثم يقول "مفتون أنا بمن يعلمني شيئا عن نفسي لا أعرفه.. ومن منصة الإنسان أقف، وأكتب ".

التحليق

*نكبر. لأننا منقادون إلى مصائر تحب أن تأتي بنا وتغادر على حسابنا. نكبر. لأننا نخشى من أوقات كان فيها الحلم قريبا والوهم أسرع. نكبر بكل ذلك القدر من الوجع والخسارات والحرمان... بماذا كبر " محمد العباس " بعد طول هذه التجربة ؟ ومالذي يعود بك صغيرا؟

 

 

لديّ جهاز استشعار يبعدني عما يمكن أن يهدر كرامتي

 

 

- كبرت على حافة الطابع الاستفهامي للحياة. بذلك الركام الهائل من التناقضات والأخطاء. أجل، الأخطاء التي تحولت فيما بعد بفعل التراكم والتأمل والخيبات والانتباهات إلى شيء من الخبرة والحكمة. فقد كنت، ككل البشر، أتصور نفسي على درجة من النقاء ضد التلوث بالرذائل، والمناعة ضد التلف الروحي. وهذا وهم من أكبر الأوهام التي تحولت عندي فيما بعد إلى إعاقة حقيقية، عندما اكتشفت أني مجرد إناء تتم تعبئته بالأفكار والمشاعر المعدة مسبقاً، بدون أن يكون لي أي دور في إعداد نفسي وتأهيل روحي. عندما انتبهت إلى أن كل تكويني الفكري والروحي لا يختلف عن الآخرين، وأني لن أنجو من مصير الكائنات اللاجمالية، الموجهة عن بعد. الكائنات التي تردد بلا وعي قولات الأسلاف وتتقاتل بها. وفي طريقي إلى تربية الكائن الجمالي في داخلي اكتشفت معنى وقوة التربية الإنسانية. وأهمية تجاوز مخاوفي الدينية بالثقافة. وهذه بالتحديد هي التي وهبتني فرصة التحليق فوق كل شيء تقريباً.

 

 

ألوم نفسي لأني ائتمنت خائناً ولم أقرأ خديعة وجهه

 

 

 

 

 

الممر السري

* كتب قاسم حداد " أوقفتني الجنية الزرقاء في المسافة وقالت " حجر يولد منك، يأخذ طبيعة الريش، ويملأ المسافة بنحيب الملائكة، يتقمص شهوة الهواء، يخفق بالأجنحة، ويطير متشبها باللغة "..ألديك أجنحة من ريش تطير بها؟ ومن يتآمر بداخلك عليك لتكتب.. الملائكة أم الجنيات؟ وإلى أيهما تصغي؟

 

 

 

 


في رحلة سفر

 

 

 

 

 

- بالتأكيد لدي من الأجنحة ما يكفي لتجاوز مرارة الواقعي والموضوعي وما يُراد لي أن أتضامن معه. ولأني لست في مثالية وكمالية الملائكي، ولا أخلو من نكوصات ووساوس الشيطاني، أقف في (الما بين) أي في منطقة الإنسان. ومن هذه المنصة أكتب. نعم، أكتب كمن ضيع ذاته وتاه عن لغته لأني في حالة بحث دائم عني. فالابتعاد عن الكتابة أو العجز عن إتيانها بالنسبة لي، بقدر ما هو عذاب هو عقاب يحمل ملامح الانفصال والانفطام عن الحياة. إن عجزي عن الكتابة أو وجودي خارجها يعني انهزامي وخروجي من الحياة. فهي ممري السري إلى (أناي). وهي فعلي التدويني المضاد لكل حالات المحو المفروضة من خارجي. أحسها في أغلب الأحيان تحفظ لي حيويتي، وتساعدني دائما على إعادة إنتاج نفسي بمعنى جديد. ولذلك لا أطيق أبداً نفي ذاتي خارج الكتابة. المهم أن أرفع منسوب إحساسي بجدوائيتي ككائن بالكتابة. وعلى هذا الأساس أنصرف عن كل ما هو نمطي وأبدأ معزوفة حياتية جديدة، أحاول أن أغير عاداتي، أصحابي، أماكن لهوي وتسكعي. وبالتأكيد يسعفني بعض المقروء في تجديد خلاياي، فهذا يهبني شيئاً من التجدد وينفحني بالرغبة في الكتابة/الحياة. لهذا السبب بالتحديد أتصالح مع المكان، فهو الحاضن الجامع للزمان.

 

 


مع بعض الأصدقاء

 

 

 

 

 

طفل مقيم

*الأطفال وحدهم لايخجلون من انفعالاتهم، هم يبكون، يتمددون على الأرض غضبا، يكسرون الأشياء ثم يضحكون..إنهم يفعلون ذلك ليرتاحوا. أتصرخ وتبكي وتغضب لترتاح؟ أم أنك تحب أن تبقى " كبيرا " دائما؟

- أنني أحاول أن أحافظ على طزاجة حواسي وإحساس الطفل المقيم في أعماقي بالدهشة الدائمة. وفي هذا المفصل بالتحديد لا أريد أن أكبر، ولا أحتمل فكرة مغادرة بئري الأولى، أو خيانة غبطة بداياتي. أما مجمل الانفعالات والتعبيرات من صراخ وبكاء وتمرغ في التراب فهي ليست حكراً على الطفل الصغير بيولوجياً وفسيولوجياً، بل هي حقي كطفل راشد وبالغ وناضج. وأمارس كل ذلك الحضور بمنتهى العفوية وبمقتضى الحالات الإنسانية التي أعبرها.

 

 


في إيطاليا

 

 

 

 

 

سرد الأحاسيس

*في كل مرة أحاول فيها أن أغلق الأبواب على مشاعري حتى لا يلمحها أحد أجدها تتسرب من تحت الباب لتشبع عتبة روحي قلقا وضجيجا. وماذا عنك! متى تستيقظ مشاعرك التي تحاول نسيانها؟ ومتى تعطيك ظهرها لتنساك؟

- بقدر ما أحترم الصمت الجليل للموتى، لا أحب فكرة التماوت. ولذلك أحمل الكثير من الإعجاب للذاتيين، الذين يحضرون الحياة بكامل حلتهم الشعورية. بكل صعوداتهم وهبوطاتهم، بانفعالاتهم المشتعلة وانطفاءاتهم المباغتة. بالنسبة لي، لا أبالغ في طرح ذاتيتي على المستوى الحسّي، وإن كنت لا أبالي أن يُقبض عليّ متلبساً بمشاعري. فالدموع في قاموسي ومعتقدي ليست عورة، بالإضافة إلى كل الانفعالات الطبيعية. لست جريئاً في سرد أحاسيسي. وربما لست بارعاً أيضاً إلا في لحظات المنادمة. اعتقاداً مني بأن ما تختزنه روحي لا يجدر عرضه بمجانية. ثمة مؤقت خفي في داخلي لا أعرف ضبطه عندما يتعلق الأمر بمسألة البوح. أحسني دائماً بحاجة إلى صاعق شعوري يخرجني من تمثاليتي. أحسني بحاجة ماسة وملحة على الدوام إلى كائن يأخذني براحته التي تشبه القنديل إلى أعماقي المعتمة. نادراً ما أتمكن من الارتداد العمودي إلى داخلي. وهنا مكمن حيويتي، على ما أعتقد. أي في مراودة ذاتي على أن تتهجى ألف باء خزينها الشعوري. كأنني ماكينة تحاول أن تنقح. وهنا يكمن سر افتتاني بالنديم الذي يعلمني شيئاً عن نفسي لا أتمكن من رؤيته بمفردي. وهذا الجزء الحي مني هو ما يجعلني أحاول باستمرار إحاطة نفسي بطوق دافئ من البشر، وضوء نحيل من الأفكار والفنون.

 

 

 


في قطر

 

 

 

 

أخطاء بريئة

*لماذا علينا أن نصغي إلى قلوبنا؟.. أخبرني أنت؟ ومتى آخر مرة أوقعك هذا القلب في ورطة؟ ومتى تتنكر له؟

- القلب الذي يقول عنه بول ريكور بأنه نقطة الضعف بامتياز، هو مكمن الهشاشة العاطفية. بالنسبة لي هو بمثابة الزانة التي أجاهد بها للقفز على الواقعي والعادي. وأظنني قد استعملته كثيراً حد الإنهاك، حتى صار متحفاً لبشر وحكايات ومواقف وذكريات. في قلبي مدافن لكائنات كنت أظن أنني لن أتمكن من المشي أو الإبصار لو انحرفوا عن طريقي للحظة واحدة. وفيه إطارات لصور خالية من البشر. قلبي ككل القلوب ارتكب الأخطاء البريئة، الصادرة عن حب التملك والأنانية والاستئثار. والمشكلة أن القلب لا يأخذ شكله النهائي إلا في مرحلة متأخرة، فهو يتغذى على التجارب والصدمات والاختبارت لكي ينضج. قلبي ككل القلوب كان بحاجة لأن يُطعن ويُداس ويُهجر لينمو بشكل طبيعي. هذا ما اكتشفته وصرت أتعاطاه بأريحية، فالقلب ليس على تلك الدرجة من الاستواء والبراءة. ولذلك صرت أشك في كل حكاية حب قبل أن يأخذ قلبي شكله النهائي. هذا ما أعيشه الآن وأحاول أن أقنع من ورطتها معي بشكل مغاير للحب والعواطف. أحاول أن أقنعها بأن قلبي يحتاج إلى راحة حنونة تمارس طرقين في آن: طرق حفيف من الداخل لتوسيعه، وطرق من الخارج لتنعيم حوافه.

 

 


مع وديع سعادة

 

 

 

 

العودة للنبع

*يسهل علينا جدا أن نكتب عن جراحنا القديمة. فقط حينما نشفى منها، حينما نستطيع الالتفاتة إلى الخلف دون أن يرتجف بداخلنا قلب، دون أن يرتعش بنا سقف الأيام التي فيها تكسرنا عند عتباتها.. أمازالت جراحك القديمة تنزف؟ أم أن ذاك الوجع أخذ معه ما أخذ!؟

- منابع الدمع لا يسدها الزمن. وليس من عاداتي ولا من مفاهيمي التكبر على الآلام، أو ابتكار الحيل لنسيانها، فالأوجاع والحسرات التي تستوطنني هي بالتحديد ما ترسم شكلي الآن، وتحدد معالم روحي. أن يحتقن جسدي الآخذ في التآكل بكل تلك الحمولات النفسية يعني أنني على حافة الحياة. يعني أن نبضاً متواصلاً وشعوراً متدفقاً يجري في عروقي. لأن الالتفات إلى الوراء لا يعني الركون إلى الآفل مكاناً وشخوصاً. بل يعني فيما يعنيه العودة إلى النبع. ويعني الانتباه إلى ما غفلت عنه من محاسن الذين غربّوني بفقدهم. الآلام الساكنة في الروح لا تكسرها، بل العكس، فاستعادة الناس واللحظة التي حفرت مجرى تلك الأوجاع تربي في داخلي عضلة شعورية. خط دفاعي الأخير عن وجودي ليس أفكاري بل مشاعري. والمشاعر لا يمكن أن ننتقي منها ما يبهجنا ويقفز بنا على التعب والحسرة. لا أحب أن أتخفف من تلك الآلام بالقفز في عربة متحركة لكائنات فارغة. لأن ذلك يفرغني مني. ولست ذلك الكائن الصفري الذي يعيد تشغيل حياته في كل محطة بعداد جديد غير مستعمل.

 

 


محمد مع حسن دعبل

 

 

 

الإهانة

*ليس هناك ماهو أكثر وجعا من ثمن ندفعه من كرامتنا.. أتظن بأن هناك ماهو أهم وأثمن من الكرامة؟ متى شعرت بأنك تخليت عن شيء تحبه حتى تحتفظ بكرامتك؟

- لدي جهاز استشعار يبعدني باستمرار عما يمكن أن يهدر كرامتي. وهو جهاز يقوم على إعلاء الفكر الحر لإضعاف نزواتي ومطامعي الطارئة. فعندما أتيقن بأن وجودي مع شخص سيدفع بي إلى أن أكون بشكل حتمي إلى جانب شخص لا يقبل التعامل إلا مع البشر ككائنات تحتية أهرب بسرعة وأغير مساري. ولذلك أحاول قدر الإمكان ألاّ أتورط في علاقات مع أشخاص هوايتهم استخدام الآخرين. وهذا بالتأكيد يدفعني للتنازل عن أشياء وناس وفرص كثيرة. لكن ذلك لا يزعجني، نتيجة قناعة في داخلي بأن خسارتي الكبرى هي خسارة ذاتي. وكل ما في الحياة يمكن احتماله إلا الإهانة.

 

 

 


مع الروائي جوستاين غاردر

 

 

 

 

المأزق الوجودي

*كتبت (يرهقني الاهتداء إلى مايقربني مني، وثمة مالم أستوعبه بعد من سيرة أوهامي أو معتقداتي الخائبة، وهنالك بالتأكيد مالا يقال من سيرة عاطفية لا أمتلك كل الحق في تداولها مع الغرباء فكل ماليس " أنا " فهو آخر) من هو الآخر الذي التقيته في عزلتك وظننته - محمد - ثم ضحكت كثيرا حين اكتشفت بأنه رجل آخر يشبهك وليس أنت؟ أتحب شراء الأوهام؟

- نقضي عمرنا كله ونحن نواعد ذاتنا بلقائها، في منتصف العمر، في مطلع الحكاية، على أطراف المكان. ولكننا لا نلتقيها ولا نصادفها. لقد توهمت لزمن بإمكانية تدبير صدفة للالتقاء بي. إلا أن الوهم كان نديمي، لأنني أجهل ذاتي التي تُنسج على غرة مني، وبمعزل عن إرادتي. كل ما حولي يربيني ويعيد صياغتي. الآخرون ليسوا على تلك الدرجة من اللامبالاة أو الحياد عندما أستدعيهم على حافة ذاتي. وبطبيعة الحال، لا أتخيل نفسي بتلك الصورة من الكمال والمثالية، إلا أنني لا أستطيع بالمقابل رؤية ما علق بي من سواد، وما أخذه الزمن من بهي صورتي المتخيلة. المهمة كانت أصعب مما تصورت، إذ لا يتعلق الأمر بتحطيم الأوهام المعلومة والمرئية، بل بمغالبة داخلية لقهر النفس، وتأديبها، وسحبها بمنتهى الوعي والإرادة إلى منصة الاعتراف. وتوطينها على فضيلة التواضع. نعم ضحكت لأنني كنت أحدق في مرآة مقلوبة، وأحياناً أدس نفسي في أخدوعة رومانسية وأحدق في مرآة مدهونة بالقار. ولذلك لم أرّ ذاتي المراوغة المخاتلة. ولم أجرؤ على النظر في مرآة ناصعة، ولا على تنصيع نفسي. إنه مأزق وجودي أتمنى أن أتغلب عليه قبل أن أرتطم بشيخوختي.

 

 

 


مع حلمي سالم

 

 

الاستهانة بالحب

* كتب واسيني الأعرج (نتخيل أننا نملك القدرة على الحب وعندما يضيق بنا القلب نوسعه قليلا مثل حقيبة الغريب ولو أدى بنا ذلك إلى تمزيقه بعض الشيء ليستوعب قدرا آخر ومزيدا من الأوهام) أمزقت قلبك يوما لأنك اكتشفت بأنك توهمت بأن قلبا آخر يعيش معك الحب؟ ماذا تفعل حينما تكتشف بأن من أحببته لايستحق ذلك العشق؟

أجيد معاقبة الذي يستهين بالحب. العقاب الذي أعتمده لا يقوم على كراهيته، بل على التخلي عن حبه، فلا عذاب للنفس البشرية أعظم وأقسى من حرمانها من الحب. وبعيداً عن قصص الحب الخالدة أجزم ألاّ أحد في هذا الكون أكبر من الحب. ولا أحد لم يلفحه الحب ولو بهبّة خاطفة. ولذلك لا أميل إلى توبيخ العاشق الخائب، بقدر ما أشفق على العاشق الغادر. فالخيبة ليست عاراً على المحب الصادق. وعليه، لا أسارع إلى تمزيق قلبي وذكرياتي بمجرد اكتشافي أن من توهمته معي قلباً وروحاً وجسداً، لم يكن إلا ركاماً من اللحم المتطفل على جسدي. ألوم نفسي لأنني ائتمنت خائناً ولم أقرأ خيانته المرسومة على وجهه. وألوم نفسي لأنني ربما لم أمنحه من الثقة ما يكفي ليطمئن لي. أراقب طريقته في الاعتذار، ومناقبه التي يزعمها في الانسحاب، فالخائن لا يخون دائماً غدراً. الخائن يخون جهلاً وخوفاً. أما المحب فهو كائن مرتبك متشكك، وهذا ما حدث معي إذ تتعادل عندي التضحية من أجل من غدر بي ومغادرته، إلى أن أرجح الخيار الثاني. فلا درس أبلغ من خديعة الإنسان الغادر عندما يتعلق الأمر بالحب. ومسامحته يعني إعطاءه فرصة أفضل للغدر بي مجدداً بوجع أكبر.

خداع الذات

*أصعب شيء أن نجلس على مقعد الاعتراف لنقول ما لا نستطيع قوله، يسهل علينا إلباس الحقيقة ثيابها بالمقلوب ولكنْ ثمة وقت يزورنا حتى إن أوصدنا الأبواب بوجهه، ليضعنا على المقعد الخشبي للأحداث حتى نقول كل شيء. متى آخر مرة جلست فيها على مقعد الاعتراف؟ وماهي شكل الثياب التي اخترتها لتلبسها اعترافاتك؟ بماذا تعترف الآن؟

أعترف بأنني لم أتأهل بعد للاعتراف. فالاعتراف طقس تطهُّري عنيف وليس مجرد ترف قولي. الاعتراف تقشير قاس للذات لتجريدها من كل ما التصق بها من رذائل معلومة وفضائل متوهمة. لم أقدر على الاعتراف لأنني لست على تلك الدرجة من الترتيب. إذ ما زلت أعاني من فوضى حسّية ومفهومية، والاعتراف كما أفهمه يقوم على الترتيب وتنظيم حقول الذات وإعادة موضعة الأشياء في أماكنها. بمعنى لزوم تحديد قامتي قبالة الآخرين، وإعادة توجيه مساري. في داخلي ضجيج أخلاقي وديني وجمالي لم يدفعني حتى الآن لمنصة الاعتراف. إنه طقس مهيب أجلّه وأهابه في آن. حيث لا يتعلق الأمر بما كنته وحسب، بل بما أريد أن أصير عليه. أي بفكرة التخلُّص من مرض خداع الذات. وهذا يحتم عليّ أن أجلس قبالة كائن يحتمل سماع اعترافاتي، فمن ينصت لبوحنا يتورط بنا. ويكون قادراً بالضرورة على تطبيب أرواحنا المريضة بالخطايا. البشر لا يقدرون على ذلك. نسيجي الداخلي ليس على تلك الدرجة من التلف، ولكنه يحتاج إلى ترميم. يحتاج إلى كائن يهمس لي بحنان فائض: سامح نفسك وأدبها. يحدث أن أختلي بنفسي وأدلي باعترافات جزئية لتحصينها وتدريبها على الاستقامة، وتجفيف منابع الخرافة التي أتغذى بها عني.

صداقة مائلة

*غنت ماجدة الرومي (كم جميل لو بقينا أصدقاء. إن كل امرأة تحتاج إلى كف صديق. هواياتي صغيرة. واهتماماتي صغيرة. وطموحي أن أمشي. ساعات معك تحت المطر. عندما يسكنني الحزن ويبكيني الوتر) أيمكن للحبيبة أن تتحول إلى صديقة إذا لم ينجح الحب؟ كيف يمكن لنا أن نحول جميع الاشتعالات غير المألوفة بداخلنا إلى حالة سلام وأن نتصرف كأن شيئا لم يحدث؟

- علاقة الرجل مع المرأة في حيز الصداقة دائماً مائلة. ودائماً هي مربكة بالنظر إلى ما تستبطنه تلك الصلة من عاطفة ملتبسة بالعطف والحنان والرأفة والإعجاب. وهي بالتأكيد لا تأتي في مرتبة بعد الحب أو قبله، بل متماهية مع أعراضه. ولذلك لا تنجح علاقات الصداقة بين الرجل والمرأة وهما في طور التفتح الشعوري والجسدي. وقد تكون الارتباكات بينهما أكثر مما يحدث بين العشاق. فهذا النوع من العلاقات يحتاج إلى الوضوح والتباسط. وهو أمر يصعب ضبطه في مرحلة فوران العواطف، فهذه العلاقة على درجة من التعقيد بين الشخصين المعنيين حيث يتولد الداء هناك من توقع كل طرف أن يحبه شخص ذكي ومتفهم وحنون.

الانتظار

*ماهو الشيء الذي انتظرته طويلا.. ومازلت تنتظر أن يأتي؟

- لست من النوع الذي يحصل على ما يريد. ولا أطيق الانتظار. لأن الانتظار يؤدي إلى الغضب وامتلاء الرأس بالشكوك والأفكار المنغصة. ولذلك أواعد الأشياء، ولا أضع خدي على راحتي انتظاراً لشيء. ففي الوعد رحابة وأمل. كما أن عندي طاقة، لا أدري إن كانت جيدة أو سيئة، وهي قدرتي دائماً على المغادرة واستئناف الحياة من النقطة التي فقدت فيها ترتيب الأوضاع مع شخص أو مكان أو حالة. ربما لأنني لا أعتقد بالصدف أبداً. وأميل إلى أن لقاء أي إنسان يستلزم أن نخطو خطوة باتجاهه. أن نلتقي في منتصف الطريق. وهذا هو الحال مع الأشياء، فالحياة لا تنيلنا كل ما نتوقع أو ننتظر أو حتى ما نخطط كثيراً من أجله.

كائن شتوي

*لمن تتأنق؟ للشتاء الذي ينقض عليك ليحرضك على الانفلات ؟ أم أنك تتأنق لبرد يشاغلك عن برد قلبك؟

- أنني أميل إلى البساطة في كل شيء. ولا أطيق جسدي حين ينطمر تحت وابل من الملابس. وربما أيضاً لقناعتي بأن الدفء ينطلق من الداخل، وليس مما ندفن أجسادنا فيه. ولهذا السبب أصنف نفسي ضمن الكائنات الشتوية، لأني أحب الشتاء بالفعل، واستطعم كل شيء في هذا الموسم، النزهات والمقاهي والأكل والمشي وارتداء الملابس التي توحي بالحياة الملونة. فالأناقة بهذا المعنى ترتبط بالإحساس الفرح بالحياة وليس بحس الاستعراض.

موسيقى

*أي موسيقى تختار حينما تسرقك حالة كتابة؟ ولماذا يبدو دائما وكأن " محمد العباس " يصلح أن يكون موسيقارا؟

- الموسيقى لا أسمعها كخلفية في حالة الكتابة أو حتى في حالة التفكير أو الحديث مع شخص، لأنها تشتت ذهني وتربكني. فالسماع الموسيقي يعني بالنسبة لي حالة خاصة لا تتداخل مع أي انشغال أو اشتغال. ولذلك أتأهب لسماع كل صنوف الموسيقى ضمن طقس وداخل مساحة زمنية لأستوعبها وأتلذذ بكل تفاصيلها. لدي مكتبة موسيقية ضخمة جمعتها عبر السنين وفق رؤيتي ومزاجي، وبموجب تفكير يعزز في داخلي مفهوم ومكونات الإنسان الجمالي. ولذلك أخصص من يومي مساحة خاصة للموسيقى، لتأكيد قناعة منغرسة بعمق في وجداني بأن الثقافة الموسيقية ليست مجرد متعة بل هي المعادل للحياة الجميلة. فما أنجزه الإنسان في هذا الصدد يستهويني ويهبني قدرة على مقاربة الحياة بشكل أفضل.

العجز

*ما السر الذي لم تقله يوما لأحد؟

- الأسرار لا تُقال إلا عندما نعجز المحادثة.