المشهد تاثقافي لحاجة إلى انتقال نقدي بملك طاقة انشطارية قوية، إن جاز هذا التعبير، بحيث يعود للنقد دوره في ضبط النصوص الإبداعية في أي مجالكانت، فما نشاهده أو نقرأه أو حتى نسمعه أصبح ثقيلا على الذائقة وركيكا ومما سنت العرب يبتعد.
هموم النقد والفضاء الثقافي وضعتها على طاولة الناقد المهم محمد العباس في حوار بدأ بالعباس نفسه ومدى وضوحه للقارئ العادي الذي يسعى لالتماس طريقه إلى نص ثقافي، ومن ثم تتجه بوصلة الحوار إلى قضايا شتى حول النقد ودوره الأصيل في تشريح النصوص وبيان أهليتها الابداعية من عدمه، وواقع المثقف اليوم وقدرته على الابداع في مناخ يتراوح بين السفور والاغلاق ودور كتّاب الرواية الجدد في تقديم روايات تخدم المجتمع وليس اسقاطاتهم الخاصة يخيرها وشرها .. مع العباس في حوار صريح يقترب من كل قارئ.
• تبدو في أدائك النقدي والأدبي كتلة من التعقيد، لماذا يعتزل محمد العباس البساطة؟
التعقيد، مفردة تساوي عدم القدرة على الفهم أو الإفهام، وأعتقد أن هذا الاتهام أو التعبير المجازي يتطلب تحديد مستوى المتلقي ليمكن الوصول إلى حالة من الاستقرار حول آلية التلقي ثم الحكم على صعوبة استقبال الشكل الكتابي، فما هو معقد بالنسبة للبعض، قد يبدو سطحيا بالنسبة لآخرين، وهذا لا يعني بالتأكيد أن ما أكتبه أقرب إلى البساطة منه إلى العمق مثلا، فالمعنى الثقافي شمولي بطبعه وعلى درجة من التشابك والتمادي اللغوي، على اعتبار أنه خطاب جمالي في جوهره أيضا، ولا يمكن لأي خطاب نقدي أن يتنازل عن منازعه الفكرية ليكون مجرد وسيط تبسيطي لتفسير النص، بل العكس هو الصحيح، أي أنه خطاب تأويلي في المقام الأول، يقوم على تمديد النص وتفكيك أنساقه الداخلية، وما يتداعى عنه حتى من خارج خبراته اللغوية، وربما لهذا السبب يبدو أدائي النقدي كتلة من المفاهيم والمصطلحات والأسماء التي تحتاج هي الأخرى إلى ذاكرة وخبرة وذخيرة معرفية مضاعفة، أو هكذا أحبه لأن النص الإبداعي والنقدي ليس مجرد نزهة للتسلية، إنه حالة من حالات الفكرنة التأملية الدائمة، إذ على المتلقي أن يقرأ ما يقرأه الناقد من النصوص ولا يكتفي بالمقاربة النقدية.
• طاقتك النقدية ضرورية لتقويم المشهد الأدبي تحديدًا، لكن ألا تبدو مثل اليد التي لا تستطيع التصفيق لوحدها؟
كذات تجرب الممارسة النقدية، أحاول ما استطعت أن أقارب الظواهر الأدبية والنصوص بما يتناسب مع منسوب المنجز، ويأتي هذا من قناعة شخصية بأهمية النقد في العملية الإبداعية، ومن حب للمنتج الإبداعي، لأن النقد فعل حب في المقام الأول وليس فعل تحبيط وانتقاص كما قد يفهم، وهو فعل يحدث تماسه بالحياة قبل النص، أو هكذا أقاربه، وهذا لا يعني عدم وجود أسماء وأصوات تمتلك الرغبة والمحاولة أيضا، فهنالك جهود لافتة، ولكنها قليلة قياسا إلى حجم المنجز الإبداعي، فمشكلتنا محلياً تكمن في ضآلة عدد منتجي المعرفة، الأمر الذي يؤدي إلى اختلال في المشهد، والمسألة بتصوري ليست تقويمية بقدر ما هي حالة من التماس مع المنتج الابداعي لفهم الذات المبدعة بالإضافة إلى جملة من الظواهر الإبداعية، وقد يحرض مثل هذا الاهتمام ذوات نقدية أخرى على التماس بالمنجز.
• تكوين الناقد لديك غربي بحت، أين العمق العربي الذي يبدع بعيدًا عن التلمذة للآخرين؟
قد يبدو الأمر كذلك من خلال كثافة الاستشهادات، لأني أعتمد بشكل كبير على المرجعية الغربية بحكم جاذبيتها وفاعليتها الآنية، وهو أمر يتأتى عندي من إعجاب بالفكر النقدي الغربي القائم على فلسفة التقويض والاختلاف والتعدد وتعريض نص الحياة وليس المكتوب فقط لموجات من الرؤى المضادة، واختباره خارج الإحترازات والإضطرارات، فجماليات القراءة عند الآخر الغربي ليست مجرد مطالعات عابرة، بقدر ما هي ركيزة من ركائز الحضارة التي تقوم على تمجيد العقلانية وتقويضها دون توقف، وهذا لا يعني عدم الاستفادة من المنجز العربي، بل العكس هو الصحيح، لأني أقر بمديونية معرفية وجمالية، وأحمل تقديرا لجهود القدماء الذين استمدوا مرئياتهم النقدية من المكامن الفلسفية، ومن عقلانية النزعة المعتزلية على وجه الخصوص، حيث ابتنى النقد العربي دعاماته، ولكن هذا المنزع للأسف لم يتطور بما يكفي لانتاج منهج قرائي يتلاءم مع روح اللحظة، فهو تنظير بنائي رائع، ويصلح كمداخل وابتناء مفاهيم كبرى حول الإبداع وليس كآلية أفهامية وتفكيكية للنصوص الحديثة، بمعنى أننا أمام منتج عصري شديد التماسك منهجياً، ولا ينبغي الانصراف عنه بدعوى الأصالة والثوابت إلى آخر أمراض منظومة العناد الحضاري، فهذا الآخر ضرورة حضارية على كافة المستويات، وخصوصا منتجاته اللامادية المتمثلة في الثقافة.
• الواقع الثقافي العربي في حالة جمود والإبداع في حده الأدبي، ما تشريحك لذلك؟
النص لا يمكن إنتاجه من الفراغ، ولا توجد كتابة تبدأ من بياض، وعليه فإن الحراك الإجتماعي بكل تداعياته الانسانية والتاريخية والنفسية هي التي تحدد منسوب الجودة والكفاءة في النص، لأن مرجعية الكتابة ليست الأوهام والتخيلات بقدر ما تنبع من الواقع، بما هو خبرات ومعاناة وتطلعات، وهو أمر يفترض أن يقوم على الصراع والتنوع والاختلاف والتعدد، وهذا أمر غائب عن الحياة العربية، نتيجة الوعي القاصر بمعنى الثقافة، كنتيجة طبيعية لتموضع الكائن العربي في لحظة حضارية متخثرة، وعليه فإنه من الصعب أن يقود الإبداع المجتمع بحداثة نصية فيما هو يرفل في أصولية تشده إلى الوراء. المجتمع العربي باختصار لا يؤمن بلحظته ولا يعيشها، وهو خارج التاريخ، وقد استمرأ هذا الغياب، ولذلك نراه يتموضع في مهب العولمة وليس في قلبها، إذ لا ينتج منها بقدر ما يستهلك، وبالتالي لا يمكنه انتاج نص إبداعي جرئ أو مغاير، حتى حافز التشارك مع الآخر لا يتوفر في الحياة العربية، فمنتجاته النصية تشبهه ولا يمكن أن تفارقه، على اعتبار أن النص منتج لا مادي.
• هل نجحت فكرة المدن الثقافية العربية في تحقيق أهدافها؟
فكرة العواصم والمدن الثقافية لم تحقق أي شيء من الوجهة الثقافية، فهي مجرد احتفالات موسمية توظف الثقافي لخدمة السياسي والسياحي، ولا تعود بأي مردود على الذات والمجتمعات العربية، لأن الثقافة فعل ديمومة وليس فعل انقطاع أو مناسبات، بمعنى أن التحشيد الذي تمتهنه المدن العربية موسميا لا ينبني أصلا على استراتيجية تثاقف الزمان والمكان، بقدر تتعاطى الثقافة كاحتفاء فلكلوري وهو أمر يفقد الثقافة حيويتها ومبررات انسجامها مع مدينة لا تستدعيها إلا في المناسبات، كما يتنافى مع مفهوم الثقافة كفعل تنموي وحضاري تتواطأ عليه المجتمعات بحب ومسؤولية.
• ما حجم الفجوة بين المثقف العربي وواقعه؟
الفجوة أكبر من أن تقاس، وهي تتسع بشكل مفجع نتيجة مجموعة من العوامل وغياب بعض الشروط الاجتماعية والتاريخية التي يساهم فيها المثقف ذاته، بكل أطيافه الإبداعية والمهنية، وكلنا نتذكر محاولات استدماجه في المؤسسات ثم إماتته وفق نظريات تم تعليبها في الخارج، ولكن هنالك محاولات جادة لردم الفراغ المتعاظم بين المثقف ومحيطه الاجتماعي، كما يبدو من خلال التواتر في طرح مشروعات نهضوية وتنموية، وكما يبدو حتى داخل النصوص الابداعية من تململ وحراك لتجسير هذه الفجوة، ولكنها للأسف مشروعات فردية لا تتكامل، ولا تتراكم بما يكفي لانجاز مشروع حيوي، وذلك نتيجة طبيعية لانتفاخ الذات المبدعة وتوفرها على منسوب هائل من الإدعاء، وسوء تقديرها لفداحة الخطر الذي تنتجه القوى الظلامية، وذلك ما يفسر انكفائها أحيانا ومهادناتها المعلنة بشكل مخجل، وامتهانها الطوعي لإنتاج ما يعرف بالوعي الزائف، فالمثقف العربي منشغل بتلميع ذاته وانقاذ ما يمكن انقاذه والقبول بفضالة حداثوية تبقيه داخل الحدث الثقافي، أو ادعاء المعارضة الشكلية والمجانية لتشوهات الحياة العربية السياسية والاجتماعية، ولكنه لا يمتلك استراتيجة طويلة المدى لتمكيث الفعل الثقافي الجاد الذي يتفاعل مع الواقع ولا يكنفى بمجرد الإنفعال به، بمعنى أنه لا يعمل على إثارة الوعي وتجذيره بقدر ما يخادع نفسه بتوصيف الظواهر الشائهة.
• يكاد كل مثقف أو روائي أو شاعر مستعصم بنظير غربي، أليس ذلك كافيًا لفصلهم عن الواقع؟
هذه القاعدة ليست صحيحة تماماً، صحيح أن ( الآخر ) الغربي هو نموذج الغالب، وفي رقبة كل مثقف مديونية له بشكل أو بآخر، تبدأ بالانبهار ثم التقليد ثم ادعاء المغايرة والمخالفة. وهنالك ذوات ابداعية فيها من مركبات النقص ما يدفعها للإقتداء بالآخر المنتصر، بما هو النموذج الأصفى والأكمل حضاريا، وفي المقابل هنالك من لديه حالة من التصلب والإعتقاد المزمن بأصالة الموروث لدرجة الارتكاس، وكلا الأمرين يكرسان حالة الإنفصال عن الواقع، وإنتاج نصوص مغتربة، لا تسمح للذات بالإنكتاب الصادق والآني كما ينبغي، بل فقدان الصلة بالزمن، فالآخر ضرورة حضارية حين نتعاطاها بوعي، ومن موقع الندية والتلاقح الثقافي، وكذلك الموروث حين نعود إليه بنقدية جريئة وليس من منطلق التقديس أو العودة الإنتقائية.
• لماذا يحتك الروائيون بالتابو الاجتماعي؟
طبيعة العمل الروائي تحتم التماس بالمجتمع وقضاياه، خصوصا الروايات الواقعية. ولأن الرواية تستبطن بداخلها حس التأريخ، والتحليل النفسي، والإنتماء السياسي ترتطم بكل المحرمات الاجتماعية، أو ما يسمى بالثالوث المقدس ( الدين - السياسة - الجنس ) فالرواية بقدر ما هي محل عاطفي، ولغوي، ومعرفي، هي مكان للإصطراع والتجابه بين مختلف القوى الإجتماعية، لأنها خطاب جمالي/معرفي يستقطب كل التجاذبات بين غلافين، بل ان هذا الاستقطاب الاجتماعي هو الجزء الأهم من رسالتها، على اعتبار أنها فعل هدمي بنائي، ينعكس من خلاله منسوب الحداثة الاجتماعية، وشكل التجابه الرمزي والواقعي من خلال شخصيات تجسد وعي الراوي، أو رؤيته لطبيعة الصراع على أرض الواقع وكيفية تمثيله روائيا، وربما تمت مماهاة المرأة بتاريخ الرواية.
• ظهور روايات بها جرعات جنسية في سردها، هل هو تكتيك أم تسويق أم ضرورة أدبية؟
في أغلب الأحيان يبدو الأمر مجرد تسويق، وتأكيد على تمرد الذات الراوية، فالجنس ثيمة على درجة من الأهمية روائيا، ويمكن توظيفها كمعادل لإعتقادات بطل الرواية وإرادة الحياة، كما يسجل تاريخ الرواية، ولكنها للأسف تستخدم هنا كمرغبات لابتزاز القارئ، أو كانعكاس لمركبات النقص في الذات الراوية، ولكن هنالك من يعي المسافة الجمالية بين الايروتيكي والبرنوغرافي، ويستطيع بذكاء سردي تجسيد الفعل الجنسي دون إخلال بشروط الرواية، ودون زرع علامات مضللة لا طائل من ورائها، وأعتقد أن استدعاء الفعل الجنسي ومتعلقاته في العمل الروئي بشكل مدبر لا يصمد أمام المقروئية الجادة، التي لا تتعاطى المنتج الابداعي كمنبه حسي.
• ما علاقة كاتب الرواية اليوم بمضون رواياته؟ هل بالضرورة أن تحمل الرواية إسقاطًا نفسيًا لشخصية كاتبها؟
لا يمكن للروائي أن يقيم بشكل كامل خارج روايته، فكل شخصية من شخصياته تحمل شيئا منه، بمعنى أنه موزع في أحشاء روايته نفسيا وفكريا، وبوعي وبدون وعي أحيانا، ولكن ليس لدرجة الإسقاط النفسي الكامل، لأن كتابة أو قراءة أي عمل ابداعي من وجهة سيرية يخون مشروع الرواية كفن، ويتسبب في أعاقة مربكة للتعبير والإستقبال، مع الإقرار بوجود روايات هي أقرب للسيرة الذاتية منها للفعل الروائي المفتوح أو المجرد، مهما حاول الروائيون نفي التطابق الكلي أو الجزئي مع شخصياتهم، وهو أمر يبدو في غاية الوضوح عندما يتعلق الأمر بالروايات النسائية، خصوصا حين تكون الرواية هي التجربة الأولى للكاتب أو الكاتبة، إذ يصعب الفرار من تجسيد جانب عريض من السيرة الذاتية، وبتصوري أن هذا المنزع الإعترافي البوحي المتمثل في لبوس روائي خطوة مهمة لتشييد الخطاب الروائي بمعناه الحديث، المهم ألا يتم ابتناءه بفجاجة تعبيرية تحت ذريعة الواقعية الإجتماعية أو ما يشبهها، لأن الواقعية حتى في صيغتها الجديدة تتطلب جملة من الشروط الفنية التي تحقق للصراع الاجتماعي فرصة التمثل الأدبي في النص بشكل مقنع، لا أن يصادر السرد لذات متضخمة أو ما يمكن اعتباره كائن برجوازي صغير يضع المجتمع تحت طائلة تبره الفوضوي والحاد بدعوى المناقدة.
• ما الذي يجهدك كناقد في التعامل مع النصوص الحالية؟
رداءة النصوص، وكمها المتعاظم، فالكثير مما ينتج لا علاقة له بالإبداع حتى من الناحية الشكلية، لأن أغلب الذوات التي تقارب الفعل الإيداعي غير ناضجة معرفيا وفنيا، ولا تملك الاستعداد للتعلم أو حتى التأني لانتاج نص مقنع، يزيدها غرورا سهولة النشر، ووجود طبالين يغدقون المديح المجاني، وعليه يبدو الفعل النقدي الجاد، الذي يحاول البناء وكأنه حالة من حالات العرقلة والتشفي في المبدع، وباختصار المبدع عندنا على درجة من الهشاشة الابداعية والنفسية، نصوصه نيئة، لم تنضج بما يكفي في مختبرات اللوعة، ومصاهر التجربة، بقدر ما تستمد جمالياتها من المقروء وتقليد الناجز من الأعمال الإبداعية، ولذلك نرى أغلب المبدعين يراهنون على الضجيج الإعلامي أكثر من رهانهم على جدية السجال الثقافي.
• غياب النقد المهني أضعف المسرح العربي، إلى أيّ مدى ذلك صحيح؟
هذا الأمر صحيح، ولكن ليس بالنسبة للمسرح العربي وحسب، بل لمجمل الفعل الإبداعي، إذ لا يوجد نقد موسيقي ولا سينمائي ولا تشكيلي أيضا بمعناه المنهجي، لأن العملية الإبداعية لا تقوم بدون النقد، ولكن للأسف هنالك احتقار لفعل المناقدة عربيا، بالنظر إلى سوء تقدير المبدعين للعملية النقدية، ولضعف النقاد أيضا في إقناع المبدعين بوجود نص نقدي جدير بالاحترام. النص المتجاوز سواء كان بصريا أو أدئيا أو مكتوبا، يستدعي طاقة نقدية متجاوزة، والعكس صحيح، لأن تردي النص يضعف النقد التطبيقي، ويصرفه إلى التنظير، أو ابتكار ألعاب لغوية تتشبه بالنقد، والمسرح على وجه الخصوص يحمل طاقة ابداعية متعددة الأبعاد، وفيه مساحة واسعة للتجريب، ويفترض أن يحايثه النقد ليس في حالة العرض وحسب، بل في أولى تباشير النص، وأثناء البروفات، والفلسفة الأدائية التي يتم بها إعداد الممثل وهكذا.
• هل أسهمت الفحولة الذكورية في الأدب في كبت الإبداع الأنثوي؟
بالتأكيد، فهنالك استخفاف بالمنجز الأنثوي، وتشكيك في كفاءته وأصالته، بل هنالك حرب معلنة على الذات الأنثوية الكاتبة تجهيلا وتحبيطا وتهميشا، حتى وإن بدت في صيغة مثاقفة، ومعايرة تاريخية لمنسوب الكفاءة الإبداعية، وهو أمر تم فضحه بواسطة النقد النسوي الذي مارس شيئا من التأمل الجذري للكتابة التي تنتجها المرأة، وما كتب أو يكتب حول هذا المنتج من الوجهة الذكورية، حيث تم اكتشاف القارة المجهولة، أي المرأة الكاتبة، التي غيبها الرجل، وعليه أعيد الإعتبار للمرأة، واستعادت لسانها، وصار بامكانها منازلة الرجل أدبيا، والتعبير عن حضورها دون خوف، كما تزعم التوجهات النسوية، خصوصا في المجتمعات التي اكتسبت فيها المرأة شيئا من حقوقها الإنسانية، ولم يعد لها اليوم أي مبرر للإدعاء بوجود رجل يحد من حدود حريتها التعبيرية، وعليه يمكن القول أنه لا يوجد رجل قوي، توجد امرأة ضعيفة.
• ما دور الرقابة في عملية التكامل مع النقد وعزل المجتمع من استباحته بإنتاج ساقط؟
الناقد ليس رقيباً على الأعمال الإبداعية، ولا يمكن أن يستدعى لإعلان عن منتج فاسد، لأنه حالة من حالات الإبداع أيضا، وحين يصمت النقد عن المنتج الساقط فهذا موقف نقدي أيضا على درجة من الإيجابية، وباعتقادي أن الفعل النقدي هو فعل تحريضي في المقام الأول، يستفز المبدع لاجتراح المغاير والمخالف والصادم ذوقيا واجتماعيا، أو هذا ما أفترضه في فعل صار مهجوسا منذ زمان لأن يكون هو الخطاب الأول وليس مجرد خطاب استلحاقي بالنص، لأنه على درجة من التعارض مع أي شكل من أشكال الرقابة الاجتماعية أو الفنية، ولأنه لا يقوم على إخصاء العمل الإبداعي، أو التبشير بذات معقمة فكريا وجماليا، وبالتالي هو فعل يقوم على آلية تقويض وبناء يتصادم على الدوام بمنظومات الثبات ويفضح أوهامها وتكلساتها. ثمة لذة هنا في فعل المناقدة عند تهديم الأوهام، لا يحس برعشتها إلا الناقد الجرئ، الذي يتجاوز جملة من الخطوط الحمراء، بما في ذلك مقدساته الذاتية، لئلا يتصالح إلا مع حقيقة يقوضها بحقيقة أحدث وهكذا.
مقدساته الذاتية، لئلا يتصالح إلا مع حقيقة يقوضها بحقيقة أحدث وهكذا.