طباعة    ايميل

إقحام الروح الشعـرية
في كل المتون الإبداعية مسألة باتت ملحة وجديرة بالطرح

حوار: عبدالحي شاهين - مجلة الوطن العربي

 

** كنقاد هل تجدون صعوبة عند تناولكم للنصوص الإبداعية الجديدة التي تقاطع القديم في آلياته وشروطه والتي ينجزها بعض شباب المبدعين؟

لا أعتقد ذلك فكما يتجدد النص تتجدد آليات مقاربته، وهو أمر لا يحدث بشكل انقلابي، إنما بصورة انسيابية، إذ لا توجد شروط لانتاج نص يقوم على القطيعة الكاملة مع اعتيادات الاستقبال الجمالي، والأهم أن التلازم البنيوي متوفر دائما بين عملية انتاج النص ومقروئيته سواء من قبل المتلقي كمتذوق عادي أو ذلك النوعي المعبر عن وجوده اصطلاحيا تحت مسمى الناقد، وأعتقد جماليات التلقي تتطور بتطور المجتمعات والأفراد داخل جدليات تاريخية وإجتماعية، وهو أمر يستلزم أن يتأهل النقد للجديد والمغاير من المزاج الإنساني، وما تنوع المدارس النقدية وتجددها الدائم إلا دليل على أن المبادرة من طبائع النقد الجوهرية ولذلك يصعب تصور وجود نص عصي على المقاربة النقدية مهما بلغت حداثته أو صدمته الجمالية.


** نالت التجربة السردية نصيباً وافراً من اشتغالاتك النقدية.. ما معطيات هذه التجربة من وجهة نظرك؟

لم ينحصر اشتغالي في التجربة السردية، بل أن انفعالي بالمنجز الشعري كان أكثر، كتاب " قصيدتنا النثرية – قراءات لوعي اللحظة الشعرية " كان محاولة لتأمل ظاهرة قصيدة النثر في المملكة أو موجتها الأولى بمعنى أدق، كذلك كتاب " ضد الذاكرة – شعرية قصيدة النثر " جاء محاولة لفهم سوسيولوجي لقصيدة النثر العربية، وأيضا كتاب " سادنات القمر – سرانية النص الشعري الأنثوي " كان مقاربة شمولية لعبارة المرأة الشعرية من وجهة تاريخية ولغوية وجنسانية. أما اهتمامي بالتجربة السردية مؤخرا فمرده هو الحراك اللافت الذي تأهل ليكون ظاهرة جديرة بالدراسة، ويأتي هذا الالتفات كنتيجة طبيعية لما بات يعرف بالرواية المحلية، ولو على المستوى الكمي، فنحن قبالة ظاهرة ثقافية، يصعب التعافل عنها، وقد منحني هذا التماس فرصة التعرف على الكائن الذي يقف خلف هذا المنجز، أو بمعنى أدق تأمل كافة أشكال الوعي التاريخي والنفسي والاجتماعي والأسطوري والإقتصادي وحتى الشعبي المتأتية من تلك الرغبة الملحة لدى الكثيرين للكتابة الروائية على وجه التحديد، بمعنى أن تلك الذات التي قررت أن تنروي أتاحت لي مساحة الغوص في النسيج النفسي والاجتماعي وسبر المكونات البنائية لمجتمع يعاني من عقدة السحنة الإجتماعية الموحدة، المفروضة لإلغاء هامش التعدد والتنوع، وهو أمر يؤكد لي أن التعريف العولمي للثقافة قد بات أمرا حتميا حتى داخل مجتمعنا الصغير، ذلك ما توفره التجربة السردية أكثر من أي خطاب آخر، أو هذا هو تقديري للذوات التي تحضر عبر الكتابة في مجتمع تريد له أن يتغير وتعي جيدا انه آخذ في التغير أو مستجيب على الأقل لذلك الفعل الكوني، وأعتقد أني نتيجة ذلك الإقتراب صرت أكثر قربا من تاريخ وجغرافيا وهواجس تلك الذوات التي أعادت تعريف وجودها من خلال السرد، بالإضافة إلى معطيات جمالية ومعرفية ستكون هي مضمار الإشتعال النقدي مستقبلا.


** تحولات كتاب القصة في السعودية إلى الرواية .. هل ترى فيه ميزة إيجابية ام سلبية؟

لا يمكن مقاربة التحولات بشكلها الاعتباطي، فاللجوء إلى الرواية ليس حتمية لازمة لكاتب القصة، وليس كل من تحول إلى الرواية حقق انموذجه الكتابي المقنع ولا العكس بطبيعة الحال، هنالك من استطاع بالفعل أن يجد في الرواية مساحة أوسع للتعبير عن ذاته ونسيجه الاجتماعي ووعيه الخاص بالكتابة أيضا بشكل أفضل، والمسألة بتصوري لا تكمن في التحول من قالب أو لون أدبي إلى آخر، بل في القراءة المعمقة لمعنى الإنفجار الروائي. ثمة نظرية عالمية لنشوء الرواية كما نعرف، ولها تعضيد عربي يميل إلى تصديق فكرة " مدينية الرواية " والقول بها كملحمة للعصور الحديثة، وأظن أن شيئا من هذا ينطبق على الرواية المحلية ولكن ثمة أسباب خاصة ينبغي مقاربتها بعمق للوقوف على الوعي الكتابي بشكل أشمل لأن الرواية فعل هدمي بنائي ولا يمكن أن يحقق فيه الكاتب انجازا حقيقيا لمجرد مروره بنزوة طارئة، فكما نعرف لظهور الرواية دلالات عميقة خصوصا عندما تنبثق بكثافة في مجتمع يعيش مرحلة ما قبل الرواية.

 

** الإبداعات الأدبية في السعودية بمختلف أشكالها, هل جاءت متناسبة ومنسجمة مع المحيط السعودي, أم أنها كانت "تغرد خارج السرب"؟

إذا كنت تقصد النص المغترب أو المنسلخ عن بيئته فهذا الأمر صحيح نسبيا بالنظر إلى وجود مثقف أو مبدع كوني لا يلتصق كثيرا بالخصوصية المكانية والزمانية، وهو أمر أدى إلى صدام بين حراس الأدب ومن توهموا انتسابهم الحقيقي للحداثة. ثمة حالات تعتمد التقليد والاستنساخ والنهب من " الآخر" حتى على المستوى النقدي وليس المستوى الإبداعي وحسب، ولكن هنالك منجزات أصيلة في ارتباطها بالمكون البيئي بكل تداعياته المعاشية. ولكن لا يوجد أدب حقيقي لا يقوم على الصدمة سواء النفسية أو الاجتماعية أو حتى العاطفية، لأن طبيعة الفن والأدب تكمن في الإخلال بالسائد، وتدمير أوهام بنى الثبات التكوينية، ولعل هذا هو ما يفسر الأسئلة الأفقية المتكررة، والإرتطامات بين المتطرفين من أنصار القدامة والحداثة، أو من يعلنون عناوين فضفاضة كالأصالة والمعاصرة، أو حتى التوبة أو الاستتابة عن التطرف الإبداعي كما نفاجأ بها بين آونة وأخرى، فكل ذلك يحدث بدافعية الهويات العمياء.


** هل صحيح أنكم كحداثيين تقاطعون "القديم" بكل أشكاله وأنواعه؟

لا أميل إلى اعتبار الحداثة إمتيازا أو تهمة، فهي منجز إنساني عابر للثقافات، وعليه فإن القطيعة بأي شكل من الأشكال هي ردة فعل ارتكاسية لا تمت للثقافة وليس للحداثة وحسب بصلة، ومن يتتبع المشهد الثقافي يجد أن هنالك مجايلة مقنعة وإحساس عميق بالإمتنان لجيل الرواد، وتأكيدا على أصالة منجزهم وجرأتهم ونضارة لحظتهم ونواياهم، فليس كل قديم خال من روح الحداثة، وليس كل حديث يحمل صك براءته من التقليدية والنكوص. لا يتنصل من الماضي إلا الكاتب الموهوم بسهولة التمدد في الفراغ، لأن الأصالة تعني البناء على الجانب الحي من التاريخ والفكر وليس الحنين الساذج للقديم، فالمسألة هي اعتراك داخل منظومة القيم وليس الذوذ عن البالي منها أو التنكب لها بدعوى الحداثة وما بعدها.


** الحداثة في السعودية كانت متميزة في معاركها مع الاخر المضاد .. هل وصلت هذه المعركة لنهايتها ؟ .. ومن المنتصر فيها؟

لا توجد معركة تنتهي بإعلان الانتصار لطرف على آخر فهذه أوهام يتم ترويجها في ساحات القتال ويصدقها اولئك المدججون بأوهام القوة، لأن جدلية أي مشهد ثقافي تقوم على التجدد من خلال الصراع بين القديم والحديث، أو بين الحديث والأكثر حداثة أيضا، ولذلك ينبغي الفرز بين مثقفي المؤسسة ومثقفي الهامش أو من يمتلكون إرادة الاستقلال وانتاج خطاب ثقافي أميل إلى المعرفي والجمالي منه إلى هوامش الإقتتال المجاني. الرهان الآن على " مثقفي الإختلاف " الذين يؤمنون بالتنوع والتعدد والتشظي الاجتماعي والثقافي أيضا، فهذا هو شرط اللحظة الثقافي. أما أولئك الذين يعيدون طرح الأسئلة ذاتها فهم بقايا قوى تنتمي للماضي وتحاول عرقلة الحراك الثقافي الجديد الذي عبر الحدود وأحدث تماسه مع مستوجبات العولمة، والأخطر أن من تلبسوا بالحداثة ثم أعلنوا نهايتها، عبروا بنا إلى ما بعدها، فيما هم يمارسون النقد السلفي بمعناه النكوصي والتقويضي لكل ما هو حديث. ثمة خدعة كبيرة تجيد تدويرها أسماء قادرة على التلون وتلفيظ المعنى الحيوي للحداثة، دون قدرة أو إرادة أو حتى رغبة لممارسة أي جهد حداثي، بمعنى أنها تأخذ من هذا المرقى الإنساني امتيازه وتراهن على المناهضة الإسمية أو الصورية ضد قوى تعي جيدا أن كل ذلك الضجيج مجرد لعبة إعلامية، فالمثقف هنا أيضا لكي لا ننسى نتاج مؤسسة وهو في أغلب الأحوال مصادر ومستدمج داخل برنامج تنموي أشمل، ولا يمكن لصوته أن ينجو من التأميم الثقافي.


** إلى أي مدى يمكن أن تكون تجربة شعرنة النقد، التي يدعى لها الآن، إيجابية سواء بالنسبة للنص الأدبي أو الممارسة النقدية؟ وهل وجدت دعوات شعرنة النقد أصداء في السعودية؟

شعرنة النص دعوة جمالية قديمة ومحرضة، بل أن إقحام الروح الشعرية في كل المتون الإبداعية مسألة باتت ملحة وجديرة بالطرح كالإعلان عن المعنى المتمادي للشعرية البصرية مثلا، وهي هنا تعني تفعيل مقروئية النص بتأملات على درجة من الرهافة، وإنتاج نص يوازي من الوجهة الجمالية كفاءة النص الإبداعي، مع الإحتفاظ بأدوات النقد الحفرية، بحيث تذوب صرامة المناهج النقدية فيما تبقى الجرعة المعرفية والفكرية حاضرة بقوة. وهنالك محاولات محلية وعربية يصعب الحكم عليها إلا بعد فترة من التراكم. وبالتأكيد تحتاج إلى قارئ نوعي وثيق الصلة بالروح الشعرية، معبأ بشعرية الوجود، فالمسألة ليست شعارا بقدر ما هي حالة تتولد من حراك ثقافي شامل لا يفصل لغة النص عن معنى الحياة.


** انتم معشر النقاد متهمون بعدم الفاعلية والكل يقول أن النقد غائب عن الساحة .. فما قولكم؟

إذا كان النقد لدى البعض يعني إعراب الفاعل أو إخضاع النص للعبة لغوية فإنها عند بعض المبدعين مجرد إعلان عن منتج دون مساس ببناه العميقة أو حتى إختباره على مدركات معرفية وجمالية من خارجه وداخله. للأسف بعض المبدعين يريدون ناقدا بمواصفات تشبه الروافع، أي تمارس قراءة النصوص إلى أعلى، وهو أمر لا يقره أي ناقد يحترم أدواته ومنهجيته وحتى ذائقته. النقد بتصوري حاضر، ويمارس دوره بأشكال وفي مساحات مختلفة ولكنه لا يناسب هوى بعض المبدعين، كما أن بعض النقاد للأسف يسيئون إلى فعل المناقدة بمجانية مقارباتهم النقدية، وأعتقد أن الصمت أحيانا عن بعض النصوص يعني فعلا نقديا في المقام الأول.


**في دراساتك للنصوص الإبداعية الأنثوية في السعودية .. ما ملاحظاتك عليه .. هل وجدت أنها استطاعت أن تخرج من عباءة الرجل؟. وهل هي بحاجة الى اعادة قراءة.. ام تفعيل حوار لمضامينها.. واستنتاج المتميز منها.. ام ماذا؟

كثيرة هي الملاحظات وقد تناولت جوانب منها في أكثر من مناسبة، فالنصوص الإبداعية لا زالت بوجه عام تعاني من الهشاشة اللغوية وفقر المضامين لولا استثناءات قليلة تبدو كأنها طفرات إبداعية. الإعاقة الإبداعية لا تكمن في وجود الرجل، بل يستلزم الأمر قراءة معمقة للذات الأنثوية خارج وداخل سياق الكتابة، أي تأمل مكامن خبراتها اللغوية واللالغوية لتفسير وفرة عدد القاصات مثلا مقارنة بضآلة عدد الشاعرات، لأن الأمر هنا له تداعيات سوسيو- ثقافية. وبالتأكيد يحتاج هذا المنجر إلى إعادة فحص بشكل عمودي وأفقي فالكم له دلالات تختلف عن النوع ولا يمكن الوصول للمرقى الثاني، أي النص النوعي إلا عبر تراكم كمي له مواصفات غير هذه المحاولات التي تستشري بمجانية. أتصور أن المرأة بحاجة أولا إلى التجربة لتكتب نص الحياة، أي النص الممرغ بحرقة الخبرة الشخصية، كما تحتاج لهامش أوسع من الحرية لأن مفاعيل السيطرة الإجتماعية لا تقتل روحها التعبيرية وحسب بل مبررات آدميتها، وربما لهذا السبب بالذات شهدنا الانفجار النسبي لتلك الكائنات الخرساء، فصارت الكتابة النسوية تعبيرا عن الرغبة في الحضور عبر ذات أكثر تماسكا، لكنها لم تتدرب بما يكفي للقبض على جنون اللغة حيث مكمن الوعي والتمرد.


** من موقعك  كناقد هل واكبت الحركة النقدية في المملكة النموذج الابداعي متابعة وقراءة. ونقداً؟

ليس تماما، ولكن الحركة النقدية في مرحلة من المراحل لازمت التجربة الإبداعية بقوة، واتكأ أحدهما على الآخر في صيغة تبادلية وضعت جملة من الأسماء الإبداعية والنقدية على خارطة المشهد العربي، ولا زالت الحركة بطاقمها الأحدث تتفاعل مع كافة وجوه المنجز بصيغ ومستويات مختلفة، لكنها بالتأكيد أقل مما ينبغي، ليس لأن الإبداع المحلي يشهد طفرة كمية يصعب اللحاق بها وحسب، ولكن لأن بعض النقاد لا يحضرون المشهد الثقافي إلا كمنظّرين، فبعضهم أعلن طلاقه البائن مع النص المحلي على وجه الخصوص، وهذا الإختلال البنائي لا يتحمل مسؤوليته الناقد وحسب بل المبدع والمؤسسة الثقافية والمنابر الإعلامية التي تكاد تكفر بدور الناقد، وتمارس بشيء من التحدي إماتة مبرمجة للمثقف بوجه عام.


** التجربة الشعرية /الروائية/القصصية في المملكة.. هل ترى انها حققت امتيازات معينة على صعيد الرؤيا والتشكيل.. بالنظر للتجارب في الوطن العربي..؟

لا أعتقد ذلك، فما زالت التجربة الإبداعية المحلية أقل بكثير مما يفترض أن تكون عليه لولا بعض الأسماء القليلة جدا، إذ لا يوجد الكثير من المنتجات الإبداعية التي فرضت جودتها وكفاءتها على القارئ العربي، وما مقولات تحولنا إلى مركز ثقافي يقارع عواصم الثقافة العربية إلا خديعة يروج لها أشباه المثقفين ويصدقها المستنسبين زورا للثقافة. الصوت الثقافي المحلي ليس مستقلا تماما، ولا زال يعاني من الضغوطات الرسمية والمؤسساتية والإجتماعية بل أن في داخله يسكن رقيب يقمعه عن أداء مهماته التواصلية مع نفسه أو مع ( الآخر ) ولذلك تنتج النصوص الجبانة المفتقرة إلى الكفاءة المعرفية والجمالية، لأن كل بنية لا تولد إلا ما يشبهها، فلا يمكن أن يتولد نص جريء عن ذات أو مجتمع مسيج بالرهابات، ولا يمكن أن تتولد النصوص الحرة عن ذوات ما زالت هي في طور البحث عن آدميتها وحريتها. للزمن سطوته هنا والمراكمة التاريخية أظنها ضرورية مهما قيل عن نجاحات فردية.


** هل تعتقد انكم معشر النقاد تفسدون جماليات النصوص الابداعية احيانا؟

لا يمكن لناقد أن يرفع من مستوى نص رديء وكذلك يصعب أن يفسد نصا لمجرد تناوله من وجهة مضادة. إذا كنت تقصد المقاربة التشريحية الباردة للنصوص كما تفترضها بعض المناهج النصوصية أو الألسنية فهذا أمر يعتمد على كيفية وعي الناقد للمنهج وطريقة تماسه بالنص، لأن النص يخضع لمقروئيات مختلفة أو ما يسمى بالرؤية المرآتية المتعددة، ويفترض أن يكون فيه من الحيوية ما يقاوم محاولات التبخيس. صحيح أن الناقد يمارس شيئا من النبش أو الحفر الحاد أحيانا بحثا عن سر الخلل ولكنه أيضا يضيء مكامن الضوء التي لا يعيها حتى منتج النص نفسه، فالنقد في نهاية الأمر جهد معرفي جمالي لتأويل النصوص وليس لتقويلها، أو إفسادها بالتفلسف واعتباطية التناول.


** اخيرا .. كيف تجد العلاقة بين القيود المنهجية للنقد وانفلات النص ؟. (قراءة مقارنة)

العملية ليست طرادا بين الناقد والمبدع، والمناهج النقدية ليست قوالب جامدة، ففيها من المرونة ما يكفي لمحايثة النص في أقصى إنفلاتاته، لأن مقاربة أي نص تعني مقاربة الحياة، وليس التماس بالمكون اللغوي وحسب، والمناهج النقدية قديمها وحديثها تقوم على الفكر والفلسفة والتوغل من خلال جمالية اللغة فيما يعرف بمناطق العمى، واكتشاف المعنى المؤجل، ولذلك ظهرت الدعوات التي تطالب بألا يكون النقد خطابا استلحاقيا يتبع النص، وصار البعض يتعاطى النقد كخطاب أول، وأعتقد أنه يمكن التمثيل للقراءة النقدية المتمادية جماليا بكتابات غاستون باشلار الشاعرية التي لا تلغي النص المنقود بقدر ما تحقنه بجرعات جمالية من خلال الكشف الفطن عن دلالاته وإشاراته.