طباعة    ايميل

 

محمد العباس ينتقد الثقافة ومثقفيها ويعلن :
الوعي الروائي المحلي واهم فنيًا وفكريًا
جريدة شمس - السبت 23 ديسمبر 2006
حاوره: علي العمري

 

ما أظن أن لا ليس هناك صورة نمطية للمثقف ، تختلف صوره وأدواره باختلاف الظروف التي يحياها ، ما تعليقك ؟

رغم أن المثقف كمفردة ومفهوم هو نتاج البرجوازية الغربية، أو هذه هي الصورة النمطية المرّوج لها، إلا أن للمثقف مرجعية تاريخية واجتماعية تعطيه فرصة تمثل اللحظة وتعاطيها بانفتاح، وتدفعه على الدوام لأن يكون مواطناً كونياً، وليس التبدل أو التكيف مع المتغيرات، ربما لهذا السبب بالتحديد يصاب الكائن العارف، المبتلى بوعيه الشقي، بمرض العصر، الذي يمكن اختصار أعراضه في عدم قدرة المثقف على التغيّر، أو التبدل السريع ليتناسب مع الأشياء، واستحالة أن تستجيب الأشياء لمراداته، وأعتقد في هذا الصدد أني أميّل إلى المعنى الوظيفي للثقافة الذي يعطي الكائن أمكانية الإسهام في قلب الوعي التاريخي، فهذا هو الكفيل بموضعته في منطقة وسيطة بين هرمية معنى الثقافة كبنية فوقية، واتساع قاعدتها كبنية تحتية، بحيث لا يتصعّد عنده الحس الانتلجنسيا، ولا يبتذل ذاته بالانسياق وراء الموضات الثقافية التي تلبس لبوس حداثية تمسح الحدود بين السوقي والنخبوي. أظنه بحاجة دائماً للتسلح بوعي تاريخي يعصمه من طارئية اليومي، والأهم ألا يهاب من أي بؤرة من بؤر توتير الوعي، فالثقافة في نهاية الأمر هي حالة من حالة التموضع المستمر، والابدال ضمن رؤية استرايجية لا تهادن على الانساني.

 


كيف يمكننا أن نطور مفهومنا الجنيني عن المثقف المستقل ، سواء فيما يتعلق بالوعي الفردي الخاص بالمثقف ذاته أو بالمؤسسة الرسمية التي لم تعتد مثل هذا الطرح ؟

أعتقد أن المسافة النفسية مسألة ضرورية بين المثقف والمؤسسة، وهي مسافة أهم حتى من المسافة الفكرية، لأن المؤسسة مهما طرحت من عناوين تظل مرتهنة لنظام ثقافي على درجة من الصرامة، وتستبطن في وعيها ولا وعيها رغبة في تأميم الصوت الثقافي، وتعميق دورها الرعوي، بمعنى أنها مركب بنيوي شديد التعقيد، بطيء الحركة، إذ يغلب عليها الطابع الشمولي، التوحيدي، وتفرض على منتسبيها الامتثال والولاء الكامل، وهو أمر يخالف المعنى الأحدث للثقافة كما يتمثل في التنوع والتعدد والتشظي والاختلاف بمعنى أشمل، وأتصور أن طرح مفهوم " الاختلاف " بقوة كمشروع ثقافي، والاكثار من الطرق عليه هو الكفيل باستيلاد مثقف مستقل، متحرر من وصاية المؤسسة، ومن حاجته الدائمة إلى أبوة مستعارة، حتى وإن تنافى هذا الطرح مع برنامج المؤسسة لاستدماج أكبر قدر ممكن من الأصوات الثقافية الضالة عن النسق الرسمي.

 


كيف ترى هذا الانفراج الثقافي الذي يراه البعض شكلياً ويتفاعل معه البعض الآخر ، وآخرين يطمحون عبره إلى زحزحة سقف ظل واطئاً لفترة طويلة ، والبعض يتجاهله بصمت سلبي ؟

بالتأكيد ثمة انفراج، ولكن لا بد من قراءة هذه الزحزحة الثقافية بشيء من الوعي والتأني لفهم مغزاها وتداعياتها، فالتغييرات الثقافية الأخيرة هي مجرد هبة مقدمة من المؤسسة وليست نتاج تضحيات المثقف، أو استجابة لنزعاته الفردية والانشقاقية، وبالتالي فهي محاولة للالتفاف على لحظة التغيير الحقيقية ومستوجباتها، بل هي مفصلة لتتجاوب مع مركبات نقصه النفسية والاجتماعية والتاريخية. ومن حق البعض أن يقدم قراءة مناقضة لهذا التصور، ويتفاعل بمنتهى الحماس مع طروحات المؤسسة، وهذا هو ما يحدث الآن، إذ انبثق طراز من المثقفين التبريريين، الذين لا يمتلكون الارادة أو الوعي لربط المعنى الخلاق للثقافة بأي شكل من اشكال الديمقراطية، ولكي لا نبالغ في التجاوز والتأثيم والتشكيك، لا بد من التأكيد بأن ليس كل هؤلاء من الانتهازيين والمتسلقين، بل ان بعضهم تنقصه الخبرة والدراية، ويأخذه الحماس لتحقيق مكاسب تبدو أشبه بالورطة، أو الخديعة فثمة وهم كبير يتم بموجبه استدراج المثقف إلى متاهة فضفاضة لا شكل لها ولا مستقر، وايهامه بالاشتراك في مشروع مركزي لا غنى للمؤسسة عنه فيه، وهو أمر تكذّبه الوقائع الثقافية، فالمر ليس أكثر من حفلة تنكرية يتواطأ عليها أشباه المثقفين.

 


كيف تحدثنا عن رؤيتك الآنية للرواية في السعودية بعد كتاباتك المتوالية عن هذه الرواية وأبعادها السوسيولوجية ، هل هذا التركيز على قراءة التحول الاجتماعي يأتي على حساب الفني ، بمعنى أننا سنلتفت لهذا الركام بعد فترة كمجرد وثائق ومذكرات وبيانات خالية من الفن ؟

للأسف الرواية المحلية تنكتب بدوافع وآليات لا فنية، نتيجة الاستعجال وعدم وجود منابر حقيقية للمساءلة، فالجميع مهموم بتسجبل تاريخ فردي أو جمعي دون مراعاة لأهمية تقديم ذلك التاريخ في قالب جمالي مقنع يسميه بول ريكور " التحبيك " حيث تعاند الرواية منطق الوثيقة أو تتفاعل معها من خلال مخيال أو مزاج فردي. ولا شك أن الوعي الروائي المحلي على درجة من الوهن، ليس من الوجهة الفنية وحسب، بل حتى على مستوى الرؤية، لأن الرواية أداة هدمية بنائية، مضادة لكل ما هو شمولي، متعارضة مع أي شكل من أشكال الحنين للوحدوي. فروح الرواية متورطة على الدوام في مسائل الهوية، وتهديم الأنساق المركزية، ومجابة التاريخ الاجتماعي بنقدية منفتحة، وتقديم المعنى الخلاق للوجود، وهذه مسائل لا يعانقها وعي الروائي المحلي – للأسف -  بقدر ما يلهث وراء الحدث، ويخضع لتسارعاته، لتسجيل اللحظة كلقطة عابرة منقطعة عما قبلها وغير مؤثرة فيما يعقبها، دون تحليلها، ودون قدرة على استبطان طياتها المراوغة، ولذلك يتصور الروائيون والقراء على حد سواء أن ما حدث من طفرة روائية شكل نصابا أدبياً مقنعاً، وهو أمر يحتاج إلى فحص نقدي، وإلى طرح الظاهرة السردية تحت طائلة المساءلة، وأعتقد أن فعل القراءة هنا لا يمكن تبرئيته من تعزيز وهم الروائيين وتسطيعهم كنجوم اعلامية، حيث المسافة بين الظاهرة الثقافية وما يقابلها من الفقاعات الاعلامية.