طباعة    ايميل

 

لا يعول كثيرا على منابر القصة
العباس : انصرفت عن القصة لعدم وجود ما يحرض داخل المنجز
تصلني مجموعات قصصية تبدو متشابهة وليس فيها الخطفة الإبداعية
حريدة اليوم 10 أبريل 2007
حوار : عباس الحايك

 

على الرغم من أن منتدى القصة بسيهات ظل طوال أكثر من 13عاماً بعيداً عن الصخب الإعلامي ومازال، وهو بحسب قربنا من تجربته مازال منشغلاً بورش عمل وبرغبة جادة في إبراز كاتب قصة متميز، إلا أن الناقد محمد العباس يرى أن المنتدى فشل في تحقيق أهدافه، وانشغل بما سماه تصخيب صوته بالكثرة، وهو بذلك لا يعول على هذا المنتدى إلا إذا أعاد ترتيب أوراقه بمراجعة نقدية صريحة، يعيد من خلالها النظر إلى وضعه الراهن.


ومن جهة أخرى فالناقد العباس لا يعول كثيراً على منابر القصة ويرى أن القاص لايحتاج إلى مثل هذه المنابر لكي يقدم ما يدهش.. العباس تحدث بقسوة شديدة في رهانه السابق على بعض كتاب القصة لكنه بدا في هذا الحوار لـ (اليوم) أكثر إحباطاً وعدم ارتهان للمشروع الذي كان يعتقد أنه سيثمر يوماً ما ويلد كاتب قصة متميزا..


 قبل عدة سنوات، كنت تتابع القصة بشكل كبير، وكنت تراهن على نهوض القصة، لكنك تراجعت فما السبب؟

- ما زلت أتابع القصة، وتصلني على الدوام مجموعات قصصية تبدو في مجملها متشابهة، ولا تحتوي على أي خطفة ابداعية تشير إلى تطور ملحوظ في الخطاب القصصي يمكن أن يستفزني على مقاربتها، أما رهاني الثقافي فلم يقتصر على لون بعينه، بل على الابداع بشكل عام، لذلك ربما تلاحظ أن اشتغالي النقدي ينصب على ظواهر مختلفة ومتعددة تتضمن الرواية والشعر وحتى الفنون البصرية، وإذا كان هنالك من انصراف عن القصة فمرده عدم وجود ما يحرض داخل المنجز، وربما يكون صمتي عند هذه المحطة، أو امتناعي عن مقاربة المنجز هو موقف نقدي في الأساس.


 كنت أيضاً تراهن على كتاب القصة في منتدى سيهات للقصة عندما كنت تقدم ورشة عمل في فن كتابة القصة ثم تركتهم؟ ألم تكن تراهن على الأقل على عدد منهم؟ ما الذي حصل؟


- كان بإمكان هذا المنتدى أن ينمو ويحقق حالة نادرة في شكل المنتديات المتخصصة، لولا المبالغة في دوره، ورهانه على تصخيب صوته بالكثرة، بالاضافة إلى منسوب الإدعاء التنظيري بين أعضائه. وبالفعل كنت أراهن على المنتدى كحلقة حوارية أليفة أشبه بدفء الجو العائلي، وعلى بعض الأسماء أيضا، وما زلت، لكن لكل كائن ظروفه وذرائعه التي لم تسعفه بالبروز، وللأسف تقدم من لا يستحق، واستعجل فريق آخر في الظهور، فيما تنازل الأهم من الأصوات عن الحضور وتوارى في خلفية المشهد، وهو ما يعني أن عملة رديئة طردت تلك الجيدة الواعدة من مواقعها.


 انتقدت منتدى القصة بسيهات أكثر من مرة .. هل تتوقع أن يخرج قاصاً متميزاً؟

- بوضعه الحالي لا أظن، فالادعاءات كبيرة وكثيرة، واستسهال الكتابة واطلاق التصريحات الفضفاضة اسطوانة دائمة ومملة، وكذلك المبالغة في حب الظهور، والرهان على شكلانية المنتدى عوضا عن رسالته المضمونية، كلها أمراض تمكنت من أعضاء المنتدى، ولا يمكن الاستشفاء منها إلا بمراجعة نقدية جريئة، وبتخصيب هذه الأرض الميتة بدماء جديدة. أعتقد أن المنتدى بحاجة ماسة لتجديد مساره، إذ لا يمكن لجسد مريض أن ينتج عضوا صحيحا أو صوتا متفردا، وأعتقد أن المنتدى لم يعد سوى حالة من حالات الحداد على أطلال مكان كان صاخبا بالحياة، كأن المنتدين يحاولون الوفاء لصديق قديم لا أكثر.


 عدد من أعضاء المنتدى يتهمونك أيضاً بالتخلي عنهم؟ ماذا تقول؟

- النقد ليس من مهمته رعاية الابداع بل الدخول معه في علاقة جدلية تقوم على الحب في المقام الأول، ولا يمكن للناقد إلا التحرك باتجاه منجز محرض، متجاوز، يستفز حداثة خطابه وآخر تجليات النظرية النقدية. وأظن أن الخطاب القصصي عموما لم يعد جاذباً لأسباب تتعلق بمستوى المنتج رغم أن المنابر محتلة تقريبا من قبل القاصين، ومنتديات القص هي أكثر التجمعات ضجيجا وحضورا، وهذا الكلام ينطبق على منتدى سيهات الذي يمثل حالة من حالات التردي الثقافي، فالمسألة ليست أكثر من شكل أو هيكل فارغ لا أظنه يحرضني أو يدفع غيري للتنادي بين أروقته.


 وهل تعتقد أن (المنتدى) بإمكانه النهوض مرة أخرى، ويقوم بواجبه كأول منتدى اهتم بشئون القصة؟ وأن يقوم بدوره الحقيقي؟ وماذا تقترح في هذا الشأن؟

- دائما هنالك فرصة للنهوض، وتبدأ - كما أسلفت - بمراجعة نقدية صريحة، يتم من خلالها إعادة اللحمة أو الألفة الإنسانية للمنتدى قبل استعراض البرامج والخطط المتعالية معرفيا، بمعنى أن تعود للمنتدى روح الفريق الواحد، وأن يتم اعتماد خطة بنائية طويلة الأمد، يطرح من خلالها واقع الخطاب القصصي والسبيل إلى الارتقاء به، من خلال الاستعانة بأسماء ذات شأن في هذا المضمار على مستوى المملكة، خصوصا في المسألة النقدية، بمعنى أن يتم التركيز على إنتاج النص القصصي وإيلاء المهمة النقدية للمقتدرين عليها، والتخلي عن مهمة تخريج طابور من أشباه النقاد خلافا لرسالة المنتدى، فما ألاحظه هو وفرة التنظير العقيم حول القصة القصيرة جدا، وبوليفونية السرد، والقصة متعددة الذروات، والكاتب العليم، دون قدرة على انتاج قصة مؤثرة جماليا.


 في ظل السيل الروائي الذي انتقدته بقسوة في مقالك بالزميلة (الاقتصادية).. هل تعتقد أن ثمة نهضة قصصية مقابلة، ومن من الأسماء الذي يمكن المراهنة عليه في ساحتنا المحلية؟

- ما ينطبق على الخطاب الروائي ينطبق تماما على الخطاب القصصي، بل إن الوضع في الحيز الثاني أكثر سوءا، حيث كثرة الأصوات، وتدني مستوى المنتج، ووفرة الادعاءات التنظيرية، وإفراغ الخطاب القصصي عموما من إمكاناته، وتحويله من رؤية ثقافية إلى حالة إعلامية، فقد صارت القصة وظيفة من لا وظيفة له، والتبست بالخاطرة والمقالة لدرجة أنها صارت بلا ضمير أدبي، وبلا عقل يحتسب للحظة الابداعية برؤية استراتيجية، فالكل يريد الحضور والشهرة والبريق الإعلامي، وأعتقد أن مقولة الدكتور عبدالله الغذامي عن انعدام الفكرة التنويرية في الخطاب القصصي تنطبق على واقع القص اليوم بشكل كبير ولا تتطابق بحال مع واقعه ومنطلقاته في الثمانينيات مثلا، وإن كان هذا التهالك لا ينفي وجود خطفات قصصية لافتة أحيانا، وأصوات متميزة ولكنها تائهة ضمن كثافة المنجز.


 بعد إلغاء الثقافة من الجمعيات، وتجميد (نادي القصة) أو ترحيله للأندية الأدبية.. هل تعتقد أن ذلك سيحد من تعاظم القصة؟

- كما أن الشاعر لا يحتاج إلى قلم ليكتب قصيدة، كذلك القاص لا يحتاج إلى منابر واسعافات واكسسوارات ليجعل من القصة فكرة إبداعية جديرة بالاعتقاد والتبني، فالابداع حالة اختيارية وليست مؤسساتية، وكبار المبدعين انما حققوا منجزاتهم بعيدا عن المؤسسة التي هي في نهاية الأمر المآل المثالي لأشباه المثقفين الذين يحتاجون دائما إلى رافعة لتعويض الوهن التكويني في منجزاتهم. لا يفترض بالقصة وكتابها التعويل كثيرا على المتغيرات الادارية، بل الاشتغال على النص، فكل قاص يفترض به الاشتغال على نصه المستحيل، ضمن نص أشمل يعيد للقصة القصيرة روحا.