طباعة ايميل
حوار الناقد محمد العباس لمجلة الإعلام والاتصال مجلة الاعلام والاتصال العدد 109 -السنة العاشرة- غرة رجب 1428هـ - الموافق 15 يوليو 2007 م حوار : طامي السميري عناوين : رواية " ستر " مكتوبة كتجسيد لخبرات حية ومعاشة مع بعض التزوير المجازي المحبب، وهي وما يشبهها ضحية لهذا الحراك المرتبك روايات "القران المقدس"، "الآخرون"، "بين علامتي تنصيص."نجحت في تقديم فئة أو فصيل اجتماعي بوصفه " آخر " قصيدة الثمانينيات أغلبها لا يتعدى كونه أناشيد مدرسية تصيب المتلقي بالخيبة والصدمة من يكتبون القصة القصيرة منتجات صادرة عن ذوات رخوة معنية بمعانقة صقيع الأدب المنبري أعاني من مراودات الاعتراف بما عشته، وبما أحلم به، وبما أحدث نفسي أن أكونه، أي أن أعيش وأكتب نصي المستحيل. علي الشدوي طاقة نقدية مهدورة، وهو أمثولة حية على يأس الناقد من بلادة النصوص المتعاظمة أشعر بالأسى والفجيعة لأن أغلب المثقفين لا يرتادون المقهى، لا يتصادفون فيه اعتبر الناقد محمد العباس قصيدة الثمانينات بحاجة إلى قراءة جادة ومعمقة لذلك المنجز ، للوقوف على مرجعياتها المستنسخة من الدوائر العربية .كما أنه يرى لغة الناقد الحقيقي لا تنمو بمعزل عن مزاجه وخبراته الشخصية، فاللغة في نهاية المطاف هي المعادل لوعي الناقد.كما يرى بأن مجتمعاً غير ناقد أصلاً يصعب فيه استيلاد ذات ناقدة.ويؤكد العباس أن ما يتوفر في مشهدنا من خطابات إبداعية هي نتاج تقليد لتجارب إبداعية ناجزة ومخلّقة في دوائر أخرى.هذه الآراء التي تمس المشهد الثقافي وأراء أخرى نقرأها في هذا الحوار لمجلة الإعلام والاتصال : في مسألة تسريد الهوية،إبراز هوية ما في أي تجربة روائية هل تعد تهمة غير محببة للروائي ؟وهل الروائي يتقصد ذلك الفعل ..أم أن الأمر يأتي عفويا من خلال السرد؟ محاولة إبراز الهوية داخل العمل الروائي، لا يعد تهمة بحد ذاته، فكل رواية في الأصل هي محاولة لتجسيد شكل ما من أشكال التاريخ الشخصي أو الجمعي، والاستيلاء الواعي أو اللاواعي على المكان، بمعنى استيلاد هوية سياسية أو اجتماعية أو حتى وجدانية، ولكن أن يتقصّد الروائي إنهاض هوية مرضيّة، ضيقة، عمياء، مستقرة، شمولية ذات طابع مركزي توحيدي هو الأمر المعيب من الناحية المضمونية، على اعتبار أن الإحساس بالهوية هو المعادل للوعي المختزن في الذات قبالة الوجود، أو محاولة لإعادة تشييد الماضي بأثر رجعي. أما من الناحية الفنية فإن تعمد الروائي إبداء رغبته في إبراز الهوية بشكل مبالغ فيه يخل بالسرد ويحوله إلى خطاب. هنالك روايات تقوم على اختراق الذاكرة الاحتياطية للجماعات لابتناء صيغة محببة من صيغ الهوية متحررة من أوهام وهوامات المرويات التاريخية والاجتماعية المصعّدة، إذ تعزز السرد بجرعة نقدية لاذعة، وتمزجه بتخييلات رومانسية وبمنظومة من الأفكار الانسيابية الكاشفة، ومن خلال ذلك التجادل الرهيف تتولد شخصيات محتشدة بالأحاسيس الرومانسية، معزّمة بحس بطولي، الأمر الذي يجعل من الرواية مكاناً للمعرفة والعاطفة وتجسيد المواقف، أما تلك التي تراهن على إعلاء الفئة أو الجماعة أو القبيلة وفق مرويات متوارثة وغير مختبرة ضمن الحاضن الانساني فانها تحيل الرواية إلى نعرة لغوية، أو أداة متعسفة لإلغاء الآخر، أو مساجلته في أحسن الأحوال خارج مشروعية الفعل الروائي، إذ لا تستنطق التاريخ بقدر ما تؤسس لمرويات جمعية مغلقة تعمل ضد الفردانيات المنفتحة. الهجاء الذي يتكرر بكثافة في الرواية المحلية للمدينة.هل هو مبرر.وهل تجد أن ذات الهجاء يتشابه بين الروائيين وهل الرؤية تختلف تجاه المدن بين السارد والساردة؟ بعض الهجاء للمدينة له ما يبرره من الوجهة الموضوعية، ولكن أغلبه للأسف ينزرع في سياقات النص كعلامات مضللة، حيث تحيل معظم الروايات المكان إلى عدو، أو عاء على درجة من الضيق، وبالمقابل لا تتفاعل تلك العدوانية الصريحة مع شكل الحراك الاجتماعي، ولا تسهم في بنية الشخصيات بقدر ما تؤسس لسرد تتسيده ذات محقونة بأحاسيس برجوازية صغيرة تضع المجتمع تحت طائلة نقدية حادة، وهذا ناتج عن وعي قاصر بالمكان كمكون بنيوي في السرد، حيث يتم التعاطي معه كفضاء مادي مفتوح على انبساطية ساذجة دون طيات عمودية عميقة ولا تعرجات أفقية ممتدة، ودون تأكيد على خصوصية الفضاءات المتداخلة، أو استدعاء الطابع الروحي أو النفسي لمكان دون آخر، وهو أمر يتوفر بكثير من التشابه حد التطابق عند أغلب الروائيين والروائيات خصوصا حين يتعلق الأمر بالفضاء المديني، فالمسألة لا تتعدى كونها حالة من النوستالوجيا الفضفاضة، المؤسسة على هجاء صريح للمعنى الاجتماعي للمكان، بما هو قيمة مكتنزة بالمضادات السياسية والعرفية والأخلاقية، أو محل لتجاذب القوى الاجتماعية، إنصرافاً عن المعاني المتعددة للمكان كما تتمثل في معناه النفسي والحسي والتاريخي والتجريدي والموضوعي والشعري إذ يتموضع أغلب الروائيين والروائيات في اعتباطية الموقع الهجائي تقريباً ولكن بمنسوب مختلف من الخبرات. تحمل ود عميق واستثنائي لرواية رجاء عالم "ستر".تلك الرواية تم إهمالها في ظل الاحتفاء الإعلامي بروايات أخرى. ودعني أسالك مالذي تتميز به تلك الرواية ؟ في نهاية الأمر القراءة سواء كانت نقدية أو استمتاعية تنتج عن مزاج خاص له مواصفاته الذوقية وخبراته المعرفية، ورواية " ستر " بتصوري، من الروايات المكتوبة بذاتية واعية، وليس بأنوية فاقعة، وأعتقدها تجسيداً لخبرات حية ومعاشة مع بعض التزوير المجازي المحبب، أي بحرقة التجابه مع مرارة الواقع، من خلال شخصيات مشحونة بمكونات حسية فائضة، وهذا هو السر في حيوية لغتها، وإن كانت لا تخلو أحيانا من تقريرية وسجالات مسقطة بشكل غير مبرر. في هذه الرواية تجلت رجاء ببوح ذاتي كما لم تفعل، فقد قامت بتأوين ذاتها ضمن واقع معاش وليس داخل ارتدادة تاريخية أو أسطورية، بمعنى أنها كانت ألصق باليومي هذه المرة. وأظن أنها رواية مظلومة لأنها لم تخضع للقراءة أصلاً، لظهورها في لحظة استقبالية التبست فيها الحالة الثقافية بصعود الظاهرة الاعلامية، وبسبب وجود أفق قرائي اكتسبته أعمال رجاء كسمعة نتيجة التراكم بحيث لم يتوقع المتلقي أن تخرج عن أسلوبها المركب، وكذلك لأن رجاء نفسها ظلمت الرواية بتواريها المبالغ فيه في خلفية المشهد، حيث بات حضور الروائي مطلباً ملحاً إلى جانب أعماله لا ليفسرها أو يسلّعها، ولكن ليُشعر القارئ بقربه منه، فهذه المسافة اللامبررة تؤكد على استنبات فاصل نفسي، يولّد بدوره قطيعة قرائية. ولكي لا يتم تحميل رجاء جريرة عدم انتشار روايتها المهمة، يمكن القول أن المشهد الثقافي عموما صار أميل إلى التفاعل مع ما يتم الترويج له من خلال الآلة الإعلامية، وضجيج الأعمال الروائية المثيرة منه إلى مقاربة الأعمال التي تتطلب جهدا قرائيا. صحيح أن القارئ صار اليوم عاملاً من عوامل بروز الرواية وتناميها كخطاب، ولكن هذا القارئ يعيش صيرورته المعرفية والذوقية اللا مستقرة أيضاً، ومن الطبيعي أن تكون رواية " ستر " وما يشبهها ضحية لهذا الحراك المرتبك، خصوصاً أن الخطاب النقدي ما زال يصر على تجاهل الظاهرة السردية تاركاً مهمة تقويم ذلك الفيض الروائي لكتبة المقالات اليومية والأسبوعية. القران المقدس، الآخرون، بين علامتي تنصيص.ثلاث روايات تلامس ذات المكان .كيف ترى الخطاب الذي تحمله تلك الروايات .وهل هناك مغايرة في الرؤية تجاه ذات المكان ؟ بغض النظر عن المستوى الفني لمجمل هذه الروايات، أظنها تأتي ضمن مراوحات لخلخلة الأنساق الثقافية والدينية والاجتماعية، ويمكن اعتبارها بمثابة صرخات احتجاج ضد فكرة المؤسسات والثقافة الشمولية التي تضع الكائن في غيتو عقائدي وتمارس عليه القمع والتسلط، وهي بهذا الاعلان عن التمرد تؤسس للنزعة الفردانية مقابل الإمتثال الاجتماعي، وهي بالتأكيد تنجح على هذا المستوى من الطرح الصادم، كما تنجح من جهة أخرى في تقديم فئة أو فصيل اجتماعي بوصفه " آخر " يجدر الاقتراب منه ودراسة خصائصه الثقافية، فهو كائن مظلوم من وجهة نظر هذه السرديات أو مأسور باضطهاد مركب داخل الفئة التي ينتمي اليها وخارجها، وذلك بالتحديد هو ما يفسر علو نبرة الاحتجاج والتحدي، وتوغل السرد في مساحات غير موطوءة للدرجة التي تتحول بموجبها تلك الروايات إلى خطابات سجالية، وهو ما يفسر أيضاً شبهة التعاطي الضدي والمرتبك مع المكان، حيث الذوات المقموعة والمنذورة لتحدي منظومة القيم والأعراف، تكتسب من ذلك الوعاء رهاباته واضطراباته، وحيث يتحد حضور الراوي غالبا بوعي الروائي فيما يشبه المرافعة عن فردانية الذات قبالة الإجماع الاجتماعي. بعد هذا الزمن الطويل.كيف ترى قصيدة الثمانيات .وهل ترى أن منجز الثمانيات تم محاكمته فنيا؟ لقصيدة الثمانينيات وهجها الخاص، ولكنها ليست بتلك الفرادة المتوهمة التي يتم الحديث عنها اليوم كتحفة فنية معصومة من فعل المناقدة. أظنها خضعت لأكبر ناقد وهو الزمن، فتوضح الأصيل منها وهو قليل، ولم يصمد الكثير، فبعض قصائد وأصوات الثمانينية تعتبر بالفعل علامات حقيقية ضمن التجربة الشعرية، ويمكن موضعتها على خارطة الشعرية العربية، ولكن أغلبها لا يتعدى كونه أناشيد مدرسية تصيب المتلقي بالخيبة والصدمة. كل تلك الخرافة تبددت، لكن بعض الأصوات المستنقعة في استيهامات تلك اللحظة الذهبية، الرافلة في أيدلوجيا الفراغ، لا تريد الاعتراف بحقيقة الحراك والتجاوز الابداعي، ولا تتقبل إلى اليوم فكرة وضع التجربة تحت طائلة النقد، إذ لم يعد لأغلب الأسماء سوى استعادة مجد الماضي، والاعلان عن المظلومية، والاستخفاف بتجربة الأجيال اللاحقة، مستفيدة من اقتران منجزها بتداعيات سياسية واجتماعية لا علاقة لها بالقيمة الأدبية، وكأنها تحاول أن تبقي على تلك المعادلة المستهلكة لتعزيم حضورها. إن قراءة جادة ومعمقة لذلك المنجز مسألة ملحة، للوقوف على مرجعياتها المستنسخة من الدوائر العربية مثلاً، ولتبيان منسوب الإدعاء والزور جرّاء الاتكاء على قيم وتوظيفات أسطورية دون رصيد من الوجهة الجمالية، حتى لغة ذلك المنجز بحاجة إلى فحص نقدي لاختبار أصالة المعنى المختزن فيها مقابل فوراتها اللفظية، ويبقى ذلك القليل الجميل كدليل على زمن مفعم بالآمال والحراك الثقافي المبهج، والقليل أيضاً من القامات المنبعثة من خراب نكبة الحداثة، المدركة بالفعل لمعنى التجييل الإبداعي. رغم انشغال الجميع بأمر الرواية.إلا أنك ترى أن القاصين هم أكثر اعتلاء للمنابر في هذه الفترة.هذه الأمسيات المكثفة للقصة القصيرة وكثافة إصدار المجاميع القصصية .هل تنبئ بحالة تقدم على مستوى النص للقصة القصيرة ؟ بصراحة لا أتوقع من القصة القصيرة كمنتج أي جديد في الفترة الحالية، فهي بتصوري منتجات صادرة عن ذوات رخوة معنية بمعانقة صقيع الأدب المنبري، وغير متفاعلة مع الواقع. وهي أقرب إلى وعظية المنبر منها إلى هدمية الفعل الإبداعي. من يكتبون القصة القصيرة لا يدركون كما يبدو أننا نعبر لحظة تحول تستلزم الإنفعال بها، والتعبير الواعي عنها، وبالتالي فهم لا يعبرون عن هذا التبدل الحاد، فقصصهم تخلو من روح المجابهة، والرغبة في نبش المسلّمات، بل هي على درجة من المهادنة والإنهزامية، لولا بعض الاستثناءات النادرة جدا لكي لا نعمم الحكم على كل الظاهرة. والمطلوب ليس انتاج قصة ثورية بالمعنى النضالي، ولكن الابتعاد عن سذاجة الخاطرة، وإحداث حالة من التماس الواعي والمشاكس مع الواقع المتغير. القصة القصيرة ، كما يبدو لي، متخففة من ضمير اللحظة، مأخوذة باللعبة الإعلامية وبهرجة المنبرية، بل معادية لفعل المناقدة الحقيقية، بدليل أن منتديات السرد مكتظة بفصيل من أشباه المبدعين المتواطئين على احتلال المنابر وتبادل المديج فيما بينهم. بمنتهى الأسف نعلنها أن المنجز القصصي يثير الكثير من الحنق، ويصيب المتلقي بحالة من الاحباط نتيجة وفرة الأسماء وسذاجة الطرح ونبرة الإدعاء. أظنهم - أي كتاب القصة القصيرة - بحاجة إلى مراجعة نقدية جادة لإقناع القارئ والناقد على حد سواء بامتلاكهم لخطاب قصصي، لكي لا نقول مشروع كتابي، وذلك بالتأكيد على مشروعية الحضور من خلال نصوص متميزة وليس عبر التصريحات الاعلامية واعتلاء المنابر، واستملاك فضاءات الانترنت، وإن كانت هذه المصارحة التشريحية لا تنفي وجود محاولات جادة ضائعة للأسف وسط كمٍ قصصي متعاظم إلى الحد الذي تم بموجبه تقويض مفهوم ومعنى ووظيفة القصة القصيرة. مابعد التسعينات لم نجد اسماء نقدية تعمق حضورها في المشهد المحلي.كيف ترى هذا الغياب النقدي .وهل تفسيره رغبة الجميع في أن يحظى بلقب مبدع؟ الممارسة النقدية نتاج طبيعي لافراز إجتماعي، ففي مجتمع غير ناقد أصلاً يصعب استيلاد ذات ناقدة، إذ ينظر إلى كل من يمارس الفعل النقدي كمبدع فاشل، أو مجرد كائن ناقم. ولا شك أن للغياب النقدي مسببات تتجاوز العامل الاجتماعي إلى اختلالات تلامس الهيكل الأكاديمي، فالناقد كمنتج للمعرفة، لا يمكن التصديق على وجوده وكفاءته لمجرد تخرجه من جامعة تعتري مناهجها الكثير من النواقص والعيوب والغياب الفاضح عن آخر منهجيات الخطاب النقدي. وباختصار، الجامعات تخرج حملة شهادات لا نقاد بالمعنى الوظيفي للثقافة. وأعتقد أن حس المناقدة من طبيعة المجتمعات الحية، التي تؤمن بضرورة التجابه مع عيوبها، بما في ذلك عثرات النصوص، التي تعتبر مرآة صادقة لما يتشكل إجتماعياً، وهو الأمر الذي يفسر اشتغال معظم نقاد الثمانينيات على حيلٍ شكلانية تتشبه بالممارسة النقدية، ولا تقترب من الحقيقة الهدمية لفعل المناقدة، اقتراباً من وهج الفضائيات، وبرستيج المنابر، لدرجة أن فكرة النقد كخطاب أول، غير تابع للنص، بدأت بالتلاشي، أو بمعنى أدق انهارت كحالة ثقافية على حافة الظاهرة الإعلامية المتعاظمة، فيما يشبه التواطؤ بين الذاتين الناقدة والمبدعة على فك الإشتباك بين الاشتغالين إيثاراً للسلامة، وهو الأمر الذي يؤكد على جانب مما ذهبت إليه، حيث نجومية المبدع التي تتشكل في وهج الحالة الاعلامية، أجدى من فكرة الإستواء الرخيم في الظل، بالنسبة للذوات التي لا تعي أهمية فعل المناقدة. الخطابات المنثورة في مختلف الاجناس الابداعية في مشهدنا هل تجدها تتكامل أم ترى أن كل جنس ابداعي يخلق خطابه ويغردا وحيدا؟
أغلب ما يتوفر في مشهدنا من خطابات ابداعية هي نتاج تقليد لتجارب ابداعية ناجزة ومخلّقة في دوائر أخرى، وليست نتاج وعي أو تجريب ذاتي، وأظنها آخذة في الاتجاه إلى شيء من التكامل رغم ما يبدو عليه المشهد من تصارع بين الأجناس وتوثين لجنس إبداعي دون آخر، ومحاولة بعض حرّاس الألوان الإبداعية إقامة حوائط صد فيما بين تلك التجارب. ويمكن تسريع هذه الوتيرة بانتاج المزيد من النصوص التجريبية المتجاوزة، ولكن ليس بمعزل عن الملاحظة النقدية، فالمشهد يفتقد بالفعل إلى الحالة الحوارية التي تجادل الظواهر الإبداعية، كما يعاني من شلل فاجع في المنابر، إذ لا يتعدى الأمر حفلة من الأمسيات المترادفة، التي تبالغ في الإحتفاء بالمنتجات الإبداعية دون مساءلة منتجيها عن الفلسفة الجمالية المحركة لها، ولا عن الاستراتيجية الثقافية التي يراد للمنتج ذاته أن يكون عليه، وهو الأمر الذي يجعل من بعض التجارب تبدو ظاهرياً اختراقية لصنمية الأجناس، فيما تكشف أنساقها الداخلية عن إمتثال لفعل الكتابة من منطلق تجنيسي، وإجبار المتلقي على استقبال المنتج من ذات المنطلق. علي الشدوي هو رفيق دربك في النقد..كيف وجدت تجربة الشدوي في سماء افريقيا..وهل تعتقد بهذا التحول لكتابة الرواية .أنه اضاف للرواية أم خسرنا علي كناقد؟
بروايته " في سماء أفريقيا " أحدث علي الشدوي نتوءاً موضوعياً لافتاً في الرواية المحلية، إذ اقترب بالمنجز الروائي إلى ما يعرف برواية الرحلات، أو رواة المدن، وأراه اليوم يتشاغل بالقصة القصيرة، بل يحضر منبرياً من هذا المدخل المستغرب بالنسبة لي، فروايته إضافة للخطاب الروائي دون شك، ولكن انحيازه عن النقد إلى السرد واستتبعاته يؤكد على ما ذهبت عليه في سؤالك عن انطفاء جذوة النقد، فالشدوي طاقة نقدية مهدورة، وهو أمثولة حية على يأس الناقد من بلادة النصوص المتعاظمة، ومن محاولات توظيفه كمعلن تسليعي لمنتج فاسد، ومن العداء المجاني الذي يكتسبه الناقد لمجرد مطاولته لقامة من القامة وإن بشكل موضوعي، وأظنه صار أميل بالفعل إلى تقديم نفسه كمنتج نص لا كمنتج معرفة، وفي هذا خسارة فادحة للمشهد الثقافي، ولعلي الشدوي ذاته، فهو بتصوري من أقدر النقاد على مفهمة الظاهرة الثقافية، فقد كان في كتاباته مزوداً بمجس جمالي للنصوص يجعل من الممارسة النقدية حالة أشبه بفعل الكلام التلقائي وبساطته، وإن كان في الحيز الأول أقدر وأكثر إقناعاً. الشدوي ناقد موهوب، ولست بصدد تقويمه من منطلق المجايلة وحسب، إنما أقول هذا من منطلق الاعجاب ببعض ما كتب، وحب الطريقة التي يتعاطى بها مع المنتجات الثقافية، وأظن أن المشهد الثقافي بحاجة إلى ذوات ناقدة بوعي وحساسية وتطلع علي الشدوي. لا أظن أن الرواية ستربح الكثير بمغادرته لها من خلال نزوة السرد، ولكن الخطاب النقدي سيخسر طاقة نقدية يصعب تعويضها في ظل غياب القامات النقدية الجادة والمقنعة. هل لدينا رواية سعودية محددة نفاخر بها أمام الاخرين سواء على المستوى العربي والعالمي؟
تتذكر عندما أرادت المؤسسة الثقافية العربية الإحتفاء بالمنجز الروائي العربي باختيار أفضل مائة رواية عربية تورطت في الاتفاق على وجود رواية سعودية حقيقية حتى تمت تزكية رواية للمرحوم عبدالعزيز مشري، كترضية لدولة أو مجتمع تأخر كثيراً في إنتاج روايته. وعندما رصدت جائزة للراوئي العربي الأكثر جدارة وتأثيرا في تاريخ الرواية العربية، تم تصعيد هوية عبدالرحمن منيف من منطلقات لا ثقافية. وبين الواقعتين انفجر المشهد المحلي الروائي بكم هائل من الروايات، لكنه لم يسجل ذلك الحضور اللافت في المشهد الثقافي العربي. صحيح أن بعض الروايات نجحت إعلامياً وفق آلية ترويج من قبل مافيا دور النشر، ولكن عند الإحتكام إلى المعيار الفني أو الثقافي بوجه عام نجد أننا ما زلنا نقدم خطابات سجالية لا روايات بالمعنى الفني، فرواياتنا مهجوسة بتقديمنا كآخر غرائبي إزاء العالم، أو كإختراع إنساني حديث، وهو ما يفسر كيف تمركزت أغلب القراءات العربية للرواية السعودية في هذا المكمن وكأن القارئ أو الناقد العربي يتحول فجأة إلى انثربولوجي يعلن اندهاشه واستغرابه من عاداتنا وتقاليدنا، ومن عدم استيعابه لوجود حكايات حب حقيقية في مجتمعنا، أو توفر شخصيات خائبة ومعذبة ومناضلة أيضاً، والسبب ليس في غرائبية حياتنا وعدم انكشافها كما ينبغي، ولكن لأن الرواية المحلية كخطاب لم تتمكن من تقديم حالة سردية مقنعة لما يحدث، بالنظر إلى أن الحداثة الروائية لم تأخذ مواضعاتها اللازمة حتى الآن، وبالتالي يصعب تصور رواية محلية يمكن من خلالها مباهاة الآخرين، أو تجاوز هذا الوهن لمجرد مراكمة الروايات بشكل كمي، فليس بالضرورة أن يتحول هذا التراكم إلى حالة نوعية، لكن يمكن بل يتوفر حالياً ما يشبه الطفرات الروائية التي قد تسجل إختراقاً في قناعة الآخر العربي بروايتنا. قبل ثلاث سنوات كنت تراهن على خطاب الظل وهو الخطاب الذي يتشكل في المنتديات الحوارية والثقافية. الآن وبعد خروج كتاب الفضاء الانترنتي الى الواق ..كيف تجد تجربتهم وهل حقا أحدثوا تجربة مغايرة في خطاب المرحلة على المستوى الإبداعي و الثقافي ؟
ما زلت أراهن على خطاب الظل كمكون بنيوي من مكونات ما يسمى بالطابع الإثباتي للثقافة، فالأثر الإبداعي الخالد هو الذي يتشكل في العتمة بعيداً عن الضوضاء والبهرجة والمنابر، حيث يكون النص مرجع نفسه بدون حاجة للإقتداء بما تفرضه اللعبة الإعلامية، كما تتجرد الفكرة من الاحترازات والحسابات. وقد حقق هذا الخطاب زحزحة لافتة في البداية شكلت تهديداً للمنبرية والمؤسساتية ضمن لحظة استحقاق شاملة لمسناها بقوة قبل أن يتم الالتفاف عليه بإعادة طلاء جدران المؤسسة دون إحداث إي أثر في جوهرها لاستجلاب المثقف وتفريغ خطاب الظل من ممكناته المستقبلية. والمشكلة الأهم أن خطاب الظل كفضاء مفتوح وجاذب، أصيب بحالة من التكثّر اللامبرر، حيث توالدت المنتديات الأهلية والالكترونية بتعاظم فطري، وعليه احتشد الخطاب بالكثيرين من منتجي النصوص على حساب منتجي المعرفة، الذين أحالوه إلى دكة منبرية لاستعراض أوهام الذات وانتفاخاتها نتيجة الوعي القاصر بمعنى التجاور ومناددة خطاب المؤسسة، حيث ساعدهم على ذلك انهيار الحائط بين المؤسساتي والشعبي، وحتى بين النخبوي والسوقي نتيجة المهبات العاتية للعولمة، وهو أمر شجع الكثيرين على استملاك فضاء الانترنت، واستيلاد سلسة من المنتديات الأهلية الاستعراضية والوجاهية والمتشابهة شكلاً ومضموناً، كما أسقطوا المقهى كفضاء تداولي معني بانتاج القيم الثقافية المضادة، وخلخلة الأنساق الإجتماعية، في حلقة من حلقات التبطل والعطالة، وهكذا صارت كل تلك الحضّانات مجرد منصات للانطلاق في استيهامات ثقافية غير مختبرة، مترفعة على التجربة اليومية، ومشتبكة بعدوانية سافرة مع الخطاب النقدي. وقد تواطأ الوعي الزائف، والذوات المستعجلة، والذهنيات الخاوية على تأثيث زوايا خطاب الظل، المادي منها واللامادي، بالقيم الثقافية الملتبسة، بحيث تحول ذلك الملاذ الرخيم إلى مطية أو مجرد خطوة استحقاق أولية من أجل الوصول للورقي والمنبري والمؤسساتي، وهو ما يعني أن المؤسسة حققت إختراقاً مدروساً لبنية هذا الخطاب من خلال دهاء يعتمد في المقام الأول على مد ميكروفيزيائية السلطة في كل الاتجاهات، ويمكن تلمس هذه الزحزحة في النسخ المحّرفة للحداثة مثلاً، وتبريز النجوم الإعلامية والثقافية المهجوسة بانتاج خطابات محايدة محترفة في تأخير استحقاقات اللحظة، كما تم فتح منطقة الفراغ الثقافي على إتساعها، وعليه تمت إماتة أي قضية ثقافية مركزية إحياء للرمز أو الشخص بمعنى أدق، وإعلاء من شأن العرضي واليومي استثماراً لذوات غير مؤصلة معرفياً وجمالياً. نعم، خطاب الظل يتشكل بوتيرة أبطأ مما كان متوقعاً، وأظنه بحاجة إلى دورة أخرى يتم من خلالها تفعيل الذاكرة الثقافية، كما يحتاج إلى قراءة ناقدة يمكن عبرها مساءلة الرموز الثقافية التي راوح ما بين القطيعة والامتثال، أي خضوعها الطوعي لجدلية الهرم المقلوب، حيث صارت تتشكل وفق تطلعات القاعدة الجماهيرية، فيما يفترض أن تقوم هي كنخب بالإسهام في إنتاج المعرفة، لايقاف ذلك الاستنزاف المؤدي إلى تفريغ هذا المكمن الحيوي من جاذبيته.
إذا كان البعض يرى في لغة محمد العباس الناقد الكثير من الضبابية.الا اننا نجد وما تكتبه في موقعك الشخصي وبالتحديد في "ممر" روحاً مختلفا في الكتابة.بل نجد روح السارد يتجلى في تلك الروحانيات الكتابية.هذه اللغة الا تحرضك بكتابة عمل سردي..وكيف تنظر للغة عند الناقد؟ تحدثنا كثيرا حول مسألة الإبهام اللغوي، وباختصار يمكن القول أن الممارسة النقدية الحديثة تتطلب ذلك التجاوز لانبساطية مفهوم الذوق العام، ويفترض بالمتلقي كعنصر محوري في إنتاج النص أن يكون ملماً بالنص الذي يقاربه الناقد. أما ما تسميه روحانياتي الكتابية، أو ما يمكن اعتباره ذاتياتي، فهو نص شخصي مكتوب من منطلق جمالي مختلف، ومن واقع خبراتي المباشرة مع الحياة، ومن حرقة اعتراكي بي، وأظنك تلتقطني بين آونة وأخرى أحن إلى حضور شبه شخصي، أعبر فيه عما لا تحتويه محاولاتي النقدية، فكل كائن بالتأكيد يحمل في داخله الرغبة في المثول الصريح أمام ذاته، وسردها بمنتهى التجلي، بمعنى أني، كغيري من البشر، أعاني من مراودات الإعتراف بما عشته، وبما أحلم به، وبما أحدث نفسي أن أكونه، أي أن أعيش وأكتب نصي المستحيل. وربما تجسدت هذه النوبات الذاتية في عمل سردي ذات كتابة. لا يهم شكل التجسيد، إنما المهم هو صراحة التجابه مع الذات، والجرأة على التعاطي مع الخبرات مهما كانت ماتعة أو مخيبة ، فهذا هو السر في الأعمال الإبداعية العظيمة، التي تصدر عن ذات مهجوسة بالانكتاب، والانطراح على كرسي الاعتراف الحر دون رتوش ولا مواربات، وهذا هو الفاصل بين اللغة المنذورة للتعبير الحسي عن الفكرة، كما يفترض المعنى الأصفى للفن، مقابل اللغة النقدية التي تتطلب شيئا من التمازج مع الفكر، والإتكاء على عبارة متعالية معرفياً، محقونة بحس الإفهام والتفكيك، وإن كانت لغة الناقد الحقيقي بتصوري، لا تنمو بمعزل عن مزاجه وخبراته الشخصية، فاللغة في نهاية المطاف هي المعادل لوعي الناقد، وليست مجرد تعبير شكلي أو لفظي عن أسلوب للكتابة، وهنا يكمن الفرق بين ناقد يجعل من خطابه محلا للمعرفة الشاعرية، وآخر يحيل عباراته إلى جثث طافية على سطح النص، فكل عبارة يطلقها الناقد تفضح وعيه، ومزاجه، وما يختزنه داخل ذاته من تطلعات آنية أو إستراتيجية.
المثقف السعودي لا يحمل حميمية في علاقته بالمقهى،لكنك تختلف في هذا الأمر.أجد المقهى يحتل طقساً يوميا لديك.فيه نجد العباس الإنسان الذي يلتحم بالحياة اليومية وبالأصدقاء وبالوجوه التي تجاوره. المقهى كمكان ماذا يعني للناقد محمد العباس ؟
ارتيادي اليومي للمقهى ليس طقساً ترفياً، فالمقهى هو مصطبتي التي أقرأ، أكتب، وأتأمل فيها. كل يوم أحمل ذاتي المهرّبة لأعيش الفضاء الهيتروتوبي. أرتاده كعزلة ذاتية مضاءة بآخرين، اصطفيتهم وانتخبوني. أواعدهم، أو يباغتوني بحضور مفرح. في المقهى تتولّد الأفكار الحية، والطفرات الذهنية الجريئة التي لا تتأتى على طاولة المكتب. في المقهى يشطح خيالي، وتحن نفسي على نفسي. تسرّي عنها، وتهدهدها، حين يغيب " الآخر " ويحكم على " أناي " بمراقصة الخيالات. أحسه حضناً للمنادمة وليس أرضاً للمنازلة. أحيانأ أشعر بالأسى والفجيعة لأن أغلب المثقفين لا يرتادون المقهى، لا يتصادفون فيه، لا يريدون الارتطام بسوسيولوجيا تلك الطاولات المستديرة التي توّلد الألفة في النفوس قبل المكان.كأنهم قد بيتوا نية إماتة " ثقافة المقهى ". يحيرني أن يحيل المثقف هذا الفضاء الجاذب إلى خرابه طاردة تحت ذرائع واهية. لا أدري لماذا ينتابني دائما مثل هذا الشعور المحيّر!؟ ألأني أحمل ولاء وحميمية لفكرة المقهى، لدرجة أني أشعر بالحزن إذا ما اضطررت لتغيير مقهاي تحت وطأة النيكوتين والبلوتوث والمتطفلين والمنذورين للتلصص على حياة الآخرين!؟ هذا الانتشال القسري يشعرني بأن قوة ما قد اقتلعتني من مكاني وسلبتني حريتي، لأن إدماني على المقاهي لا يعني أني " كائن مقاهي " يعيش تبطله اليومي، بل يعني إعلان قطيعتي الواعية والقصدية مع فضاءات أخرى ثقافية واجتماعية وسياسية، وإدانتي الفعلية والصريحة للدلالات الوظيفية تلك المكامن، فهنا - أي في المقهى - أسوي ما أقتدر عليه من " خطاب الظل " حيث يستوي الأثر الأدبي على مهل بعيدا عن وهج الآني، وحيث العلاقة الفلسفية الأزلية بين الظل والجمال، فعلى طاولة المقهى أحسني أنوجد، أتكثف، وأستوي. |