بعضي ...

 

التقائي بذاتي وعد تأجل كثيرا، حتى هنا لن أحضر بكل تاريخي، ولن أتمثل بعذرية تولدي، فهشاشة ما أعتقده عن نفسي، وما عشته واقعا، لا يحتمل مثل هذه الأناقة المدّبرة.

الإعتراف لغة تؤدي بالضرورة إلى وعي الذات، أما التواعي فيصيبني بأنوية مربكة، ويحبسني في رداء كائن شكلاني يتزيّا بهندام مبالغ فيه، ولا يليق إلا بمخلوق يجيد التخفي فيما أرادوا له أن يكونه، لا الكيان الذي أردت أن أصيره.

آه .. كم هي طويلة ومنهكة مواعدة الإنسان في داخلي. أظنني سأتعب كثيرا لأتقرب إلى نفسي حد التماهي بها. ومن وحدتي سيتخلّق قريني.

إذا، سأكف عن تصعيد " أناي " لئلا يتضاعف إحساسي العميق باغترابي عن كل ما هو إنساني. وبشيء من الديالكتيك الحذر، سأتراجع خطوة إلى الوراء لأتناسى إنتمائي لكائنات مؤقتة.


ولئلا أرتطم بما ضاع من المعنى الأخضر لحياة توهمت إمكانية حدوثها، سأستعير ممحاة كبيرة، فهي أجدر من القلم، بالنسبة لكائن مصاب بالرهاب من هفوة تراجيدية مبيتة.

مزاجي ليس داكنا إلى هذا الحد، ولكن أحس بحاجة أصيلة للعودة العمودية إلى الوراء حبوا .. ومحوا، وإن كنت في أغلب الأحيان أراود نفسي باستعارة مطرقة صديقي ( نيتشة ) لتقويض أوهام " حياة تشبه الحياة على وجه التقريب ".

حتى " أناي " العليا، التي أشك في وجودها، لن أستدعيها لأحكي فاصلا من عمري بين ( لذة النص وشهوة الحياة ) منذ أن رأيت النور يوم الحادي عشر من مايو سنة 1960 في ( سيهات ) كما دغدغتني أمي بمخاض النبأ فصدّقتها، وباستخفاف اللامنتمي كذّبت كل حاسبات الحكومة الرقمية.

حين يتعلق الأمر بالحب، لا تكون الدموع عورة، فليس ثمة حب بلا دموع، فعلى مهاد هذه الأرض التي لها نعومة الوسائد ذرفت دمعا لا أعرف له تفسيرا حتى الآن، فحرقته تشبه لغز الخشب الذي صار كمانا، حيث بدأت أول عاداتي العشقية في الحب المتطرف كما أحب أشيائي.

في ذلك الفضاء الذي يشبه سيناريو الأفلام المكتوبة بالدموع والقهقهات والشهقات، والأنين، سأنكتب، وأغني شيئا من جغرافية روحي وتاريخي. على صدر طائر له زرقة الموج وظهر باخضرار النخيل، لأكرر بعض كبواتي الأفقية.

مقدسة هي الأرض التي وهبتني معزوفة تكفي لحفل العمر. ألا يكفي أن أبي ينام فيها!؟ أخضر الحقيقة ينام معه هناك أيضا.

مرة أخرى سأتنازل عن القلم وأرتل بأقدامي الحافية سيرتها... سأهبط من ثيمة فراغ علوي، يتوهم المثقفون إمكانية الإقامة فيه، وأنسرد بعاديتي، كما أنا، مختصرا، ممنتجا، في لقطة رمادية، فهي جانبية بعض الشيء، وملتقطة بكاميرا رخيصة، محدودة البعد البؤري، لئلا تنفذ بحال إلى الطيات المراوغة بين مظهري وماهيتي.

لا تخلو هذه اللقطة المشوشة من إشارات لكائن سيكولوجي، يكدس كل أسئلته الوجودية والمعرفية في كثافة عاطفية، وخفة شعورية، فهي مأخوذة من مكمن إحساسي بحريتي، وليس بصراحة واقعي أو من شاهق تجريدي.

ما تبقى مني سأقصه على ايقاع دمعة متدحرجة، بمجرد خروجي من إقامة مزمنة بين ورع ذاتي وفصاحة موضوعية. سأحتاج بالتأكيد لحدث وجودي يزلزل صرامة طبعي.

لا أخشى التوضح ومعالنة الآخرين بانفضاحي، ولكن ككل المخلوقات أستشعر بعض الإعاقة والوقار الماكر في التعبير عن حقيقتي، وفي مقابلة ضآلة وعيي الذاتي بوعي الحياة المتمادي.

يرهقني الإهتداء إلى ما يقربني مني، وثمة ما لم أستوعبه بعد من سيرة أوهامي أو معتقداتي الخائبة، وهنالك بالتأكيد ما لايقال أيضا من سيرة عاطفية لا أمتلك كل الحق في تداولها مع الغرباء، فكل ما ليس " أنا " فهو " آخر ".
 

حتى الآن، لا أعي المسافة التي تفصلني عني، ولا تلك التي تنأى بي عن ذلك " الآخر " بكل أطيافه، ولا أعرف على وجه التحديد كنه العازل الذي يفصلني عن الوجود، ولا حتى معنى الأوهام التي تسللت إليّ من وراء وعيي.

وبخيبة الحكيم، لا أجرؤ على إحالة هذه الرقعة إلى مرآة مبقعّة بالمراودات والنزوات، وعليه سأندس مرة أخرى في بوتقة " موضوعية " لأواري رغباتي ، أعني " ذاتي " فالرغبة هي الذات غير منقوصة ولا مبرأة من شكل الحياة كما توهمتها واشتهيتها.


كل ما أشتهيته يدل إليّ، ولا أظنني أختلف عن أي شيء أردته، فكل نوبة إحساس داهمتني لم تحدث خارج انتباهي، فالعاطفة، عندما تخضع للحسابات والمزاج، وتتخفف من هسيس الرغبة لا تكون إلا أداة للمراوغة وطرد السأم، كذلك اللذة، لا تكتمل إلا على أقصى رمزية ومعنى وجوده، أقصد الجسد.

هذه ليست فرضية وجودية، بل حقيقة محلها القلب، ومكان تأبدها هو النص. الصفحة البيضاء هي سيرة الكائن الفارغ، لذلك لن أنفي ما يشاع عني فالشائعات أحيانا، بل دائما، كما الحب، تكون هي الفاصل الأجمل من حياة نبالغ في التألم بسرّانيتها، لئلا نعيشها مرة أخرى في منفى النص.


أحتاج إلى بعض الشعائرية، و نبض جواني أشبه بالايقاع الفلكي المنبث مني، لأرى بعضي ممسرحا قبالتي. لأسمع " أناي " تتنازل عن التطابق مع واقعها، وتدفعني لأنادم ظلي أو ما يشبهني. لأتلظى بحرقة التعرف على نفسي، ولملمة ما تساقط من خبراتي الحسية.

كل ما اقترفته من كتابة دليل لغوي على ما عشته واقعا، وبالتأكيد هي علامات تشير إلى ما أضمره من حب ووعي وحماقات أزاء ( النص/الحياة ) حين أقتنص عبارة ملذوذة بانفعال وانتشاء، وتختارني الثانية دون هوادة منها ولا إرادة مني.

بالكتابة أعيد تمثيل طقس وجودي. أبتكر ولاداتي الأخرى، أرفع منسوب توتراتي لأدفع عن آدميتي تهمة العطالة. أحتوي ذاتي وأصقلها بالمعنى المكتوب متعدد الابعاد، تماما كما أريدها لترتب فوضى ذاكرتي وتعود بي إلى رشدي.

هكذا أتنصص ، وأطاوع رنين المفردة إلى نهاية معزوفة تسيل على زمني.

 يقال ان كتابتي مشكولة، وعباراتي ملغوزة بعض الشيء. تنم عن ذات مدعّية، تبالغ في التعويض عن عوزها المعرفي بالمعقّد من طاقة اللغة القصوى، وبالإتكاء على سلالة من المشعوذين لأستر عوراتي الكلاسيكية.
 
ويقال أيضا عن ذاتي المتمسحة بالنص، أنها تحاول عبثا الإندساس في قاطرة الحداثة، دون أحساس حقيقي بالإنوجاد على خط الزمن، بل ولا أحتمل اقترافاتي التحريضية على الإنفكاك من قدسية الأشياء.

ربما، فقد فررت من رواق أكاديمي وتكبرت على الثاني بحماقة أو إباء!!! لا أدري. 

معي حق، كل الحق، فمن يراود حواسه بالرحيق لا يطيق النظر إلى العلف. ومن واعد نفسه بمصاحبة النابهين لا يمكن بحال أن يجعل من جمجمته وعاء للناعقين. في تلك المكائد المدرسية يطغى منسوب اليقين وتتم إماتة الشك.

ولأني أحب أن ألبس حياتي بالمقلوب أدرت ظهري ليقينية الأشياء وصرت شكوكيا. أو هذا ما أتوهمه عن نفسي وأعيشه.

لا أجيد الإلتصاق بمقاعد الدراسة الباردة. وأحب الحياة ... يبدو أن هذا السبب أكثر جدية ورومانسية وإقناعا أيضا.

ثمة سبب آخر لا أقدر على التحدث عنه يتعلق باستحالة انوجادي في مكانين. أعني أن جلوسي على مقعد دراسي، وانصلابي على كرسي اعتراف لمرتين أمر مستحيل!!!
 

متأخرا، أدركت لعبتهم مع الذين يحاولون إعتناق الـ " لا " مهما كانت صغيرة وخجولة هكذا صارت الحياة بالنسبة لي هي فن اعتقادها لمن ومتى وأين وكيف أغنيها بانتشاء بوله المحب أبحث عنها في ( النص/الحياة ) نص بدونها يخذل روحي ولا يغريني أجد سعادتي فيما يتولد في رأسي الصغير من قناعات فأعيشها، وهذا بالطبع قبل أن أتنازل عن أحلامي فقد كنت أتوهم بأن روحي منذورة لتعقيم العالم.

لا أقدر على التبرؤ من إثمي اللغوي. فبطبعي وكما أرادني الله كائنا لغويا. أبالغ لدرجة الشراسة في تسمية الأشياء بشاعرية جارحة، ربما لأني نحات نزوي العبارات، أتصيد " نواقض النص " كما أتهم على الدوام.

أأبالغ في فكرنة الكلام!؟ ربما. وهل الجمال إلا فكرنة ذاتية للوجود لدرء خطر الوعي المزوّر!!

ليكن ، فهذا ما ارتكبته لأفر من امتثالية " اللغو واللغوة " إلى تعاليات " اللغة " أي الكتابة بطهورية ورفعة حتى عند التهابط إلى القاع والتماس بنصوص رديئة، مع علمي الأكيد بأن " اللغة " قد لا تعبر دائما عن الحقيقة ولا عن الطهر والخير والجمال.

وكما تنخدع الحواس، وتصاب بالعطب كذلك اللغة تخون إذا تنازلت عن فعل " التسمية " وتواطأت مع ما انتقش في بنى المرء الداخلية من استعداد لتدمير شروط وعيه بمعنى الحرية.

ألا يشبه هذا الوجل الآدمي إنسراب المعنى من المفردات!؟ هكذا صرت بالمجاز، وبالخيال، أتجابه مع الخفي من دسائس " الخطابات المبرمجة " ولا أعبأ كثيرا بما تراوغني به مظاهر " السلطة ".
 
كل ما أراده الإنسان يوجد ( هنا ) في النص. وكما أن الجسد لا يستيقظ إلا حين يصاب بالندءات، كذلك النص لا يستجيب إلا عندما يجس بكل الحواس، والمؤلف، مهما حاولوا إماتته، لا يموت.

هذا ما أعتقده، وهذا ما أبدو عليه الآن، فالنص، كما القلب، عضلة أنثوية تستوجب المثول المفردن قبالتها. فهل تجعلني هذه الروحنة للنص كائنا إختلافيا!!؟؟