مذكرات زهرة الأوكاليبتوس 
خلات أحمد تخاطب حبيباً/وطناً

لم تستيقظ منه بعد 

بحماسة لافتة لكل ما هو أرضي، يفرد ديفيد ابرام  في كتابه " تعويذة الحسي " الذي قامت بترجمته ظبية خميس، مساحة سجالية للكلمات التي نطقها سقراط في مسار فيدروس، أحد أكثر الحوارات الأفلاطونية أناقة وفناً، حسب تعبيره " إنني عاشق للتعلم، والأشجار والريف المفتوح لن يعلماني شيئاً، بينما الرجال في المدينة سوف يفعلون " وهو الأمر الذي تعانده المرأة/الشاعرة خلات أحمد، التي تتمنى أن تكون تينة أو توتة، إذ تتوق للتدثر بلحاء شجرة، أو الإندساس في نسغها، فعند الأشجار ما يمكن بل ما ينبغي تعلمه، كما يتأكد ذلك من خلال كثرة طرقها على مفردة " البستان " وما يتداعي عنه من التنويع النصي على أشجار الزيزفون والمشمش والحبق والكرز واللوز، فالطبيعة هي ملعب هذه الذات المستولدة من بهجات ألوانها ونكهاتها المتعددة، حيث " أعشاب أيار المكتنزة " وإذ لا يفوق كثرة بساتين " عين ديوار " إلا كثرة الشهداء.

في داخلها ولع فطري بالأشجار يبدو صريحاً ومؤكداً عليه من خلال انفعالها اللغوي بترديد مآثرها، لدرجة أنها تتفنن في أنسنة ذلك الوجود عندما " تمسح النعاس عن الأشجار " مثلاً، بمعنى أنها تجد في تلك المخلوقات ما تتعلمه وتحتاجه وتمتثل لوصاياه من الصبر والوفاء والإباء " أبحث عن شجرة معطرة تظلل عناقنا " فهي من سلالة تغريهم الأشجار بالقدر الذي تغويهم النساء، وقد فتنها ما سمعته من الحاج عن أصالة التماثل البنائي بين المرأة والشجرة، عندما تحدث عما يمكن اعتباره حمولة ثقافية غائرة للنص، أي عن الأشجار البرية التي تنمو في جبال كوردستان حيث " أسهب في الحديث عن شجر يشبه الحلم اسمه ( ديندار ) . قال انه يحترق جيداً. حلم يحترق جيداً. كان في حديثه عن شجرة ( الجنار ) بريق شهي، توق إلى أنثى فاتنة وخصبة هي تنمو حيث يكون الماء ".

الشجرة أنثى إذاً. وقد أرادت خلات أحمد أن تجعل من هذه الموالفة البنائية جامعاً للنص على ما يبدو، فالتصاقها الحميمي بالأرضي، وتأنيث الشجرة بمعنى أكثر شاعرية، هو الذي اقترب بنصوصها إلى حافة الإنجاز الحسي، حيث تكتنز بفائض من دلالات الطبيعة والقرية وتنتفي متعلقات المدينة، كما تشير إلى حالة من الإصرار على التماثل البنائي مع الأرض وما يتولّد منها، لدرجة التماهي مع ايقاعها الفلكي، فتلك الحمولة الثقافية والحسيّة تحديداً، هي التي تشكل ما يعرف نقدياً بمستوى الكتلة التحتية أو العميقة لإنجاز المعنى، وإن كانت لا تتردد في الإقرار بأن الرجل يمكن أن يكون معلّمها أيضاً، بل هو المعنى المخبأ تحت طيات كثيفة من متواليات الأرضي، خصوصاً ان نصوصها مكتوبة بطريقة أشبه بشفاهية الفيوض الحسية، حيث تحاول الاقتراب من غنائية ( اللاوك ) التي تعاتب بها المرأة الكردية حبيبها، فتسبغ عليه طباع النهر ومزاجه، كما تضمّخه بنكهة المكان وعبق الجنة النباتية، من خلال مخاطبات التباسية " لم أسألك قط، هل ثمة قرابة بينك وبين الأوكاليبتوس؟ أقصد هل مررت من هناك حين كنت أنا فيه؟ " حتى مسقط رأسها " ديرك " تتخيلها امرأة تضع " كمشة من زهر الليمون بين نهديها " وكأنها تمارس لعبة اغوائية تنمسح فيها الحدود بين البشري والطبيعي.

إنها امرأة/شاعرة لا تكف عن تصفيح ذاتها بالأرض، وما يتداعى عنها من الإثمار والإيناع والإخضرار كإلماحات لمرجعية ذلك التماهي، من خلال التولّه بصديقتها شجرة الكستناء التي قاسمتها سيرة التراب مثلاً، كما تتأكد في مجموعتها الشعرية " مذكرات زهرة الأوكاليبتوس " وكما توحي الإشارات السردية المتأتية في الأصل من الروح الريفية أو الرعوية بمعنى أدق، وهنا يكمن سر النبرة الغنائية، وغلبة التدوير الحكائي لمجمل النصوص، إذ لا وجود لمقهى أو عمود إنارة أو أي مظهر من مظاهر الفضاء المديني، حيث الدلالات المضمرة للعنوان من الوجهة الفنية بما هو عتبة النص أو جملته الرحمية، التي يتداعى منها عبارات تشكل في نهاية الأمر حكاية تضغط بقوة على المقومات الأخرى لقصيدة النثر كما تتبدى في رجحان المعنى، والإشارية، والتكثيف، والايجاز.

ويتفسر نأيها أيضاً عن النثرية الفارطة من الوجهة الموضوعية، من خلال إتكاء النصوص على بعثرة دلالات الهشاشة العاطفية، والمزاج المتبدل، والدلال الكامن للأنثى، مقابل الرهافة الشعورية، ورقة البشرة، والتلون الذي تتبدى به الوردة كرمزية لجماليات الطبيعة التي يمكن من خلالها استفزاز الحواس شعورياً، وإبداء اللذة الثقافية للنص المختزنة في ذلك المكوّن الحيوي، حيث تتمثلها وتتحداها بمستويات صوغ صريحة وضمنية:

أراقب قطرات العرق وهي تسيل على صدري، تملأ سرتي وتسيل
في تتالي التعرق إزددت يقينا بأن لي صلة ما بتكوين الوردة
أعجبني أني أبدو كبتلة ورد حين يتدحرج عليها ندى الصباح

ولأنها على درجة عالية من الحسيّة، تستولد حبيباً أرضياً محسوساً له ملامح وحضور بشري تترقق لغتها كلما قاربته بسرد استذكاري " المهم أنك توافقني على أن جلسة خالد هي جلسة عاشق ... طريقة لفه للتبغ، أنفه الدقيق، الهواء المحيط به، مناجاته الخفيضة، عيناه البعيدتان، مشيته الأنيقة ". لكنها توارب أحاسيسها تحت طيات لفظية، لئلا تنفضح أنوثتها مقابل سطوة حضوره الملتبس بالهجران والغياب، حتى يخونها الكلام فتنزلق في التصريح، فيما تبالغ في إنتاء إيحاءات بعيدة إلى المعنى لتشاكله بالنهر من حيث سيلانه ورقته وعذوبته وحنانه، كما يتبدى ذلك من خلال توسلاتها التي تلغي المسافة بين الطبيعي والبشري:

اسندوني إلى النهر
قولوا: هذي كوردستان
أيها النهر
فإلى من تسيل

هكذا تسرده شعراً " أضمر لك البياض، أخاف أن تذوب بين ذراعي، فأقبلك على صدري، عسلك أحلى من أن أتمكن من رشفه كله، أكثر من أن تحتمله سيرة النهر "، أو هكذا هو الشعر بالنسبة لها. رجل لم يعد موجوداً أصلاً، له ملامح وطن انتشلت منه. تتألم بترديد متعلقاته، فيما يبدو توليداً قصدياً للذة فتشية، بتعبير رولان بارت، تتمثل في الكلام الوصفي التفصيلي بما هو لذة استيهامية، أو كل ما يتم ترحيله بانفعال وكثافة قوية الى النص، حيث تتودده أن يبذل من أجلها حكاياته الطيبة ليكمل نقصانها، ويشكّل نعومتها حريراً بايماءة يده التي تموّج المعنى. تتوسله بما يشبه الإخبار عنه " صار لغيابك هيئة كاملة ".

ومن ذات العوز الأنثوي تحاول أن تستدعي ما تبقى منه بلغة فارطة في الحسية، خارج الذهن والتجريد، بل موغلة في الجسدية، حيث تتنشط الذاكرة حد الإيذاء، بتحسس قبلته الراسبة في كفها، والإصغاء لنبرة صوته المبتعدة للمكان الحريق، وفي بكائها بخفوت في الجيب الداخلي لسترته، والإنقياد لإضمامة يده التي تدلها للمقاصد، وفي تفلت جسدها من بين أصابعه لحناً يحمله نوروز " عين ديوار " على الأكتاف إثر انحناء جسده على الطنبور.

ليس الجسد الموضوع إذاً هو المعني بالنعي في نصوص خلات أحمد، بل الجسد الحي، المجرّب، المستدعى من خبرة التماس والإحتكاك الحسي، فهو مكان اللقاء والتعاتب، والحياة والموت أيضاً. وعليه يحتّم نصها المستزرع بأثر شهواني يراد تمكيثه أن يكون  فعل القراءة حسياً في المقام الأول، ليعادل حسية فعل الكتابة، فمرده رغبة خالصة لموضعة الكتابة/القراءة بين ذاتين مفجوعتين بالانفصال، كما يتبدى ذلك من خلال نداءاتها الأنثوية المتكررة:

هذي عصافيري
أذرفها بعيداً عن ذراعيك
أنا زهرة الثلج
المتفتحة على صدرك
أساقط بتلاتي لصقيعك
لأموت مكتملة

تلك هي همسات امرأة تضمر لحبيبها اللامتناهي من مساحات البياض، والباذخ من الاستثارة الحسية، حيث ترفع منسوب الشهوية عنده بانزلاقات تعبيرية نتيجة فائض الشوق، من خلال تشبهّها الضمني أو الإشاري بالثمرة الناضجة، المتماثلة عضوياً وبشكل تفصيلي بمفاتن الأنثى:

أفلا تمر من هنا؟
لأبذل لك حباتي
حلمةً، حلمةً
كم ذراعاً تود أن يكون لي لأضمك بما يكفي؟

ذلك التماثل المخبوء بدلالٍ أنثويٍ ماكرٍ بين حبات ثمرة/شجرة الرمان النحيلة والحلمات، هي محاولة واعية ومقصودة لتكثير الدوال الحسية التي يتحرك في حيزها التذوق القرائي، لإغراق النص بإشارات تحيل ذاتها الحية كإمرأة، ومتخيلها كشاعرة إلى ذات لغوية، غير متلفظ بها أحياناً، لتأكيد حقيقة بارتية مفادها ألا مقاربة حقيقية للنص بدون علاقة شهوية، غريزية في المقام الأول، حيث تتحقق مباهج القراءة التي تتبدى في كلمات تتدلى كفواكه جميلة من شجرة السرد اللامبالية، خصوصاً عندما يكون النص مخصّباً بدلالات قابلة للتشيؤ، كما عبرت عن ذلك الهاجس بتأوين ذاتها في مدار أرضي، ليس كمماثلة مادية أو شكلية وحسب، بل كحالة من حالات التشكل الإستيهامي المطواع حسب اشتهاءات الحبيب، حيث طراوة الحضور مثلاً:

بمحاذاة الصمت أحبك
أنا أنثاك الطازجة
أغار عليك التراب الغريب
وأحلامي سقف هزيل
أرتبك بالشوق
أزرعك نرجساً
وأتأهب لرجوعك

كل ذلك التحشد الأنثوي إنما يتأتى من كثرة الطرق على المكوّن الطبيعي لذاتها، والإيحاء بحاجتها إلى رجولة تحمل نفس الخصائص الطبيعية  وتؤكد على التجانس العاطفي ضمن حواضنه المادية " ها أنت قد حللت أرضاً كلها أنا ". ففي " مذكرات زهرة الأوكاليبتوس " ثمة تقويض متعمد لما يُزعم بتدنيه أو عدم وجوده أصلاً في الذات الأنثوية، أي الروح العقلانية، وذلك لتحقيق " النشوة " بما هي إحساس مستديم يتجاوز وقتية " اللذة " حيث التعبير المازوخي بصراحة عن قدرات الجسد، متأتية من خبرات شخصية لذات معجونة بما يُعرف فلسفياً بدينامية الحواس العليا والدنيا للكائن البشري.

إنها مستنسبة إذاً، حد الولاء لعفة الأيكولوجي " أنام في رائحة التفاح، أمضغ الخردل، والعشب يتسرب خيالات طفولتي ". حتى الإيقاع اليومي والفلكي وما يتأتى عن ذلك من إحساس بالزمن لا تقيسه إلا من خلال كائن طبيعي، مضوّع بنكهة الوجود، تشم في أكمامه رائحة الغابة. تتنفس آذار في جيده، فهو مزروع بين الماء والخضرة، كما استسرته وشكت هجرانه لجدتها " يا جدة، أحبه منذ شجرتين وقفيرين ومدرسة وجسر ... فلمن زخارفي يهجرها؟ " أو كما عادلت سيرتهما بالماء وعاتبته بمنتهى الإنكسار:

قرأتني لمدةٍ ماء
حين رفعت شفتيك عني
كانت امرأة أخرى تنمو تحت جلدك

بهذا الحس الأكثر فظاظة وبدائية، الحس المأساوي، بتعبير نيتشه، تكتب " مذكرات زهرة الأوكاليبتوس " فهي لا تقارب الوجود إلا عبر الحس، وعليه تروي سيرتها شعراً فيما يشبه حلم امرأة مسربلة بالفصول، أو هذا هو الفصل الأخير للكائن المقدود من صدر حبيبه:

لا زلت كما تعرفني
جميلة وهادئة
أحب السير تحت المطر وحدي، أمتلأ بك دونك
لا زلت قادرة على ابتكار ضوء صغير والإدعاء أنك هنا

هكذا تدخل المرأة/الشجرة حداد خيبتها العاطفية بمعنى فلكي أدق " أهمس للخريف حين ينسدل على أغصاني " إذ لا يمكن للربيع أن يباغت روحها " أكملنا الفصول إذاً ... وهذا الشتاء ملائم لذبولي " . ولكنها لا تريد أن تصدق أنها لم تعد معه، ولا تتفيأ ظله الرخيم، ولذلك تتساءل بإنكار المتيقن من الفقد " لم أستيقظ بعد منك ... هل تظنني عاشقة؟ ". لترتطم بحتمية تلقي الحقائق عبر الإحساس الجسدي فتندبه أو ترثي ذاتها بتأكيد غيابه " الذي أنا أرملته الآن ... ميت على يدي منذ البارحة ".

للحب مذاق الجنة، ولكنه لا يخلو من مسٍ. وهي على وجه التقريب داخل هذا المدار بدليل نصوصها الهاذية أحياناً، فهي ممسوسة بعاشق تغنت بمداه الشاسع ذات صفاء " أنت الخيال ... أتسع فيك لأكفي الشجن " أو هكذا اعتقدته وأسكنته في أخدوعات حكاية تعيد تدويرها بعد أن اكتفت به حبيباً لتعيشه كمحل حياة " فكل الأشياء منذ رأيتك نصف والنصف الآخر أنت ". ورغم يقينها بغيابه إلا أنها تحسه معها وحولها برهافة مجسٍ أنثوي أشبه بالهستيريا " لا بد أنك تتنفس في هواء هذه المدينة وإلا فلماذا أرتعش؟ " أو هكذا يطاردها طيفه كداءٍ لا شفاء منه في كل مكان " أستمع لأنفاسك خلفي " وتتنفسه كأنه لازال يدفن رأسه بصدرها " ما زالت رائحتك تملأني ". وعندما تتعب من مناداته تتودده بشيء من الغضب المعلن الذي لا يخلو من النرجسية والإباء الأنثوي:

نسيت أخضرك معي
وبعضاً من غبار الطلع
قلبي لك
كل الورد النازف فيه منك
أنا الرهيفة في موجك العالي
وقلبك الحجر

تلك هي الذات/الأرض الجريحة التي قطع لها شجر الزان وعداً بأنها سترى اثني عشر أفقاً. الذات الميتة أو المتماوتة التي تعي جيداً ألا شفاء من الشوق المؤجل أو المستحيل، إلا بمغامرة الإرتماء في لذاذات المكوّن الأرضي حيث دواء حواء الأزلي " هل ستوقظني لنقتسم التفاحة؟ ". وعند هذا المنعطف تبدأ الشهوانية النصية بالبروز، حيث تصعيد الرغبة والاستواء كفاكهة إغوائية شهية:

لمن أستحم بالقرفة بعد الآن؟
لمن أدعك قدي بالنعناع؟

إنها الأرض تتكلم بحيلة شهرزادية لاستدامة الوصل الذي يكاد أن ينقطع أو حدث بالفعل، ولم يبق سوى الكلمات حبلاً للوصل " سأبقى معك حتى الصباح - نشرب الشعر، نناقش النبيذ، نقيس أركان الليل بالشوق ونرميه بحصان على شكل مربع الزهر - أترقبك حتى الصباح ". تتودده كرجل لم يعد كثيفاً أو لائقاً بليلة حب:

يا أميري علمني كيف أكون لك أكثر
أنقشني على يدك
أفرط خرزي لنرتعش أكثر

كل هذا الإلتحام الجسدي لا تتخيل حدوثه إلا ضمن حاضن طبيعي " هاك ذراعيّ ... ولنترك السماء تسيل علينا " أو هكذا تتصور ايقاع حركتهما تحت مظلة فلكية تسوّيهما، أو تسبغ عليهما طباع الأشجار، لتتمادى في توليد التوليفات الرمزية المتطرفة من الوجهة الشعورية، ذهاباً إلى أقصى أرضيتها/أنوثتها لتنبجس الشاعرة ولكن بدون الإنئسار لفروض الأنوثة كأيدلوجيا أو حتى كجنوسة منمّطة من الوجهة الثقافية، وبتجريد قصدي لأي إشارة شبقية إعلاء للروحي كما يبدو.

أجل، إنها شاعرة لا تصف الوجود عبر الكلمات، بقدر ما تخاطبه بها من خلال رجلٍ تدعي بمنتهى الإباء الأنثوي أنه اعتقدها ذات يوم بما يشبه الإيمان " بيني وبين الموت أنتِ " وعلى اثر ذلك الصوت التراجيدي فتحت قلبها مشدوهة ومتمتمة وغير مصدّقة ربما "  أكل هذا الحب لي؟ " لكن ذلك التجاسد انتهى إلى فجيعة الفراق، حيث الألم، الموّلد الحقيقي للشعر، مهما ادعت الذات الأنثوية تعافيها من الآخر/الرجل وانسلالها من الحب بدون خدوش:

أنظر يدي بيضاء
ما مسنّي سوء
وأنت لا تجيد الحب
فدعني أعلمك صوت الألم
في الصمت الملتحم

تلك الطاقة الشعرية القابلة للإنسراد اعتمدتها الشاعرة خلات أحمد لتعزّز من صلة الربط بين الأرضي والبشري، على اعتبار أن اللغة، والشعر تحديداً، قوة مؤكدة على العلاقة الأبدية للكائن بكل ما في الكون، كما لو أن القوى المطالب بها، حسب أدريان ريتش، تصبح حاضرة في صورة تمثلات حسية، فبقدر ما أكدت على أصالة التوحد بالطبيعة، كشفت عن إمرأة محتجبة وراء توريات لفظية انهار وقارها لفرط الشوق والخيبة، فخلف كل ذلك المكوّن الأرضي، حكاية إمرأة يائسة من استعادة رجل عبر الكلمات الاغوائية الملونة:

شفتاك جافتان
صدرك حزين
ماذا تفيد كلماتي البنفسجية؟
سأضم رعشتك حتى الإنطفاء

هكذا هي الشاعرة عندما تقرر أن تكتب، فهي تقترب بسرعة قصوى نحو ذاتها حتى تسقط في البكاء. تتنصص كاستغاثات. تذرف دموعاً سخية شوقاً وحسرة. دموعاً لا مرئية فهي أبشع وأكثر سطوة من الدموع المنهمرة من العيون. دموعاً مكتوبة، بتعبير غاستون باشلار. تلك هي حكاية امرأة أرادت أن تبكي وطناً، أو تكاتب حبيباً بارتباك شعوري مفضوح " لك، لي، لديرك: كل هذا الحب " أو هكذا تلبست هيئة الوردة لتهديه ما ينوب عن حضورها ويعبّر عن حبها " أصلاً لا أعرف ما الذي كتبته لك، أعرف فقط أني أرسلت لك وردة ... تركت أوراقي للريح، فطارت الوردة التي كنت سأرسلها اليك. ويبدو أني بكيت كثيراً ".

إنها خلات أحمد إذ تتلبس حالة ليلى المجنونة فتدّلي قدميها في مياه النبع، تناجي خيالها، تنادي حبيبها وتبثه استجداءاتها " أنت لن تتركني في البكاء هذه المرة أيضاً وتمضي، أليس كذلك؟ ". ولأنها كالأشجار، ليس من طبيعتها اليأس أو الغدر، ولا تقدر حتى على تصديق خيانته، تنكر هجرانه لها بما يشبه النداء:

مساء
سألني الأصدقاء عنك بخفوت
متوجسين من ألق الحزن على وجهي
قلت لهم ما خانني
فقط
شقّت عليه وعورتي
أتعبته أحلامي
إنه يستريح

وربما لهذا السبب تدس له عنوانها ( الأرض ) وتنتظره بكل ما تعلمته من حنكة الأشجار، شجرة/إمرأة، فقد يجيء:

قريبا من الماء، سأجافي الأرائك وأتربع الأرض
فحاول أن تمر من هنا
وتهديني وشاحك القديم
لن تبذل الكثير من الجهد
ستعرفني من عيني المغمضتين
فكر فقط
أنني أشتاق إليك
كثيراً