مثقف خليجي بمقاسات مؤسساتية

بنبرة نقدية لا تخلو من الأسى يشير الشاعر أحمد راشد ثاني إلى خلل أساسي فيما يسمى بالمؤسسة الثقافية الرسمية في الإمارات العربية المتحدة. وحسب تصوره، يكمن الخلل في " تنطحها لصياغة خطاب ثقافي، والخطاب الثقافي لا يصوغه إلا منتج الأدب والفن والنقد ". والملاحظ أن هذا الخطاب الذي تصر المؤسسة على المناداة به، وتدعي رغبتها وقدرتها على تنفيذه كمخطط استراتيجي، يأخد أشكالاً ومسميات استعراضية مختلفة، ويتكرر كشعار يتم الإعلان عنه دائماً عبر متنفذي الثقافة الخليجية بشيء من الإعتداد والغموض لفرض شروط إنتاج مثقف جديد بمقاسات ضيقة تمنع بروزه كمبدع مستقل فيما تحقق المؤسسة من خلاله برامجها.

يتبين هذا الهاجس الاستحواذي بشكل اكثر صراحة في " الخطة الوطنية للتنمية الاستراتيجية " التي أعلن عن تبنيها بعد لقاء جدة من العام الماضي، الأمر الذي يتشكك بمقاصده وجدواه القاص حسن دعبل، فالعمل أو المثقف المستقل داخل أروقة المؤسسات الثقافية - برأيه - ضرب من الوهم والعبث، لأن المؤسسة تسعى في واحد من أهم برامجها إلى إذابة المثقف وعجنه ودمجه داخل برامجها، وهو ما يفسر المغزى والآلية التي ذهب المثقف بموجبها " طواعية إلى دار المؤسسة كي يجلس في مقاعدها نفسها، ويتنفس هواءها ويتحرك ويأمر بسلطتها وأدواتها، لهذا منحته كل إمكانياتها المادية والسلطوية. فأي تغيير يسعى له؟ ".

العطب ذاته يلاحظه أيضاً الفنان البحريني أنس الشيخ، ويحذّر من تصعيد تشوهاته مؤسساتياً لئلا ينتهي الشأن الثقافي إلى ما سماه " ثقافة الأبنية " وإلغاء وجود المثقف الخليجي لصالح " التجنيس الثقافي " كعلامة استلابية. وكان الدكتور أحمد عبدالملك المستشار الإعلامي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في قطر قد تعرض لذات الظاهرة في مقالة جريئة بعنوان " القطريون يحتاجون إلى كفيل للدخول إلى جزيرتهم! " كما تحدث بصراحة وألم عن احتلال من قبل أنصاف المثقفين العرب للصحافة والثقافة الخليجية، وعلى إثرها تم فصله من جميع مناصبه بصورة مفاجئة في مارس من العام الماضي، بعد انتقاده الدائم لعمل بعض المؤسسات الرسمية وفضحه للعلاقات المختلة فيها، ومطالباته بتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، كما نص عليه الدستور القطري كحق لكل مواطن، خصوصاً مقالته " الكتابة عن الحق واجب وطني وغلازنوست حضاري ". ولم يشفع له عمله كمدير للشؤون الاعلامية في أمانة مجلس التعاون الخليجي بالرياض، وكرئيس لتحرير جريدتين قطريتين.

في الكويت كذلك تقدم طالب الرفاعي المدير السابق لإدارة الثقافة في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من الأمين العام بطلب إعفائه من منصبه الحالي محتجاً على المآل الذي وصل إليه الشأن الثقافي، حيث جاء تصريحه ملبداً بشيء من اليأس والغضب " هناك أمور كثيرة يتلمسها المثقف، هناك شيء ما ليس في صالح الثقافة ". وهكذا تتوالى احتجاجات المثقف الخليجي على محاولات إمتهانه، وتهميشه، واستدماجه في مشاريع خاوية من المعنى  عبر شبكة خفية ومعلنة من المنابر الرسمية وشبه-الرسمية التي تتكاثر بشراسة كالفطريات، فالمؤسسة الثقافية في الخليج تعي بالتأكيد أهمية وقيمة الصناعة الثقافية، وتجيد توظيف المثقف وإعادة توجيهه بعد فصل الأداة الثقافية عن المعنى، لإنهاض طراز من المثقفين المدجنّين، الذين نذروا خطاباتهم لتسويغ خطط المؤسسة، بحيث يتم إبرازهم كذوات وطنية انكفائية محصّنة ضد مؤثرات ومهبات التغيير، لإخضاع الوعي الشعبي بمزيج من النزعات الفارطة في المادية وارتكاسات الحس الديني الخلاصي.

وإذا كانت تلك الاعتراضات تأخذ شكل التبرمات الموسمية بالنسبة للمثقف الخليجي، حيث تتوافق مع الأحداث والمناسبات الثقافية، إلا أنها تأخذ في البحرين صيغة من صيغ التجابه اليومي بالنظر إلى كون المثقف البحريني قد تمثّل على وجه الخصوص تقاليد حقوقية أكتسبها من خلال اعتراكه الدائم مع المؤسسة، ونتيجة تمتعه برؤية راسخة إزاء مسألة التلازم البنيوي بين الثقافة والديمقراطية، كما توطدت تلك العلاقة بالنضالات الموّثقة تاريخياً، وكما أرسى بعض جوانبها المركزية الدكتور ابراهيم غلوم في كتابه " الثقافة وإنتاج الديمقراطية " حيث لا يرى الثقافة إلا خطاباً ديمقراطياً، مهمته إثبات حالات متقدمة وواعية من التنوع والإختلاف، وحيث يكمن المعنى الخلاق للتغيير. وقد أعاد الروائي فريد رمضان التأكيد على ذلك المبدأ في مايو من العام الماضي من خلال ورقته المثيرة للجدل " الثقافة والديمقراطية .. إقصاء لا وصف له " مستخفاً بما سماه " صمخ النواخذة " ومشككاً في دعوات " جمعية المنتدى " المريبة - برأيه - لمصادرة الفعل الثقافي وإعادة موضعة كل المقدرات الثقافية لصالح جهات رسمية وشبه رسمية.

إذاً، ما زال الصراع بين المؤسساتي والجماهيري هو الوجه الأبرز لمعوقات التنمية الثقافية للإنسان الخليجي، والذي يتبدى في إنفقاد الصلة بين الديمقراطية والثقافة، أو بمعنى أدق بين مثقف يجهد لتوطين القيم الحقوقية في مختلف مناشط الحياة وليس في الحقل الثقافي وحسب، وبين مؤسسة لا تكف عن محاولة اختراقه لتأخير هذا الاستحقاق الذي تترتب عليه استحقاقات أهم. وهو صراع قديم ومكشوف، ففي الإجتماع الأول لوزراء الثقافة بدول مجلس التعاون الخليجي في مسقط 8-9-1986 حدث التفاف ( رسمي/مؤسساتي ) على أهم مقترحات مشروع خطة التنمية الثقافية التي تمت صياغتها في ندوة العمل الثقافي المشترك الثانية المنعقدة في مارس 1986 في الرياض، إذ لم يتم " إقرار الديمقراطية والحرية الثقافية والحوار المفتوح بوصفها أساً للتنمية الثقافية " أو هكذا تم تعطيله بقرارٍ رسمي، ولا زال هذا البعد الإستراتيجي مغيباً عن واقعية وخطط التنمية الثقافية، وهو ما يعني إلغاء المبادئ السياسية والحقوقية الموجبة لتكوين الدولة الحديثة، وتعطيل الصلة بين المواطن الخليجي وأسس المجتمع المدني، أي إعطاب جوهر الفعل الثقافي وإزاحته إلى الهوامش والاستعراضية كما تتمثل في المهرجانات وكرنفالات الجوائز الباذخة.

أما مقترحات " التشريع السياسي للثقافة كحق لكل مواطن " والمناداة الحقوقية والقانونية بضرورة " التشريع السياسي للمارسة الثقافية الحرة ورفع الرقابة عن الثقافة الوطنية " فقد أخضعت لتحوير عباراتي لا يخلو من المكر، لإبقاء المثقف الخليجي رهينة مؤسساتية أبدية، وتعويق شروط إنتاجه التاريخية والإجتماعية، بعد فصل الثقافة عن نمط الإنتاج، حيث تم رفع شعار عمومي فضفاض أريد به " إستكمال تطوير القوانين والأسس الضرورية لتعزيز الحركة الثقافية وإعداد المواطنين بمختلف الوسائل للتلقي الثقافي الصحيح " تأكيداً على الهدف المدرسي المعلن للخطة والمتمثل في " إغناء شخصية المواطن في الخليج العربي وبناء تكاملها عن طريق الوعي المتزايد بعقيدته وحريته وكرامته وانتمائه وبقدرته على مواكبة التطور الإنساني ".

منذ ذلك البيان المكتظ بدعاوى التأكيد على تعزيز الثقافة الوطنية، وإبراز البعد القومي، وتهيئة البنية التحتية للثقافة، وإشاعة أجواء ووسائل التواصل، وكثرة الطرق على مفردات التخطيط والتنمية، لم تتنازل المؤسسة بما هي الممثل للسلطة عن شيء جوهري أو حقيقي من امتيازاتها، في حين تم استدماج طابور طويل من المثقفين الخليجيين أو توريطهم في مشاريع وهمية وشكلانية، ترتب على إثرها إلغاء المسافة بين المثقف الخليجي والمؤسسة، وابتكار آليات عزل لفصل المثقف عن ناسه وقضاياه الحيوية. وبموجب استئثارها بالمقومات المادية للحياة الثقافية استحوذت المؤسسة حتى على المقدرات اللا مادية للخطاب الثقافي، باستيلاد سلسلة من التجمعات والهيئات والجمعيات ذات الطابع الرسمي، وشبه-الرسمي، المأهولة بنخب تبالغ في الإمتثال لممليات السلطة البيروقراطية ومثالياتها الثيوقراطية، باعتبارها تمثل واقعاً ثقافياً مسيجاً بالقوانين، بل مصوناً بقدسية التشريعات والأحكام، ومعززاً بخدع الإعلام الموّجه، الأمر الذي يكفل للمؤسسة إنتاج جيل من المثقفين يتناسب بل يخدم تطلعاتها في تعويق أي إمكانية لإشاعة ثقافة الحقوق.

هذه النخب المعاد إنتاجها، التي تعاند - بوعي أو لاوعي - أهمية التخطيط الثقافي كضرورة تاريخية، وكفعل إنساني معادل للديمقراطية، تعتقد في المقابل بإمكانية بل ضرورة التخطيط لثقافة تحت مظلة المؤسسة الرسمية التي لا تخفي مخططاتها لاحتواء كامل النشاط الثقافي بشكل شامل، وكفعل مضاد واستباقي لمفاهيم ومعاني وممكنات الحرية، الأمر الذي عطل بروز أي شكل من أشكال الإستقلالية الثقافية، وأدى إلى الإبقاء على عوائق التحريم والتجريم، وتعويق شروط انتاج المثقف الجديد كنتيجة تلقائية لانتزاع شرط الحرية، حيث لم يتم التفاعل مع هذا الشرط إلا في حدود شكلانية ضيقة، حيث صارت تلك التحولات جزءاً من المكتسبات الوجاهية لذوات متنفذة وشبه رسمية، ترسم سياسات ثقافية لا تخدم الثقافة ولا تغطي احتياجات الإنسان الخليجي بقدر ما تخدم الأجهزة والجهات المتنفذة.

لقد استأثرت تلك الذوات بالسمعة الثقافية على حساب القيمة، حيث البيوتات والجوائز والمراكز والهبات التي يراد منها الإحتفاء برموز الثقافة العربية والعالمية - مثلاً - فيما تمارس المؤسسة حالة من الإمعان في عزل المثقف الخليجي عن جذوره القومية، وتتفنن في تجريده من ذلك الارتباط، من خلال الترويج لثقافة رسمية محلية، فوقية النزعة لا تراعي الإطار القومي للثقافة، رغم المديونية التاريخية لتلك المضخة التي كانت ولا زالت مكوناً مركزياً من مكونات المجتمع الخليجي الحديث، ورغم تأكيد الوزراء العرب في مؤتمرهم الثاني المنعقد في بغداد سنة 1964 على " ميثاق الوحدة الثقافية " الذي تصدّرت مواده توصية بضرورة " تنشئة جيل عربي واع ومستنير يدرك رسالته القومية والإنسانية " وهو الأمر الذي تأسست بموجبه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1970 كما نصت " الخطة الشاملة للثقافة العربية ".

إذاً، لا تخلو العلاقة من تجابه معلن ليس بين تصورين بل استراتيجيتين. وقد استطاعت المؤسسة، بكل ما تمتلكه من مقدرات مادية ومعنوية، إدارة الصراع باتجاه جملة من الأوهام التي تتشبه بالثقافة ولا تقارب جوهرها، كما اتضحت  أكبر دلالاتها في إنطفاء شخصية المثقف الخليجي، وتحوّله إلى مجرد كائن استهلاكي منفصل عن مرجعياته العربية، ومتحمس لتسويغ ذلك الإنسلاخ، فيما يبدي في المقابل استعداداً طوعياً لإعادة إنتاج ثقافات ( الآخر ) بحيث لا يعتنق أو يؤكد على إبراز خصوصياته وتعدديته الثقافية، لتتعمق ورطته أمام موروثه، فقد نجحت المؤسسة بمؤازرة من بعض النخب الثقافية المنتجة ضمن مختبراتها في إبعاده عن المؤثرات، وتجريد الخطاب الثقافي من روح الصراع والتعدد والإختلاف، والإستغناء عن فكرة إعداد كوادر ثقافية أصيلة باستجلاب عقول وافدة تملك من الاستعداد لتحريف الثقافة، واستئجار وعيها ورمزيتها للتحدث بما هو أقرب لتزوير الوعي بالنيابة عن المثقف الخليجي. وكل هذا التمويه يحدث على إيقاع العولمة حيث الكرنفالات والجوائز العابرة للقارات والثقافات التي لا تلامس واقع وضرورات وشروط الإنسان الخليجي، بقدر ما تسهم في إرساء قيم جديدة لتعزيز إغترابه عن ذاته وموروثه، أي فصل منتجه الإبداعي عما يجري على أرض الواقع، حيث اصبحت الثقافة في المجتمع الخليجي مسألة عارضة على هامش الإحتياجات الاجتماعية.

لا يحتاج الأمر إلى كثير من التحديق لقياس الهوة الواسعة بين التنميتين الإقتصادية والثقافية، وما تأتى عن ذلك من إنفصام على حافة الحداثة والقدامة، وتدمير جوهر الموروث لصالح المتحفيّة، إهداراً للبعد التاريخي، وفصلاً للمثقف عن محيطه وعمقه الإنساني، وهو أمر يمكن تفهمه في ظل ثقافة رسمية تبدي حماساً مظهرياً لدعم الثقافة، فيما هي في واقع الأمر تعادي الثقافة الناقدة وتحارب الساخط والإحتجاجي منها، بالتشريعات والقوانين والإعلام والعقوبات والتأليب الإجتماعي أيضاً، وذلك بموضعة المثقف داخل مدارات ضيقة لا تستوعب إبداعه الحر، بقدر ما تفتح له أفق إنتاج ثقافة استهلاكية، لكي لا تتعزز الثقة عنده بالقدرة على استيعاب المستحدث من المفاهيم، وبهذا يتم التشكيك في قدرته الواعية والمسؤولة على التعبير خارج حضانات المؤسسة، أي الإبقاء اختلال على معادلة المركز والأطراف قائمة.

بموجب ذلك العزل المنظم لا يبقى للمثقف الخليجي إلا أن يكون عنصراً منسجماً مع مخططات المؤسسة ومستلحقاً بها، وفي أقل الأحوال سوءاً تفترض كجهة راعية للنشاط الثقافي أن يظل صامتاً عن تدميرها المبرمج للنظام الثقافي، وممتنعاً عن تأسيس أي بديل ثقافي مختلف يكون هاجسه التحالف مع منظومات حقوقية تكفل له مناددتها، إذ لم يسجل الفعل الثقافي الخليجي إرتباطاً صريحاً أو مباشراً مع جهة من هذا القبيل، ولم يتم تأسيس أي حراك تحت عناوين حزبية، فيما استمرت المؤسسة في ابتكار آليات تطويع متمادية فكل من يفكر من المثقفين في إنتاج خطاب ثقافي مستقل يكون بشكل تلقائي عرضة للإقالة أو الإستقالة، أو يدفع دفعاً لليأس والتتعفف عن ممارسة أي دور ثقافي.

وإذا ما تمت قراءة النسق المحرك لتراكمات الخبرة الثقافية في الخليج، يتبين أن تلك هي المساحة المتاحة لديمقراطية الفعل الثقافي التي يتأسس فيها الشكل الإجتماعي لمعنى الحرية، المؤسس على ما تقترحه وتروج له المؤسسة، فحرية المبدع الخليجي لا تمر عبر صراعه أو اختلافه مع المؤسسة بما هي الممثل لجملة من المعتقدات الثقافية والتنموية العرجاء، وليس بما يختزنه كإنسان من توق وشوق للتعبير عن وجوده، بل من خلال إلهائه بالاصطدام مع مظاهر اجتماعية ودينية وثقافية مرعية بواسطة المؤسسة، وهنا تكمن المفارقة، فموجة الحداثة في السعودية كانت وما زالت مثالاً على الصراع بالنيابة ضد منظومات الثبات، تماماً مثل معركة ربيع الثقافة في البحرين التي أصبحت فيها المؤسسة حكماً - قيمياً - يتحكم بمفاتيح لعبة الإنفتاح الثقافي. أما انهيار المشروع الواعد لمركز التراث الشعبي في قطر فهو مثال على صراع من نوع آخر كانت فيه الغلبة لذهنية لا تفهم العولمة إلا في صيغتها الماسخة للموروث، وهكذا تمكنت المؤسسة من تفتيت أي إمكانية لتشكيل جبهة ثقافية مستقلة بمقدورها حتى التكامل مع طروحاتها، خصوصاً عند النظر إلى ما تتوعد وتعد به المؤسسة من أرقام مادية فلكية، ومن إسهام ثقافي معولم، كاستجابة لشروط الكوننة الثقافية، التي لا تحتسب الإنسان الخليجي في اعتباراتها.

الاقتصادية – الثلاثاء 19 & 26 فبراير & 4 مارس