الناقد محمد العباس في حوار عن الرواية السعودية في لقطتها الأخيرة:

 

الروايات التي تتكئ على الموضوعات هي في الأغلب مجرد ممرات للهروب

 

حوار: طامي السميري

اعتبر الناقد محمد العباس أن ما يؤخر ظهور روايات نسائية جديدة ذات نكهة مميزة يعود إلى استنفاد المشهد الثقافي للراغبات في الحضور الثقافي والمهجوسات بالانتماء إلى نادي الروائيين. كذلك غياب مراكز رصد لحركة المنجز الثقافي يجعل التسريبات بنفاد الروايات هو من باب الادعاء والمباهاة. كما أنه يرى أن الأزمة تكمن في جوهرها في معنى الكتابة بالنسبة لمنتجي الرواية، وفي قدرتهم على استيعاب معنى تجسيد الخبرات اللغوية واللالغوية في قالب أدبي. وفي هذا الحوار ل «ثقافة اليوم» يسلط العباس مجهره تجاه منتج الرواية المحلية في اللقطة الأخيرة..


@ في معرض الكتاب والذي أقيم مؤخرا في الرياض . لفت نظري هو  مقولات بنفاذ بعض الروايات السعودية الصادرة لعام 2009  .. تلك الروايات التي نفذت  ..هل هي تعبير عن  مباهاة تسويقية أم إبداعية ؟ وكيف نقرأ هذه التسربيات بنفاذ الروايات ؟


- للأسف لا توجد مراكز رصد لحركة المنجز الثقافي ولو في حدها الأدنى، وبالتالي يصعب تصديق كل ما ينشر من مبالغات حول مسائل الرقابة والمنع ونفاذ الكميات المعروضة. وقد اطلعت على احصاءات غير رسمية بهذا الشأن، بالإضافة إلى مقالات وتصريحات إعلامية متباينة يشتم منها رائحة التباهي والترويج المجاني والإدعاء، ويصعب الركون إلى صدقيتها بالنظر إلى وجود مصلحة مشتركة يتواطأ عليها بعض الروائيين والناشرين والإعلاميين المستلحقين بهذا الروائي أو ذاك. أظننا بحاجة إلى فحص علمي دقيق لمثل هذه التسريبات التي تنم عن شخصية ثقافية مريضة تراهن على الضجيج عوضاً عن المقروئية، ولكن كل هذه الفوضى من الإدعاءات لا يمنع أن تكون هنالك بعض الروايات قد حققت بالفعل مبيعات، وتعد نظراً لجودتها أيضاً بطبعات مضاعفة عندما تتحقق لها مقروئية. ومن اطلع على المنتج الروائي في لقطته الأخيرة يمكنه بالفعل الوقوف على إنجاز روائي يمكن ان يحقق معادلة السوق والثقافة والجماهيرية.


@  يبدو أن عام 2009  سيكون موسما سرديا ساخنا .ففي معرض الكتاب الأخير  وجدنا صدور العديد من الروايات لعبده خال ،يوسف المحيميد ، عبدالله بن بخيت ،محمد الرطيان ، وغيرهم من الأسماء . كيف ترصد المنتج الروائي في لقطته الأخيرة ؟


- ليس بالضرورة، فالسخونة لا تتأتى من الكم الإنتاجي إنما من الفرادة، وحتى الآن لا أرى إلا رواية (شارع العطايف) التي سجلت مقروئية لافتة، كما تتبدى من خلال الاستجابة السريعة والواسعة حتى من قبل المصنفين خارج السياق الأدبي والتي تعتبر بمثابة المعيار الجماهيري الآخذ في التأكد يوماً بعد يوم من خلال جملة من المقالات المتقاطعة مع الرواية، وهي سمة من سمات المنتج الذي يستطيع التواصل مع الناس فضلاً عن القراء، فقد استطاع عبدالله بن بخيت بالفعل نقل الخطاب الروائي إلى ضفة أخرى، وفرض منطقه السردي بشكل واضح. بمعنى أنه استطاع تحريره من الثيمات التي هيمنت عليه لفترة طويلة، كما تمثلت في مجابهة المؤسسة الدينية وما يتولد عنها من شخصيات متطرفة، وكذلك الدعاوى النسوية بما تحتقن به من أنوثة مستباحة وحقوق مهدورة، وأيضاً استدعاء (الآخر) بما يحتمل حضوره من تسويات وتصارعات، إلى آخر العناوين الوعرة التي كانت تقارب بسطحية وتمتص طاقة الفعل الروائي. والمسألة هنا ليست مفاضلة بين أسماء أو منتجات، إنما هي توصيف يرقب صيرورة المنتج الروائي ويلاحظ مستجداته، ففيما يحقق ابن بخيت نصاب أدبي مقنع، نرى يوسف المحيميد في روايته (الحمام لا يطير في بريده) يراوح في ذات المكان وكأنه يراهن على تلبية ما يطلبه الجمهور، بموضوعات يعتقدها لاهبة ومستفزة، كما يطرح رؤيته من وجهة نظر لا تبتعد بأي مسافة عما يتم الترويج له في الإعلام عن طبيعة الصراع الدائر اجتماعيا، لدرجة تبني مقولات غير مختبرة داخل اللحظة التاريخية وإعادة تدويرها داخل السرد. وهو نفس المآل الذي وصلت اليه رواية عبده خال (ترمي بشرر) حيث يتيه القارئ في متوالية من الكلام المكرر تشي في نهاية المطاف بأنه يحاول أن يكتب رواية بأي شكل من الأشكال، فيما يشبه المحاولة العابثة للعثور على موضوع، مع ما يعتري الرواية من إضافات كولاجية غير مقنعة ولا مبررة فنياً، وأعتقد أن سبباً آخر أدى إلى ارتباك روايتي يوسف المحيميد وعبده خال ويتمثل في كونهما قد تخليا عن القارئ، وتخففا مما يعرف إبداعياً بقلق التجاوز، أي تجاوز المنتج الذاتي ومنتج الآخر أيضاً. أما محمد الرطيان فيبدو أنه كان مهجوساً ومستعجلاً جداً في إنجاز نص روائي يوازي سمعته ككاتب مقالة بدون أن يتمثل متطلبات السرد كما ينبغي، والأهم أنه صار يخاطب القارئ في روايته (ما تبقى من أوراق محمد الوطبان) أكثر مما ينبغي وكأنه يكيّف نصه وفق متطلبات السوق، أو يسترضيه، والنتيجة تمثلت في نص خفيف سهل الهضم لكنه لا يشكل غضافة نوعية للمنجز الروائي، رغم أن موضوعه كان على درجة من الحيوية، فهو يقدم رواية تحتفي بالمكان ولا تبالغ في المناطقية، وكان بمقدوره أن يستثمر (رفحاء) كنقطة تقاطع عاطفي واجتماعي نتيجة المتغيرات الجيوسياسية الأخيرة.


@ هل تتفق معي بأن (  شارع العطايف ) وهي الرواية التي لم تختطف بعد لصالح صراع التيارات. بأنها رواية ستحدث زلزلة فنية على مستوى كتابة الرواية المحلية.وأنها تؤسس لمفهوم أن الجرأة لا بد أن تتكئ على فن روائي؟


نعم أتفق معك مع عدم تغليب الحماس الزائد لفكرة الانقلاب في المشهد الروائي، ومع التأكيد على قناعة بأن (شارغ العطايف) رواية عصية على الإختطاف لأن مكانها هو المدار الإبداعي، وليس الهامش السجالي، فهي مكتوبة بلغة دافئة وعلى درجة من التجرد، حتى موضوع الجسد داخل الرواية لم يطرح بابتذال بل كوقائع وعلامات وكأنه مرآة الوجود الإنساني. كذلك الشخصيات حيث يخرج القارئ من الرواية محزوزاً بأوجاعها بسبب كثافتها السيكولوجية، ويظل مسكوناً بأولئك الهامشيين المبعثرين في فضاءات سردية جاذبة كالمقبرة والحارة الشعبية والسجن والماخور، وأظن أنها تستحق من الناشر إن يغامر بها في مسابقة البوكر بثقة كبيرة، ليعوض رهاناته السابقة على فسوق عبده خال، وطوق طهارة  محمد حسن علوان، وسلام هاني نقشبندي، والتي لم تتأهل حتى للقائمة الطويلة، وأتوقع كما أتمنى أن تكون موضوعاً لقراءات منبرية ودراسات يمكن أن يجد فيها الباحث اشتغالاً فنياً يتم من خلاله تجاوز فكرة الهروب إلى المضامين كما جرت العادة.

@ في تصورك هل التخلي عن قلق التجاوز هو سبب أخفاق عبده خال في ( وترمي بشرر..) ويوسف المحيميد( الحمام لا يطير في بريده ) ..في تصوري الأمر أعمق من قلق التجاوز ؟ 


بالتأكيد، والحديث هنا يتركز كما هو الحال بالنسبة لأغلب الروايات على إغفال لـ (سلطة القارئ) الذي بات يسهم بشكل فاعل في تشكيل الظاهرة السردية، ويفترض أن يؤخذ في الحسبان. وهنالك أسباب أخرى تكمن في كون الروايتين قد كتبتا من خلال معمل لغوي، بافتعال وباسهاب كلامي لا وظيفة سردية له، وبايقاع مرتبك، وفي وعدم قدرة يوسف وعبده على تأكيد فكرة (الإختلاق) وتوليد شخصيات حية بمقدورها التمدد بحيوية داخل النص والحياة وبالتالي المكوث في الذاكرة، فما استقبلته كقارئ لم يكن سوى هياكل معبأة بأصوات بدون إي دينامية رؤيوية، أو تغيير مقنع لزوايا الرؤية. والمقام هنا لا يتسع بالتأكيد لتشريح نقدي تفصيلي بقدر ما يسمح بطرح جملة من الملاحظات العابرة التي قد تشكل فرصة لمجادلة أعمق لكي لا نطلق حكم قيمة باتر ومخل بجانب مهم من المنجز خصوصاً بالنسبة للروائيين الذين تجاوزوا مرحلة التجريب والرغبة في الحضور إلى مرقى تأكيد البصمة الأسلوبية واستحقاق لقب الروائي ومكانته، واتمنى من اي منبر ثقافي أن يتبنى مشروع قراءة رواية كل شهر من خلال أوراق نقدية جادة يمكن أن تطبع في كتاب دوري لمحايثة المنجز الروائي والوصول في نهاية كل عام دليل حقيقي للصيرورة الروائية.

@ ماذا عن روايتي إبراهيم الخضير (رحيل اليمامة) و مطلق البلوي (لا أحد في تبوك) ؟


أعتقد أن ابراهيم الخضير ابتعد في روايته الأخيرة عن منطق الرواية ناحية الحكي، حيث الحكايات المتلاصقة والمكتظة بالحوارات المكثفة فيما يبدو محاولة لتوصيل الأفكار عبر إنطاق الشخصيات وليس بموضعتهم فيما يسميه السيميائيون مناطق العمى التي يمكن أن يتأولها القارئ، حتى الحكاية تبدو أوفقية بدون مفاجآت فنية، وبدون إحداث أي غوصات في وعي ولا وعي الشخصيات رغم أنها تتخذ من السيكولوجيا مداراً لها، وهو الأمر الذي يفسر ترهلها وإثقالها بفائض لغوي كان يمكن الاستغناء عن جزء كبير منه، كما يفسر أهدار قيمة الشخصيات التي تشكل الكتلة المرجعية لكل عناصر السرد. أما رواية (لا أحد في تبوك) فيبدو أن مطلق البلوي أراد من خلالها الإتكاء على المكانية كقيمة إشكالية جاذبة لكنه لم يوثق صلته بالمكان كما ينبغي، وقد حاول إسعافها بعناوين حرب الخليج وخيارات الفرد التائه في لجة الأفكار المتناقضة والنزوات لكن حنينه الذي يفترض أن يكون مكمن ومبرر عذابه المبهم لم يتشكل كقيمة بقدر ما تبدى كفضفضة لغوية، جاءت على شكل تبعيضات مستعجلة لا تتشبع بلقطة مشهدية ولا تراعي أهمية تخليق شخصية قادرة على الاستنساب للمكان سواء المنتشل منه أو المهاجر إليه، فتبوك التي أفرط في تلفيظها وتوصيفها بمدينة الحزن الأسود لم تجعل من بطله فيلسوفاً كما حاول  الحفر في هذا المجرى مرة تلو أخرى. وإن كنت اعتقد أنها من الروايات المكشوفة التي تسير بتواتر أفقي وبالتالي تحرض على التماس معها كموضوع وليس كمعطف فني.

@ في شارع العطايف كثافة  الشخوص السيكولوجية هي صانعة أمجاد للشخصيات الروائية .. في تصورك هذه الكثافة من اين استمدها ابن بخيت ..أعني ماهي العوامل التي تجعل الروائي يجسد شخصياته بهذا الوضوح ..هل هي محبة الشخصيات..هل لأنه يكتب من منطقته الروحية الدافئة أم هناك عوامل أخرى ؟


أظنه من حمله الدائم لها في داخله لعقود، ومن استيهامه بلحظته. وقد استمدها من النقل الفوتوغرافي للواقع، مع احتفاظه بحرية إنتقاء اللقطات، واختيار المساقط، وهذه التقنية المونتاجية المتكئة على التجزيئي لا الكلي أو العمومي تدل على حساسية جمالية، فالواقع هو مرجعيته وهو سر الوضوح والحيوية لشخصياته التي يتعامل معها بحب ويحدب عليها، ولذلك تحسه في أغلب المفاصل إلى جانب أبطاله الذين ارادهم بسطاء يصارعون أقدارهم بدون أن يهبهم أي قوة استبصارية وبدون أن يعلق على أفواههم مكبرات صوت أيدلوجية وبدون أي اختلاقات شكلانية، فهم على درجة من التماهي مع اللحظة ورائحتها المعتقة، كما هم على درجة من الوعي بواقعهم وبمعزل عن المصادفات، حتى الأسماء والألقاب كانت تدل على قدرة فنية لاستغوار أعماقهم وتقديم صورة شفافة لذواتهم.

@ لو كنت ضمن لجنة البوكر ..هل ستصوت لشارع العطايف بالجائزة ؟


بغض النظر عن الجوائز (شارع العطايف) رواية جميلة وتستحق القراءة والإحتفاء وهي مؤهلة بشكل تلقائي للتحول إلى عمل درامي. أما حينما يتعلق الأمر بالبوكر فقد ذكرت سابقاً بأن الناشر يمكنه المغامرة بترشيحها، فبالنظر إلى روايات الجولتين السابقتين أظنها تستحق التأهل. أما الدورة القادمة فلا نعلم حتى الآن مستوى الروايات، وإن كنت أميل إلى قدرتها على المنافسة بقوة على الفوز.


@ هل نقول ان المخيال السردي نضب عند كل من عبده خال والمحميد ؟


أعتقد أن الأمر أخطر وهو يتجاوز قدرتهما على تمثل خبرات السرد إلى واقع كونهما كائنين ثقافيين. المسألة تحتاج إلى مراجعة ووقفة مع الذات على مستوى الرؤية والموقف. من يخون ميثاقه مع القارئ يغامر بخسارة ذاته. القارئ سلطة ليس بالمعنى القمعي ولكن بالمعنى الانتاجي. وكل عمل إبداعي سيحكتم في نهاية المطاف إلى ذائقة القارئ بالإضافة الزمن بما هو أكبر ناقد. وأظنهما بحاجة إلى مكاشفة بهذا الشأن من القارئ. فعبده خال كان يبشر بسارد طويل النفس منذ أول رواياته (الموت يمر من هنا) ولكنه صار يهدر هذه الطاقة السردية في الهامش وكذلك يوسف.

@ ابراهيم الخضير طبيب نفسي ..هل وجدت في روايته الكثافة السيكولوجية ؟


لم أتلمس هذا المنحى فهي مجرد تداعيات لشخصيات لا تمارس تفككها الدرامي داخل السرد بقدر ما يتم اسقاطها ككتل كلامية منبسطة بدون استبطان لنسيجها الداخلي.

@ رواية احمد البشري (فصل آخر في حياة الأشياء) خذلتني.. كنت انتظر منه عملاً مختلفاً فهو لديه أدوات الكتابة الروائية..أنت كيف وجدتها ؟


مرتبكة وبدون خط سردي يمكن تقصيه. كأنه أراد ان يكتب رواية مما يسمونه رواية (التشيؤ) إذ لا يوجد فكرة مستوية، ولا سيطرة على الشريط اللغوي وتعرجات الحدث الروائي. أحمد البشري ينتمي إلى جيل شبابي يراهن على عنفوان اللغة والرؤية والصدمة أيضاً، ويريد الخروج من عقدة ما زالت تتحكم في المشهد الروائي المتمثل في ثنائية (عبدالرحمن منيف/رجاء الصانع). وقد حاول على ما يبدو أن يختلف ولكن بدون خارطة بديلة للإنشقاق عن التقاليد السردية. والمربك أكثر أن روايته تفتقد التشويق. لا أدري بصراحة لماذا كان مستعجلاً إلى هذا الحد، ولم يأنس لقارئ ضمني يمكن أن يضبط موضوع وإيقاع روايته كما ينبغي. أظنه لم يحسب المسافة جيداً ما بين لذة الغموض ومتاهة الإستغلاق.

@ العام الماضي كان للرواية النسائية حضوراً لافتا  في ورافة اميمة الخميس وكائنات من طرب لامل الفاران .. هذا العام الروائية النسائية غائبة إلى حد ما ..أو لم نجد رواية نسائية في هذا العام ذات صدى .كيف تفسر هذا الامر ؟


ما زال العام في ربعه الأول. وقد نشهد ميلاد رواية نسائية بعد أشهر كما شهدنا رواية (الوارفة) لأميمة الخميس في نهاية العام الماضي. وكمتابع للشأن الروائي أظنك قد قرأت عن وعود لروائيات يسربن مشاريعهن عبر قنوات بحذر وتردد. وأظن أن ما يؤخر ظهور روايات نسائية جديدة ذات نكهة مميزة يعود إلى استنفاذ المشهد الثقافي للراغبات في الحضور الثقافي والمهجوسات بالانتماء إلى نادي الروائيين، وكذلك إلى ما يمكن أن نسميه قلق الرواية التالية للاتي جربن الإطلالة برواية جس نبض. كما أن خيبة الاستقبال كانت شديدة الوطأة بالنسبة للبعض وإن تم التسامي عليها والتعالي على جراحها. ومن يمتلك قدرة على الرصد لا يتوقع خطفات روائية نسائية مباغتة إلا من أسماء محدودة جداً.

@ ثنائية (عبدالرحمن منيف/رجاء الصانع). هل هما النموذج في الرواية السعودية ؟


لا، هي عقدة أكثر مما هي نموذج، ففي البداية حاول بعض الروائيين تقليد منيف على المستوى الشكلي في تقديم ما يعرف بمفهوم (الروايات الأنهار) المأخوذة اصلاً من الآداب العالمية على شكل ثلاثيات ورباعيات أو مطولات بمعنى أشمل، وعلى المستوى الموضوعات بمقاربة الهواجس السياسية والمضامين المتعلقة بالتحولات الإجتماعية. وما زال هذا الأثر سارياً في بعض جوانب المنجز في لقطاته المتأخرة حتى على مستوى التماهي مع العناوين أو معارضة الإعتقادات السياسية المنيفية من باب الإعلان عن مرويات مضادة. أما نموذج رجاء الصانع فما زال محيراً للكثير من الروائيين والروائيات، فالجماهيرية التي حظيت بها تشير إلى خلطة روائية سرية يحاول أغلبهم تخرص سرها وتقليدها حتى من قبل أسماء كبيرة حيث يلاحظ استدخال الحوارات والتعليقات باللغة الانجليزية، وتخفيف جرعة الجمل السردية حد تبهيته وإفقاده المتانة، وأضفاء طابع الخفة الشعورية على الشخصيات، وكذلك التطرق لموضوعات هامشية صغيرة كانت هي عصب وروح رواية (بنات الرياض) ولكن بدون قدرة على اقتناص سر حيويتها داخل السرد، وإن كان هذا العرض التمثيلي لا يعني تعميمها كنموذج روائي مثالي. ويمكن الاستدلال على جانب هام من هذه العقدة من خلال ملاحظة حالة (النفاق الثقافي) المتفشية بين الروائيين والروائيات، فرواية مثيرة للجدل مثل (بنات الرياض) ينفي الكثير من الروائيين والروائيات حتى الآن قراءاتها، أو مجرد الإطلاع عليها. وهذا - بتصوري - غير صحيح ويدل على حالة من الرهاب تعتري المشهد الروائي، فيما نقرأ تصريحات بين حين وآخر تتنصل من سطوة عبدالرحمن منيف وأبوته الإبداعية، أو تُخرج منجزه بكامله من خانة الفعل الروائي وتعتبره مجرد كاتب خطاب سياسي، وللأسف يساعد الخطاب النقدي على تعزيز هذه العقدة إما بالتجاهل أو التهميش أو ممالأة المنتج المزيف.

@ اعتقد خيبة الاستقبال لا تعيق أحد من كتابة الرواية ..الأمر يتجاوز مسألة قبول القارئ أو حتى الناقد .أرى لازال الهدف لدى من يكتب الرواية هو الحصول على لقب روائي أو روائية ؟


الخيبة لا تعني بالتأكيد أن إنتاج الرواية سيتوقف، بل العكس هو الصحيح فالمشهد على موعد مع ركام هائل مما يتشبّه بالرواية ولكن ما قصدته هو أن هنالك أسماء ستفكر في شكل مغاير للحضور، وفي إنتاج رواية مختلفة تعزز المكاسب الشخصية، وهذا التفكير سيبطئ بعض الأصوات وليس كلها، خصوصاً أن التفاعل مع الرواية النسائية قد تجاوز مرحلة التشايل والتعضيد، وتخطى محطة الاستبشار بالمنجز إلى مستوى المساءلة، كما يتبدى ذلك بوضوح في وجود قارئ يمارس التهميش المتقصد كموقف قرائي ذوقي، ويرفض بوعي تعليق النياشين والألقاب بمجانية، وكذلك في الرسائل الجامعية الصادرة مؤخراً،  والتي تؤكد على تهافت المنجز ووهنه كما يتأكد ذلك عند نورة القحطاني وخالد الرفاعي وسماهر الضامن ومنصور المهوس.

@ مازال الرواية تتجه إلى المجتمع ..إلى ذات القضايا المستهلكة .في رأيك متى نجد رواياتنا تتجه إلى الذات إلى التفاصيل الصغيرة ؟


المجتمع بكامله لا يتجه إلى هذا المكمن الوعر إلا عندما يمتلك القدرة والجرأة على مجابهة نفسه والإقرار بعوراته. العموميات لغة تمويهية للفرار من استحقاقات اللحظة، وعليه يمكن القول أن الروايات التي تتكئ على الموضوعات هي في الأغلب مجرد ممرات للهروب، أما الروايات المحقونة بالجرعة الذاتية فهي سمة الذات والمجتمع القوي، الذي يمتلك الاستعداد للتغيّر والانعطاف. وإظن أن هذه المرحلة بعيدة حالياً بالنظر إلى عدم وجود تقاليد اعتراف وبوح أو حتى كتابة سير ذاتية، وكذلك عدم الاعتراف بأهمية وجود دفتر اليوميات وحميميات الذات التفصيلية، بالإضافة إلى كون كتابة التفاصيل الصغيرة تحتاج إلى ذات قادرة على تمثّل طبيعة الكتابة الصادمة التي تؤكد على مقولة تفيد بأن الرواية هي طرح الحياء. أظن أن الأزمة تكمن في جوهرها في معنى الكتابة بالنسبة لمنتجي الرواية، وفي قدرتهم على استيعاب معنى تجسيد الخبرات اللغوية واللالغوية في قالب أدبي.

@ في ملتقى قراءة النص 9  استحوذت الرواية السعودية على اهتمام النقاد ..كيف تقرأ تلك القراءات النقدية وهل تجدها تعبر تماما عن المنجز  الروائي المحلي؟


للأسف أغلب الأوراق لا تليق بسمعة ملتقى النص الذي يعتبر علامية ثقافية وريادية في المشهد، فبعضها مجرد ملخصات سطحية وتقريرية لرواية واحدة أشبه ما تكون بالقراءة الإنطباعية التي تعيد إلى الأذهان رداءة النقد الذي لا يعني إلا إعراب الفاعل. وبعضها ليست أكثر من عناوين مستعجلة وغير مشبعة بالتحليل والدرس، ناهيك عن الأوراق المعاد تدويرها على أكثر من منبر وفي أكثر من مناسبة بدون اي جهد، وهي لا تعبر عن حقيقة المنجز، ولا تحقق ما يسميه سانت بيوف (القراءة العادلة) التي تعني التعامل بحصافة وحب وتفان مع المنتج الروائي، ولا تعكس حتى كفاءة الخطاب النقدي بالمقابل. ليتبقى هامش ضئيل تكمن فيه الفاعلية والجدية ويمكن الرهان عليه وتوسيعه. والمعضلة لا تكمن في هذا الملتقى وحسب بل في كل الملتقيات تقريباً وفي أغلب المناسبات المنبرية حيث لا توجد لجنة قادرة على فحص الأوراق المقدمة وغربلتها واستصفاء المناسب منها. وأعتقد أن المشهد يحتضن الآن طابوراً من النقاد والناقدات، ويمكن بشيء من التبصّر والجدية تشكيل ورش لمناقدة المنجز ومحايثة انفجاراته. أما بعض الأسماء المستهلكة فقد آن أوان ترجلها عن المنبر.