طفلة لطّخ فمها الشعر..في لبّها عجوز مؤجلة


في مجموعتها الشعرية الصادرة حديثاً عن مؤسسة الإنتشار العربي »ولا.. أشهى« ثمة كلمة تَرِن في ممرات النص حدَّ الاستحواذ على طقسه، حيث تلوِّح هيلدا إسماعيل بمفردة (الموت) بكثافة لافتة، فيما يعتبره رولان بارت تكراراً مولِّداً للمتعة، نتيجة تدوير الكلمة بشعائرية تعني الدخول في الضياع، والوصول إلى الدرجة صفر من المعنى، كما يفترضه مفهوم النص الأدبي. وهي بهذا التنويع الإيقاعي واللفظي على المفردة تحقق الحسِّية بشرطيها المتعارضين، من خلال الترديد المفرط لفكرة الموت الذي يبدو بمثابة التكرار القهري، أوالمباغتة في إسقاطه بين شقوق النص من ناحية أخرى.

يتأكَّد هذا الهاجس عند ملاحظة عنوان المجموعة، المقدود أصلاً من نص »مساء للموت.. ولا أشهى« الذي تُماهي فيه بين الموت والإشتهاء، حيث تَعِد حمولات الجملة الناقصة »ولا أشهى...« بمباهج ومفاتن محرضة على التأوُّل، بما توحي به من تسويف، ومن نصف بوح يكمن جماله في قصر عباراته، ولا إكتماله. كما يتعمَّق هذا المجرى اللغوي باختيار مفردة التشهِّي دون غيرها من مفردات التمنِّي، أو حتى كلمات تحيل إلى ذات مستسلمة للقدر، فمن خلال فحص قوالبها القوليَّة المؤطَّرة بالحسِّية، ينكشف لاوعيها المختزن في المكوِّن اللغوي نتيجة ذلك التجاور المفرداتي »وذروة ما أشتهي الموت« حيث تجد ذاتها في المتخيِّل والهذياني وربما العصابي، حتى عندما تنحاز عن التلفظ الصريح بالموت إلى أطياف المفردة تظل ذاتها في حالة تطوافٍ حول المعنى، فيما يبدو تلذذاً مازوخياً بموتها المتخيّل »فقط بالوجع - نشواااانة - أنا«.

تلك هي المفردات البانية لركيزة هامة من ركائز نصها، والناهضة أيضاً بالمبدأ البنيوي لسياقه القائم على تمثيل دور الميتة، وصديقة الموتى، والراثية أيضاً، كما يلاحظ من خلال التكرارات التي تعني الإفراط في استدعائها، بتصور جوليا كريستيفا، حالة من حالات العنف الإيجابي، حيث تبالغ في ترديد موضوع الموت بدون تحفُّظ ولا احتراز، لتحفظ له من خلال كثرة الإلحاح والتكثيف بعض التلقائية التي تصل به إلى الحسِّية، وكأنه مجرَّد (ماكيت) يمكن إعادة موضعته بأشكال وفي مواقع مختلفة، إذ لا يحيل إلى التلاشي، ولا يثير الرعب في النفوس، خصوصاً عندما تجيء عباراتها مقرونة بالذات، ففي النص ذاتٌ محاصرة بهاجس الإنطفاء لا تموت بقدر ما تتماوت، كما تشير عباراتها المبثوثة من (أنا) مستيقظة لا ينتابها أي خدر أو إغفاءة »أترسب في قاعك.. وبمزاجي عابثة أموت«. أو عندما تُحيل الموت إلى محطة يفترض الوصول إليها بإرادة حرة وباستيقاظ تام »بيني وبين الموت.. ردهة.. سأعبرها وأستقيم«. وذلك هو قدر ذاتها الشاعرة المهجوسة بنصب مرآة في قاع نصِّها لتتعرف على ذاتها بوصفها ذاتاً أخرى »أظنني -فزَّاعة- أهش الموت مرة.. ومرة.. عنك أنفضُه«. حتى عندما تُجسِّده من منطلقات رثائية لا ترتخي مفرداتها المجبولة على التثنِّي تحت وقع الفجيعة بل تدلل الفقيد بحنان راحة مودِّعة »كيف خارج السرب تموت وحيداً.. وحيداً في حلم قصير؟!» و «أرق من الضوء.. جسدك الذي يسبح بالموت»، أو «هناك على طرف الحياة  ينام رجل ميت«.

الموت بالنسبة لها حالة حسِّية ساطية تقبل التشيُّؤ.  وهو وحش بلا ملامح يمكن أنسنتُه، والتخفيف من وطأته، كما تجلَّى ذلك الهاجس في عبارتها الإستيهامية »يُخاصرُني الموت«. وربما لهذا السبب أرادت ترويض وحشيته، بتأوينه -مجازياً- في مدارٍ سحري »مغرورة بي.. توهمت هدهدة -الموت- أرجحته، وقضم أظافره القصيرة« وقد أدرات تلك العلاقة الأنطولوجية »طفلة.. لطخ فمها الشعر« داخل ما يمكن تسميته (لعبة نص) أي في هوام أشبه ما يكون بسيناريوهات خيالية، مستحوذ عليها بـ (أنا) متمادية وفاعلة نحوياً وشعورياً، كما يلعب فيها الحضور الطاغي للمتخيل دور الواقي للذات، الذائذ عن هشاشتها قبالة حس التلاشي والأفول، والمحقق في الآن نفسه مستوى من الرغبات اللاواعية،  وإن كان هذا الهوام المنصَّص في قوالب قوليَّة لا يصدُّ إحساسها التراجيدي بالحياة، المبثوث كظلال للعبارات المنحوتة في مسوخات نحوية.

بُنية النص هنا ليست إلا دعامة من دعامات اللقاء الحتمي، والمدبَّر بوعي، بين أناها وصورتها، حيث الكلمات المرتجفة، المعبّرة عن الخوف من خسران الطفولة، بما هي المعادل لشعرية الإحساس بالوجود، أو عدم التجرُّؤ  على الإقرار بذلك، كما يتبيَّن في كثرة الطرق على رثاء الذات الشاعرة »وأكون -القصيدة- التي لم أعُدها« وفي التأسي على الطفلة التي كانت معجونة بالشعر، مع الإصرار على التصريح اللفظي بالأنانة »عن طفلة كانت -أنا- خلسة تأكل القصائد ولا تشبع« وما يستتبع ذلك من رهاب ضمور الأنوثة، ومحاولة استجلائها، والإستمساك بها، أو ربما هو الإحساس الإستشرافي بحتمية انسلالها »بلا شكٍ كنت فاتنة.. وإن على مضضٍ حلمتُ بأشياءٍ -نيئة- كــ أن أجد رجلاً  ناصعاً أدلق ظلِّي عليه«. ولكن أحلامها التي كانت تحوكها »بلا مقاسات« كانت ترتطم بصقيع »رجلٍ لا -يحتطب- إلا بالرحيل! «.

هكذا تترسب فواعلها اللفظية في الحدث الأنثوي المُعبَّر عنه بالتصويرات الشعرية الخاطفة. ويتجلَّى ذلك بصورة أوضح في قدرتها -أي هيلدا إسماعيل- على النفاذ إلى ما وراء طمأنية الإحساس الجسدي الآني، والإطلالة منه كراهن إلى ما ستؤول إليه تلك الذات من خلال عبارة موجعة »في لبي عجوز مؤجلة«. وبدون إشفاق على الجسد الذاوي، كما يرسمه مخيالها السردي تُنكِّل به فيما يشبه مديح الجسد المتفسِّخ المندرج فنياً فيما تؤسسه داخل سياق جماليات القبح »شامة نافرة على -نهد- ضامر« إلى أن تصل إلى حالة من التماثل مع الجمادات »أنا أثاث مخذول«. وتلك هي السيرورة الخالقة للمعنى في نصِّها، حيث الأنا الهستيرية تدافع بشكل إستباقي عن نفسها ضدَّ الشعور المؤلم الذي يتهدَّدها بواسطة أناها العليا الناقدة »أبعد سنوات..أشاجر تعاريجي!؟ «مع التأكيد على هدهدة الذات في أرجوحة العبارة الشعرية »لست -أرملة- تماماً.. وإن اتشحت بالقصائد«. أو كما تعاند الإحساس الضمني بالتلف بذخيرة من الكلمات التي يمكن أن تداوي جرح الأنثى النرجسي المكشوف »أبداً لستُ محرّفة.. ألأنني لا أذبل! ولا أشيخ!!« .

بهذا التجابه الحاد مع خيبتها التي تستشعرها كنُدبة تفصح عن إحساس تراجيدي بالعلاقة الأزلية بين (المرأة والمرآة) أي ما بين الواقعي والمتصَّور، وما يتحدَّر من تلك العلاقة من نرجسية وثيقة الصلة باللغة التي تزفرها على شكل كلمات باترة لا تخلو من استمالة مبطَّنة »نصفي ليس كافياً.. لإغواء رجل أخير« وكأنها لا تريد أن تؤسس لأي حالة اغتراب بأي شكل من الأشكال الموضوعية أو الفنية ما بين منطوقها وما تستشعره ذاتها، تحت ما تسميه »لذعة الخيبة«. أي مع نصها المؤسس في جانب من عباراته على المازوخية التي لا تتوانى عن المجاهرة بأعراضها، أو الهلوسة بوجيبها، لتعادلها بجوهر الأنثوية وتهجعها بشيء من الملامسة الفنية في مهادات نصيَّة »-مجنونة- قالوا عني، أو هي بعضُ أعراض الأنوثة«. أو هكذا تضطر لتجاوز مرحلة ارتعاشها »كطفلة ملفَّقة« إلى مأزق الوعي باستواء الأنوثة واستحالة الإبقاء على طراوتها في عباراتٍ بقدر ما توحي بالرثاء تختزن طاقة من النرجسية والإعتداد الأنثوي »إنما أنثى عارمة.. كيف تسقط في شقٍ صغير!؟».

حيلة أنثوية بارعة وراء إحالة النص إلى لعبة قوامها سيناريوهات الإستيهام، للإبقاء على الذات مشتهاة، طازجة، وطافحة بالأحاسيس، بل متمركزة في مرمى المرغوبية على الداوم، بمعنى أنها منزرعة كحالات تقمص متنوعة داخل الإشتغالات النصية المختلفة، بعد مواراتها خلف الأشياء ذات الطابع الحسِّي، أو مماهاتها بها حدَّ التطابق، كما يتبين ذلك -مثلاً- في نص »مجرد قهوة« حيث ينعدم الخط الفاصل بين تمثُّلات جسد المرأة وتمظهرات فنجان القهوة التي تُسبغ عليه سمة الجسد، في مجانسة تصحيفية، بما في المكمنين من تراسل أرادته أن يكون كلياني السمة، من خلال تصعيد ميكانزم الرغبة المعلنة، المبثوث من القهوة التي تتقمص نداء أو وشوشات المرأة بمعنى أدق »إلاَّ أنني - مرَّة - تُحلِّيني طقوسي«. ثم تكثيف الحمولات وتحشيدها في نص »بالقرب من روما« لمضاعفة الدور الإغوائي كما يتجلى في العباراة الفائضة بالإيحاءات والدلالات »بغنجٍ أفوح«.

ولإعادة التدليل على المرغوبية تعود في نص »كعادتك عارياً إلا مني« لتسوِّي القهوة امرأة أو العكس »ترشفني.. وأمعن في الخدر«. وهكذا تتوالى الإشارات الأنثوية المشفَّرة في نص »منذ قهوة ع المفرق« حيث المكر الأنثوي يخبئ الذات المفتقرة إلى )لآخر) بمشهدية  شعرية خاطفة، ظاهرها البراءة اللفظية، وباطنها الوله حيث الإندلاق مثلاً. والتلويح بنعومة الذات المندسَّة في فنجان القهوة الحيادي على هيئة »رغوة متهدلة« لينفتح النص كفضاء لغوي على لعب العلامات، بمفهومه الذهني، الذي يحرِّض بدوره على إعادة تركيب النص بمزاوجة ما بين المحسوسات والمتخيلات.

النص إذاً بالنسبة لها هو (حرز) كما تفترض البروتوكولات البلاغية لمفهوم (النص اللعبة) حيث يقوم الشاعري عند هيلدا إسماعيل، بوصفها بناءَّة، بهدم وبناء ذاتها من خلال إشتغالها -ذهنياً- على إنتاج اللغة الإصطناعية التي تقوم على مراودة ذاتها الشاعرة للإنزياح الواعي عن الإستعمالي من اللغة، أو المستهلك من التصويرات الشعرية. وبعد تركيب الملفوظات، داخل منظومة كلامية تتم مسرحتها، بدون ترف مفرداتي، أو إثقال النص بأبهة الكلمات المنقوعة في حرقة التجربة العاطفية، كما يتضح ذلك المنحى الموضوعاتي من التمثّل الذي تبدو عليه ذاتها التي تطبع بصماتها على كل مفاصل النص، وتتصرف بحيث تكون مرغوبة من فاعل بوصفها (موضوعاً) تؤكد من خلاله على ما تحاول أصلاً أن تواريه من إباء أنثوي راسخ في نصها »على -أحدهم- محفورة أنا« حيث تتمازج الأنوثة بالنرجسية وتتطور -نصياً- إلى موضوع، تكون فيه حاجة ذاتها الشاعرة إلى أن تُحَب أكبر، أو ربما أوضح من حاجتها إلى أن تُحِب، وإن أفصح النص عن عرض تبادلي مموَّه »صرت ألاحقه -ظلك- الذي توقف عن اللحاق بي«. وهكذا تتوالى الخطفات الشعرية المضادة، المستجلبة من خزان مآثر الأنوثة »وحدك ارتويت..بماء لا يخون«.

جريدة الرياض – الخميس 30 أبريل 2009