(البحبوح)

نصوص معفّرة بالرُّقم الطينية

 

فيما يبدو تفريقاً للتباين الجوهري بين الخامات المشكّلة لشخصية التماثيل، وأثر النصب المعمارية والجمالية، ينتصر النحات الدانمركي ثورفالدسن لمادة الطين، حين يعادله بالحياة، فيما يشبّه الجص بالموت، ويماثل الرخام بالإنبعاث. وهو - أي الطين - بالنسبة لحسن دعبل (غواية البشرية الأولى، وسر الكون، وسر المعابد، وسر بيوت العبادة، وسر الكتب والرسل والحياة) كما يفصح عن هذا اليقين بقوة في مجموعته (البحبوح) الصادرة حديثاً عن دار فضاءات، من خلال التعبير الصريح عن ولعه بهذا اللازب الذي يعادل (طهر الأرض) وحيث يعفّر نصوصه بما تطاير من رماده الذي (منه عٌجنت الرُّقم واللقي والألواح، ومنه نُقشت رسمُ الآلهات). ليؤكد بحركة بندولية ذهاباً وإياباً في مجرى النصوص على قناعته بأن (الطين صلصال الأبدية وهيولها وطوطمها قبل أن يُعبد) وأنه إذا ما مسته النار صار (سرّ وقدس وروح).
في نصوصه التي تفوح منها رائحة الرُّقم الطينية، لا يبدو مهموماً بالقص، ولا معنياً بتجنيس النص أصلاً، أو قولبته في شكل فني ناجز يحدّ من مرونته، بقدر ما يكتب بلذة وفضول الحفّار الذي ينقّب في موروثه المادي واللامادي عن أثرٍ ذي دلالة بالمعنى الأدبي، حيث يمارس الإشتغال على المركبات الغائرة لهوية المكان، ليشبع توق ذاته المهجوسة بإيجاد صلة روحية ما بين ماضيه المغيّب وحاضره الملتبس، وبالتحديد في المطمور تحت الأرض، وفي جب الذاكرة المستباحة نتيجة قناعة فكرو-جمالية راسخة في وعيه بأن (الكنوز تنام قريبة من القبور). كما يبدو ذلك جلياً وشاعرياً أيضاً من خلال مفردة (البحبوح) المثيرة للتخرصات التأويلية، التي اختارها كمظلة سحرية لنصوص ذات سمت واحد، مفهرسة تحت عنوان (مفاتيح) وهي إحالة كثيفة الدلالة، تغري بالتماس مع ثوالب نصية، إشارية وغامضة في تركيبها الفني، ومفتوحة في الآن نفسه على بيئة زمكانية محرّضة على الإكتشاف.
إنه لا يحكي، بقدر ما يفكّر. يتذكر ويحاول إنهاض الآفل، الأمر الذي يفسر ارتداده العمودي في ذاكرة المكان لإعادة تركيب هويته المتشظّية، حيث يستمتع بالإنصات لتراتيل الذين مرّوا ناحية (دير دارين) أولئك الذين يقول عنهم التاريخ أنهم (تعبدوا وغنوا وتعللوا "تعلولة" وفي الصباح شربوا قهوة الراهبة ويمموا البحر وغادروها) حيث يضع التاريخ على حافة التأويل، ويستنطقه ليسرد حكاية دارين التي كانت ذات أسقفية نسطورية مشهورة في العهد الساساني. ثم يقف عند طللٍ تُشبه سيرته المخزية شكل الجرح أو العار التاريخي. عند ماتبقى من آثار (مقهى العبيد). المشرب الذي كان (يغسل عتباته بموج البحر). فيما يبدو محاولة لرسم سيناريوهات استعادية لذلك (الميناء الذي ينام على خاصرة البحر...قبلة فردوس لجزيرةٍ تنعم في الكتب والأسفار لجنة مبتغاة وخلودٍ سرمدي ونعيم لحضارات وأسلاف...نامت كنوزهم وأسرارهم وجرارهم وحليهّم، في قبورٍ حسبوها طافية على الماء، وخلود أبدي لجنات عدنٍ بين أفياء نخيل وماء). وكأنه بهذا السرد الاستذكاري إنما أراد أن يعيد تشكيل ما تبقى من أثر مادي ونفسي لسقيفة كانت بمثابة سوق لتجارة الرقيق.
هكذا صمم استراتيجية نصه لينعش الذاكرة التي تم تطويعها على التناسي، ويوقظ الضمير المخدوع بحيلة الحاضر المفصول عن الماضي، مذكّراً بسحنات طوابير من البشر المعذبين، المجلوبين من مومباسا وزنجبار والحبشة، والأطفال المنهوبين من أحضان أمهاتهم، ليعرضوا في مزاد الطواشين القادمين من الهند والبصرة وعمان والكويت والبحرين. ليخدش المجتمع المتسالم مع ذاكرته المستأنسة بفصيل (العبيد) الذين حمل ذلك الأثر الدارس اسمهم يوم كانوا (يطأون اليابسة بعد غربة وسفر وعيون معصوبة إلا من حسراتها، تاهت عيونهم بين رجالٍ تلهج بلغوٍ، وأكياس مخيطةٍ تتثاقل بها الأيدي بصرير النقود أو الجنيهات والبيزات والآنات، تلك هي تجارة من تاهت مصائرهم وتغرّبت بهم رحالهم إلى أبدية النسيان).
تتحشّد كل تلك التراجيديا الإنسانية في حكاية الأسمر (برّوك) - تصغير مبارك -  الذي اشتراه أحد تجار اللؤلؤ في دارين ليخدم ابنته، فأسكنه في غرفة التمر، فصار (من تلك البقعة النائية عن البيوت، يُرّوض صباحاته حتى المغيب، وبمعوله يهدم الدور وبيوت العبادة المطمورة، حتى القبور وهو يمرر عموده بدوّي الجِرار وهي تتكّسر وتتناثر خشوفها الطينية ناثرة رائحة عتيقة مخدرة، وهو يراقب جثثاً وجسوماً تتبخر أمام عينيه، سكنه الفزع، لكن السكينة في المكان، كانت جنته. وكثيراً مامرّر معوله على حصاة بكتابات ونقوش وحروف) فمسّته ربما لعنة الأسلاف حين (أزاحت يديه الرمل عن مرمر مزخرف بصورة السيدة العذراء، حاضنة إبنها، فأصابه الخوف والهلع وتعرق جسده) وعندها انهارت عليه الجدران والسقوف ليندفن مع وتحت الطين (بين جرار وقبور مخلدّة بالنسيان).
كل تلك الآثار الطينية المندثرة والمذرورة على صفحات الماء عبر الأزمنة، والراسية زبداً على شاطئ البحر، لم تكن لتنبت على سطح الأرض وتُحدث أثرها في النفوس والجغرافيا والتاريخ بمعزل عن طقوس الحزن والفرح، الوداع واللقاء، الموت والحياة، بما تحتمله من تعاويذ وبخور وأدعية وابتهالات، حيث كابد حسن دعبل، كما يبدو، للتنقيب دون كلل عن أطلال مدنٍ مطمورة تحت الطين، وإعادة تنصيص ما انطمس وهُجر من العادات والتقاليد والكرنفالات التي تحيل بشكل ما من الأشكال إلى الماقبل الديني، ذي الطابع البدائي، وفي صيغته الوثنية أحياناً، فالنصوص مكتظة بالطعوم والروائح والمشاهد التي لا تعرف لذعتها الحواس المحدّثة، من منظور ذاكرة الطفل الذي لا يريد أن ينسى، بل ينتشي باستدعاء أصداء الأهازيج وهي تنسكب في أذنيه الطريتين، وبروائح زوايا النساء وهن يمرغن وجهه الناعم بصدورهن، وببهجة مناظر الرايات الخضراء والبيارق الحمراء وهي تكحّل عينيه حتى قبل أن تتفتحا على الحياة، فهكذا كان يتلذذ ذلك الطفل المتناوم المتلصص من خلال حواسه الفائرة (برائحة المشموم والمرشوش ولون الثياب وهي تصبغ أجسادهن العطشة والراقصة بغنائهن العفوي).
إنها حكاية الطفل المولود (في بيتٍ ينام في حضن البحر، وبقعةٍ تتوسدُ خاصرة دلمون). المجبول على ذاكرة حسّية عنيدة. الطفل المفطور على تشهّي الحياة من خلال التماس بالمخلوقات الحيّة، الذي أرادوا طمس حواسه لئلا تشب إيروسيته قبل الأوان (غطوا وجهي، وبركتْ من كانت بضّة اللحم بكفها بصري). وقد ظنّوه حينها مجرد إناء لحمي بلا قاع ولا حواس، فيما كان يختزن أسرار ما رأى، يوم كانت الأمهات يتجمعن في الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر رمضان (يتزيّن بأبهى لباسهن، وهن ذاهبات لطلب دعاء البحبوح في المساجد، حيث يتقافزن و يتكئن على رؤوس أصابعن، وهن يحجلن داخل الباحة، على هيئة أشواط وصفوف، يُغنين ويزغردن بأمنيات وأدعية).

إنه يسرد، أو يتأوه ربما، ليصدم الذاكرة المعفيّة من استرجاع مآثرها، كما ينبش قناعات الوعي المستكين بحقيقة الزمن الذي كان مكاناً لإنسان ذي مزاج مختلف، وطبع اعتقادي مغاير. يرثي الكائن الدلموني الذي كان يتفنن في تدليل نخلته المغروسة في الطين كما يدلّل السومريون ملوكهم، فيما يسميه (رقصة النوروز) حيث يحتفي وعيه الطري بنشوة إمرأة موعودة بالأمومة، بعد أن دعكت بشرتها بماء رجلها، لتعبّر بمنتهى الانشراح عن فرحتها من خلال طقس عجائبي مثير حيث (تهللت ونذرت بأول حبلها أن تذبح شاة لبون، وتطش الدم وترشه على جذع النخلة، وتمسح جسد زوجها وتمرّر مسحة أخرى قرب ماحلمت به قبل المنام).
هكذا يصوّر ذلك الوراء البعيد الضاج بالكرنفالات المقدّسة في مشاهد سينماتوجرافية ساحرة هي المعادل لجوهر عباراته السردية (كنتُ أراهم  وأمشي معهم وأدور؛ أدورحول جذع نخلةٍ زينوها بأعلام وبيارق وأثواب كأستارٍ عُلقت ْ للتبرك والشفاعة والنذور؛ أدور معهم، وهم ُيسرجونَ توسلاتهم برجاءاتٍ هامسة ونذور... كنت صغيراً تمسكني أيدٍ كثيرة، وتجرني بهرولة الرجف وسرعة البركات، كنت صغيراً أتفرس بالوجوه، وأمعن البصرَ في البيارق الخضراء والحمراء والمزخرفة بنقاط مذهبة، يتوهمون بتقديس النخلة المباركة ويقدمون لها القرابين والنذور وما أدّخروه من نقود أسلافهم... كنت صغيراً وهم يألفون ضحكتي وتلصص عينيّ المدهوشة من شدة البياض). وفيما كانوا - رجالاً ونساءً - تحت وطأة حس العربدة الفرحة، كانت حواسه تنتقش بالأصوات والمشاهد والوجوه (حيوات أسمعها وأسجلها مدوناً عن سرّ النخلة وقدسيتها والبيارق الملفوفة والأجساد المكتنزة والبضّة والعطشى والرقص والغناء وتلصص الرجال).
تلك هي تأملات طفل (أخضر العود) امتلأت روحه بحب الحياة يوم قمطّته عمته بالقماش الأبيض وأخذته لحظة ميلاده إلى (جرف ماء البحر، بللّته بكفيها، هللتْ ببكائه، وغطتْ جسده الغّر بملوحة البحر؛ عمّدَته بتسبوعة  داخل الماء، وهي تزغرد وتلهج بتسبيحاتٍ وأدعية، وتعاويذ معوذة من الشر والحسد والضياع). يومها صادف (رجالاً إغتسلت أجسادهم بزرقة مالحة وصافية). استهوته تلك القامات الممسوسة بشهوة الطين فقرر تخليدهم في النص، وإعادة بعث عنفوانهم في المكان بما يشبه التراتيل (أمرّر طفولتي صغيراً حين أمرّ بالمكان نفسه، لأزرع جسدي لوهلةٍ أحسبها زمنا خذله النسيان...وغض بصره، أباركه بالنسيان والخذلان والخجل المتواري من سنوات الآباء وهم يغمزون أيضا عن حيواتهم الزاخرة والهانئة حتى بالهوان والجوع وحروب اللؤلؤ والغوص). وعلى حافة هذا الافتتان المزمن صار يتغنى بخطفة الشراع، وببحارة كان يظللهم قمر ناعس حين (تسامروا على إيقاع أكفٍ سمراء، شققها الفرح والكبرياء). ويستريح ببالٍ أبيض قبالة رجال قدريين وهم يلوون الخشب العنيد ليصنعوا سفن موتهم واغترابهم التي ستحملهم إلى ما وراء البحار وأعماقه ربما، فقد أراد أن لا يسمح لذاكرته باستفراغ مخزونها الحسي (كنت أتتبع إيقاع أصوات القلاليف وغنائهم، وأسمع نقر الخشب بفؤوسهم بعد أن صفوا الشلامين، وغطوا الثقوب بفتيل وقار، حبسَ اليم، وعزله حاملاً فلكهم على صفحة الماء).

من رغبته الجارفة للالتصاق بزمن الناس المعجونين بالطين، صار يعيد الروح لقاموس حياة مندثرة، وللمفردة البحرية على وجه الخصوص ليعادل من الوجهة البنيوية بين نصه والحياة المسرودة، بدون أن يسقط خطابه فيما يُعرف بالبيتية الثقافية، إذ لم يعدد مآثر البيئة بمجانية واعتداد بقدر ما حاول توطين المفاهيم والمفردات من منطلق قيمتها الإستعمالية الموحية بوجود حياة حقيقية ترفدها، بما يؤكد قدرته على توظيف اللغة كمركب بنيوي، حيث أنعش الذائقة بشراب (الجنداغ) الذي يستأنس به البحارة والنواخذة والطواشون أيام إسترخائهم في المقاهي بعد إستحمامهم في الحمام التركي. ومن ذات المكمن الجمالي أعاد تأوين كلمة (بَروة) التي تعادل حياة الغواص تقريباً، بما تعنيه من حق ملكيتة للأشياء، وبراءته من ديون النوخذة. ومن نفس المنظور استدمج مفردة (البرودة) في النص بما توحي به كحافظة فخارية ومبردّة للماء، وبما تعنيه كخور مائي آمن، أو كمكان معروف للغرباء والعابرين بين جزيرة تاروت والقطيف.
كل ذلك الحفر العميق الذي أحدثه في طبقات المكان المغمورة، ووشاه باللغة المتناغمة بنيوياً مع روح اللحظة المنقضية، لم يأت به من عندياته، بل كان يوازيه بحفريات معرفية في الكتب، فروح المكان والذكرى الشفاهية المضمحلة لما تبقى من ذلك الزمن لا تكفي لفهم اللحظة. وهو الأمر الذي كشف عن انحقان النصوص بجرعة ثقافية لا يستهان بها، تقوم على تذويب الوثيقة التاريخية داخلها، وتفعيل البعد الأسطوري في أنساقها، فذلك العالم المحمول على سحرية الخيال لإعادة تركيب المشهد، لا يمكن مقاربته بما يتداعي من أفواه الأسلاف وحسب، بل بتوطين المكان في مهاده التاريخي والميثولوجي والأنثروبولوجي، أي في وساعات وأعماق الحاضنة الدلمونية، حيث طبع جلجامش خطواته الأولى. ومن ذات المكان وقف إلى جانب (إنكي) قبالة الشاطئ المليء بالحكايات والأسرار والكنوز،  ليسترجع عبورات جلجامش في الأرض المنسية بتساؤلات أشبه ما تكون بالغناء (ماسر دلمون ؟؟؟ ماسر دلمون التي نخّب وتخّب لها الأفئدة؟؟ ماسر مائها، وماحكمة الأجساد التي تتوق لغسل غربتها وتيهها، والبحث عن خلودها). محتفياً بملحمة الغوص كما توارثها آباءه وأجداده، ذوو السواعد السمر من أول غواص في التاريخ (سبع مردياتٍ، تناولها جلجامش من الملاح أنوباتشي، سبع مرديات، لسبع سماوات؛ في كل سماءٍ صرخة وضياع، وفي كل صرخةٍ بحر ويابسة... سبع مردياتٍ، أدرك سرّها اتونابشتم الحكيم، كي يعبر جلجامش أرخبيلات سبعة في مياه دلمون الطاهرة؛ المياه التي غسلت بدن جلجامش الملطخ بوعثاء، وحسرةٍ وضياع وسحنة حائلة).
أما الممر السري لكل تلك المشاهد الكرنفالية والحكايات الغرائبية، فهي أمه المفتونة بسحرية الطقوس، التي أورثته حس الإنغرام بشعائرية الطقس وقدسيته، في قالبه الحزائني بالتحديد، بما يستبطن في طياته من بهجات مشوبة بالحذر، مع اختلاف مواقع الرؤية والإحساس بالأشياء، ما بين منظور الطفل الجمالي، ومكامن خوف الأم الغامض من المجهول والشرور والحسد، أو الرغبة في التقرب إلى الله، كما يدلّل على قوة ضخها الجمالي عبر حبلٍ سري بينهما مرّر إلى ذاكرته كطفل حركتها المتئدة بإعداد طقس (مائدة مريم) المستمدة عوالمه كما يبدو من بقايا الاعتقادات النسطورية حيث يؤدى طقس الخبر أو الخميرة المقدسة Holy Leonen  كواحد من المقدسات السبعة، وكمكمل للازمة العشاء الأخير، من خلال مشهدية درامية أخاذة (خبز أسمر معجون بخميرة تمر، وسمك مجفف، وكرّاثٌ أو ماتنبته الأرض من قثائها؛ تضعه في "زنبيل"، وتغطيه بخرقةٍ خضراء ناصعة وطاهرة، رائحتها زكية فواحةٍ بلون الأضرحة؛ أترقبُ هذا العيد، وهي تسميه "وفاة "، كما عادتها في الحزن).أو هكذا كان الطقس بالنسبة لها تعويذة تحرس بها طفلها، كما تتقنه (أمهات أرضعونا "بختنا"، وتمائمنا وهي تعلق على الرقاب أو توضع على هيئة أحراز، تربط في الزند، أو تحت "مخداتنا "، وهن يحشيهن بقراطيس وأدعية وصور أئمة وسورة ياسين، ونعاس يتمايل قريباً من جفوننا، وقبلةٍ رطبة تستحث الفجر أن يدللنا بطرّته).
على هذا الإيقاع الشعائري كتب حسن دعبل رقمُّه الطينية، بذاتية صادمة، تُموضعه في قلب النص، وبدون أن يرمي أناه كجثة طافحة على صفحاته. وقد استطاع من خلال تلك المصارحة للذات المقهورة تحت عبء هوية مستلبّة، أن يستجلي بعض آثار المدن اللامرئية، الملفوظة بالرمل، وأن يستفز ذاكرة يراد لها ألا تستيقظ، ليعيد لإنسان هذا المكان المُغَادر روحياً، وعيه التراجيدي بالزمن، من خلال كتابة لا تراهن على الزعيق الأيدلوجي أو تصعيد نعرة المباهاة، وبدون تضخيم مجاني للأنا الإجتماعية أو التاريخية أو الفئوية، إنما بالرهان على مكوّن جمالي بمقدوره صد القبح بكل معانيه، أي بجاذبية نص ثقافي، حسّي في جوهره، مطبوعة آثاره الجمالية ومعانيه على خشوف الجرار وغبار طين الجدران المتهاوية، كما شكّل كل ذلك الأثر الحفري الفنان العراقي إياد القره غولي، بلوحات تعبيرية يسيل من خطوطها زبد البحر المتلألئ على حافة الشطآن، وينبعث من ظلالها بخور النذور، كما تتسرب من شقوقها وبياضاتها آهة الحسرة، التي تسيل على طين داسته أقدام نسيت أو لا تدري ربما أنه كان دور عبادة، وأديرة، ومذابح مقدسة.

جريدة الرياض - الخميس 16 يوليو 2009