(خذيني إلى موتي)

زياد خداش يذرف حكاياته الواقعية المسكينة

بالإضافة إلى حركة الدبابات، ودمدمة أحذية جنود الاحتلال الصهيوني، ووشوشات مرتادي المقاهي، وصيحات أطفال الحجارة، وبائعي العلكة الفقراء، التي تغص بها مدينة (رام الله) كوقائع يومية، تحتل المرأة بحضورها الأنثوي أغلب نصوص مجموعة (خذيني إلى موتي) باعتبارها وحدة سرد مركزية، حيث يصر زياد خداش على استدعاء (امرأة) لا تبدو حيادية، أو مقاربة نصياً كموضوع، بل منغرسة بعمق ورهافة داخل عوالمه الشخصية، وفي مرمى تشهّيه، فالمرأة في نصوصه تعادل الحياة وليس الموت، وهنا مكمن المفارقة الدلالية في عنوان المجموعة، التي تكشف من خلال صراحة الشخصنة في القص عن انعدام المسافة بينه كسارد وما يسرده من رؤية شخصية للعالم.
يتأكد هاجس التأنيث الساطي بتكثُّر مفردة (النهد) مثلاً، التي تتمدد كبساط لغوي شفاف على كل مفاصل المجموعة، فيما يبدو حضوراً جمالياً ضاغطاً يؤكد بدوره على الوظيفة الإنفعالية للسرد التي تُبين عن خلجاته كسادر، كما تحدّد تموضعه الحياتي وموقعه من الحدث داخل القص. أما الشاعري في النصوص فهو إنكتابها في المجمل على إيقاع دمعة متدحرجة، تنم عن حزن عتيق يتسرب بقصد ودراية من ذاته كسارد إلى شخوصه، حيث يمكن الإحساس بهشاشته العاطفية التي يمزج فيها غالباً بين حدث المرأة والدموع من خلال الدفق الشعري لعباراته المتهادية (أحب طعم دموعها وهي تسقط على نهديها، أحب ندمها وسقوطها، وعزلتها، حين تصحو فيها الوصايا).
هكذا تبدو المرأة بالنسبة له، فهي ليست مجرد عادة عضوية يستجلي حواسه من خلالها ويخترق سقوف التابو الإجتماعي بكثرة الإحتكاك بعوالمها، بل هي مهماز ناعم، ينجلد برهافته، ليحقق حضوره الحياتي/الكتابي، حيث تكمن سر شاعرية القص عنده في قدرته على تذويب الأنثى في ممرات نصوصه، ودفقها بهدوء في مجرى سردي عميق هو بمثابة البنية الغائرة لسطح النصوص. كما يمكن في المقابل تلمس سطوة ذلك الأثر الجمالي أيضاً، عند تأمل المجموعة من خارجها، أي بمجرد التماس بلافتة (الإهداء) المعلّقة كنص متكامل في بنيته الشكلية والدلالية، حيث يهدي نصوصه إلى امرأة معرّفة هي التي بمثابة النص الأنثوي الجامع، إذ حرضته على الكتابة والحياة (إليها تلك العالية، هناك في مدينة الشعر والموت التي حثتني باستمرار على أن أكتب كتاباً جديداً وهددت بغياب إنْ لم أفعل. إليها: وهي تقول سأضع كتابك في حقيبتي أقرؤه في سيارة الأجرة والشرفة والمكتب، مختلطاً بالعطور والشوكولاته. إليها: وهي تعيره للزملاء والأصدقاء والجيران هامسة بخبث جميل: هذا كتاب جيد فاقرؤوه. إليها تلك التي تحت ضغط صوتها ومن أجل سعادات صباحاتها الصغيرة كانت هذه النصوص).
إنها نصوص حارقة، رغم ما تبدو عليه من بساطة وعادية في بناها الشكلية. ربما لأنها مكتوبة من حافة ذات إنتحابية تنوء بحمولاتها الشعورية والمعرفية وهي تتأرجح على حافة الأربعين، كما يحلو لزياد التلفظ بمنعطفات عمره، والتنويع على ملتبساته الشعورية، وانفجار خزينة العاطفي على تلك الحافة التي تُعرف بيقظة الحواس، الأمر الذي يعني إحساسه الحاد بالزمن، وتماسه الإنفعالي بكل ما يتطابق من الوجهة البنيوية بين الكتابة ونص الحياة. ولكن رهافته الناهضة على إقتصاد لغوي، لا تعني أنه، وهو الحاضر دائماً باسمه الحقيقي، غير معني بكتابة موضوع، بل العكس هو الصحيح فنصوصه تزدحم بالمضامين، ولكنه على ما يبدو أميل إلى تأكيد نزعته الذاتية، إذ يعطي لنفسه الحق في موضعة كل عناصر السرد كخلفية لأناه الضاجة بالحياة.
ذلك التضاد الدرامي الخلاق في نصوصه يعني أيضاً أنه كاتب واقعي بدرجة صادمة، يغترف بمخياله الخصب ما يتيسر من ألق الحياة، ويخلّق بخبراته اللغوية ما لامسه بحرقة التجربة، إلى الحد الذي يخاف فيه من خيانة الواقع الذي يعادل عنده جريرة التخلي عن ناسه ومكانه، كما يتبين ذلك التشبث بالواقع في نص (الطيون والجنود وأنا) حيث يعترض سياق النص بجُمل لا تربك إيقاعه، ليعاند أي إمكانية للتجنيج اللفظي أو الإنطراد تحت أي مبرر فني خارج نصه، بعبارات تنم عن الانتباه الدائم، وتؤكد منحاه الذاتي (سأحاول بأن أعد الآن بأن أصد بروحي وكلماتي المباشرة وجسمي تحرشات ذئب المخيلة ونسر الفن، حينما يحاولان كعادتهما الرائعة التدخل لإضفاء طابع سحري أو سريالي على حكاياتي الواقعية المسكينة، حكاياتي التي تحاول أن تحمي دلالتها وحكمتها الصارختين والمحددتين، حكاياتي وتجاربي الشخصية التي أستغلها بوحشية).
ثمة تلازم بنيوي بينه وبين المرأة منذ طفولته، فهي عصب سرده، ومكمن نشوته وأحزانه، كما يتأكد إنغراسها العميق في وجدانه من خلال نص يخنق الأنفاس بعنوان (شتاء في قميص رجل) حيث يتعلق زياد الطفل الذي يشبه شعر رأسه حقل شوك، بصديقة طفولته هيفاء، لكنها تنصرف عنه ناحية رفيقهما سامر الذي يشبه ملمس شعره الناعم نعومة الانزلاق على الماسورة بسهولة. وبعد مضي أعوام، كما تفيد الحكاية باعتبارها المعادل للمنطوق السردي، يتفرق الأطفال ليفاجأ زياد الذي غدا مدرّساً بابنتهما في مكتبة المدرسة وهي تباغته بفجيعة موتهما وعقدة شعره الأكرد، فيما يشبه وجع إلتقاء الكائن بماضيه، من خلال عبارات باترة مزروعة ببراعة على شفتي طفلة بريئة لا تدري أنها تعيد طقس ذبحه مرة أخرى (أستاذي أنا أحب هذا الوادي كثيراً، أمي كانت تلعب هنا، حدثتني عن النفق والشجر والبركة والماسورة والجبل والورقة وسامر، وآخر نسيت اسمه، يحمل على رأسه حقل شوك) وحينها لا يحتمل إلا الفرار بدموعه ودمه من أمامها ليعيش مرة أخرى تبعات هفوة تراجيدية لم يرتكبها لكنها تطارده كقدر.
أما قصة (الطيون والجنود وأنا) فيبكي فيها زياد لحظة انبطاحه على الأرض تحت تهديد فوهات بنادق الصهاينة في حادثة إشتباه أمني، وعندها تنفلت من عينيه قطرات ساخنة تروي الطيونات، فيتمتم بذعر لا يخلو من فرح (ما هذه القطرات التي تبلل عيني..بعد قليل ستنمو طيونة جديدة، هأنذا أسقيها بدموعي فانتظري انتظري). وحينها يتبدد خوفه وحزنه فللطيونات حكاية أثيرة على نفسه، وكأنه يحاول تحقيق رسالته في صميم خطابه السردي بما يشبه تخليط عناصر القص في شحنة عاطفية ذات دلالة، فقد كان يجمعها ويهديها لحبيبته المراهقة سحر (كل مئة ورقة طيون بقبلة ساخنة وعنيفة). ولم يكن يعرف آنذاك أن وراء المهمة الموكلة إليه حكاية حزينة، وأن حكايتهما الرومانسية ستنتهي بانتحارها حزناً على أمها، كما أخبرته أختها حيث (كانت تغلي الطيونات وتدهن بها جلد أمها الذي نهشه السرطان بناء على تعليمات طبية قرأتها في مجلة عابرة ورخيصة). لتنتهي القصة على صوت الجندي المحتل وهو يوقظه من أوجاع تلك الذكرى المؤلمة إلى حقيقة هواء الإحتلال الفاسد الذي يسد منافذ الحياة (عليك أن تذهب إلى البيت الآن وتتزوج يا زياد فوراً وتنجب أولاداً، وتحضرهم إلى هنا حتى نتهمهم برشقنا بالحجارة هل فهمت؟؟).
إنها حكاية الكاتب الذي قايض جسد المرأة بنصه، من خلال حيوات تنوب عنه داخل النصوص، فصار يكتب حكاياته في واقع جسدها وينكتب على إيقاع اللهفة إليه، فهي أداته لهتك جدران الواقع والهزء من مراوغات المجاز، بمعنى أن لم يتخذ من حضنها محلاً لترويض فوراناته والتباكي على خيباته بقدر ما عاشه كمنصة لتثوير النص والذات، إذ تشي النصوص بكائن قدري غير آبه بشيء لا بكائن تائب أو مرتد عن الحياة رغم نبرته الحزينة، كما في قصة (بعينين باردتين) لحظة التقائه بامرأة صارت نصاً بدون موعد (كانت تجهش بالامتنان كنت أنا أجهش بالاغتراب، لم تكن حبيبتي كانت مجرد امرأة مطرودة باختيارها من جنة القناعة البيتية، يدهشها نصي ويحيرها بحثي عن السري والمهمل والمعتم في جسدها، كنت أنا قابلاً وجاهزاً لندائها). وكذلك في نص (جنون القمر) حيث يتطابق النص مع الجسد حد الحافة بالحافة واقعاً وخيالاً (يا الله أهي المرة الأولى التي أراه فيها بهذا الشكل؟ أم هي المرة الأولى التي أنظر إليه فيها بهذا الشكل؟ يا له من نص مفتوح لاقتراحات المخيلة؟). 
من ذلك المرجل الحسّي تتشكل نصوصه، فبمجرد أن يرتطم بصره بمفاتن امرأة تتدفق لغته بلا هوادة، كما في نص (حشرة عمياء يقودها طفل) وكأن الكلام يسيل على إيقاع تشهّيه المزمن للنساء، كما يستعرضهن بتنويعات مختلفة كمخلوقات شفافة مؤمكنة، وفي نفس الوقت غير عابئة بخشونة الواقع في رام الله (امرأة بقميص نوم أزرق، تخرج من غرفتها، تتكئ على طرف الشرفة، تتثاءب، تتمطى، تنقل نظرها هنا وهناك، فجأة أرى شعرها يطير، فتقبض عليه وتجمعه في يدها، وتبتسم للريح، يا إالهي! من أين أتاها الهواء؟؟) لكن هذه الإيروتكية الطافحة في النصوص ليست مجانية، ولا تقدم بمشهدية مبتذلة أو فجاجة لغوية، بقدر ما يمكن استشعار وجودها كمضادات ضمنية للإحتلال والهزيمة، أو هي بمثابة المعنى الإنتشائي الخاص الذي يريد زياد إشاعته مقابل معنى الخيبة العام، حيث يحمل المكان الفلسطيني سمة البطولة بدون تلفيظه.
وربما لهذا السبب بالتحديد لا يبث حمولاتها على تعبيرات سافرة بقدر ما يدسها تحت رداء لغوي رهيف، فرغباته تعادل إحساسه الوجودي الأصيل بالحياة. كذلك بطلاته، تبدو المجاسدة في قاموسهن حالة من الانعتاق والتماس الحقيقي بمعنى الحياة، كما في نص (حكاية المرأة التي هربت ذات خريف) التي يحيل عنوانها الدّال ومضمونها المكتنز بالمعاني إلى امرأة (تحب الحياة كثيراً). وكذلك في نص (خذيني إلى موتي) الذي تعبره امرأة بريئة ومدهشة أرضعته حليبها صغيراً واشتهاها يافعاً، فصار يطاردها بمراوداه، ويعيد تنصيص زوجة الفرّان التي يعاملها زوجها كعجينة بكلماته الدافئة ليسويها على سفود الإشتهاء، فيما يتأملها وهي تعبر الحياة (بنهدين هائلين وحرّين مخبأين بخبث وإهمال مقصود تحت قميص نوم أزرق بلا أزرار تمشي المرأة الغريبة باتجاه مكان ما...).
لكنه لا يبلغ دقته التوصيفية، وقدرته على تقديم الجسد كمعادل لإرادة الحياة إلا في نص (لا بأس فأنا هنا أنا هنا) الذي يحكي فيه بسادية سردية قصة رجلٍ يتفتت وهو يشاهد شقيقيه المغلولين بقدر الإعاقة وهما يتجاسدان بلا أي عُقد ولا احتراز (أخته نائمة فوق أخيه بطناً على بطن، أخته تضغط بقوة جسدها الممتلئ بجسد أخيها النحيل، الأخ متفاجئ ولكنه سعيد ولا يعرف لماذا، والأخت متفاجئة ولا تعرف كيف تتوقف أو لا تريد، وهو مذهول، مذهول ولا يعرف كيف يتصرف، الأصوات تزداد توحشاً، أخوه يضغط بيديه البلهاوين على ظهر أخته وعلى ردفيها، أخته تشهق، كأنها تموت، الأخت تضغط وتضغط والأخ يحفر ظهرها شبه العاري، أحس برغبة في أن يقول لهما لا بأس، لا بأس فأنا هنا، أنا هنا) لينهي المشهد الموجع بتساؤل أكثر إيلاماً، وكأنه لا يقص بقدر ما يطلق نداء استغاثة يتردد صداه على ايقاع العبارات المترادفة (هل يعود إلى فراشه ويدفن رأسه في وسادته ذات القطن المنفوش ويبكي بصمت؟) منهياً نصه بعبارات حزن كثيفة ومثقلة بحس الاستسلام حيث تبدو اللغة على درجة من الإنهاك والتناغم البنيوي مع إحساسه بالتعب وقلة الحيلة (هدأت الأصوات وانطفأ الحريق. هما بحاجة إليه الآن حتى يعيد ترتيب فراشهما والربت على أكتافهما والقول: لا بأس أنا، هنا أنا هنا).
هكذا تتوالى نصوصه لتفسر بعضها بعضاً، إتكاء على وجود المرأة التي تحضر كقيمة مهيمنة بالمعنى النقدي، وتعمل كمشدٍ لكل النصوص. أما غيابها بأي شكل من الأشكال، ولو على مستوى الفكرة أو الخيال فهو مدعاة للحزن والوجع والتيه، كما يعبّر عن إختلاله الشعوري في نص (غياب الأخت) بفقد من نوع آخر، حيث يستهله بعبارات تنم عن الحسرة والفزع (أربعون عاماً تقريباً وأنا بلا أخت، آلاف المرات نهضت من نومي إلى عملي دون أن يكون لي أخت...أبكي في وحدي في الليل، أكتب القصص الرديئة، وأتشاجر مع أصدقائي). ويمنتهى اللوعة يتمنى إنوجادها، ويتغنى بمآثرها المتخيّلة الموجبة لطمأنية أناه وموازنة شكل الحياة (لو كان لي أخت..لصار عندي للنهد وظيفة أخرى غير إطفاء لهيب رجل...كم هو جميل أن تكون لي أخت أرى من خلالها جسر أمان نحو ضفة تبدو بعيدة، ضفة أحتاجها وأريدها!). ومن ذات المكمن الموجع يؤرخ حزنه (منذ أربعين عاماً تقريباً وأنا بلا أخت، من يقرضني أختاً بأخطاء وندم وحنان وقلب كبير ودموع في الليل الطويل؟...منذ اربعين عاماً وأنا بلا أخت. أخت تطلب من أمي أن تسامحني حين أخطئ، أخت تبوح لي عن حبيبها السري، وأبوح لها عن حبيبتي السرية، أخت بمريول أخضر، ودفتر رسم، ونظرة ذكية وروح حرة، واستعداد أبدي لتكسير المساطر) ليختتم نصه بعبارة انكسار (لماذا أشعر بالحزن عندما الفظ كلمة أختي). 
هكذا يحشّد زياد خداش رؤيته للعالم في امرأة معجونة بالدموع، ومنحوتة براحات الاشتهاء. وما تلك الرؤية إلا التعبير الأمثل لتيار الوعي المشدود أصلاً إلى سطوة الواقع، بمعنى أنه يوكل تمثيل  شخصيته إلى سارد كضرورة أو تقنية سردية لإيصال الخطاب، فمهما تعددت نصوصه تظل مسكونة بشخص واحد قدره البكاء، سواء ظهر على شاشة النص طفلاً أو على حافة أربعينه، ولذلك لم يكن من المستغرب أن ينهي المجموعة بنص (مدينة تضحك رجل صامت) حيث يساوي الصمت حالة الحزن والبكاء والتعب، الأمر الذي يعزز تشخيص الطبيب لسر دموعه المنهمرة في نص (غرف للانتظار) بمنتهى البساطة (عيناك يا شاب ستة على ستة، لا شيء فيهما سوى الحزن، وماكنتي غير مخوله لعلاج الحزن). حتى عندما يواعد حبيبته كما في نص (موعد شاحب على الدرج) يبعث لها رسالة مبلّلة بالدموع ويكتب لها (تعالي إذن نموت معاً، انهضي الآن، جهزي حقائب التعب وسأجهز أنا معطفاً للبكاء السري العنيف). وهو ذاته الرجل/السارد الحزين الذي يراقص المرأة الموجوعة في نص (رقصتها الأخيرة) ويتأمل (الدموع الصغيرة تتجمع في حضن اليد البيضاء).

جريدة الرياض - الخميس 23 يوليو 2009