الناقد محمد العباس:

المرأة في السعودية تاريخ من التضحيات قبل أن تخضع لخطاب الحداثة وألاعيب الإعلام

الناقد محمد العباس:
المرأة في السعودية تاريخ من التضحيات قبل أن تخضع لخطاب الحداثة ةألاعيب الإعلام
حوار : أمل زاهد
الآطام – العدد 36 ديسمبر 2009
لا يكتفي باعتبار النص المكان الأرحب للقاء, ولكنه يجد فيه بكل معانيه وتشظياته مكانه ومحل إقامته..ويحلم بالإقامة فيه حد الاستنقاع, كحاضن مكاني ومرجعية تاريخية ومهاد جمالي..
إنه الناقد محمد العباس العاشق للنص والمسكون بفتنة الكلمات, والساعي جاهداً للتماس بالنص حيث كل ما فكر به الإنسان وأحسه عبر تاريخ وجوده..التقت الآطام محمد العباس فكان هذا الحوار:
1-كيف تقيم الحركة النقدية في المملكة العربية السعودية ؟ وهل تواكب هذه الحركة المنتج الأدبي أو الثقافي  ؟
عدا أسماء ومحاولات قليلة، لا تبدو الحركة النقدية في السعودية ناشطة بما يكفي ليس لمحايثة المنتجات الإبداعية وحسب، ولكن حتى في تصديها لقراءة الظواهر الأدبية واستشراف الآفاق الثقافية الممكنة، فالكثير مما يطرح من المقاربات النقدية يتسم بالتقليدية والمدرسية وغياب المنازع الجمالية، رغم ضجيج الحداثة، وهو أمر لا يتحمله الخطاب النقدي فقط، بل يقع اللوم أيضاً على تهافت المنجز الأدبي، فهو على درجة من التواضع وغير محرض على تثوير فعل المناقدة وشحذه، كما أن للأمر صلة بفوضى الإنتاج الأدبي وسوء إدارة الشأن الثقافي حيث يتم التعامل مع الناقد وكأنه مجرد مسّوق للأعمال الإبداعية، وهو أمر طبيعي في مجتمع غير ناقد أن يكون للنقد والناقد تلك المكانة، ولعل إطلالة بسيطة على الدراسات الأكاديمية - مثلاً - حول الرواية التي تم اعتمادها مؤخراً تفصح عن التواطؤ الصريح بين النقد المستكين وبؤس النص، وبتصوري أن الخطاب النقدي الذي يتصدى له منتجو المعرفة يتقدم على ما يتراكم بشكل كمي عند منتجي النصوص.
2- هناك من يتهم النقاد أنهم يتحدثون لغة نخبوية لا يفمهمها غيرهم ، تحتشد فيها المصطلحات النقدية والتعبريات اللغوية المفخمة التي لا يفهمها كثير ممن يتعاطون مع الأدب كتابة وقراءة، مما يقلل من فرصة النقد في تقويم المسيرة الأدبية وتحفيز الغريزة الاستبصارية للكتابة للتوجه في الاتجاه الصحيح ، هل توافق على هذا الرأي ؟ من هذا المنطلق ما هي وظيفة النقد كما يراها الناقد محمد العباس ؟
الناقد كما يموضع في الداسات الحديثة هو وارث الفيلسوف، وبالتالي لا بد أن يكون النقد كخطاب على تلك الدرجة من التعالي اللغوي والإصطلاحي، بالنظر إلى تعقّد الجهاز المفاهيمي للناقد، الأمر الذي يعني بأن النقد بقدر ما هو محاولة لتفكيك النصوص هو مقاربة مباشرة في عمق المشهد الحياتي، وعليه ينبغى أن يكون الناقد ملماً بالنظريات والمناهج والسلوك الإنساني، بمعنى أنه يتحرك ضمن دائرة متعالية معرفياً سواء على مستوى اللغة الإصطلاحية أو على مستوي الفكرة أو المعالجة المفترضة للنص،  الأمر الذي يحتّم أن تنحقن مقارباته بجرعات ذات صبغة منهجية، ولكن ليس إلى حد تحشيد الناقد لكل خبراته اللغوية في مساحة محدودة، بمعنى أن يستذكي القارئ ويُشعره بإمكانية أن يشترك معه في تأويل النص عند مرقى يتجاوز الكلام، بالنظر إلى أن النقد هو مرحلة تتخطى مرتبة الكلام واللغة أيضاً إلى حافة الكتابة، وأظن أن القارئ الكسول ليس بمقدوره التعاطي مع الخطاب النقدي ولو في حده الأدنى وبطبيعة الحال هو أبعد ما يكون حتى عن قراءة النص بشكل صحيح. النقد ليس من مهماته شرح النصوص أو تلخيصها على طريقة إعراب الفاعل، بل تفكيكها وانتهاك الذات المنتجه لها، ومفاعلة كل ملفوظات النص وسياقاته وكل مركباته بما يتفاعل داخل اللحظة، بمعنى أن تكون القراءة (عبر-نصية) تنطلق من النص إلى الواقع والعكس، أي تفسر الواقع من خلال النص وهكذا. ومهما تعددت المناهج والمقاربات يظل الناقد صديقاً للنص ومحباً لمنتجه، فمجرد التماس مع نص يعني أن فيه ما يستحق المساءلة أو الإشادة أو تفتيق حالة جدلية بقدر ما توّلد معرفة تنتج لذة.
3-تتأسف على غياب الأسماء الخليجية عن قوائم الفائزين في جائزة بوكر وتؤكد على وهن المنتج المحمول على رافعة إعلامية وتحيل استبعاد وغياب المنتج الخليجي لهذا الوهن ، في رأيك ما سبب هذا الوهن والضعف في المنتج الخليجي الروائي ؟ وهل ترى انفراجة في الأفق ؟
الأسباب تعود في الأصل إلى كون المجتمعات الخليجية قد عاشت لفترة طويلة في مراحل (الماقبل) بما في ذلك مرحلة ما قبل الرواية، حيث لم تتمثل الذات الإبداعية عادات القراءة والكتابة بقدر ما استنقعت لعقود في الشفاهية وأقامت في ارتكاسات المحرم الثقافي، ولكن هذا الوهن الذي كان يبدو في يوم من الأيام كمعضلة تكوينية في الذات الخليجية تم تجاوزه مؤخراً بعد محاولات متواصلة، وإن من خلال ذوات عصيانية فردية، وليس كحركة إجتماعية تاريخية يمكن التعويل عليها، وأتصور أن أغلب الروايات التي شاركت في مسابقة البوكر للدورتين السابقتين، التي صدق منتجوها كذبة الرافعة الإعلامية، لم تكن مؤهلة للمنافسة، رغم ظهور روايات خليجية مشرّفة بين آونة وأخرى. ومن خلال متابعتي لما ينشر أميل إلى وجود روايات لافتة هذا العام ستنافس على القائمة الطويلة وستدخل القائمة القصيرة رغم ضراوة المنافسة، وهي علامات ثقافية على درجة من الأهمية ليس على المستوى الفني وحسب، بل على مستوى التماس بلحظة التحضُّر والمدْينة، على اعتبار أن الرواية خطاب وثيق الصلة بضرورات المجتمع المدني ومتطلبات الحداثة الإجتماعية.
4- تتحدث عن إشكالية عميقة في المشهد الثقافي السعودي ولعلّ هذه الإشكالية موجودة أيضا في المشهد العربي بشكل عام ، وفيها ينطلق كاتب النص الأدبي أو الإبداعي من الشتائم الهذيانية والرغبة في التصادم مع الإيدلوجي وثقافة الوصاية بصورة استفزازية لا تتولد من رحم التساؤل الوجودي أومن التلظي في قلق الأسئلة المشروعة .. في تقديرك لماذا يبدو حتى الخطاب الإبداعي مأزوما في مشهدنا ؟ وهل هناك تشجيع مضمر لهذه النوعية من المعارك من السياسي ؟
الواقع هو مرجعية النص الإبداعي مهما تزخرف وبالغ في التجريب والحداثة، وعليه فإن المبدع الذي يعيش حالة مزمنة من الإرتباك قبالة السلطة والتراث والمرأة والمجتمع والآخر إلى آخر متوالية الإشكالات والوصايا الساطية لا يريد أو ربما لا يمتلك القدرة والدراية الكافية لإقامة علاقة صراعية يتمخض عنها موقف أو رؤية، بقدر ما يدور في أسئلة حلقوية، وبذهنية أفقية تعيد إنتاج الأسئلة ذاتها، وتمعن في تجريب المجرّب، وهو ارتكاس ينعكس بشكل مباشر في النصوص النيئة المفرّغة من حرقة التجربة، ومن لظى التوق إلى المعرفة، حيث تتنازل الذوات المبدعة عن خبراتها اللغوية واللالغوية لصالح نص شكلاني متخفف من القلق الوجودي سرعان ما يتم تلقفه إعلامياً والترويج له كنموذج معياري للنص المتجاوز بدون إخضاعه لمقروئية منفتحة أو تمديده على طاولة الفحص النقدي، وهذا هو ديدن الوعي الزائف الذي لا ينتج إلا البائس من النصوص، والذي يمكن خداعه ودفعه إلى معارك في الهامش لقاء وجاهة صورية أو فتات مؤسساتي، فالمثقف الحقيقي لا يتصارع مع مثقف إلا من أجل النص وجمالياته، ولا يمكن أن يُظهر شراسته ونقاء رؤيته إلا في مواجهة مفاعيل السلطة بكل أشكالها، لكن للأسف يسقط الكثير من المثقفين في معارك الثنائيات الحادة وكأنهم بيادق بيد السلطة لطمس تيار أو تبديد حالة فكرية ناهضة.
5- ترى أن هناك في مشهدنا الثقافي من يمارس خديعة المحظور والممنوع رغبة في تضخيم الذات الكتابية والرفع من شأن منتج ثقافي لا يستحق التأطير ، ألا تعتقد أن مهمة الناقد هو فضح هذه الممارسات وكشف عوارها للمتلقي ؟
بالتأكيد، وأعتقد أن النقاد الذين تخلوا عن هذا الدور تحت ذريعة عدم رغبتهم في إطلاق (حكم قيمة) إنما يسمحون لتلك المنتجات المعطوبة بالإستشراء وطرد العملة الإبداعية الحقيقية، فالممنوع   قد لا يحمل بالضرورة قيمة معرفية أو جمالية متجاوزة أو مدمّرة بالمعنى الإبداعي. وليس كل محظور جدير بالقراءة والجري وراءه لاقتنائه. ولا شك أن على الناقد أن يفضح سلوكيات الخداع الترويجي وكشف تهافت النص المراد تمريره عبر خديعة المنع والمصادرة، ولكن ليس لدرجة التخلي عن مشروعه النقدي ومطاردة حيل أنصاف المبدعين لأنها أكثر من أن تحصى ويمكن أن تستهلك جهد وطاقة القارئ والناقد على حد سواء. وأعتقد أن على الناقد أن يجادل بين آونة وأخرى برامج المؤسسة ويحرج مجايليه المتواطئين على السكوت، فالبرامج المنبرية المتكاثرة لا تنتج خطاباً ثقافياً بقدر ما تلمّع أسماء وتؤهلهم للتحدّث بفجاجة وادعاء عن الشأن الثقافي، وفي هذا الفعل المدبّر تضليل لا يفترض تمريره، فالناقد الحقيقي ينبغي أن يكون صوت الهامش وليس صوت النخبة، وأن يكون متلقيه هو الجمهور والناس وليس القرّاء بالمعنى الأدبي.
6-  هل تنأى بنفسك عن نقد ومناقشة بعض الصادرات الأدبية لإيمانك أن التهميش هو أعلى وأنجع مراحل الرفض كما ذكرت في مقالتك ؟
التهميش لا يقصد به النص وحسب، فأحياناً تهميش الجهات التي تبحث عن عدوٍ إفتراضي لتكتسب شرعية وجودها ينبغي إلغاء وجودها بتجاهلها، وعدم الدخول معها في اعتراكات هامشية، لأن هذا الإشتباك هو أحد مطالبها للحضور. كذلك النص البائت النيئ الذي لا ينهض على المعرفة الحسّية بمعناها الجمالي المؤلب، لا يفترض إضاعة الوقت والجهد وتبديد الوعي في مقاربته، وحينها يكون التهميش هو الموقف النقدي اللازم إتخاذه ليُترك ذلك النص البائس في حالة موت اكلينيكي بطيء بعد أن ترفع عنه إسعافات الإعلام. وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن كل ما لم تتم مقاربته يعود إلى رداءته، فالكثير من المنتجات الإبداعية لا نمتلك من الوقت والجهد من يكفي للألمام بها، لدرجة أن أولويات المناقدة ترتبك لأسباب كثيرة ليس من ضمنها إرادة التهميش.
7- ترى أيضا أن المعارك لا تحدث صدفة وأن التصارع اليومي مع التيار الديني لا يعني بالضرورة شجاعة بل يشي بمصالح متبادلة بين الطرفين ، بمعنى أن كل منهما يقتات على معركته مع الآخر لتأطير ذاته وتضخيم دوره إما بحماية وحراسة القيم الاجتماعية من الديني، أو بالإنتفاخ بشجاعة موهومة تخلع عليه نياشين البطولة في تصادمه مع مؤسسة لها سطوتها على المجتمع من التيار المعاكس ! إلى هذا الحد يبدو المشهد قاتما والأزمة متحكمة في كل ملامح مشهدنا الثقافي ؟!
هكذا أري المشهد وأحلله، فهناك من الكتّاب من يتعيّش على بعض تجاوزات المؤسسة الدينية وتصيُّد إرتكاباتها، ولا يريدها بالفعل أن تكف عن تحرّشها بالمجتمع، وبالمقابل تحاول المؤسسة الدينية الإستحواذ على الخطاب الثقافي باعتباره – حسب تصورها - شكلاً من أشكال الحالة الدينية، وذلك من خلال إكتساب شرعية الحضور عبر إشتبكات مصنوعة تبدو في ظاهرها حالة إختلافية بشأن قيم الفن والجمال ومصادر المعرفة، ولكنها في حقيقة الأمر حالة متأصلة في الوعي الديني للإستيلاء على الفضاء الثقافي بعد أن تمت مصادرة كل الحقول الحياتية، على اعتبار أنه المكان الذي تتأسس فيه معركة المجتمع المدني حيث التناقضات الكفيلة بانتاج قيم التنوير والتحضُّر، وللأسف هنالك فصيل من المثقفين من استمرأ هذه اللعبة لقاء وجاهة وقتية، أو نجومية إعلامية، يدفع ثمنها المثقف الحقيقي المحكوم عليه بالتراجع في خلفية المشهد، وكذلك النص الجمالي المصادر بذريعة وجود معركة مصير تستلزم تأجيل البت في جمالية النص والتعارك العبثي اليومي مع طوارئ وافتعالات الحالة الدينية.
8-ترى أنه من المهم يتحرك المشهد الثقافي على قاعدة صراعية ، في ذات الوقت الذي تؤكد فيه أن التهميش هو أعلى وأنجع مراحل الرفض ، وكأنك تمايز بين القاعدة الصراعية الناضجة والتي تساهم في تفكيك التجليات اللامرئية للإيدلوجي وبين طنين الصراعات الجوفاء وأزيز المعارك الوهمية ، وسؤالي غالبا ما ينجرف الكاتب في مد هذه الصراعات بوعي أو بلاوعي منه .. كيف السبيل إلى مقاومة هذا الانجراف في مشهد كثيرا ما يفرض عليه هذا الصراع ؟!
 الصراع حالة ضرورية لكل مشهد ثقافي وحياتي، ليس بمعنى التناحر والتغالب، إنما من منطلق الإختلاف وإرساء شرعة التعدُّد والتنوع والتشظي، كما يفترض خطاب الثقافة المعولم، الذي يؤكد على ضرورة الإعتراف بالآخر مهما تضاءل إسهامه الحضاري، وعليه فإن المثقف القابل للإستقطاب والإستدماج داخل سلطة ما، أو القابل للإستخدام تحت أي ذريعة هو مشروع وقود لمعركة خاسرة، وهو مجرد أداة لا واعية يتم توجيهها على حافة الثنائيات الحادة (رجعية/تقدمية – ليبرالية/محافظة – حداثة/أصالة) وتاريخ المشهد الثقافي يشهد بوجود حالات وذوات ثقافية نموذجية في هذا الشأن، يتم تنشيطها بين آونة وأخري لجرف المثقف المستقل ناحية معارك تحدث للأسف خارج النص أو على هامشه، كما تستطيع المؤسسة تصنيع مثقف صالح للإستخدام لمرة واحدة، وإن كانت تفضل المثقف الرمز الذي يشكل حضوره ورأيه حجة بعد تمريره بمناكفات مدروسة ومحسوبة بدقة، والمثقف الواعي بالغائية التاريخية يصعب توريطه في مثل هذه المعارك المصممة لتعطيل دوره وتأجيل لحظة الإستحقاق.
9- كيف تفسر كثرة المسرود وانفلونزا الروايات الجديدة في مشهدنا السعودي ، هل هي فقط  منتجات ثقافية إشكالية صادرة عن ذوات مقهورة ومبعثرة تسعى للإسهام في حركة تاريخية إجتماعية، آخذة في التشكل داخل شروط العولمة وإلزاماتها ؟!
للظاهرة أكثر من وجه لتفسيرها، وعند الحديث عن نصاب أدبي يمكن القول أن تكثُّر الروايات ناتج في المقام الأول عن مغادرة المجتمع للحظة الشفاهية ودخوله الحتمي في فضاء ثقافي يغري بالتدوين، حيث تقوم الرواية الآن بنسف المروية الرسمية للتاريخ الإجتماعي وتحاول أن تقارب ولو بحذر التاريخ السياسي، كما تحمل تلك المراكمات دلالة وصول المجتمع إلى حافة المتناقضات المؤدية بالضرورة إلى التورط في جدل وشروط المجتمع المدني، لموازاة ما يستهلك مادياً من القيم   بقيم جمالية موازية أو مضادة، أو هكذا يصير العمل السردي المتراكم والمتعاظم فعلاً إجتماعياً بامتياز، وعليه تُحدث الرواية داخل لحظة التنوير هذه حالة من الإخلال بالأنظمة الثقافية كما تتبدي بوضوح في كثرة الطرق على مسألة الآخر بكل تشظياته، وفي مظاهر العلمنة ولو في حالاتها الشكلية، وفي استعلان المرأة لهويتها الجسدية تحديداً كحالة من الرفض لأي شكل من أشكال الإضطهاد.  
10- كثيرا ما تتحول الرواية في مشهدنا السعودي إلى مضامين محمّلة بخطابات أيدلوجية لا تراعي متطلبات البنى الفنية بقدر ما تمارس صراخا أيدلوجيا ضد الأيدلوجية السائدة .. هل هذه الصراع بين فعل ورد فعله هو ما يؤخر نضج الرواية السعودية ؟! 
التماس الأفقي بالعناوين الوعرة هو الذي يشكل مكمن الخديعة في الخطاب الروائي، فالصراخ الأيدلوجي الذي تكتظ به الروايات والمعبّر عنه من قبل ذوات روائية تعاني من فقر فني ومعرفي هو الذي يجعل منسوب الفكرة في الرواية يفيض عن حاجتها قياساً إلى منسوب الوعي الفني أو الملامسة الجمالية، لتتحول بالتالي إلى مجرد خطاب يكتظ بالزعيق، وأعتقد أن الرواية في السعودية بحاجة إلى مناقدة في العمق على مستوي المضامين والأدائيات الفنية وإلى الكثير من المساجلات ومساءلة الروائيين في منتجاتهم إلى جانب الإشادة بهم والفرح بشرف محاولاتهم، فاللحظة الجنينية للرواية في السعودية هي في أمس الحاجة للرعاية، وهو أمر ممكن بتطبيق نظام الورشة الكتابية مثلاً، وضبط الملتقيات الحوارية التي تُقدم فيها أوراق تزعم المناقدة فيما هي مجرد ثرثرات إنطباعية. الرواية خطاب هدمي بنائي، وهي ممرنا نحو القادم، وينبغى أن نتعامل معها كمرآة صادقة، وألاّ نهدر فرصة أن نروى أنفسنا وحقيقة وجودنا كما ينبغي.
11- ما هي أهم الأعمال الروائية التي لفتت نظرك أخيرا على المستوى العربي وعلى المستوى السعودي ؟
جوائز البوكر للعام الماضي عموماً كانت جيدة ولافتة، فالقائمة القصيرة ضمت أعمال رائعة، وهي تشكل إضافة حقيقية للرواية العربية، أما علي مستوى الرواية في السعودية فأعتقد أن رواية (شارع العطايف) لعبدالله بن بخيت هي أفضل ما استقبله المشهد، إذ تشكل علامة في تاريخ الرواية في السعودية، وهي رواية مثيرة وذات مضمون إنساني حارق، ومسرودة ببنائية عالية.
12- حرب الخليج منعطف مفصلي في وجدان الإنسان العربي ، وحدث جلل نشب أنيابه الحادة في الذهنية الجمعية مسببا التشظيات والانقسامات والصراعات ، تهشمت عبره تهويمات الوحدة العربية على شواطيء انكسارات حرب البسوس الجديدة بين الإخوة ، في تقديرك لماذا يخاف العربي من مواجهة نفسه روائيا ؟! ولماذا يتهرب من توثيق أحافير الحروب رغم أنها خامة دسمة لإثارة الأسئلة الوجودية الشائكة ، ومولدات ضاخة لخلود العمل الأدبي وتتويجه بصلولجان البقاء ؟
الذات العربية تنشأ في بنية خوف وقلق، وبالتالي لا يمكن أن تنتج إلا ما يشبهها، وقد تجاوز الأمر معضلة التخلف إلي حالة محزنة يمكن تسميتها (صناعة التخلف) أما الرواية فهي ليست مجرد حكاية، إنها خطاب تدميري من أجل بناء مغاير، ولا يمكن للذات المهزومة نفسياً أن تهدم شيئاً مهما كان واهياً لتقيم مكانه حالة بنائية مضادة، خصوصاً أن الذات الخارجة من حدث إنساني مزلزل كالحرب مثلاً لا تُترك لتلتقط أنفاسها، بل يتم تلقينها عبر مضخات المؤسسة العسكرية وما وراءها من مفاعيل السلطة السياسية والإجتماعية قراءة أحادية الجانب أشبه ما تكون بالمروية الرسمية المراد توطينها في الوعي والوجدان الجمعي، ومع ذلك تظهر روايات أقرب إلى المزاج والرؤية الشعبية المضادة، وهي بمثابة التاريخ الإنساني، أي صوت المهمشين والمسحوقين، وهذا هو ما يفسر نجاح بعض الروايات التي تنسرد من هذا المكمن حيث يبدو صوت الشرائح الإجتماعية المضطهدة فصيحاً، فيما تفشل الروايات التي تردد ببغاوية – واعية أو لا واعية – مقولات السلطة، سواء عندما يتعلق الأمر بالرواية أو حتى عند التصدي لمهمة الإصلاح الإجتماعي. ولا شك أن تحليل الذات العربية المقهورة ومحاولة استنهاضها بحاجة إلي قراءة أعمق لا نجدها للأسف إلا عند قلة من علماء الإجتماع العرب.
13- هناك ولع شديد عند المتلقي العربي لقراءة ومشاهدة التاريخ مؤنسنا، هل يعبر هذا الولع عن رغبة في منادمة شخصيات تاريخية وإنزالها من عليائها القصي لتجالس الناس بين دفتي كتاب أو داخل جدران حجر المعيشة ؟ أم هو شعور عميق  عند الإنسان العربي بتعرض التاريخ للتزيف والتشويه والرغبة في إعادة قراءته من جديد ؟
قليلة جداً هي الأعمال التي تعالج التاريخ العربي من منطلقات جمالية محايدة، فهو دائماً داخل حالة من الشد والجذب الأيدلوجي، أو الإجترار النمطي، وهذا عائد في المقام الأول إلى أن الإنسان العربي يقيم خارج التاريخ، إما مطروداً منه أو مختاراً لعدم إمتلاكه من الوجهة الحضارية ما يؤهله لصناعته أو الإسهام في متواليات حراكه، بعد أن تم تفصيم وجوده على حافة الثنائيات الحادة، وهذا ما يفسر سر إنتعاس ما يُعرف بـ(المؤرخ الرومانسي) الذي يجد في الرموز التاريخية المطمورة تحت (سلطة التخريف) مادته ووسيلته لتخدير الذات العربية، كما يتبدى هذا الحنين الساذج في يوميات الخطاب الإعلامي الأجوف، وفي الأعمال الدرامية التي تبالغ في تنصيع اللحظة والذات العربية فتسلخها من كيماءها البشرية، تحت ذرائع التأصيل وإعادة قراءة التاريخ أو أنسنة الشخوص الفاعلة في ذلك الزمن المتخيّل، لكن الأمر لا يبدو أكثر من إعادة تركيب للوقائع، تؤديه ذات مثقلة بالإسقاطات والإدعادات والتصفيح من منطلق الثأر والتعويض عن حس الهزيمة، فإعادة قراءة التاريخ بحاجة إلى منهجية منفتحة وإلى مناقدة جريئة وليس إلى مراكمة الأوهام التي تزيح الذات أكثر خارج التاريخ كما تشير الأرقام المخجلة للتقارير الدولية الدورية التي تفضح بجلاء قدرات الدولة العربية الحديثة على الفرار بشعوبها خارج العلم والتاريخ والفن.
14- ترى في الرواية انعطافة انتقالية من المحكي إلى المسرود ومن الشفاهي إلى الكتابي ، ومن الغرق في التهمويات الشعرية إلى استثمار فرصة تاريخية لصعود ( الفردانية ، ومن خرس مجتمعات ما قبل الرواية إلى ممر لتفتيت بنية الصمت .. هل ما نراه اليوم على الساحة من صخب روائي ضوضائي هو اللثغات والأبجديات الأولى في تاريخنا المكتوب ؟
هي مجرد خطوة نحو كتابة التاريخ المضاد، والكف عن تبييض التاريخ المزوّر، فالفرد الذي يكتب تاريخه الخاص، لا يكتب نزواته ومغامراته إلا وهي معجونة برؤيته الذاتية الرافضة للواحدي والشمولي والمركزي، كما يؤكد على هذا العناد خطاب الرواية الفكري وجمالياتها، وهو ما يعني إعلانه الصريح عن فردانيته ومراودة نفسه باختراق بنية الصمت، فمثلاً، حين ينطلق صوت (الروائية/المرأة) التي ظلت لعقود مكممة لا نستغرب عويلها بمجرد أن أميط اللثام عنها، وهو ما يفسر إنفجار بنية الصمت وإنطلاق لسان الفرد بالصراخ للتعبير ولو بصخب وفوضي كلامية عن أوجاع ذات مقهورة ستتعلم حتماً كيف تحيل كل تلك التمتمات والهسهسات إلى لغة منتظمة في قوالب خطابية ثم إلى كتابة ذات طابع إبداعي.
15- المثقفة السعودية إلى أين أستاذ محمد العباس ؟ هل تعرف المثقفة السعودية أين تقودها خطواتها ؟ كيف تقيم الفعل الثقافي النسائي في المملكة ؟
المثقفة في السعودية بحاجة إلى وقفة تأمل نقدية لمسيرتها. وهذه الوقفة ينبغى أن  تبدأ من قراءة واعية ومنهجية لواقعها، وهو أمر يحتم أن تتعرف على ممكناتها وإعادة صياغة تحالفاتها لكي لا تنخدع بالمكان المراد دفعها إليه، فكل المكتسبات التي حصلتها بعد مثابرة لا تمثل سوى خطوة أولية في مسيرة طويلة، وما تختزنه نصوص المبدعات شعراً وسرداً وحتى كفنون بصرية لا تشكل لوحة أمينة لطبيعة المخاض الذي ستتوّلد منه المرأة الجديدة، لأن أغلب هذه المنتجات ناتجة عن ذوات منفية عن نفسها، تقلّد الآخرين، ولا تنطق بهواجسها، مهما بدت عليه من صخب حقوقي، ومهما تمددت قائمة مطالبها، وأغلب الذوات النسائية التي صارت مألوفة لكثرة ظهورها علي الفضائيات لدرجة الإملال، وأغلب الكاتبات اللاتي يتخذن من زواياهن اليومية أو الأسبوعية كأماكن للنياحة والتجابه مع التمظهرات المادية واليومية للمؤسسة الدينية لا تفيد المرأة بشيء، لأن المطلوب هو صيغة جديدة ومؤثرة لاستعلان الهوية، بمعنى البحث عن جوهر المطالب الحقوقية وليس عما يشكّل فزّاعة استفزازية للطرف المحافظ، وهذا يحتّم بروز خطاب نسوي لا تتنطح له امرأة استعراضية بل تنجزه امرأة قارئة لطبيعة اللحظة وتحولاتها، وتراهن علي القوة الكامنة في سلالتها وليس على روافع من الآخر الذي يريد استخدامها. إن قراءة متأنية لما تبدو عليه المرأة في السعودية اليوم يشير إلى كائن غرائبي هش تم اكتشافه بالصدفة ووضعه في حضّانة حضارية حتى يكتمل نموه، ثم وُضع – للأسف – في فترينة الإعلام العالمي للتفرّج عليه، وهو أمر يثير الإشمئزاز والحسرة فالمرأة في السعودية تاريخ ملحمي من التضحيات والبطولات قبل أن تخضع لخطاب الحداثة وألاعيب الإعلام المعولم، وينبغي على المرأة التي نذرت نفسها لتحرير بنات جنسها من الحيف التاريخي الذي لحق بها أن تؤاخي بين خطواتها وخطوات الرجل الذي لم يكن القهر الذي طاله أقل منها، لا الإبتداء بتحشيد أعداء إفتراضيين للهروب من مواجهة العدو الحقيقي، ولتتخذ من تقرير (نحو إنسان جديد) الصادر قبل سنوات منطلقاتها حيث لم يفرق بين المضطهدين من الرجال والنساء في السعودية.
16- أخيرا بماذا يحلم محمد العباس على المستوى الخاص والعام ؟
الأحلام كبيرة وكثيرة في الحياة، وبدونها يتحول الإنسان إلى مجرد آلة، فكل إنسان بحاجة إلي ما يضفي على حياته لمسة سحرية تُشعره بشعرية الوجود، ولذلك أجد في النص بكل معانيه وتشظياته مكاني ومحل إقامتي، أحلم بالإقامة في النص حد الإستنقاع، ليس كملفوظات إنما كحاضن مكاني، وكمرجعية تاريخية، وكمهاد جمالي. وهذا لا يعني بطبيعة الحال استئناسي بفكرة التحوّل إلى كائن من كلمات، إنما إسعى جاهداً للتماس بالنص الذي أجد فيه كل ما فكر به الإنسان وأحسه عبر تاريخ وجوده، فهذا هو ما قد يهبني فرصة مقاربة الوجود بالحواس، وهو ميل لا ينفصل فيه الهاجس الخاص عن الهم العام، بل أن المعنى يتوحد هنا من خلال النظرة المتعادلة للناس والوجود التي أراها موّحدة ومتماسكة فيما يمكن أن أسميه (أناسة النص) الذي فيه ألتقي ذاتي والآخرين على قاعدة إنسانية ترفع بالضرورة منسوب آدميتي.