الإقامة في جسد الآخر

(زهرة - هذلا - خاتم)

 

* السرد من منتصف الجنوسة
بقدر ما هي مظهر تكويني من مظاهر التمييز للطبيعة البيولوجية، تستبطن الأنوثة في خباياها طيات شعورية وذهنية تغري بالتعامل معها كحالة ثقافية، ولو من منطلق وصم المرأة بالدونية، بما هي الكائن المقيم فيها، بفعل مجموعة من العوامل التاريخية والإجتماعية المتراكمة، الأمر الذي يحرّض الذات المسكونة بأوهام العقيدة الذكورية على اعتناق فكرة الإرتقاء بتلك الذات المبتورة إلى مرتبة أعلى يحتلها الرجل، لتتجاوب مع المقترفات الفرويدية المبنية على وهم مفاده أن المرأة مجرد رجل ناقص المعالم، لدرجة أن المرأة، وهي المعنيّة بذلك النسيج تلجأ أحياناً إلى مراودة نفسها بالفرار منه، والإقامة الطوعية أو الإضطرارية في جسد الآخر، فيما يبدو حالة من الإماتة المعلنة للأنوثة بمعناها البيولوجي والثقافي.
أما مهمة التدمير المبرمج لتلك الذات التي يراد لها أن تتأزم على الدوام فتؤديها العائلة البطريركية باعتبارها الجماعة الإجتماعية التي تقف حائلاً قمعياً بين الفرد وحاجاته. وهي اليوم محل دراسة أو انتقاد دائم في الثقافة العربية، لدرجة أن بعض الروائيين العرب لم يكتفوا بالمقاربة السردية العابرة لمسألة الإختلاف الجنسي، بما هو عماد تلك المنظومة، بل خصصوا روايات بكاملها لتفكيك مظاهرها، باعتبارها عناوين استجلائية لبنية تفكير غائرة، للتعبير عن التماهي مع اشتغالات خطاب التنوير العربي، الباحث بدوره عن مبدأ نظري مقنع، أو قالب نصي، لنقد الواقع وتحليل بناه وتشكيلاته الثقافية، من خلال رصد الفروق والفجوات الجندرية وتحليلها، ليس من ناحية المظهر وحسب، بل على مستوي الأدوار أيضاً.
وقد وجد خطاب الرواية العربية في هذه المفاهيم أرضية خصبة يمكن البناء عليها، والتجادل مع تداعياتها الفكرية والنفسية، من منطلق يقوم بالأساس على مساءلة النزعة البطريركية، كما يتجلى هذا الميل في متوالية لافتة من الأعمال الروائية فيها من المشتركات الفكرية والنفسية ما يوازيها من الإفتراقات، خصوصاً على المستوي الفني، إذ تشكل رواية (ليلة القدر) المتمّمة لروايته (طفل الرمال) مجرة تأثير هامة في هذا الصدد، أي سرد (الآخر) حيث يبني الطاهر بن جلون استراتيجية نصه على قيمة أنثوية موجبة مقابل قيمة ذكورية سالبة، يدفع بموجبها بطلته (زهرة) من أسر أبوية بشعة، ويحرّضها على الانسلال من جسد رجلٍ حُكم عليها بالعيش فيه أي العودة بها إلى جبّلتها الأنثوية، التي كانت بمثابة ندبة موجعة، والفرار بها بشكل إنعتاقي من ذكورة ملفقة، مفروضة عليها من خلال سلطة أبٍ مريض بأوهام رجولة اجتماعية زائفة.
وفي  رواية (قنص) أيضاً تتقمّص (هذلا) جسداَ ذكورياً مستعاراً بشكل إضطراري، يرحّلها إليه والدها بمنتهى القسوة المفروضة من السياق الاجتماعي، حفاظاً على حياتها المهددة بالإستلاب والفناء، لكأن عواض العصيمي يكتب ذات النص، وبكل تفاصيل الإنفصام الجنسوي، ولكن بشكل ارتدادي مقلوب، أي كقيمة أنثوية سالبة أسيرة لقيمة ذكورية أكثر سلبية، حيث يدس بطلته في تلابيت جسد مغاير، لا تعرف كيفية التعامل معه، الأمر الذي يصيبها بحالة من الإغتراب الحاد، على المستويين النفسي والمادي، ويؤكد بالمقابل مزاعم كون (أنا) المرأة مصنوعة بوعي الأب.
أما (خاتم) بطلة رجاء عالم، التي تحمل اسم الرواية أيضاً، فتتأرجح في منتصف الجنوسة، على حافة قلق وجودي، داخل جسد ملتبس، على درجة من التشظي، لا يريد الاستقرار في هوية، وكأنها ترفض منطق التجنيس الأحادي، أو الحضور كذات مونولوجية، بمعنى أنها أميل إلى قيمة أنثوية متعادلة داخل محيط ذكوري سالب، ربما لأنها مكتوبة من داخل ذات أنثوية تحاول الإفصاح عن عتمة الإنحباسات الشعورية الملازمة للمرأة، على العكس من النصين الذكوريين المنذورين لتفكيك العقيدة الأبوية. أو هكذا تنسرد رحلة البطلة المعقدّة والؤلمة من حالة الوعي البدائية بالخصاء، إلى عقدة الرجولة المستحيلة، وصولاً إلى إعلان الأنوثة.
ورغم التباين الواضح في الاستراتيجية السردية للنصوص الروائية الثلاثة، إلا أنها في المجمل تتحرك من منصة ما يعرف بخطاب الاختلاف الجنسي أو (الاستغيار) المعني نقدياً بتحليل البنى الاجتماعية والسياسية والتشكيلات الثقافية، المنبثقة في الأساس من معتقدات وممارسات بطريركية ساطية، والمبعثرة على حافة النص الأدبي في سمته التفكيكية، بمعنى أنها تحاكم الثقافة التي تتعاطى مع المرأة من منطلق الأنا الواحدة التي تُعد انتهاكاً للفردية، وتعطّل كمال جنوستها، وقد تدفعها للتخلي عنها إلى هجين حسّي ثقافي إجتماعي خارج طبيعتها البشرية.
* جحيم الدخول والخروج من الجسد المضاد
الإقامة الإضطرارية في جسد (الآخر) بأي معنى من المعاني تعادل الجحيم، كما يُستنتج من مجمل النصوص، حيث تستعيد المحرّرة (زهرة) أجواء ومأساوية ذلك المآل بعبارات حزينة تشير إلى حالة من التألّم، على إيقاع إنسلاخها الموجع من أصالة مكوّنها الأنثوي (اختفت نوبات غضبي، وصارت مشاعري بيضاء، بذلك البياض المفضي إلى العدم والموت البطيء. كانت انفعالاتي قد تحلّلت في بركة ماء راكد، وكان جسدي قد توقف عن تطوّره، فلم يعد يتغير، كان ينطفئ حتى لا يعود يتحرك ويحس، وما هو بجسد امرأة مفعم ومتلهّف، ولا هو بجسد رجلٍ رصينٍ وقوي، كنت بين الإثنين، أي في الجحيم).
الأمر ذاته حدث بالنسبة للمغيّبة (هذلا) بعد أن تم تجريدها من كينونتها الجنسية، ومُسخت هويتها، إلى الحد الذي نُفيت فيه عن نفسها ولم يعد لها أي هوية تُذكر، كما تنم عن ذلك القدر الساطي عبارات التأسي المتلاحقة كاستغاثات، فيما يبدو رثاءً حسّياً للذات المهشّمة (لقد عشت حياة ما كان يجب أن أعيشها، لبست ثياباً ليست لي، وجلست مع رجال كثيرين، وتحدثت بخلاف ما كنت أريد، إيه، وكتمت مشاعري، ولا أتذكر حتى هذه اللحظة ساعة لم تكن فيها تلك النار شاهدة على ما يصيبني من غمّ، ونكد، وخوف).
كذلك (خاتم) المهمومة بهاجس الخروج من إطار الهوية العمومية واكتساب هويتها الفردية، والمسكونة بميول جنسية غيرية غامضة، ليس بمعنى الشذوذ، ولكن من منطلق الرفض للجنسانية الأحادية، وتعزير الإرادة الذاتية، حيث تحوّل الإنحياز التجنيسي بالنسبة لها إلى جحيم حارق، كما يتبين من منطوقها (في غمضة عين سيتحتم على أبي الاختيار لي بين جسدين. أتظن لي في هذا الجسد خيار؟ أم كل الخيار للشيخ نصيب؟ هو ولِّيُ هذا الجسد أم أنت الولِّي؟ من سيقر إرسائي لذكر أو لأنثى؟ ومتى؟ ولماذا توقظ هذا السؤال ليؤرقني الآن؟ لماذا يأخذ هذا الجسد يرتعد بخوف، لم أشعر به وفجأة يلهث كمن على هاوية لتعجيل الاختيار؟ لم يريد السقوط للأقفال؟ فما عسى الأئمة مثلك يفتون في جسدي؟).
* إعادة توجيه الجسد
الأب التائب عن خطيئته في رواية (ليلة القدر) مسخ ابنته تماماً. وهو كممثل لوعي ومرادات الطاهر بين جلون صار يحاول أن يعيد توجيه جسد (زهرة) ويدفعها مرة أخرى للسعي وراء أنوثتها المضيّعة، أو استئنافها بمعنى أدق، بعد أن توسل غفرانها عشية الليلة السابعة والعشرين من رمضان، اعترافاً منه بجريرة حبسها بأنانيته واعتقاداته الذكورية البائسة في جسد (أحمد) منذ روايته (طفل الرمال) فما زالت تلك العبارات المراوغة ترن (منذ زمان وأنا أضحك من نفسي ومن الآخر الذي يخاطبكم، ذاك الذي تعتقدون أنكم ترونه وتسمعونه. لست خبّاً، بل قلعة منيعة، سراب متحلل، أتكلم بمفردي وأوشك على تضليلكم في دغل الكلمات التي يتلعثم بها التمتام).
ذلك الإحساس العميق بفداحة الخطأ هو ما يفسر سر رهافة العبارات، المتأتية أيضاً من حسّ الرغبة في عتق تلك الذات وتحريرها من أوهام التجبّر الذكوري، وتحرير نفسه هو الآخر من سجن معتقدات الذكورة المظلم (أطلب أن تغفري لي...وبعد ذلك يمكن لبارئ روحي أن يأخذها حيث يشاء...أنت الآن حرة. امضي لحال سبيلك، غادري هذه الدار اللعينة، سافري، عيشي!...عيشي! ولا تلتفتي لرؤية النكبة التي سأخلفها...لقد وُلِدْتِ في هذه الليلة، السابعة والعشرين...أنت امرأة...دعي جمالك يقودُك. لم يعد هناك ما يبعث على الخشية، ليلة القدر تسميك زهرة، زهرة الزهور، نعمة طفلة خلود، وأنت الزمن المتوقف في منحدر الصمت...في ذروة النار...بين الأشجار...في وجه السماء الذي ينزل...ينحني ويأخذني...أنتِ التي أرى، يدك التي تمتد، آه! يا ابنتي تأخذينني معك...لكن إلى أين تمضين بي؟...لم أعد أبصر شيئاً...وجهك ينقبض، أنتِ غاضبة...أنتِ مستعجلة...أهذا هو غفرانك؟ ...يا زهـ...رة...). ولم يكن الأمر بتلك البساطة بالنسبة لها كما تدلّل عباراتها الحزينة (أيها الأصدقاء! يمكنني أن أعترف لكم اليوم بهذا: لقد كان الأمر قاسياً! أن أكون مرحة كان معناه تغيير الوجه، تغيير الجسد، تعلم حركات جديدة والمشي برشاقة).
وفي اتجاه لغوي مضاد يحبس عواض العصيمي بطلته (هذلا) في جسد (ناشي) من خلال عبارات وصوت الأب الخائف على ابنته من (الدربيل) ذلك الكائن الخرافي الذي (يحلم بقضم سعدان النهدين لدى كل فتاة. مصّ أثداء العذارى يغذيه، ويمد جسمه بشباب يمكنه من البقاء قوياً بين الأفخاذ البضة الطازجة طوال الوقت). لكأن الأب، المنفصم هو الآخر على حافة ويلات جسد إبنته، يهيء كفناً خانقاً لأنوثتها المذعورة، والمهدّدة بالطمس (هل تذكرين عندما كنت تلبسين ثياب صبي وأنت صغيرة؟ أجابت هذلا بأنها تذكر تلك اللعبة، وأن اسمها في تلك اللعبة كان "ناشي" وليس هذلا. حينها قال الأب: أريدك أن تعودي إلى ناشي مرة أخرى. هذا الدربيل لن يتركنا في خير. لقد فعلها للمرة الثانية).
ولم يكن أمام (هذلا) المقهورة والمستسلمة لقدرها الباتر، إلا الإستجابة الفورية، بدون إبداء أي قدرة على الرفض، حيث بدأت بالتدرّب على الاندساس الإنهزامي في جسد ذكوري بمنتهى الخنوع، وفق توجيهات أبوية صارمة (مع كل حركة غير منسجمة مع شخصية ناشي، طالما كرر عليها أبوها الوصفة المحفوظة عن ظهر قلب. شد العمامة حول وجهك، واعتدل في جلستك. لا تتكلم إلا عند الحاجة، وإذا تكلمت فإياك والثرثرة ورفع الصوت أو الضحك. الرجل في العادة مثل الصندوق المغلق لكنه إذا تكلم، عرف الناس ما بداخله. ردّ على السؤال بأقصر الكلمات ثم التزم الصمت).
أما (خاتم) التي تحمل من دلالات مسماها علامة الكائن اللامجنّس، فتهبها رجاء عالم شكلاً أو وجوداً جنسانيا ملتبساً، على وقع ما يعرف بالهوية الإسمانية، منذ أن خاطب طفولتها الشيخ نصيب طفولتها بعبارات مشوبة بالتعمية (سميناك خاتم، كبّر الاسم، ثم ترك لزوجته أن تُحكم عليه القماط) وكأن القصد هو موضعتها على تلك الحافة المربكة، الموجبة لتوتير الذات والنص، كما يؤدي والدها، وظيفته التوجيهية لجسدها المراد تجنيسه داخل مدارات التمويه الإجتماعي من خلال وصاياه التي تبدو على درجة من الرقة، فيما هي في الواقع تسلب الكثير من مكوّنها الأنثوي مقابل مكاسب ذكورية يتواطأ عليها الجميع أو يأتمرون بها، بمعنى إجتماعي أدق.
يتأكد هذا المنحى في متواليات سردية لا تخلو من حس الإنحياد بها عن أنوثتها إلى متاهات الكائن اللامجنّس (في حمام الطابق الأول وعلى قيد أذرعٍ من البركة انفردت سكينة بخاتم، وحدها تُباشر غسلها كل جمعة، حنفية ذاك الحمام تُبَيِّت ماء الورد كل خميس ليصبح جاهزاً لغسل سيد الدار لصلاة الجمعة، وما تبقى من "الماورد" يصير لغسل خاتم، ظل ذلك مثار غيرة الشقيقات اللواتي لم يحلمن بشرف مماثل قط. في الطوابق العليا تفقد خاتم صفتها، بينما تكتسب أهمية غامضة في مجلس الشيخ وبِرْكته... نادراً ما تهبط النساء لصلاة الجمعة بالحرم، هو طقس ذكرِّي، وحدها خاتم تجلس هناك لا تمس الحصا تشارك الرجال في الإنصات، كل من يراها يُخمن أن الشيخ نصيب من توقه للولد قد اتخذ له ربيب من مجهولي الجبل، تؤكد هذه الألفة بين العتيق سَنِد وهذا الصبي).
* العقيدة الذكورية تتكلم
هكذا تتدحرج النصوص الروائية الثلاثة على نفس الوتيرة، وبايقاعات سردية متباينة. والد (زهرة) يستميت في طلب الغفران، تكفيراً عن خطيئة اعتناقه وتنفيذه لجلافة العقيدة الذكورية، وكأنه يحاكم الذهنية العربية المفتونة بملامح ومقومات الرجولة، المبالِغة في تمجيد الذكورة وتكديس قيمها على الدوام في واجهة الحياة، حيث يدفعها بكل قوة لابتكار أنوثتها بكل ما أوتيت من آدمية، وإعادة إنتاج نفسها ضد كل ما اقترفه بمنتهى التعسّف إزاء جسدها وروحها، كما يتضح ذلك الهاجس في شدة الإنفعالات اللغوية، وتدفق النص باتجاه تعزيز قيم التحرّر.
هذا الإحساس التكفيري الطاغي هو الذي يغريه بالارتداد إلى الوراء واستذكار الدواعي والكيفية التي طمس بموجبها هويتها الأنثوية (عندما نادتني الموّلدة لكي أتأكد من احترام التقاليد رأيتُ، ولم أتخيل أو أعتقد، بل رأيت بين ذراعيها طفلاً وليس طفلة. كان الجنون قد تمكن مني. لم أرَ فيكِ أبداً، لم أرَ على جسدك، الصفات الأنثوية. كان العماء كلّياً. ماذا يهم الآن. إنني أحتفظ في بداخلي وإلى الأبد، بذكرى ميلادك الرائعة، ظاهرياً، ظللت ما كنت عليه: تاجراً ثرياً منعّماً بهذه الولادة. لكن في العُمق، في ليالي عزلتي، كنت مُجابهاً بصورة المسخ التي لا تطاق. آه! كنت بالطبع أروح وأغتدي، لكن في الداخل كان الضّررُ يدمّر عافيتي المعنوية والجسدية. الشعور بالإثم، ثم الخطأ، ثم الخوف. كل هذا كنت أحمله بدخيلتي. وهو عبء ثقيل جداً...كنت أنت تكبرين في لباسك النوراني، أميراً، طفلاً دون تلك الطفولة البئيسة. لم يكن من الوارد العودة إلى الوراء والكشف عن كل شيء. كان من المستحيل إعطاء الحقيقة ما تستحقه).
وبما يشبه الهذيان أو عدم تقبّل الحقيقة الجديدة الساطعة، ينفصم خطابه المتأتي من انفصام مشاعره على حد التذكير والتأنيث، كما يتضح عناده في طريقة مناداته لها وهو على حافة الموت (إن الحقيقة يا ابني، يا ابنتي، لن يعرفها أحد، فالأمر ليس بسيطاً. وإنه لغريب كيف أن اقتراب الموت يجعلنا واضحين). أو هكذا تفصح عبارات الأب عن عدم قدرة على التصديق بانهيار الوهم، وأنه ما زال يحتفظ في داخله ببقية شعار لا طائل من وراء التمسُّك به.
وفيما يبدو تعميقاً لإدانة للعائلة البطريركية التي تبالغ في لعب دور الوسيط بين الفرد والوجود وتلغي تطلعاته تحت ذرائع واهية، تترادف عباراته الرافلة في العقيدة الذكورية (هناك أخواتك اللائي يشبهنها. إن الغضب يستبد بي، أحس بالحمى تتصاعد، وعليّ أن أتوقف عن الكلام عن هذه العائلة. أما أنت، فقد أحببتك بقدر ما كرهت الأخريات. لكن هذا الحب كان ثقيلاً، مستحيلاً. لقد أنجبتك أنت في النّور، وفي فرحٍ باطني، فخلال ليلة واحدة، لم يعد جسد أمك قبراً، أو وادياً بارداً، بُعث تحت حرارة يديّ، وصار روضاً عاطراً، وللمرة الأولى ندّت عنها صرخة فرحٍ أو متعة. لقد علمتُ وقتها بأن طفلاً على غير العادة سيولد من ذلك العناق).
وبنبرة عناد أو رغبة في عدم الانهيار يواصل الكلام بعبارات تدل على تمزّقه النفسي الحاد (كنت أعتبركَ يتيم الأم. وبعد الختان والتنكر، بدأتُ أفقد صوابي قليلاً. كان الارتياب قد لوّث عاطفتي، فأخذت بدوري أنعزل، أخذت أغرق في الصمت. وأنتَ، مرحاً وغير مكترث، كنتَ تتنقل من غرفة إلى غرفة. كنت تبتكر ألعاباً، ودائماً بمفردك، كنتَ تذهب إلى حد اللعب بالدمية. كنتَ تتنكر في هيأة بنتٍ، ثم في هيأة ممرضة، ثم في هيأة أمٍّ. كنت تحب التّنكُّرات، وعديدة هي المرات التي ذكرتكِ فيها بأنك رجل صغير، بأنك طفل. كنت تستهزئ بي. كنت تسخر مني، وكانت الصورة التي كوّنتها عنك تضيع، ثم تعود إليّ، مشوّشة بألعابك).
والد (هذلا) الخائف والقامع لجسد إبنته أيضاً، يعيد ترديد وصاياه في حركة مقلوبة داخل النص، ليتأكد من إتقانها التام لدور الرجل، وذلك على لسان السارد، وليس عبر صوتها، فيما يبدو دلالة على كليانية الإستلاب عند ذلك المنعطف، فهي لا تمتلك حتى ضميرها السردي الخاص (لقد تعودت منذ صغرها على الجلوس مقرفصة أمام الحشرات الصغيرة القارة في الأرض وجذوع الأشجار، وهاهو أبوها يقوّض تلك العادة، ويطلب منها أن تجلس متربعة أمام الرجال الغلاظ في المجالس. يأمرها أن تنصب ركبتها اليمنى وتستريح على رجلها اليسرى عند الشروع في تناول الطعام، وهذه الجلسة بالذات تذكرها بعادتها في الجلوس وهي تحيك "السدو" كلما آزرت أمها في صناعة بيت شعر جديد لبيعه في السوق. أما شرب القهوة فتطلب منها وقتاً لتعتاد ارتشافها بحكمة. أي تعبير في الوجه يفيد استنكار طعم القهوة، يوازي في رعونته أية إشارة ظاهرة على استساغة مبالغة عند تذوقها. ولتتقن أمامه طريقة الإمساك بالفنجان وكيفية ردّه إلى الساقي، كررت العملية مرات عديدة متحملة آلام احتراق أصابعها بالقهوة حيناً، وانسكابها على ثيابها حيناً آخر).
والمنهك لروحها وجسدها أنها كلما تقدمت في تقمص الدور استشعرت خطورة وحسرة الإنطراد من جنوستها، وأحست بلعنة النفي من جسدها، كما تشي بتلك الانفصالات الحسّية الموجعة، متوالية من العبارات المثقلة بالإحباط (أصعب ما تعلمته، وكاد أن يفتضح أمرها عدة مرات بسببه، كانت طريقة وضع العمامة على الرأس، وكيفية تضبيط العقال فوقها. عندما لبستها في المرة الأولى، رأت وجهها في المرآة قبيحاً للغاية...لم تستطع تهدئة شعورها بالخوف من وجهها الجديد حينما نظرت إلى ما وراء أذنيها فوجدت الحيز الذي كانت تملؤه خصلات شعرها فجوة فارغة).
أما (خاتم) فتعيش في منطقة الالتباس الجارح، وضياع العلامة الجندرية، ضمن حركة أفقية لذاتها الحائرة تتخللها غوصات في العمق، تبدو أحياناً شبيهة بالإنهيارات النفسية، حيث ينزرع النص بإشارات كثيفة تؤكد ترددها، الواعي أحياناً واللاإرادي أحياناً أخرى، إزاء كينوتها، التي تربك كل من يراها وحيرة الآخرين بشأن جنوستها كقول هلال (سلام؟! ابنة نصيب الخنثى محروسة مُبَخَّرة من شياطين هذه الدنيا). وكأن ذلك الإحساس المريب يراد له أن يتوطّن ليس في ذات (خاتم) وحسب، بل في سياقات النص كما تتعمدّه رجاء عالم بعبارات مثل (سند ورفيقته خاتم، كلاهما في ثوب أبيض أشبه بقفطان، لا يميز جسديهما غير نحول خاتم وانفتال عضلات سند).
تتعزز مثل هذه الهواجس الظنّية في جملة من السجالات البينية مع أغلب الشخوص التي تبدو بمثابة مصدات إختبارية لفكروية النص، فمثلاً، عندما سألتها زرياب (ماذا ينتظر الشيخ نصيب لكي يستقر بك في جنس) تفاجأت بالسؤال، أثار في نفسها اضطراباً أقرب للضيق، شعرت في السؤال ربما باتهام أو انتقاد. قالت زاجرة (وما أدراني) وأمام عذوبة زرياب لم تملك خاتم إلا التراجع، هتفت بعد تفكير (ربما ينتظر أن تتوقف سيول الرجال الذين يطرقون الأبواب بالموت...). ومن ذلك المنطلق الشعوري الملتبس، المحاط بشيء من الغموض والتعقيد المتقصّد، تواصل رجاء عالم تشخيص حال بطلتها (أما عجز جسدها عن الاستقرار بهوية، كانت أقصى أحلامها أن تأتيها تلك الأطراف الخارقة تلبسها، وتصبح جزءا من جسدها هي/أو جسده هو خاتم).
هكذا صارت تبالغ بانتباه واضح فكرة إنفصامها الجنوسي، وتتمادى بقاموس لغوي مريب في تفكيك مشاعرها المرتبكة من خلال عبارات حائرة تفصح عن تأرجحها في ديالكتيك قائم على التضاد الخلاق بين الأنوثة والذكورة (في ليال كانت تقضي ساهرة تأمر جسدها بالتمسك كلياً بصفة الأنثى، تأمره بخلع كل ذاكرة الذكورة وتبعاتها، تغوص في تلك الرغبة ثم لا تلبث أن تطفو بذعر: ماذا لو فقدت الطريق للذكر كلية؟ حينها لا يعود من باب ينفتح لها على الطريق وما يخبئه من مفاجآت ومنحدرات وتحف الدحديرة...تفكر في كونها محظوظة بهذه الوقفة بين العالمين، وفي النهاية فإن الطاقة التي يشحذها هذا التحول لا تُضاهى، تقضي خاتم الليل تمارس لعبة شحذ الطاقة للتنويع في إيقاع جسدها، للتنويع في أعضائه، تقضي الليل في لعبة الانغمار في الماء للخروج من الجسد أو إنبات أجزاء للجسد أو بتر أجزاء، بقليل من تحريك ذرات الجسد البطيئة التي تبدو متماسكة، بالإخلال بحركتها المنتظمة يمكن أن تتحول للشكل الذي تريده، تستنبت عضواً مؤنثاً الليلة وتسترجع عضوها المذكر غداً، لا تكف خاتم عن المحاولة والفشل، لا يعيقها عن الشطح غيرُ الخوف من اللارجعة).
وبدون أدنى مواربة تختبر جسدها المتأرجح على حافة الحيرة، تراود دخيلتها بارتجال جسد رجل، لا تلبث أن تتوب عنه، لتذوب مرة أخرى في كيان مريب ونسيج جسدي غامض، اللامعالم الجنسوية هي معالمه (لكأن جسد ذكر يلتحم بجسد خاتم كلما نظرت في تلك العيون أو لبست ثوب الرجال وخرجت بوجهها عارٍ لطريق، تحتد أطرافها وتخلع ليونتها لتدخل في هيئة آدمية، شبه يقين من كونها ثنائية الجنس يتَملَّكها).
* إنتفاضة وموت الجسد المجنّس
كأن النصوص تمارس تكراريتها إلى الأمام بشكل حفري، كما يبدو من شكل الاستجابة للتعرف على المعرّف من الأنوثة المغيّبة أو العكس، أي طمسها إرادياً. حيث تكتشف (زهرة) وتكشف في الآن نفسه عن مكنونها الحسّي بعبارات شبقية متفجرة تعادل اكتشاف الهوية والإفصاح عن الذات الجديدة (كنت ألمس نهديّ. كانا يبرزان ببطء. فتحت قميصي لكي أهبهُما لهواء الصبح. هواء عليل كان يداعبهما. كان جلدي مُقشعّراً فأخذت الحلمتان تنتصبان. كان الهواء يعبر جسدي من الأعلى إلى الأسفل. وأخذ قميصي ينتفخ. حللت شعري. لم يكن طويلاً جداً ولكن الهواء كان نافعاً. كنت أمشي بدون وجهة. ثم اكتسحتني رغبة مجنونة، فخلعت سروالي ثم لباسي الداخلي لكي أُرضِي الهواء، لكي أُرضي نفسي وأحسّ باليد الرقيقة الباردة لذلك النسيم الصباحي تمرُّ على بطني وتوقظ حواسي).
وكالعادة ينكتب نص (قنص) في الإتجاه المضاد، حيث يُلاحظ أن جسد (هذلا) ينطمر تحت وابل من علامات الرجولة الزائفة بطريقة معاكسة، ويتوارى شيئاً فشيئاً تحت طيات الملابس الرجالية الخشنة والمشاعر الذكورية المستعارة، واضمحلال الهوية الجندرية (بثوب مغبر مكرمش، وشماغ قديمة لفتها حول وجهها، لحقت هذلا بأبيها). أي كما يراد لجسدها أن يتلاشى في طقس حداد حزين وراء عبارات التخفي والتنكّر (نظرت إلى صدرها المشدود بقطعة قماش ملفوفة ثلاث مرات حول أعلى الصدر. وراء القطعة يحتجب نهداها الصغيران منذ سنوات منعاً لبروزهما مع مرور الزمن...أول ما وضعت أمها قطعة القماش حول صدرها قالت لها: أي يربوع، يستطيع أن يقفز أطول من ذيله إذا ما شعر أن المكان آمن ومناسب للّهو...لمست هذلا قطعة القماش المشدودة بقوة على اليربوعين الصغيرين! تظن هذلا أن أمها لم تكن لتسمي نهديها بنفس الاسم، لو سألتها عنهما...).
وبالمقابل يستمر جسد (خاتم) على حياده وعناده الحسّي المحتار والمحيّر في آن، كما يتبين ذلك الصمود في منطقة اللامجنّس من حديثها للشيخة التي تراودها بالانزياح ناحية غريزتها وتأكيد جنوستها بتفعيل أدائياته، لكنها تعاند تلك الحتمية بعبارات فلسفية تدل على مأزق جمالي محله الجسد (إن جسداً هنا لا يُباح له الحمل...جوف المرأة جوهرة...جسد المرأة غياب يطلب أكثر مياهنا سِرّية، غياب يرتوي ليخلِّق الجنين، وما في جسدي غياب، ألا تشعرين يا أمنا الغولة؟ كله حضور...أشعر بجسدي موصد، لكأنه غير مخلوق ليفتح ويحمل، كمن يحتاج لوسيط للحمل عنه، أتظنين لهذا ألجأ للعود؟ أيصلح وسيطاً للحمل عني؟ عندي شوق لحملٍ، وشوق لصب، أتعرفين كيف هو هذا الألم الماسك بجسدي؟ شوقي خطيئة؟...أنا جادة، لماذا لا يطاوع جسدي فيستسلم لهذه الرغبة الحارقة لاحتواء جنين بجسدي، ولا يستسلم للرغبة في الانصباب لجسد؟! لِمَ يتجنب جسدي الانسياق لحالة؟).
* الوعي الأنثوي يقشر اكسسوارات الرجولة
هكذا تستمر النصوص في الكشف التدريجي عن الهوية المخادعة، وفضح أوهام الذكورة الفظّة، بتقشير اكسسوارات الرجولة الشكلية، وإبراز بعض سجايا الأنوثة، لتأوين الكائن الطبيعي في نص الحياة، كما يتبين ذلك التوجه القصدي في مفارقات العبارات المسقطة بقوة في ممرات رواية (ليلة القدر) المؤداة بصوت آت من أعماق ووعي الطاهر بن جلون، الذي لا يكف عن تفكيك أوهام العقيدة الذكورية، حيث السخرية من علامات الرجولة المظهرية (هذا الشّارب) وبعدها يندفع في تقويض الأوهام (الرجولة في مكان آخر ليست في الجسد، ربما في النفس).
يقابل هذه الخطفة التساؤلية الصادمة عبارات يقينية عند عواض العصيمي، تحاكم ذات العقيدة الذكورية الجائرة، إذ تأتي متوازية ومتساوقة مع ذلك المعنى (كأن الذي يحدث مقارنة بما وصلت اليه من ارتباك ولجلجة نفسية عميقة، هو المضي شيئاً فشيئاً في خلع ملابسها أمامه، ليكتشف بنفسه أن الثوب الذي يلبسه الرجل يمكن أن تلبسه امرأة، وأن حقيقة الجسد لا تُصنع عند الخياطين).
وبنفس الروح التقويضية تتمادى رجاء عالم في الفضح والاستمساك بذات المعنى الرافض لفكرة الانحباس في جسدٍ معرّفٍ وفق خصائص تنميطية، كما تشي عباراتها المحقونة بالشطحات الصوفية، والدلالات المبطّنة، وكذلك ملفوظات الهوية التجنيسية الصريحة (حين يكون جسدك من حجر لا يعود يحفل بالإقفال والقوالب، قل لي كيف تختار صوتك كل صلاة؟ أي نبرة للريح: نبرة ذكر أم أنثى؟...أينه هذا الذي يتصدر الجلسات بلا وجل من انكشاف هوية، من قفل هوية، من انغلاق باب، تريد أن تعرف من أنا؟ قل لي: ما أنت؟ لو ألصقت كامل أطرافي إليك، فتحتها لأطرافك هكذا، أتستطيع أن تحبسني في جنس؟).
* إنفضاح الهوية على حافة (الآخر)
أما انفضاح الهوية الأنثوية فلم تتوضح بجلائها الصريح إلا بعد الاصطدام بالرجل، بما هو (آخر) حيث تنكشف الذات أمام إملاءات الحواس واضطراراتها، وتتحطم الوصايا على إيقاع الإشتهاءات التي تعمل بمثابة مكوّن بنائي لقوة وطاقة الأنوثة المضادة لفعل التذكير أوحتى الاسترجال، كما تفصح عن ذلك (زهرة) التي تنم عباراتها اللاهبة عن تموضعها الجديد (لم يسبق لي أن شعرت بذلك القدر من الأحاسيس. إن جسدي الذي كان صورة مسطَّحة، مقفرةً، خربةً، تحتكرها المظاهر والكذب، أخذ يلحق بالحياة. كنت حية. بكل قواي أصرخ، ومن غير انتباه كنت أصيح: أنا حية...حية! لقد عادت روحي. إنها تصيح مشتعلة داخل قفصي الصدري. أنا حية..حية!).
بمجرد أن عاد الأب إلى رشده ووهب (زهرة) حريتها، استيقظت حواسها قبالة (الآخر/الرجل) وكان ذلك هو الكفيل بإعادة الإعتبار لهويتها وذاتها الأنثوية المستلبة كما تشي العبارات المنهمرة من عودة الحياة لمنبع الفطرة (كانت الشهوة تقود جسدي غريزياً وتملي عليه الحركات المناسبة. كنت قد صرت مجنونة. كنت أكتشف المتعة لأول مرة في حياتي داخل أحد المواخير مع أحد العميان! كان نهماً. وقد تم كل شيء في صمت. إذ كنت أكتم حشرجاتي. لقد كان من الضروري ألاّ ينتبه للخدعة).
وبما يبدو حالة من الإنتشاء المباغت، وإعادة التخلّق من جديد من واقع التماس الجسدي واصلت تذكير ذاتها المقموعة بهويتها الجسدية المستعادة (كنت سعيدة بأن أول رجلٍ أحبّ جسدي رجل أعمى، كانت عيناه في أنامله، وكانت مداعباته المتمهّلة الرقيقة تعيد تركيب صورتي...يقول لي: أنا بحاجة لقليل من الضوء لكي أرى جسدك، لكي أشم عطره، ولكي تتْبَع شفتاي خطوط انسجامه ...لكي يغدو جسدك أليفاً لدي، ويتخلى عن التمرد، فأنا أنحته بعنايةً، وصبر).
وبعيداً عن العيون الحارسة صارت (هذلا) تتخفف أيضاً من وصايا والدها، باستعادة مشاهد غرامية، وتخليق لقطات متخيّلة تحت إيقاع اللهفة لمعانقة قرينها الذكوري بمجرد أن تنعتق من ثقل جسدها الموازي، لكنها لا تلبث أن تتوب عن استيهاماتها لئلا تفقد توازنها وتنكشف حقيقتها، كما يتضح ذلك الحذر في عبارات لاهثة تشير إلى ذات مقموعة، وإن كانت لا تريد الإقامة حد الإستنقاع في حالة من الإنكار (تشاغلت عن منادمته في سرّها. قاومت التحدث إليه بينها وبين نفسها في الخلوات. وأمام النار في الخيمة ذات يوم، كوت باطن يدها اليسرى لصرف اهتمامها المتزايد عنه، إذ كانت تخشى أن تنجذب إليه كما يلح عليها فتصاب بالجنون، أو تجد نفسها تتكلم أمام الناس بخواطرها، وبأحاديث نفسها الخاصة، وقد يسوء الحال فيبدر منها ما يكشف سرّها للجميع).
ولكنها لا تصمد أمام ملامسات رفيقها الراعي، كما يصف عواض العصيمي انفضاح رغباتها وجنونها الأنثوي المخبوء تحت ثياب التنكّر الجسدي، والتمويه الاجتماعي (يسأله ناشي: هل تحبها يا جلال؟ يجيب بانفعال وهو يحدق في عيني ناشي: نعم، نعم، أحبها وأود لو أحتضنها بيديّ هاتين، هكذا، هكذا. ويطوق بيديه ظهر ناشي، ويجذبه إلى صدره بقوة فيلتصق الصدر بالصدر، دون أن يحاول ناشي دفعه عنه. في المرة الأولى أحس ناشي بالخجل، وسعى الدم في عروقه...وفي المرات العديدة التي تلت، تحول ناشي إلى باحث حقيقي عن ذلك العرس، وفي كل مرة، وعندما يأويان إلى ظل شجرة، يسأله: هل تحبها يا جلال؟).
ولأن النص يتجه ناحية الإنغلاق، وطمس الهوية الأنثوية الجمعية وليس الفردية وحسب، كدلالة على إماتة إجتماعية مبيّتة ومتفق عليها، وليس العكس، بسبب العيش في بنى الخوف والحذر، التي تغمر الجميع -رجالاً ونساءً- تحت مظلتها (يقال أن فتاة جميلة جداً اسمها هذلا فشل الدربيل عدة مرات في اختطافها لأنها تختفي منه في اللحظات المناسبة، لكنها لما تعبت من الهرب، تنكرت بثياب رجل، ولم يعد أحد يعلم عنها شيئاً، ويقال بأن بين البدو اليوم فتيات متنكرات بهيئات شبان).
 هكذا يتم تفريغ النص من روح الممانعة، ويسيطر عليه طقس الإستسلام والهروب، فهو لا يحمل في طياته أي إشارة على الرغبة في التحرّر، أو مقاومة المصير الأسود، أو حتى استعادة (هذلا) لهويتها، وبالتالي يضيق الطريق عليها، وتتورط حد التأزم باشتهاءاتها المؤجلة لدرجة أنها راودت نفسها بالإستسلام، فتمنت بصراحة معلنة أن تفضح نفسها وتفر من مهنة رعي الماشية حتى بعد أن سمعت أن من يضاجعها الدربيل (تعود إلى أهلها بآلام شديدة في جسمها، وفقدان كامل لعذريتها، تعود باكية حزينة، بلا كرامة، وتقر في البيت حتى تموت).
أما (خاتم) فتعود إلى رشدها الجسدي، وتستعيد هويتها الضائعة، إذ تتعرف على شيء من أنوثتها الضامرة أو المواربة عند التماس بعالم رجل له إيقاع خاص، يزحزحها ولو جزئياً عن مقامها المزمن، في منتصف الجنوسة، الذي يبدو مرضّياً أحياناً، وبحاجة إلى تبرير شخصي أكثر مما هو بحاجة إلى تفسير إجتماعي، كما تستجلي رجاء عالم علامات ذلك الإنحياز المخبأ وراء كبرياء أنثوي لا علاقة له بالتمنّع، وبعبارات دالّة تأخذ مجراها في صميم الهواجس الأنثوية، إذ لا مجال للتعالي على المشاعر حتى وإن كانت تستوطن جسداً مقموعاً (لم تدرك خاتم سر الفورات التي تأتيها من صوب هلال حتى في غيابه).
وهذا هو المفصل الذي تم الافصاح فيه عن صفاء الجنوسة عند (خاتم) وبالتحديد لحظة الإحساس بالخطر والاقتراب من الموت، وكأنها لحظة اعتراف مؤجلة، عندما حوصروا في المنزل (انهالت لطمات الجند على رأس ووجه هلال، تلقى هلال الضربات باستخفاف، شعر بلذة الموت على أطراف أصابعه بينما قلبه ظلّ معلقاً في الأعلى حيث معضلة الأنثى التي قد تطلع في أية لحظة بثياب رجل وتتلقى معه اللذة المدمرة، قتْلةٌ معها تفوق كل أغنية اختلسها فيها، جرح مجنون انفتح فيه برغبة جارفة أن تظهر الآن خاتم لتموت معه).
طوال أيام الفتنة، كما تسرد رجاء عالم، حُكم على (خاتم) ألا تغادر ثياب الأنثى. ولم يقبلا (خاتم وهلال) بأقل من الموت لاستعلان أنوثتها المؤجلة، وعتقها من التباس جنوستها حيث (سقط هلال وخاتم في طلقة وجوابها، وانفجر الإيقاع في كمال وحشي). إذ صار للموت حينها القدرة على فرز وتوحيد للذات في آن. وكان والدها قد لمح ذلك الاستجلاء قبيل لحظات من مقتلها، ليعترف هو الآخر بما تفادى الإقرار به، في مشهد أخاذ للجهو بالحقيقة، حيث بدا المشهد على درجة من التوتر الدرامي حين (تقدم الجند يمسون أجسادهن، ولا يد مست لهن حجاباً، اليد تتجه لما بين الساقين في محاولة سريعة للتحقق من الهوية، حين مست اليد خاتم توقف قلب الشيخ نصيب ببياض عينه يجحظ لا على خاتم وإنما للباب الدخيل يصفق بآخر الدهليز، لأول مرة أدرك أن خيالاً كان منقوشاً هناك ثم زال الآن).
* الأنوثة والذكورة في مرجعيات الأداء اللغوي
وبشيء من تحليل الأداء اللغوي القائم على فحص المدلولات والمرجعيات الثقافية التي سُردت بموجبها النصوص الثلاثة، يلاحظ سعيها المبيت إلى التعامل بأدبية مع حمولات الإرث الثقافي، لتحقيق نصاب جمالي، فهي تستبطن منظومة من القيم المتراكمة في الذهنية العربية المراد تنصيصها واختبارها، فرواية ليلة القدر التي يفترض أنها رواية ذكورية مكتوبة بلغة مؤنثة، عززت القيم المؤنثة بدون أي غرغرة خطابية، وبدون الإنتصار المجاني لأيدلوجيا الأنوثة، ربما لأن الرواية تتموضع في فضاء مديني يسمح بشيء من ديمقراطية سرد المعاني، حيث المحاكمة تقوم على عمق وهدوء الفكرة وليس ضجيج العبارة.
حتى عندما توالى السرد بصوت المرأة المقهورة، لم ترتفع النبرة الأنثوية للحد المخل بالسرد، ورغم ما يمكن التقاطه من هسيس الصوت الذكوري المترسب في عبارات (زهرة) وهي تتقدم المصلين في ثياب رجل، كما بدت كبقايا عالقة في نبرات الطاهر بن جلون (كانت إحدى النساء تأخذ تدريجياً بثأرها من مجتمع رجالي بلا حزمِ يُذكر. على أية حال، كان ذلك صحيحاً لرجال عائلتي. وعندما كنت ساجدة لم أتمكن من منع نفسي من التفكير في الرغبة الحيوانية التي كان جسدي –البارز بذلك الوضع–سيثيرها لدى أولئك الرجال لو علموا بأنهم يصلون خلف امرأة. لن أتكلم عن الذين يجسّون أعضاءهم بمجرد رؤيتهم لعجزٍ مقدمٍ على هذا النحو).
أما عواض العصيمي الذي يسرد بمنهجية فاقعة بعض الشيء، فيبدو أنه يسمح للكثير من العبارات الممجدة للقيم الذكورية بالتسرّب اللاواعي إلى نصه، عند مقاربته على حافة الدرس الألسني، ربما لأنه يصف الحدث من الخارج، ولا يتحدث بضمير البطلة، ولأن حكايته أيضاً عرضة لفحولة ثقافية تشكل الركيزة الفكروية لنصه، نتيجة وقوع روايته في فضاء صحراوي يتسم بالخشونة والبدائية وتكدّس القيم البالية، كما يتضح ذلك التقديس اللاواعي للذكورة من فحوى ومنطلق الخطاب في خزان عباراته المقترنة بالقاموس الحربي والإستئثار الذكوري باللذة (لما ارتفعت أذناها إلى مستوى الإنصات بشغف إلى الحكايات المتداولة، اكتشفت أن ثمة من النساء البدويات من تمنت لو لم تكن امرأة، بل تكون رجلاً يغزو ويقاتل الأعداء).
وربما لهذا السبب أراد حاول، بشكل تقريري، إلغاء كل ذلك التراكم من القيم الفحولية التي كدّسها في شخصية (الدربيل) قاضم أجساد النساء، الذي يتغذى بلا هوادة على أفخاذهن وأثدائهن، ليعلن براءته الشخصية كسارد من أيدلوجيا الذكورة، كما يتأكد هذا المنحى في المتوالية العباراتية التي ينهيها بسخرية تقريرية (ومع ذلك لم يتفقن على وصف موحد له، فهناك من قالت بأنه ذو بطن كبيرة متهدلة، وثديين مترهلين جداً، وأن له فخذين يهصر بهما من ضخامتهما أقوى النساء. وهناك من قالت بأنه هزيل الجسم، تطقطق عظامه أثناء الجماع...لكن تينة أخت الراعي الجميلة قالت لثلة من النساء أنا أخبركم بأحواله التي لا يعرفها منكن أحد. إنه تارة ضخم، ومشيع للغاية، ويتحول أثناء الممارسة إلى رجل ألوف، وتارة أخرى هزيل ومثير للشفقة. إنه شخص متغير الجسم كالكبش الذي يسمن وقت الربيع، ويهزل عند الجدب وانقطاع المطر).
حتى (خاتم) التي جهدت رجاء عالم في تبديد فكرة استرجالها، وإلغاء أي إيحاء بكونها أنثى ضد الأنوثة، كانت محاطة بمنظومة من المعاني المفارقة لصراحة لغة مؤنثة غير ملوثة بأي نبرة ذكورية، مما يعني انسجام رجاء عالم مع مسرودها كأنثى، حيث كانت تنزاح -شكلياً- عن مكامن أنوثتها إلى منافي خارج الجسد، عندما تفرغ طاقتها الحسّية في آلة العود -مثلاً- الذي يعادل الجسد المثلي، لتصعيد حالة التضاد الدرامي في نص يأخذ مكانه ضمن أجواء ومواقع وطقوس دينية، كما توحي لها زرياب الحلبية، وتلوّح به كغريم، حسب توصيف رجاء عالم (راحت وجاءت بالعود ووسَّدته لحِجْر خاتم، شهقتُها شقّت عذوبة في قلب زرياب، حين لا مس الخشب حيوية الجسد انطوى بجسد خاتم، كمن تلقى جنيناً لجوفه، صارت شرائح الجسد الخشبي تنحفر بجلدها مثل نقش خشب الزان والبقم يشرخ أنفها، كل حيويات خاتم انصبت لحوضها متمثلة لجسد العود، تناولت زرياب أصابع خاتم المسلوبة بالرهبة، وقعت بها في ضمة لعنق العود، ارتعد الجسدان في توافق...بعدها فقدت خاتم كل لغةٍ لجسدها غير لغة العود).
ويبدو أن رجاء عالم أرادت التمادى في تزيين هذا العالم الملتبس والمغوى بلغة مراوغة، استخدامية في جوهرها لتوصيف أداة عصية على التجنيس أيضاً، إيغالاً في تضبيب السرد، من خلال عبارات فارطة في الحسّية لمماهاة العود بالجسد (يسترخي العود في حِجْر خاتم، تتأمل زرياب في ليونة طية الجسد على الجسد، تتأمل بافتتان كيف يميل خشب الليمون والزان للجريان في اللحم الحي، تقلد صوت الأب:خَلّي جسدك للعود، رَفَّة الوتر رفَّة وريد...).
هكذا صعّدت لغتها التي تقوم على المماثلة والتحدي واستفزاز الهاجع من الأحاسيس، لتمعن في تأكيد تلك الصلة المدّبرة (علاقة غريبة قامت بين خاتم وزرياب، محورها العود، إنطواء زرياب للعود يشعر خاتم بالإقصاء، بالنفي، فتتملكها غيرة، وحين يلاغي العود أنامل خاتم ويمنح أوتاره لجسدها يتملك زرياب الحسد، تشعر لكأن الأوتار تغوص في جسد خاتم وتبعث النغم من مكان سحيق لا يبلغه غير الصمت تحول بين زرياب وبلوغ تلك البقعة من روح خاتم، تحدّث نفسها بأن خاتم من أنهار انقرضت، من آلات الحياة، تلك التي تطلع منها النفخة التي تسبك الجسد وتعيد تخليقه، خاتم ممن يعرف الآلة أكثر مما يعرف كيف يمنح البشر).
لكنها لا تبلغ أقاصي التحرّر من وجيب الجسد المراد توأماته بالعود، فبما يشبه الاستدراك، والعودة إلى تحييد الجسد والشعور وإضفاء طابع العناد الحسّي عليه تكمل وكأنها -كساردة- لا تقبل إلا أن يكون مقابل بطلتها ذكر لتتحقق أنوثة السرد، رغم التأطير الغائم للذات والأداة والمعنى الذي يغلف العبارات (العود أيضاً له شطر ذكر وشطر أنثى، الوتر والريشة، من الذكر ومن الأنثى؟ وجسد العود، هذا الذي يُوِلَّد الألحان، لا هو أنثى ولا هو ذكَر).
* الأب السجّان
وبقدر ما تستعرض النصوص تجليات الذات الأنثوية المحبوسة في جسد (الآخر/الرجل) ومراتب خطابها اللغوي للتحرّر والإنعتاق، تستجلي صورة الأب بصفته عنوان العائلة البطركية بمعناها المفهومي، فهو المسؤول عن قمع تلك الذات، كما يتم استظهاره في دور السجّان، المغيّب لدور الأم بصفتها أنثى، حد مراودة النفس بقتله، ولو بشكل رمزي يعادل فعل الخلاص من السجّان، من خلال إشارات مباشرة يتم بموجبها محاكمة الأبوية بمعناها الإنحيازي، وإظهار ما يمكن من عوراتها.
وفي هذا الصدد تستعرض (زهرة) مشهداً كرنفالياً لأخواتها بعد موت والدهن، فيما يبدو فرحاً أنثوياً باختفاء سلطة الأب (عدتُ ذات ليلة إلى الدّار كما تعلمون. دخلتها عبر سطح الجيران. كانت البنات قد عُدْن. وكنّ مرتديات أفخر الملابس، ومتبرجات بإفراط، وقد تزيَّنَّ بحلِي أمهن. كنّ يضحكن ويلعبن مع نساء أخريات جِئن من الحيّ. لقد كان الدّفن والحداد بالنسبة لهنّ تحريراً وحفلاً. وقد تفهمت رد فعلهن إلى أبعد حدّ. إنهن فتيات مُحْبطات، طال تمشيهن خارج الحياة، وكنّ يكتشفن الحرية).
وبمزيج من المرارة والرأفة ترسم بورتريه لغوي لكائن معتل الشعور، قاتم السريرة، تحمّله كل رزايا الحياة البائسة (كان ذلك في فترة صعبة، أحسّ فيها أبي بدنوِّ أجله الذي قد يكون الإحساس بالإثم والمعصية قد عجّل به. كان قد غدا ساخطاً، سريع الانفعال، نافذ الصبر، عديم الابتهاج. كانت تغلي بداخله الكراهية، كراهية عنيفة وعمياء. كان يكره الجميع دون ريب بدءاً بنفسه. لكنه كان يوقرني بغرابة. بل أعتقد أنه كان يحبني. كان يبقيني خارج الفظاظة التي صارت طريقته في الحديث).
وهكذا تواصل بما يشبه التشفّي بالرجل الذي أنساها رنّة صوت أمها بسبب خنوعها وصمتها، حتى أسلمها إلى نوبات العته والجنون. الرجل الذي كان يستخدم الكراهية كترياق للضعف كما اكتشفت ذلك بغريزتها الحية، كراهية المرأة على وجه التحديد وتضئيلها والحط من قدرها (عند اصابته بنزلة ربْوِية، كان يرفض تناول الأدوية. وحينما كان تنفّسه يضيق ويشرع في الاهتزاز من جرّاء الألم في الصدر. كان يتهم العائلة كلها بسرقة نصيبه من الأكسجين. لم تكن قصباته هي المريضة. بل كان حضور كل تلك النّسوة العديمات الجدوى هو الذي يسد قصباته ويعجل باختناقه).
إنها مجموعة من المشاهد لسيرة العائلة البطريركية الواحدة، المحكومة من قبل أب باطش محقون بقيم رجولة زائفة، لا تعني أكثر من الصرامة والتشدّد، كما يصف عواض العصيمي أيضاً شعور (هذلا) وانقهارها الدائم قبالة سلطة الأب (كالعادة، توقعت أن تخرج الصفعات من يد أبيها ساخنة ومؤلمة على الوجه بمجرد أن يختفيا عن الأنظار...كان يصفعها على الوجه في فورة غضبه، ثم في حنان مفاجئ، كان يضع رأسها بين يديه الفائرتين ويقبل جبينها ويتأسف على ضربه إياها...في تلك اللحظة يختفي ناشي أو يتلاشى تحت حرارة اليدين، وتبرز هذلا إلى درجة أن دموعها تنفجر من عينيها بحيث تجعل الأب يسارع إلى مسحها بكمّ ثوبه).
هذا هو شكل الأب كما تطرحه النصوص بلا مواربة، فهو لا يتوانى عن فعل أي شيء لتأوين الأوهام الإجتماعية حول معنى وقيم الرجولة، حتى ولو أدى الأمر إلى اقتلاع ابنته من نسيجها الأنثوي، وسلب شخصيتها، وتشويه آدميتها، فالشيخ نصيب، تاجر العبيد، يستمع للشيخ الأعمى، بما يشبه التواطؤ المرسوم بدقة ودراية إجتماعية، وهو يسرُّ له  بتفوق ابنته المتلبّسة لدور الرجل (خاتم) كما تدلل على ذلك عباراته التعاضدية (إبنك يُذّكرني بنفسي، قوة حافظته وفهمه تأكل من قواه البدنية، كما أكلت معارفي قوة إبصاري...لك أن تفخر بإبن كهذا يضحي ما يضحي في سبيل المعرفة).
هكذا تستعرض رجاء عالم تفاصيل رجولته المذعورة أمام الحقيقة المطموسة، وانفصام (خاتم) على إيقاع خوفه (كان شعور الشيخ نصيب تجاه سَنَد أشبه بشعور القبيلة نحو قربان تُعدُّه لفداء أبطالها وطوطمها، كان الشيخ يحتمي بسَنَد من خوف فقد الولد. عمّ صمت بين الاثنين كلاهما يتأمل علاقته بالشيخ نصيب، كان شعور خاتم ملتبساً تجاه ما يحدث لها، لا تعرف أتحتج متخذةً موقفاً نحو الذكورة أو الأنوثة، أو تستسلم أكثر لنعمة الوجودين بين الذكور والإناث).
* القصة كسجن..الجسد كقفص
الانحباس في جسد الآخر ليس مجرد معضلة عابرة، إنه مأزق وجودي يعادل الإنخناق في (النص/الحياة) الأمر الذي يفسر مراودات الإنعتاق بفيض اللغة، حيث تتوّلد مفردات مقرونة بفكرة الأسر، ومفعمة في الآن نفسه بحس التحرّر، وكأن النص هو الجسد المنكّل به، كما حاولت (زهرة) أن تُفلسف معنى ذلك الشعور بقولها (كانت قصتي هي سجني...حيثما ذهبت كنت أحمل سجني معي كقفصٍ فوق الظهر. كنت أسكنه ولم يتبقّ لي غير أن أتعود على سكناه). وهنا يكمن الاحساس بطراوة النص، وتدفق السرد المعبّر عن صعوبة الانتقال إلى الطور الأنثوي كما جاء في ديباجة الرواية (لا أعلم بأن ذاكرة مملوءة بأنواع الصّمت وبالنظرات وبالنظرات المتقطّعة يمكن أن تصير كيساً من الرمل يعْسُر معه السير).
إنها سيرة (طفلة مضطربة الهوية ومترنّحتها. بِنْتاً كنتُ مقنّعة بمشيئة أب أحس  بنفسه ناقص الرجولة ومُهاناً لأنه لم يرزق ولداً). ولهذا السبب كان القص سجناً ومهرباً في الوقت نفسه، حيث يمكن الإصغاء لصرخات (زهرة) وهي تهرول على سطح النص هاربة من ذكريات القمع بفصاحة العبارات وحرقة الكلمات (وضعت العصابة السوداء من جديد على عينيّ، وتعريت، ورقدت على الأرض مباشرة. كنت عارية تماماً. وكان بلاط الاسمنت بارداً. فكان جسدي يُدفِئه. كنت أرتعد. وقد أقسمت بأن أصمد للبرد. كان لا مندوحة لي عن المرور بهذه التجربة لكي أتخلص من تلك الصّور. كان لا بُدّ من تذكير جسدي وحواسي بمكان حبسي وبأنه من الوهم الإفلات منه بأحلام تتحول إلى كوابيس. إذا كانت النفس مسلوخة، فإن الجسد لم يعد بمقدوره أن يكذب).
وضد كل الوصايا صارت حكاية (هذلا) تنسرد في اتجاه يوحي بتأزم الذات الأنثوية التي (كانت في الماضي تسمع أمها تقول إن المرأة مرأة والرجل رجل ولا لقاء بينهما في جسم واحد). ولكن هاهو جسدها المدعوك بروائح الرجال المختزنة في الثياب التي اضطرت للتخفي بها يحمل سيرة جسد معذّب بوجود النقيضين، بحيث صار النص بمثابة الامتداد الطبيعي أو العضوي لجسدها، فيما انفتح جسدها بالمقابل لتنسكب فيه بقايا الرجال، ولينكتب فيه النص (لقد مر على جسمها الكثير من الثياب الرجالية البيض والسود والزرق خلال الفترة الماضية. لبست ثياباً شعرت فيها بنعومة فرو "الجاعد" تداعب جسمها، ولبست ثياباً أخرى ملأتها بالأحزان والكآبة. روائح أجساد الذكور في ثنيات الثياب، وفي آباطها، كثيرة ومتنوعة، وتغمرها بأحاسيس متناقضة. لكنها في سرّها تفضل الثياب التي تفوح منها رائحة عرق الشباب اليافع المملوء بالتحولات).
ولإكمال حلقة الانغلاق كان لا بد من إسم هو بمثابة العنوان للنص الحابس للذات، كما يعبر عواض العصيمي عن تأففها منه (استقبلت الاسم، في المرة الأولى، كحبة رمل خشنة تتلولب في أذنها، لكنه اسمها الأول الذي كانت تحمله عندما كانت تلبس ثياب الأطفال، ويجب عليها العيش معه في كل الأوقات. هكذا يقول أبوها بإصرار. وكانت في إحدى المرات تساءلت ما إذا كان طمس اسمها الحقيقي من الوجود سيساعدها فعلاً في نسيان من تكون؟ هل تغيير الاسم يسهم في تغيير حقيقة كونها بنتاً مهما استحدث لها ذلك الاسم من ألبسة مختلفة ومظاهر لازمة؟)
أما سجن (خاتم) المحبوسة في الحكاية كما تشي بذلك ملفوظات النص، فهو على درجة من التعقيد رغم رحابته الظاهرية، ومساحة التحرك المفتوحة للذات، تماما كما هو نص رجاء عالم، بما يكتظ به من مجازية وإشارات، حيث يشبه كنص مكتوب حركة السجين الذي يذرع زنزانته ذهاباً وإياباً، وهو حال (خاتم) المنحبسة في حركة بندولية ما بين أنوثة مضيّعة ورجولة مستحيلة، كما يتبين من كثرة العبارات الدالة على الحيرة حيث (تقول زرياب الحلبية: العود جسدي...يهمها أن تأخذ خاتم لحكايتها، أن تحبسها فيها بأن تعيدها على مسمعها المرة تلو المرة).
إنه جسد مسجون في اللغة والحكاية، كما تتأسى دانة القحطانية لحال ومآل (خاتم) في مأزق الجسد الذي تتطابق معالمه مع تفاصيل السجن هو الآخر بقولها (هذا الولد مسكين...ولد أم بنت؟) تسارع زرياب مؤكدة (بنت في ثوب ولد، خاتم إنسان، ومثلما خطفونا من أهلنا خطفوه من جسده، نقلوه لجسد لا هو بالذكر ولا هو بالأنثى. في الأفراح والولائم أنثى، وفي الصلولت ذكر، أي لغةً يمكن لجسد هذا الانسان أن يتكلم؟). ثم تكمل فيما يبدو مماثلة بين العود والجسد بعبارات فلسفية (كلنا ذكر وأنثى، لكن المشكلة في الوقت، متى يدوزن آلته؟ متى يُلِعِّبها لتشطح في لحن الأنثى، أو بالعكس، متى تنفلت آلته لتُعطي نفسها للحن الكامل، الذي تتحاور فيه نغمة الذكر بنغمة الأنثى في نفس الرنَّة...).