عباس بيضون يحجز (بطاقة - موت - لشخصين)

 الكلمات التي تسمي الموت صارته تقريباً

 

اللغة جلد، كما يستشعرها رولان بارت. بمعنى أنها طبع. وعلى هذا الأساس يتشكل الكون الشعري لعباس بيضون، الذي يتعاطاها كفعل لذات مستقلة، حيث تنكتب نصوصه عبر ما يمكن الإصطلاح عليها بالكلمات المفكِّرة. ومن خلال ارتداده العمودي إلى أعماق روحه ليؤسس مستوى الصوغ. إذ لا يكتفي باستخدامها كوسيلة لتوليد المجازات، وصنع الأخيلة الشعرية، بل ينحاز بها عن وظائفيتها ووصفيتها ليحيلها إلى مدارات للتفكير، ليُبقي على صلابة الفكرة وحدة حوافها، رغم ما يلقيه عليها من ظلال الكلمات الشاعرية الكثيفة. وهو ما يعني أن تعبيراته اللفظية تتلازم حد التطابق مع ما يتجلى من أفكاره. وهنا مكمن وعيه الشعري، أي في التوتر الناشيء من الصراع بين رهافة لغته وموضوعية الفكرة التي يتبناها. حيث يؤكد إقتداره على تنصيص خبراته الحياتية وتمريرها في كلمات عصبها التفكير.
الشعر إذاً، هو الشكل الذي أراده للتعبير عن خبراته وتجاربه. وتلك هي طريقته للتفكير من خلاله، أي تشييد النص بألفاظ حسّية معاشة، مقدودة من صلب الحياة. وعرض العالم أو ترميزه بسيل من الصور الشعرية، التي تتدافع جملة إثر جملة لتشير إليه، وتقوّي رؤيته لذاته. ففي مجموعته (بطاقة لشخصين) الصادرة عن دار الساقي، يتأمل معنى الحياة على إيقاع ما يستتشعره من اضمحلالها البطئ، وكأن ذاته تنسل من النصوص وتتمثل حضورها في زمن آخر، الأمر الذي يكشف عن سر إنكتاب أغلب مفاصل المجموعة بصيغة الماضي، كما يعبّر عن ذلك الهاجس بعبارات تنم عن إنقضاء الوقت المتاح لكائن (يستيقظ...فيجد الحياة هربت...يستيقظ كالعادة...فيجد الحياة هربت...لكن الأمر لا يهم...هناك قطع غيار بديلة).
هذا الإحساس المترسّب في مجرى عباراته، هو ما يفسر منزعه الواضح لفهرسة ما عاشه، وتبئيره للنصوص في مفردة أو موضوع (الموت) الذي يأتي برأيه (متأخراً ويلوم الجميع). وهو مآل يوّلد بدوره منظومة من تداعيات الأفول (الشيخوخة، والمرض، والصداقة، والألم، والشباب، والذكريات، والحب، والقبر) حيث يتصل نفسيًا بكل ما يساعدنا، من منظوره (على اجتياز هذه المنطقة الخالية من الريح). كما يتحد حسّياً بمفردات (الصيدلية، والجسد، والقلب، والرئة، والشرايين، والأضلاع، والأدوية) التي تطل كريزومات تحف بـ(مفردة/موضوع) الموت، وتنزرع بعمق في سياقات نصوصه، والأهم أنها تنكتب من ذات متلاشية ومستيقظة في آن، أي من تفكير مردوم بوابل من التصويرات الفطنة، كما يعبر عن إنتباهته بعبارات صريحة (الرأس مكتب مضاء...وفي الحقيقة لا يزال يعمل).
وعلى الأرجح، إنه يكتب لكي لا يموت. يكتب ليكتشف ما يجهله عن ذاته -جسداً وروحاً- من خلال صاعق الموت. يكتب من عزلته المعلنة، التي بدونها لا يمكنه توثيق السيرة المروعة للموت. يكتب نصوصاً محقونة بطاقة إنسانية هائلة، لئلا يختنق جراء عدم رغبته في الكلام. وذلك هو شكل الصمت الضاج بالوساوس الجوانية، والتفكير في حيز النص، فبتصوره أنه (يمكن الكتابة بطرف العين...أو بالَّنَفس الذي لا تُسمع فيه كلمة...أو كتابة كلمة لا جواب لها...إلا الموت). وهكذا ينتج عن تلك المنادمة الذاتية مكتوباً يتأمله ويخاطبه كمرآة يتأمل من خلالها صيرورة وعيه، أو يدّون فاصلاً من سيرته (أيتها الصفحات العزيزة أنا أعرف بماذا ملأتك. لا يهم ما عشناه بالنسبة إلى حياة كاملة).
إنه يكتب لأنه معني، على ما يبدو، بتشكيل وجود ذاتي جديد، لتعضيد الحالة المعنوية والتعبيرية لكائن يستشعر رغبته الغامضة في الموت، بعد فراق (بسّام حجار) كما يصف حيرته أو حسه المأساوي إزاء الموت، إثر ذلك الفقد المباغت، بعبارات تنم عن الذهول والعجز (منذ توفّي بسّام وأنا لا أعرف كيف أُصرّف هذه المسألة). أو كما يستدعي مآله بألم ممض (ماذا فعل السرطان بخد بسّام). ثم يستذكر الصديق المبدع (الذي كان يؤلف الجُمل التي يريدها بأي حرف كان...وبأول كلمة تخطر).
بنبرة نعي خفيضة، وإيقاع طنان، تحدث عباس عن بسّام راثياً ومستذكراً ومتأملاً، كمن يتحدث إلى نفسه وعنها (أردت أن تسير كما تفكر...وحيداً وواضحاً وهادئاً) حتى وهو يصف طريقته في الكتابة (كان يجد بسهولة ما يريده. لديه من الجمل قدر ما لديه من الأفكار. أفكار قليلة لجمل قليلة). وكأنه يؤكد من خلال تلك الإستدعاءات الكلامية المؤلمة أن موته، أصابه ببعض الموت المؤجل، أو هذا ما يراود به ذاته. وهنا مكمن عنوان المجموعة (بطاقة لشخصين) ومغزاه، فهو يريد أن يحجز لنفسه مكاناً بمعيته في بطاقة الموت تلك، حيث يمنّي نفسه بالتماوت (يستحسن أن نموت قليلاً مع الموتى...أن نتناوم ليرحلوا في غفلة منا...يستحسن أن لا نراهم وهم يتحولون...ويسلمون أنفسهم لأمير الظلام...يستحسن أن لا ننظر إلى الموتى...نطردهم من الفكر لكنهم يعودون...إلى المكان نفسه، إنهم يحترمون المسافة).
هذا يفسر، حسب بيضون (أن الباص الذي سيحمل الجميع لا زال متوقفاً في السماء...ثمة بقعة بيضاء تحته بالضبط). وهو – أي عباس- على قائمة الإنتظار، ينصّص فلسفة وجوده، ويدوزن ما تبقى من حياته إزاء لغز الموت. يتأهب للحظة الإنتقال من الـ(هنا) إلى الـ(هناك). يدّونها على طريقته في التفكير داخل الكلمات (نسافر مع كتاب. إنه يقول إن التحضير للموت يتطلب وقتاً أطول من الحياة. الموتى يفضلون أن يسافروا في كتاب). أو هكذا يغادر مجازياً إلى الزمان والمكان الآخر، إلى (هذا الخلاء الذي لا يطيقه...إلا الموتى والكتب...الأموات الذين يأتون كاملين...بأجسادهم التي لم يتطرق إليها الفساد). يسافر بمخياله وكلماته التي تحمله إلى ضفة الموت ليكتب من هناك، وكأنه يتذكر ما عاشه بأثر رجعي (كانت هنا حياة أخرى ولا تحتاج لأكثر من فهرسة صحيحة وترتيب مقبول).
هكذا تسيل كلماته على كل ما يفكر فيه فيتشكل المعنى، بدون أن يترك أي مسافة بين نصه وما يقوله، إذ يبث تصويراته الموجعة بما يشبه التجسيد الحي للأحاسيس، وكأنه يريد الإستمساك بها من خلال لغته المتوّلدة من حركية داخلية قابلة للاستشعار. وتلك هي دمغته الفردية للتعبير بنثرية خالصة عن مكنوناته، كما يتبين من قدرته على إنتاء الفكرة على قشرة عباراته الرقيقة، ودمج شاعريتة باللغة، لتحويل النص إلى لافتات إشراقية (الكلمات التي تسمي الموت صارته تقريباً...لكن مع قليل من المجاز). كما تتجلى مهارته أيضاً في إعادة كل ما هو نثري إلى مكمن شاعريته (من يملك أثاثاً جميلاً لا يحتاج إلى ذكريات). وأحياناً يمرّر صورة شعرية وهي تتحلل قبالة العين في مشهدية ملذوذة (لا شيء أقرب من الغرق في جرعة واحدة). فيما يلجأ أحياناً أخرى إلى التلفظ بما تحت النظام السطحي للنص لإبراز معانيه المكتنزة (يمكن أن نفكر في الحب كعضلة نحتاج إلى الكثير لتثبيتها في الجسم).
الشعر فن تشخيصي، يختصره عباس بيضون في نص يقوم على الصياغة الذاتية لما يتمظهر من العالم. وفي كل رمية يرميها في ممرات النص تتأكد بصمته، حيث تبدو لمسته محفورة برقة في أعماق الصورة الشعرية المقدودة من حركية الحياة، والمتوّحدة معها في آن. كما تتجلى قدرته على توليد المجازات ثم إعادة تركيبها في عبارات تصويرية مدهشة (كم كانت صعبة صناعة الأسئلة من حبال). إذ يبدو على الدوام متمسكاً بالمبدأ الذاتي للشاعرية، فيما يقبض على موضوعية النثر ليشكل استيهاماته (لن تكون صنماً بلا ثمن). حيث لا تمنعه قوة التفكير من خفض مستوى التجنيح في شعره، بقدر ما تسمح لعباراته بالمثول التناظري الجمالي قبالة المادي (الواقع يعاد كما هو إلى الصناديق...حياة غير مستعملة تُشحن بدون أن تمس).
تلك هي بعض مراوداته المجازية لتوسيع هامش حضوره في بطاقة لا تتسع من الناحية الواقعية والقدرية إلا لشخص واحد. أو ربما هي محاولة عابثة من شاعر للتلاشي أمام موضوعه كذات، حيث يفيض مكتوبه بالتهويم المتأتي من ذات لا تتوازن إلا بغوصات متكررة في اللاوعي، وعقلنة ما تغترفه في المعنى اللامتلفظ به (حيطان وكلمات...لم نقرأها، قسنا بها انفصالنا). أو هكذا تنفلت مشاعره وأحاسيسه لتصير عبارات ذات كتلة ووقع في النفس والنص (الحجر الذي يسد النفس هو ذاته الذي يسد الضريح). وهذا الإقتدار مردّه الدربة على التقاط الشاعرية المبعثرة وتكثيفها في لقطة درامية (لا يكون الحب دائماً...شجيرة برتقال). حيث تمثّل الصورة الشعرية -كالعادة- الشكل الجوهري للتفكير، وتستلزم المكوث قبالتها لتفكيك فحواها، والإحساس بالطريقة الفريدة التي صيغت بها (هناك ما ينبغي كسره لإخراج الحقيقة من الفكين المطبقين). 
ولأنه لا يفكر إلا في نطاق الشعر وبه، يدس عِبرته في سراديب الكلمات، بما يشبه القولات المأثورة. وتلك هي طبيعة الشعر المستخلص من وعي الذات، والإهتداء باللغة كوعي مستقل، حيث يقف عند حافة الموت ويرتد إلى الوراء ليشعرن كل شيء بنفسٍ استذكاري مثقل بالحكمة (الذكريات مرئية من ظهورها...كما لو كانت جدراناً). تماماً كما يتفحّص المهمل من متعلقاته ويتساءل (هل علينا أن نؤمن...بأن الأحذية المستعملة وعلب الدواء...هي حقاً ذكريات وأنها تظل كذلك...بعد أن شاهدناها مركومة في الصناديق). لينتهي إلى قناعة لها ملمح الاستسلام (مع ذلك علينا أن ننتظر فالذكريات...تستهلك كما يستهلك الدم والدواء، والمرض).
صاعق هو في تعذيب قارئه، بقدرته اللافتة على تحجير الكلمات اللينة، وتضييق وساعات الكلمة بعد أن يحولها إلى طوبة صلبة، أو وحدة صغيرة مصفوفة ببطء جارح في جدار النص المتماسك، وتلك هي طريقته البنائية لمضاعفة الأثر النفسي، المتأتي من عجن اللغة بمزاجه الداكن، وطلاء النص بالمجازات الثقيلة، فحين يتحدث عن متعلقاته، وعما آل إليه جسداً وروحاً يصبح (الصدر صيدلية واسعة). كما أن قلبه لم يعد صالحاً لشيء (إلا أن يكون مدخنة). أو هذا ما يستشعره وينصّصه (منذ غدا القلب ضيقاً كالحذاء). حتى السرير، الذي طالما تمدّد على جنبه الأيسر، كما يتمتم (يبدو الآن كعربة إسعاف).
ذلك هو السرداب العميق الذي يتسلق بيضون مهابطه بسلالم اللغة. إنه ديالكتيك شخصي يقوم على تراجيدية الفكرة في المقام الأول. وبموجب ذلك الإحساس العميق بالأشياء يحدث تفكيره الشعري. حين يعبّر عما ما تبقى من حياة (شاب عمره مئة عام) تعتريه أعراض الإنسحاب من مشهد الحياة، التي لم يعد يربطه بها إلا النص، فيحدّث نفسه بعبثية الحيل المضادة للفناء (الشيخوخة كذبة على الموت). أو هكذا يحيط ذاته المرتجفة بعبارات هي بمثابة أطواق نجاة. عندما يحلم على حافة المستحيل (الشباب الذي يدوم طويلاً هو نصف السلطة). أو عندما يفيء إلى نفسه ويتحسر على (الحياة التي تحسب بالقناني). إلى أن يصل إلى طريق مسدود فيركن للكلمات التي لها حنان الراحات ودفء الأحضان ومودة الأصدقاء، وحينها لا يملك إلا فكرة تقليب (الكتب التي تتحول إلى علب للصمت).
كل ما قاله عباس بيضون يؤكد براعته اللغوية في دمج أفعال التذكّر والتفكير في حيز العبارة. وتلك سمة من سمات القوة الشعرية في نصوصه، فاللغة بالنسبة له مشروع لتوليد المجازات، الأمر الذي يفسر إفتتنانه الدائم بتلبيس أفكاره أشكالاً متخيلة، حيث تتجلى الطاقة اللانهائية لأناه التي لا تكف عن عقلنة ما يحسّه. أي قدرته على التشكيل الجمالي الموضوعي لأفكاره، فحين يتحدث عن الصداقة مثلاً، التي تأتي متأخرة، لا يراها إلا بذراع واحدة. ولذلك يتصور نفسه النزقة، تَغتاب وتُغتاب، تَرثي وتُرثى، تشتاق ويُشتاق إليها، بمجرد أن ينتبه إلى أنه (كان يجالس الكراسي...التي يتخيل أنها ما انتهت إليه...أشكال بشرية...لمنتظرين قعدوا طويلاً...في ذاكرته).
على ذلك الإيقاع الجنائزي ينسج الكلمات/الأكفان لأصدقائه. أو هكذا يستدعي الصداقة التي يمكن للقبر أن يحررها من سوء الفهم -برأيه- كلما صادفته فكرة الموت (أصدقائي الموتى أبتلعهم وأمتص ذكراهم حتى لا يبقـي منها سوى قشرة غير قابلة للمضغ. عندئذ سيكونون مشوا في دمي وذابوا فيه). وتلك هي الجدلية اللاواعية، المبثوثة في منطقة الـ(ما بين) الغائمة، أي استحسان الموت قليلاً مع أصدقائه الموتى، المزروعين بشكل مؤلم في جسده، مع حسب منطوقات نصه، أو إغرائهم بالمجيء في نوبات نصّيه.
وهذا هو بالتحديد من يفسر تمدّده في استطرادات قولية، مؤكد عليها بلغة مجازية وقوة معرفية ساطية، تتكدس فيها حسراته وخبراته الشخصية المتشكلة في كلمات مفكّرة (للصداقة أحياناً فم كبير. إنها بارعة وتعمل بسبع أياد لكنها تحب الكلام وربما الاغتياب، والسنوات تزيل تحفظاتها. لا تحتاج إلى زهور ولا إلى اعترافات كالحب الذي يداري بذلك تعثّره الأصلي. لذا تنتهي على مهل أو تضيق كالحذاء على القدم. ليس لها مثل الحب عدوّ كالخيانة لذا يمرضها أصغر الأخطاء وأحياناً الملل نفسه. لن تحتاج إلى نهاية تصعب أحياناً العودة إلى منازل نسيها أهلها، وقد تفكر أنها لم تكن أكثر من نوتة على مقطوعة أخرى، أو مصادقة على حياة لم تكن لنا).
جريدة الرياض – الخميس 30 ديسمبر 2010