الإنسان واللغة

من التواصل إلى الأعلمة

 

اللغة هي أهم العلامات المميزة لذات الإنسان، وهي إنجاز تراكمي تقوم عليه الحياة الإجتماعية، لدرجة أن جون سيريل يموضعها في مقدمة المزايا البشرية، وذلك في كتابه (العقل واللغة والمجتمع-الفلسفة في العالم الواقعي). حيث يميل إلى اعتبارها (أهم مؤسسة إنسانية، بمعنى أن المؤسسات الأخرى، كالنقود والحكومة والملكية الخاصة والزواج والألعاب، تتطلب وجود اللغة، أو على الأقل تتطلب أشكالاً من الرمزية شبيهة باللغة، بينما لا تحتاج اللغة في وجودها إلى أي من المؤسسات الأخرى). وهو اعتقاد يؤيده نيكولاس أوستلر عندما يحلل تاريخ حياة اللغات وموتها، في كتابه (امبراطورية الكلمة) إذ يقرّر أن اللاعب الحقيقي في تاريخ العالم هو اللغة، وليس الأمراء والدول والإقتصاد). كما يعتقد وفق صيرورة النمو، وحتمية التطور بأن (الجانب الأهم من المستقبل ستحدّده لغات غير متوقعة وغير معروفة).
ذلك يعني أن اللغة مكوّن بنيوي من مكونات الإنسان. كما أنها أداة إتصالية تستبطن قوة لا محدودة للتغيير، وديمومة أصيلة لإعادة تشكيل الحياة، بالنظر إلى قدرتها كمؤسسة إنسانية على الدخول بفاعلية في أي علاقة ثنائية، عضوية بالضرورة، إلى الحد الذي يصعب بموجبه قياس ما أسمهمت به اللغة في تكوين الإنسان والعكس، أي تقصي الأثر الذي أحدثه فيها، إذ لم يكن له أي وجود قبلها، وبالتالي لا يمكن تخيّله في حالة انفصال عنها، لأنها هي التي تعرّفه، أكثر مما يعرّفها، كما يؤكد رولان بارت. فهذا التماس الشامل حد التماهي يفضي في النهاية إلى أن اللغة هي مصدر الأنسنة وحاويتها، بل هي المضخة التي تكفل له اكتساب السمات البشرية وتطويرها.
الإنسان هو اللغة إذاً. وتلك جدلية تصح، وتتضح بشكل أكبر عند مقاربتها –أي اللغة- في مختبر العلاقة مع الإعلام، الذي يلتبس حد التشابك مع مفاهيم وهواجس إنسانية ذات طابع إجتماعي كالأخبار والأنباء والإتصال، حيث يشكّل، بتصور فرانسيس بال (حقيقة إجتماعية مركبّة، كما يعني أنظمة الإنتاج والبث والتوزيع في الإعلام والإتصال). الأمر الذي يؤكد على أنه لعب دوراً كبيراً في تطور اللغة منذ أول نقش بشري في التاريخ، وحتى آخر سطوعات اللحظة الإلكترونية، مروراً بكل التجليات المنطوقة والمكتوبة. حيث اتحدت اللغة الإعلامية مع الوظيفة اللغوية حد التطابق، بمجرد أن اهتدى الإنسان إلى اللغة، بمعنى أن الإعلام الذي بدا كجزء من اللغة، أراد من خلال صيرورته أن يكُونها.
ذلك يعني أن الإعلام بدوره يمتلك تلك القوة التكوينية للإرتباط بكل الظواهر الإنسانية، منذ أن فكّر في مبتغياته الإعلامية، بالنظر إلى ما تحمله اللغة من معرفة يُفترض إيصالها، أو إعلام الآخر بها، كما يكشف تاريخ الأديان عن ذلك المنحى بكل وضوح من حيث توظيف الديانات للغة بمعناها الإعلامي. كما تكشف الصيرورة التكنولوجية عن علاقة أبوية بين المؤسسات العسكرية والخطاب الإعلامي، بما تتضمنّه تلك العلاقة من تطابق مقصود بين الحرب والإعلام، ممثلة في مصطلح (حرب المعلومات)، وكذلك التصاق الاعلام بكل ما ترتبط به اللغة كمفاهيم الهوية وهكذا، وهو ما يعني أن وجود اللغة الذي حتّم توليد مفاهيم التلقّي وبيئاته المتنوّعة، فرض بشكل أو بآخر شروط ومستوجبات إنتاجها، كما ترتب على ذلك استيلاد الحقول الخاصة باللغة أو الخطاب الإعلامي.
وعند الإحتكام إلى المقاربات اللسانية، يبدو ذلك التناغم البنيوي على درجة من الوضوح، حيث أفصح الإعلام، في كل المراحل التاريخية عن كونه ظاهرة إتصالية جوهرها اللغة، والإنسان مرماها، على اعتبار أن اللغة هي أداة الإتصال الأولى. إذ لا توجد مسافة بين كل تلك الحقول والعناوين. فقد لبس الخطاب الإعلامي لبوس السياسي والفكري والإجتماعي لتحقيق حاجات الإنسان، كنتيجة حتمية لطبيعة الخطاب اللغوي المستخدم في السياق الإعلامي، بما هو المكوّن الأهم للأخبار، الذي تنشأ من خلاله منظومة القيم والمعاني والمضامين والصور الذهنية المراد إيصالها، والتأثير بها على (المتلقي) المستهدف أصلاً برسائل صريحة أو مواربة. حيث ظهرت مفاهيم جديدة تشير إلى عمق التحولات التي أحدثها الإعلام في الإنسان كالغزو الثقافي، وحق المعرفة، وحق الإتصال، وحوار الثقافات، وهندسة السلوك. وبهذا المعنى توجه الإعلام إلى فكرة تخليق إنسان برّاني النزعة، مبرمج وفق لغة منزاحة عن مواضعاتها الأدبية، بدعوى تشكيل كينونة لغوية إعلامية الخصائص تلبي حاجات الإنسان.
ومنذ أن فكر الإنسان في تطوير الرسالة الإعلامية البسيطة إلى (خطاب) احتل الإعلام بوجه عام مكانة بارزة في المنظور الإنساني. ومن هذا المنطلق تم تطوير مسارات التحرير الخبري ومستوى الصوغ على أساس لغوي في المقام الأول، بالنظر إلى أن ما تنتجه وتبثه وكالات الأنباء العالمية يومياً من كلمات مليونية، يشكل حالة لغوية أكثر من كونه مادة خبرية. وهي مستولدة بالضرورة من معجم المؤسسة ومفاهيمها وأسلوبها لتوصيف الأحداث. وذلك هو بالتحديد، ما يُراد للغة أن تضطلع به عند صياغة الأخبار، كما يمكن استشفاف هذا المقصد عند مقاربة تراث الدراسات الإتصالية، المؤكدة على دور اللغة في تزيين النص الإعلامي بجماليات لفظية تتغلغل في المضامين وتراعي شكل المحمولة الإخبارية.
الإنسان كائن لغوي. وهي حقيقة تتأكد مع تقدم وسائل الإتصال، وانفتاح الحقول المعرفية والفنية. وقد أدركها الإعلام مبكراً، ولذلك لم يقبل من اللغة في أي مرحلة من المراحل، أن تظل وسيطاً حيادياً لتبليغ حمولاته، بقدر ما سعى إلى الإستفادة منها وتطويعها بشكل استخدامي لتوصيل مراداته، وبث تعاليم المؤسسة التي تقف من ورائه. بمعنى تحويلها إلى عنصر من عناصر الخطاب الإعلامي. وبموجب ذلك التوظيف الواعي استجابت اللغة لضرورات الإعلام، الذي وُلد في الأساس داخل حضاناتها، وتحت رعايتها. وتحولت بالتالي إلى أداة تسويق، أو وسيلة ترويج فكرية، معجونة في تلابيب اللغة الإعلامية، فيما أبقت على كونها الوعاء الجمالي الواسع، الذي يمكن التمدد فيه وبه طبقاً للمتطلبات الإعلامية المتصلة بالحاجات الإنسانية.
هكذا تصعّدت الحاجة إلى الإتصال، بموجب دافعية صريحة لتطوير مطالب الإنسان اللغوية. أي بمعنى ابتكار لغة إعلامية قادرة علي التعاطي مع القفزات الثورية للإنسان، المادية واللامادية، واستيعاب مستوجبات اللحظة. وعليه، أصبح (مجتمع المعلومات كمجتمع ما بعد العصر الصناعي) بتعبير ماسودا، الذي يصف في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، المكانة التي وصل إليها الإعلام بمعناه الحديث، أي كحاجة إنسانية على درجة من التشابك مع كافة مظاهر الحياة. بالنظر إلى ارتباطه باللغة، أو حاجته إليها بمعنى أدق.
ومع انبثاق النظام البصري، وبروز (عصر الصورة) التي أخذت حيزاً كبيراً من المشهد الإعلامي على حساب اللغة. لم تمت اللغة، بل ظلت الحاجة الإعلامية إليها قائمة. على اعتبار أن التقنية تستمد أصولها من منطق اللغة، ولا يمكنها، برأي عبدالوهاب المسدي (أن تنتج خطاباً أو أن يكون لخطابها معنى خارج نظام اللغة، لما للغة من شمولية تعكس ضرورة الإلتجاء لاستخدام جهازها). وعليه، ظهر مفهوم (الكتابة للصورة) القائمة على بناء المعنى في حدود التشكّل الصوري. والمتمثل برأي اسماعيل الأمين في كتابه (الكتابة للصورة) في (رصف الكلمة الصورة إلى جانب الكلمة-الصورة، لتشكيل الجملة-الصورة).
إذاً، لا يمكن للصورة وحدها توضيح نفسها. بتصور  د. أ. بوريتسكي، كما يشير في كتابه (الصحافة التلفزيونية). إذ لا بد من (النص والكلمة، أي الصوت، ليصبح البث التلفزيوني عبارة عن سيل من الصور المرتبطة والمندمجة بالحديث والمتّحدة مع النص). الأمر الذي يفسر انبثاق مفهوم (الكتابة بالصورة) فيما بعد، باعتماد العلامة اللغوية أيضاً، التي تعني، حسب دوسوسير، ارتباط الصور مع المفاهيم الذهنية، كما يقوم على انعكاس العلاقة بين الرموز الأيقونية والعلامات اللغوية، وهو ما يعني في نهاية المطاف تحويل المنظومة العلامية لملفوظات، وإحالة كل ما هو لساني إلى مدّونات علامية.
صمود اللغة في عصر الصورة، وعودة الحياة إليها بقوة في زمن الإنترنت، عمّق الإحساس عند المشتغلين بصناعة الإعلام، بتزايد أهميتها، وأصالة علاقتها البنائية مع الثقافة، حيث انتعشت الديمقراطيات الإلكترونية القائمة على اللغة. وهذه القناعة الأكيدة هي التي دفعت بهم إلى إدراج الخطاب الإعلامي ضمن الصناعات الإستراتيجية، واستنفاذ طاقته وممكناته المعرفية والجمالية لتسويق المنتجات الدعائية. أي التعاطي مع تداعياته كجهاز أيدلوجي للسيطرة الإجتماعية والسلوكية، كما بدا ذلك في الأداءات المتباينة للرأسمالية والإشتراكية. وبموجب تلك الأهمية تم الإنتباه إلي ما يُعرف بعلم اللغة الإعلامية، الذي يهتم بدراسة الجوانب اللسانية والنفسية والإجتماعية والإحصائية للغة، وتحويل كل تلك الدراسات والحقول البحثية إلى معرفة لتطوير الخطاب الإعلامي وتوظيفه في معادلة السيطرة على الأفراد والجماعات.
ليس من الصدفة إذاً، أن تتطور لغة الإعلام إلى هذا الحد الإستحواذي، إنما نتيجة تفاعلها المبرمج والمتواصل مع لغة السياسة والإقتصاد والثقافة والحروب والمجتمع على قاعدة التضايف، في طور تأسيسها لكينونتها اللغوية الخاصة بها، ومن حيث استدخالها المعلن لقاموس متداول في الأدب والفلسفة والفيزياء كالتشويش والرموز والصورة والتلقي والتأثير والرسالة والتفاعل والوسيط. الأمر الذي يعني أن الإعلام ليس خطاباً استكفائياً، ولا يمكن أن يكون كذلك، حيث أسس لغته على استدماج الذاكرات المتعددة، والخطابات الخارجية المتنوعة إلى مكامن اشتغالاته، أو هذا ما يمكن فهمه من الكيفية التي يُنشيء بها رسائله، ويؤسس عليها حمولاته، عند دراسة اللغة الإعلامية، التي لا تكتفي بنسخ الواقع بل تعيد بناء أركانه.
اللغة مصدر من مصادر السيطرة. وقد تعامل القائمون على صناعة الإعلام مع تلك الرؤية كقاعدة لابتناء المفاهيم. وبموجبها اسسوا دعامات اللغة الدعائية، من خلال وسائل إعلامية متنوعة هي التي حدّدت طبيعة اللغة الإتصالية، ومنسوب الهيمنة، ففي بداية الوعي الإنساني لم يكن الإعلام في صورته الأولية سوى رسالة إخبارية لمخاطبة أكبر شريحة ممكنة، وإنتاج الوعي المتعلق بمعاني السلم والعدالة الإجتماعية. وبسرعة خاطفة تحول إلى بوق أيدلوجي بيد كل الفئات والجماعات التي أحالته إلى خطاب على درجة من التلازم البنيوي مع مستوجبات الدعاية السياسية. وبفعل التحولات صار سلاحاً حربياً، يُصنف ضمن أسلحة القوة الناعمة، أو الغزو اللين، حسب المصطلحات الإعلامية الحديثة، إلى أن تحزّب، وخفتت موضوعيته، عندما تم توظيفه في لعبة الأمم، والصراعات الدولية، بعد أن تم تعديل جملة من القوانين الدستورية التي تسمح بالرقابة على الإعلام، وربطه بالأمن القومي.
هكذا تجاوز الإعلام تقاليده ومبادئه الأخلاقية إلى الحد الذي صنّفته الدراسات المعنية بـ(الإعلام وما بعد الحداثة) بأنه أصبح صوت أصحاب السلطة، وأداة من أدوات تعزيز نفوذهم، بل بات يُنظر إليه كخطاب قامع للنزعة الإنسانية، ولكل ما يمكّن الذات من رؤيتها لنفسها. وهو أنحراف يتنافى مع المادة ٢٠ من مبادئ اليونسكو التي تعتبر (أي دعاية حربية غير قانونية وأية دعاية تقوم على الكراهية القومية والعرقية والدينية وتحرض على التمييز والعدائية والهمجية غير قانونية). الأمر الذي يعني إدانة أي محاولة لتنميط (الآخر) ونشر ثقافة أو مفاهيم العنصرية، من خلال التصنيع الإعلامي للكراهية.
كل تلك الإنحيازات المعلنة هي التي جعلت من الإعلام يسهم بشكل ما من الأشكال في تدمير ما سمّاه بيير لوجندر (الدستور المعياري لما هو إنساني). فتكنولوجيا الإعلام والإتصال التي تبدأ من الحروب التحريفية اللغوية، ولا تتوقف عند الحروب السيميائية، لم تعد أداة لتدفق المعلومات وتبادلها بشكل حر، بل تحولت إلى أداة لتطويع الإنسان ومراقبة حميمياته وقهره، كما يبدو ذلك جلياً في نظام (إيشلون) الذي خرج من رحم وكالة الأمن القومي الأمريكي، مثله مثل الانترنت التي ولدت في أحضان المؤسسة العسكرية الأمريكية، وباقي المنظومة الإتصالية، حيث تستخدم محصلة التواصل اللغوي بين الناس المراقبة بواسطة الأجهزة لتسويغ الحروب، وتسويق الخوف، وصياغة الإنسان المعاصر بمقتضى الإعلام الدعائي.
وهذا التوظيف البشع لمكتسبات الإنسان اللغوية، أدي إلى تسريع ما أطلق عليه فيليب بريتون (البربرية الحديثة) كما شرح استنتاجاته في كتابه (يوتوبيا الإتصال- اسطورة القرية الكونية) حيث سمحت تكنولوجيا الاتصال والإعلام، بما هي إمتداد تقني للإنسان، بتجاوز الحدود الإنسانية، وإفقار الإنسان من الأبعاد الجمالية والأخلاقية، بتعبير هربرت ريد، حيث انتهى عصر الأنساق الحداثية الكبرى، التي كانت تعنى بالإنسان كأولوية، وتموضعه في مركز الخطاب، وتؤكد على النزعة الإنسانية. وهو مآل أكد عليه جاك إيلّول أيضاِ إزاء المجتمعات التي صنعتها التكنولوجيا من أجل التكنولجيا، على حساب المجتمع والثقافة والأخلاق، ومن أجل تكريس مفهوم (المجتمع الإعلامي العالمي). فهذا الإعلام المحمول على كثافة وفاشية اللغة، المحقونة أصلاً بإكراهات أيدلوجية، وتدفقات إعلامية لا محدودة، غايته إعادة رسم علاقات القوة والسيطرة والسلطة والمعرفة، هو الذي أدى إلى استيلاد (إنسان بدون جوانية) عندما تم الترويج لمجتمع الإتصال، والإعلان عن انتصار المعلومة، وظهور الفضاء السيبراني، ومجيء الإنسان الرقمي، والتبشير بمستقبل إعلامي شفاف بعد موت ما يصطلح على تسميتها باللغة الخشبية.
هذا هو شكل (الإنسان الجديد) كما تهندّسه اللغة بتصوره (الذي يخرج من أنقاض منتصف القرن العشرين، من باب الأطروحة المضادة، إنسان مسير من برّا، إنه يحصل على طاقته وعلى مادته الحية ليس بفعل خصاله الداخلية الآتية من أعماقة هو، إنما من قدرته كفرد موصول، أو بتماس مع أنظمة إتصال واسعة، على تجميع ومعالجة وتحليل المعلومة التي يحتاج إليها كي يعيش). أو هذا هو ما تؤدية كل تلك الإنهمارات اللغة، حيث يشكل (إلغاء الجوانية في تمظهرات الإنسان الحديث الحجر العقدة أو الركيزة التي يستند إليها الإتصال الحديث).
وعلى هذا الأساس أيضاً دُرست ميادين التلقي، أو بمعنى أدق، أُستثمرت -كالعادة- نظريات ومناهج التلقي الأدبي، لصياغة مبادئ ونظريات موازية للتلقي الإعلامي. حيث انتبه صنّاع (الإعلام) إلى أن المتلقي/الإنسان يتموضع في صلب العمل الأدبي، أو ما بات يُعرف بسلطة القارئ، وعصر القرّاء. وعليه درسوا ذلك الحقل بكل تعقيداته وإشكالاته واحتمالاته، فيما يشبه دراسة جدوى لمشروع إقتصادي، تم بموجبه تغليب (المجال الصحفي، ومن خلال منطق السوق، على مجالات الإنتاج الثقافي) حسب بيير بورديو، في كتابه (التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول) الذي أدان (كهنة الميديا) وأكد فيما سماه (نظرية الحقل) على خضوع (جميع مجالات الإنتاج الثقافي للضرورة البنيوية للمجال الصحفي).
ومن ذات المنظور التحليلي لسطوة اللغة الإعلامية أبان كيف ألقى (المجال الصحفي على مختلف مجالات الإنتاج الثقافي بمجموعة من التأثيرات المرتبطة في شكلها وكفاءتها بتركيبه الخاص، أي بتوزيع/تقسيم مختلف الصحف والصحافيين وفقاً لاستقلاليتهم عن القوى الخارجية، القوى المتعلقة بسوق القراء وتلك الخاصة بسوق المعلنين). حتى ما يُعرف بالبرامج الأدبية الأكثر شهرة -برأيه- صارت (تخدم بطريقة تقليدية أكثر فأكثر القيم السائدة، كالامتثالية والنزعة الأكاديمية، أو قيم السوق). أو هكذا نظر إليه كرأسمال رمزي مكمل للرأسمال الإقتصادي والثقافي، ومتحول بالضرورة لرأسمال مادي.
في اللغة وبها تعيش المخلوقات، وهي أقوى من أي عالم موضوعات، وبالتالي هي التي تجعل وجود الإنسان ممكناً داخل جماعات. على اعتبار أنها ممارسة إجتماعية وليست مجرد كلمات. ومن هذا المنطلق نشأت (علوم الإعلام والإتصال) التي تدرس في جانب هام منها تقنيات وأشكال التواصل الإنساني، وأثرها في مسار المجتمع، حيث سجل الكثير من الباحثين مآخذهم على الزيادة اللامبررة في دور التقنية، وغلبة الطابع الصناعي للإعلام، مقابل إقصاء السياقات والمعاني الإجتماعية. وهو انحياز تؤديه اللغة عندما تُستخدم من منظور توظيفي، حيث تتحول العلامات اللغوية إلى وسائط رمزية، يتم من خلالها تكييف الأنماط الإتصالية، وتشكيل مساراتها، فوظيفة اللغة كنظام رمزي لا شعوري، حسب إدوارد سابير، تتجاوز فكرة التوصيل، إلى مهمة (ترميز العالم) كما يشرح مرئياته في كتاب (معرفة الآخر-مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة). حيث يميل إلى أن (الناس لا يعيشون في العالم الموضوعي فقط، ولا في عالم النشاط الإجتماعي، كما يُفهم في العادة، بل هم واقعون تحت رحمة اللغة التي أصبحت وسطاً للتعبير في المجتمع الذي يعيشون فيه).
وإذا كان (الأدب توسيعاً، لبعض خصائص اللغة واستعمالاً لها) حسب فاليري، الذي يؤكد أنه لا يمكن أن يكون إلا في هذا الحيز، فإن الإعلام أيضاً هو حالة من حالات تفجير اللغة وتطويرها وتوسيع مدياتها التعبيرية والإستعمالية، رغم إختلاف المنطلقات والمرامي، حيث ينشأ العمل الأدبي عن ذات أو فرد، ويتوجه، حسب نظريات التلقي إلى المجموع، فيما يصدر الخطاب الإعلامي عن مؤسسة، تقف خلفها جماعة، تتفنن في نقل الواقع، أو خلقه، أو تأويله، أو ما سماه كورت لوين (حارس بوابة) كما تم التعبير عن ذلك المنحى في أدبيات الإعلام والإتصال نهاية الأربعينيات، حيث تستهدف التأثير في المجموع من خلال أجندة مشوبة بالدعايات السوداء والبيضاء والرمادية، كما تنتقي معلومات مملاة من جماعات ضغط سياسية ونقابية ومذهبية، ولا تمرّر إلا ما يتناسب مع معايير القوى الإجتماعية. من خلال ما يسميه لغة قابلة للتأقنم، يتم بمقتضاها تحويل اللغة الإعلامية إلى قوة روحية مصعدة بمقدورها بناء الواقع، والتحكم في مجرياته.
ويبدو أن الإعلام أراد مفارقة تعاليات اللغة الأدبية بكل أبعادها الجمالية والفلسفية والرمزية، في طور استيلاده لكينونة لغوية، ذات خصائص إعلامية، جماهيرية بالضرورة، ومختلفة عن بقية الخطابات والإشتغالات اللغوية. وقد نجح بالفعل في استخدام لغة توصيلية سهلة واختراقية للوعي الجمعي، ومواكبة للمتغيرات، تأصلت بمرور الزمن وتراكم الخبرات، بالإتكاء على الموروث الثقافي للغة، والاستفادة من التحولات الإتصالية الكبرى على كل المستويات، وتفعيل كل عناصر التأثير، بمعنى التمأسس والإستجابة المتقدمة لشروط الإقتصاد والفكر والسياسة، بمعنى تشكيل ثقافة جديدة تقوم على نسق قيمي، تؤديه لغة محكومة بمنظومة من المعايير والقواعد والإشارات المتعارف عليها.
إنها لغة متولدة من سياق يُصطلح عليه (الأعلَمة) تعكس صورة المجتمعات والثقافات الإعلامية. لغة شعبية متأتية لكل الفئات. وفد بشر ببعض تداعياتها مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس كارتر، زبيغينو بريجنسكي كمرجعية من مرجعيات المجتمع الكوني الذائب في أيدلوجيا ثقافة الإعلام والإتصال، كما تتمثل في التنظيم المؤسساتي والمجتمعي الأمريكي، الذي ينبغي تقليده، رغم ما تؤدي تلك الكوننة الثقافية من إلغاء للخصوصيات. بالنظر إلى أنها لغة أشبه ما تكون بالسلعة التي بات الناس يتحدثون بها في كل شؤون حياتهم، ولكنها لا تمثل الإنسان، بقدر ما تعكس مرادات المؤسسة، حيث شهدت أكبر تحولاتها، فاللغة شرط من شروط وعي الإنسان بذاته، حسب المفهوم اللاكاني، وهي التي تهبه التباعد والاستقلالية عن الأشياء، وإمكانية التواصل الإجتماعي، أما اللغة الإعلامية المفروضة والمتداولة، التي صنعت الشكل الجديد للحياة، فتفرغه من إنسانيته وتحيله إلى مخزن مكتظ بالمخلفات اللغوية.
• الورقة المقدمة في ملتقى قراءة النص في النادي الأدبي بجدة ما بين 29 -31 مارس 2011
• منشورة في جريدة الرياض على جزئين . الخميس 31 مارس & الخميس 7 ابريل