رقص .. تذهين الواقع السياسي

النهايات الروائية التي تنتهي بالتوبة وانمحاء سبّل الحياة تشير إلي أن معظم الروائيين لا يقدرون على الذهاب مع أبطالهم بحب إلى مصائرهم، حتى وإن أبدوا بعض التعاطف معهم. وفي واقع الأمر هم أبعد ما يكونون عن أحلامهم، إذ لا يعمقّون من خلال السرد وجهات نظرهم النضالية، بل ينقلبون عليها، ويحاولون بقصدية صريحة إيصال فكرة الكفر بالنضال إلى المتلقي. وفي هذا الصدد يشكل بطل رواية (رقص) لمعجب الزهراني مثالاً مربكاً، حيث يضع كل محاولة لتغيير مواضعات التجربة الحياتية المعبّر عنها بالنضال في سلة العبث. وهو لا يفرق بين مناضل وآخر، مهما اختلفت الأيدلوجيات، حيث يعلنها في مفصل من مفاصل مراجعاته لتجربته (سلسلة "دليل المناضل" لا تختلف كثيراً عن كتابات الندوي والمودودي وسيد قطب). وكأنه قد وصل إلي حالة من العبثية وتبديد مفهوم الغائية التاريخية (من سيحج إلى مكة ويزور المدينة وهما تدوران في فلك واحد مع موسكو وبيكين وهافانا).
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بالنسبة لبطله (سعيد) الذي يبدى تعاطفه مع سجّانيه، وتجريم نفسه بدعوى الإنتباه من أوهام محاولة نضالية عفى عليها الزمن، بل يمارس حالة من جلد الذات وتهشيم شخصية المناضل بصورة لا واعية. فقصته كما يروىها تكمن في ثوريته الفائضة حد التهور (طبعت المنشور بيدي وصورت منه مئات النسخ...وزعنا المنشورات في الحديقة قريباً من الجدران...كانت عملية رمزية هدفها كسر حاجز الخوف من الرأس الأكبر لا غير. وعندما سمعت الخبر يذاع من صوت العرب ثم من لندن مساء اليوم التالي شعرت بزهو من ينجز مهمة شبه مستحيلة...حين علم الرفاق بما فعلت خشيت أن يعدوني شاباً متهوراً أو رفيقاً متمرداً على سلطة الحزب. لكنهم سكتوا ورشحوني لدور آخر في الحال. كانوا يعرفون مدى تعلقي بالفكر ومهاراتي في التواصل مع الناس، فكلفوني بتكوين خلايا في منطقتنا التي لم يكن أحد ليركز الاهتمام عليها. فهي سلسلة طويلة من قرى صغيرة فقيرة متناثرة فوق رؤوس الجبال وسفوحها).
هكذا تبدو هيمنة الغرض السياسي بمعناه الإرتدادي مكشوفة. أما عناصر حكاية نضاله الزمانية والمكانية والرمزية، فما هي إلا مقدمات تصعيدية تبرر حدة نكوص المناضل الذي تجرأ في لحظة من لحظات رومانسيته الثورية على اجتراح فعل بطولي بمقاييس تلك المرحلة (لا يمكن لأحد أن يزاود علي باسم المبادئ أو المواقف. قلت لك وزعت منشورات ثورية). لكن ذلك الفعل الجريئ لا يبدو إلا مقدمة صريحة لإبداء الموقف السياسي الإنقلابي، كما تبناه (سعيد) الذي عاد بوعي متأخر إلى رشده، ليؤيد فكرة المستبد العادل، المعاد إنتاجه في مختبر وعي المناضل ككائن جمالي متحمس لتحديث الدولة وتدعيم أركانها، وكأنه ما زال يعاني من آثار تلك اللحظة المرعبة، ليؤكد على تسطيح وعي بطله المندفع في ارتداده (أعرف أنك لن تحبه وقد سجنت وعذبت في عهده. هذا من حقك. لكنه داهية وأنا معجب بشخصيته الجذابة القوية. أحياناً أقول لأصدقائي).
ولم يكن بمقدور (سعيد) الوصول إلي هذه النتيجة لولا تجربة السجن، الذي لم يكن سوى بؤرة للإستتابة، وكسر قدرته على التحدي، أو ربما اكتشف ضعفه، وعدم قدرته على المنازلة، فرغم خروجه من السجن ورحيله إلى الخارج إلا أنه ظل أسيراً داخل سجن نفسي استعذب الإقامة فيه، حيث يتحدث عنه كمحطة لإعادة إنتاج ذاته، وإعادة توجيه نفسه ناحية جماليات الحياة، بعيداً عن الإدعاءات، وبدون حاجة من المحققين لتعذيبه أو حتى مجرد التضييق عليه حسب منطوقه (أما التهم السياسية فالأمر مختلف. معظمها قناعات كان لا بد أن أعترف بها وأعتز حتى لا أبدو كذوباً أو جباناً. لم أكن ذلك السجين الذي يخجل من مبادئه ويندم على شيء من أفعاله وأقواله. ولو فعلتها لكنت مجرماً لا مناضلاً. منذ الأيام الأولى وقعت على كثير من الأوراق دون تحفظ. وأظنني قد اتخذت القرار الأفضل. كنت أشعر أنهم يعاملونني رجلاً شجاعاً صادقاً وخصماً محترماً حتى وهم يحققون ويعذبون. لم أترك لهم فرصة لينتزعوا مني اعترافاتي بعد نزع أظافري أو حرق أصابعي. أدركت أن الرفاق كلهم اعتقلوا مثلي. وحين يغرق المركب فالشاطر من ينقذ رأسه. وتيقنت مما هو أمر وأخطر. لا بد أن بعضهم انهار وكشف كل شيء. نار السجن ليست برداً وسلاماً على أحد. لكني جئت من قرية محرومة من كل شيء، وليست موجودة على أي خارطة وبعضهم أبناء مدن مشهورة وأسر تسكن فللاً ذات أرقام. لم أشعر بخيانة أحد وأنا أعترف بحقنا في النضال من أجل المزيد من الحرية والعدالة والتقدم).
ويبدو أن معجب الزهراني قد أراد أن يكون السجن بمثابة المكان الذي تعيد فيه الذات توليد قناعاتها تحت وطأة العزلة والإنفصال القسري عن مجريات الحياة، ولذلك كان بطله (سعيد) يتلذذ بالحديث الإستعادي عن تجربة السجن والعبر المستخلصة منها، رغم أن سجنه يبدو محطة لفكرنة معنى استلاب الحرية والتهديد بالموت، أكثر من كونه زنزانة عذاب تدفعه للتفكير وإعادة التموضع (لا داعي للمكابرة وادعاء البطولات المزيفة. تألمت وحزنت وخفت ويئست وهم يطلبون مني، ولأكثر من مرة، كتابة وصيتي قبل أن يقام على حد الخروج على الحاكم والحرابة. لكني لم أطلب الرحمة من أحد، ولم أشعر بالندم والهزيمة...السجين لا يشعر أنه فارس لا يهزم أو نبي لا يخذل كما يكتب. لكن المؤكد أن من يرفض أن يكون في مقام الضحية العاجزة يحمي روحه الداخلي بطريقة فعالة لحظة الألم وهذا يكفي).
إنها رواية مهجوسة بتقديم وجهات نظر حياتية على حافة التجربة السياسية، حيث تتفشى الأفكار التنظيرية، وتتراجع الحوادث التفصيلية التي تصنع نموذج المناضل السياسي، ومعجب الزهراني الذي يسقط وعيه مباشرة في سياقاتها، ينفصم ما بين نمطين من السرد: الموضوعي والذاتي. فبقدر ما يشعرّن عباراته بشكل استذكاري، لا يمل من طرح المقترحات والمفاهيم النضالية. وبهذا المعنى تتأهل (رقص) لأن تكون رواية سياسية، بالنظر إلى كثافة أطروحتها من الأفكار السجالية بعلاقة الحاكم والمحكوم، وما تستجليه من صلات معقدة بين الفكر والممارسة السياسية، وكأنه قد نذر روايته لتكون درساً في التوبة عن النضال السياسي بمعناه التجابهي، من خلال ورقة عمل لبرنامج إصلاح سياسي.
هنا مكمن السر في بروز بطله (سعيد) كمعّلم خبير من جيل عتيق، يملى تعاليمه ووصاياه لأحد مريديه، الذي يمثل بدوره جيلاً جديداً متعطشاً لوعي ما كان من نضالات صار يُنظر إليها كمحاولات عبثية أو مراهقة ثورية، بالإضافة إلى ما ينبغي أن يكون عليه شكل الوطن القادم (سأخبرك بما لم أكشفه لأحد قبلك. سأروي حتى ينطفئ عطشك. شرطي الوحيد ألّا تستعجل أو تدوّن أو تسجل...الكتب قد تتحول إلى خدعة كبري. ثلاثة منها هي التي ورطتني في السجن سبع سنوات، وأوشكت أن تفضي برأسي إلى السيف. طبعاً لا أعني كتب الأدب التي لا تحمي ولا تصيد. أعني كتباً أخرى يبدو أنك لم تقرأ شيئاً منها بعد).
وبدون أن يتخلى (سعيد) عن شاعريته وحياده البارد يقدّم نفسه كمناضل باريسي، بالمعنى السياسي للكلمة، من خلال سرد بطيء الإيقاع، يغلب عليه التذهين، ويدل على التروّي والحكمة المستقاة من دروس السجن، بل يتمادى في توزيع آراءه السياسية، وتمديد خطابه الإرتكاسي على صفحات الرواية، في مختلف الإتجاهات (ولا تؤاخذني. بدأت أقول كم هي رحيمة أنظمتنا الرجعية أمام الأنظمة التقدمية التي تلاحق هؤلاء الشباب حتى في غرف نومهم! كنت أشعر بخجل من الإنتماء إلى خليج الممالك والامارات العائلية والآن بدأت أغير رأيي). ومن ذات المنطلق الإرتدادي ينسلخ من آباء ورموز الأيدلوجيات بلا تردد ولا احتراز (من مثلوا لجيلنا أنبياء العصور الحديثة الذين يعلمون الناس الثورة لا الحكمة لم ينفعوني كثيراً في المحنة).
وفي منعطف الانحياز الطوعي عن النضال يستبدل (سعيد) منظرّي الثورات بأفكار والده، الذي يقدمه كمعلّم أيضاً، لتعميق حس الإرتداد إلى ما يمكن أن يشي بأصلانية الذات (رأيت حزن أبي يتحول إلى غضب مكتوم وهو يقول بهدوء ووقار: احفظ لسانك يا ولد. أنت تمثل الدولة فاستح من كلام يستحي منه الله وملائكته). ولاستكمال سذاجة فكرة العودة إلى أخلاق القرية كما يقال عند الإحساس بلحظة الانفلات وانعدام التوازن، يستعيد الأصوات التي رسمت له خط الرجعة عن النضال (فكنا يا سعيد من معارفك...ما تعرف إن السياسة عند الناس فراسة وكياسة، وعند العربان تعاسة وخياسة، ليتك تسمع إذاعة لندن معي كل ليلة لتعقل بعد اسبوعين أو ثلاثة بالأكثر).
هكذا يمارس (سعيد) الهرب من معتقداته بشكل عمودي، إلى فضاء القرية التي تعادل العفة والتطهّر من دنس النضال السياسي (أحياناً أقول أن أريافنا كانت تمارس شكلاً من أشكال العلمانية العفوية بدون فلسفة أو تنظير). ولا يتوانى عن تعميق الفرار مما يعتبره أوهاماً نضالية، بكيل المديح إلى ما يُنظر إليه في القاموس النضالي كقيم امبريالية، حتى يصل إلى نتيجة أبعدته تماماً حتى عن مجرد التفكير في التواصل مع ما يذكّره بماضيه النضالي (العلاقات الحزبية أكثر عرضة للتلف من غيرها. والسجن الطويل قطع صلاتي بالعالم القريب فما بالك بالبعيد). وفي نهاية المطاف يلوّح بخيار الجبناء المتمثّل في المعارضة الناعمة، أي في الكتابة المقلوبة التي تمارس تزييف التاريخ وتخاف من استحقاقات اللحظة (لم أنضم إلى حزب أو جماعة، وأظن أن رهان جيلي الحقيقي سيكون الكتابة).
يزعم (سعيد) الذي يحملّه معجب الزهراني ثقل وعيه، أنه الأقدر على رواية الجانب المنسي من الحركة النضالية، ولذلك يرفض أن يقرأ تاريخه مكتوباً من وجهة نظر الآخرين، ولهذا السبب قرر أن يتكلم ليحمي خبراته، وتجارب ناسه من النسيان والتشويه (في عمّان حدثت المفاجأة الأكثر طرافة. كنت جالساً في بهو فندق أنيق فإذا بفتاة حسناء تقدم لي نفسها باحثة من هارفارد متخصصة في تاريخ الحركات اليسارية في بالمنطقة. لم يكن بيننا موعد مسبق. وإن لم يكن الأمر صدفة فلا بد أن هناك من دلها علي...قررت ألا أتورط في لقاءات كهذه. لا أحب أن أتحول إلى جزء من مشروعات الآخرين. ما حك جلدك غير ظفرك. تاريخنا لن يكتبه غيرنا. وحكايتي جملة في كتاب، وإن لم تسمع وتدون ضمن سياقها لن تكون جملة مفيدة. ذاكرة الوطن لا تنفصل عن ذاكرة المواطن).
إذاً، هو الذي قرر أن يكتب حكايته بنفسه، التي تمثل بعض الحكاية الكبرى للنضال، وهي وجه من وجوه المجابهة المسرودة بمزيج مشوش من التبجيل والمبالغة، ولذلك يرفض تلك المنظومة المثالية من الإوهام. وعليه، يستبسل لتقويضها، وتهشيم الصورة الرومانسية للمناضل، ليقيم البديل الواقعي عنها (أكثر ما يزعجني في ربعنا من بقايا تلك الفترة هو التعامل معي كمجاهد في معركة مقدسة أو كبطل في حكاية شعبية جميلة. هذه نظرة ساذجة لا تدل على وعي ولا تعبر عن موقف. ولحسن الحظ يبدو أنك تختلف كثيراً عن الآخرين. تسأل عن حكايتي وكأنها حكايتك. عشتها كما لو كنت أخي الأصغر. ويا سبحان الله. لم يكن يخطر على بالي أن طفلاً من قرية نائية لا أعرفه ولا يعرفني سيهتم بأمري إلى هذا الحد).
وفق تلك النكوصات المتتالية يطوّر المناضل الباريسي مرئياته النضالية، رافضاً فكرة التغيير بالثورة، وهي وجهة نظر سياسية، صادرة عن شخصية تعتقد بأهمية دورها النضالي، كما يبدو ذلك من خلال التصعيد الصريح للذات. وكمن يرقص على جراحه، يفصح (سعيد) بلغة سافرة، وبدون أي مواربة عن ندمه على ماضيه، ويُعلن انسلاخه من كل ما فكر فيه، وما مارسه من عصيان، بل يتنازل طوعياً عن أحلامه ليندس بكل تاريخه وخبراته وطموحاته في إرادة شعبية تمجّد الواقع، بدون أن ينسى الطعن في البدائل الجماهيرية، والتقليل من قدرات ووعي القاعدة الإجتماعية العريضة، إذ يزعم تمثيلها، وحق التكلّم بالنيابة عنها، ليتساوي بكل مكتسباته المعرفية والجمالية، مع أي كائن عديم الخبرة والتجربة، وكأنه يضيّق إمكانيات التغيير من خلال النضال، حيث يفرض الأمر الواقع منطقه وسطوته، ويتغلب حتى على الواقعية (ولإعلان توبتي ختمتها بالتأكيد على أننا مجتمع قبلي محافظ ولا أتمنى أن نصبح جمهورية يستبد بها عسكري بعد آخر باسم حزب لا يحل ولا يربط).
* مقطع من كتاب (سقوط التابو – الرواية السياسية في السعودية) صادر عن دار جداول للنشر والتوزيع
جريدة الرياض – الخميس 23 يونيو 2011