إبن طرّاق ... يبتلع قصة تنمو داخله

 الطابع المُعْدي لشخصية (ابن طرَّاق) أحد أهم العوامل التي رفعته من مجرد عنوان إجرائي لرواية، إلى مستوى القيمة المهيمنة بالمعنى النقدي. إذ يرتبط وجوده بالاستراتيجية الكلية لبناء النص، كما يمنح القارئ مجمل خصائص العمل. حيث تُستهل الرواية بعبارة محمولة على نبرة آمرة (اسرع يا قوَّاد) يتبين من خلال إعتياده على ترديدها، ما يمثله كشخصية مهابة، وما يتمتع به من قوة ومكانة، فهو المعادل للسلطة. حيث لا تخلو صفحة من ذكره أو الإشارة الضمنية إليه. وحيث لم تسلم شخصية من الشخصيات مهما بلغ شأنها من لسانه السليط، بما هو أداته لإذلال الآخرين وتحديد قاماتهم الإجتماعية، فهو بالمعايير الفنية، الأكثر حياة وحضوراً بين شخصيات الرواية الكثيرة، لدرجة أنه لم يُستذكر في السرد بلفظة (المرحوم) إلا نادراً.
وعند الإحتكام إلى المعايير الجمالية والثقافية، يتبين أن (إبن طرَّاق) من المنظور الفني، هو في الأساس ذات إنسانية أعيد إنتاجها أدبياً كقضية لسانية، إذا ما تم تحليل منطوقه بموجب مفهوم تودروف للشخصية. أو هكذا أراداه مؤلفا الرواية الصادرة حديثاً عن دار أثر (محمد السماري، وبدر السماري). فرغم أنها - أي الرواية- تبدأ بواقعة موته، إلا أنه يخترقها بشكل عمودي ويحتلها حتى آخر مشهد فيها، كما يلقي بظلاله على كل الشخصيات ويتحكم في منسوب حضورها داخل السرد، بالقدر الذي كان يرسم أقدارها داخل مجرى الحياة، الأمر الذي يؤكد كونه قيمة معيارية لجماعة، يتجاوز أثره حيز الرواية إلى سياقات الحياة.
وبالتأكيد، لا يعني تعليق لافتة (إبن طرَّاق) على الغلاف أنها رواية مكرّسة لتتبع سيرة ذات. ولكن، يبدو أن (السماريين) أشارا إلى القارئ – بقصد أو بدون قصد – إلى هذا المدخل بعينه، لأنهما كانا عرضة أيضاً لسطوته. لكأنهما يتشافيان من خلاله أو يتواريان بظلاله، لدرجة أن (الأنا الراوية) تصالحت معه بشكل لافت، فيما يبدو تأكيداً صريحاً على أن الروائي هو بطل متحول في الأصل، يحاول التعالي من خلال السرد. فشخصيته التي تمثل وحدة دلالية ذات ثقل معياري، تبأرت فيها كل الوقائع وكما تحشّدت فيها كل التداعيات تقريباً. وكانت طاغية لدرجة أن العبارة السردية إكتسبت الكثير من دلالات غيابه وحضوره، كما أن إيقاع الرواية ارتبط بما يتلفظ به، أو بما يردده الآخرون عنه، وبما تركه من أثر ساط في طباع الشخصيات ودوافعها، الأمر الذي يؤكد المنحى اللساني في الرواية، حيث كان موته، وغياب صوته فرصة لهم جميعا للتحرر من سطوته واختيار مساراتهم وأقدارهم.
ولا يبدو أن مدلول شخصية (إبن طرَّاق) قد تراكم من وفرة النعوت والأوصاف الملتصقة بأسطورته وحسب، بل من حقل العلامات المتعارضة والمتشابكة المنسوجة حوله، التي كانت تتكشف على إيقاع تدحرُّج السرد، ومن خلال إشارات لغوية صادرة منه أو عنه، وهو أمر يمكن البرهنة عليه، عند النظر إليه كحالة باطرياركية تم تركيبها من نوبات كلامية، ذات طابع ذكوري طافح، فكل ما يتحرك في ممرات الرواية ممهور باسمه، وممسوس بهويته الضاجة بالعلامات، التي يتمدد بواسطتها في مجال حيوي واسع، ويتصرف وفق عقيدة ذكورية طافحة، محتّمة بواقع المجتمعات الأبيسية، وهو ما يفسر حضوره المتناغم موضوعياً مع ما يمكن أن يخمنه الناس عنه، وارتباطه الوثيق، من الوجهة الفنية، بالأركان الأخرى للرواية.
ومن الواضح أن فكرة الرواية تقوم على رؤية استقرائية لكلية الصورة الإجتماعية من خلال تفكيك بؤرة أسرة هي بمثابة قطاع من (حارة الطرَّاقية) أو هي صورة مكبرّة ومضخّمة للصور المختزنة في الذاكرة الإجتماعية. حيث تتطور وتنمو كحكاية كلما لامست جانباً من سيرة (إبن طرَّاق) أو ما يُشتق من إسمه. وهنا مكمن الإحساس المهيمن، الذي يحتوي في تلابيبه العواطف والسلوك، وكأن ما أسس له من قيم يشكل الدليل على فساد المعاش، كما تفصح سياقات الرواية ونهايتها عن ذلك المآل المتواطأ عليه، الذي يشكل في سياقات الرواية مهبطاً إضطرارياً يدفع الشخصيات دفعاً جارفاً، لا إلى السقوط وحسب، بل إلى التسافل.
هنا مغزى اللوحة السوداء التي يتفنن (السماريان) في تكثيف عتمتها، فمن وراء ذلك المشهد المأساوي يتموضع الروائيان بفواصل تهدئ من وتيرة السرد وتتشابك معه بشكل عضوي في الآن نفسه، للحؤول بين الشخصيات وأقدارها، أو لتسويغ فكرة سقوطها، حيث التفسخ الذي يعشعش في المجتمع الذي تغطيه قشرة رهيفة ولكنها صلبة، يمكن من خلالها رؤية ذلك الخراب المترامي، والعجز عن إصلاحه أو حتى التفكير بمساءلة أسبابه، فشخصيات الرواية المتعددة والمتكاثرة كنهر الحياة، كما تشترطها الرواية الحديثة، لا تمتلك حق الإنعتاق عنه، ولا الإرادة ولا الرغبة للإنحياد عن طريقة (إبن طرَّاق) إذ تعادل منظومة القيم المعنوية التي استزرعها في أسرته وأصدقائه وأفراد مجتمعه، قوة المال الذي ورثه لهم، وكأن ذلك المعطى المادي يشكل حالة إختبارية للإدعاءات الإنسانية.
هكذا تمد الرواية القارئ بما يسعفه لفهم كل الشخصيات التي تدور في فلك (ابن طرَّاق) بما تستعرضه من ملامح خارجية مرسومة بعناية وواقعية، وبما تفصح عنه دخائلها من وساوس وأطماع، فهي شخصيات دنيوية بالمعنى الحسي للكلمة، مقدودة من سياقات حياة تشبهها تماماً، ومسكوكة في كلمات تصب في استراتيجية النص، القائمة على تدريم اليومي، وإحكام القبضة على الشخصيات داخل شبكة من العلاقات المهترئة. الأمر الذي يفسر قلة المصادفات في السرد، والتضحية التي يتقصدها (السماريان) أحياناً بالحدث والمكان، والتقليل من أهمية الحبكة أيضاً، لصالح ما تمتلئ به الشخصيات من دوافع شهوية صريحة، وما تكتسي به من حضور جذاب ومؤلب، ليضعا القارئ بتلك التوصيفات الفارطة لطباع الشخصيات وأمزجتها، تحت وطأة رواية شخصيات بالفعل.
رواية (إبن طرَّاق) إذاً، تؤكد المعنى القائل بانبجاس الحدث الروائي من لقاء الشخصيات مع بعضها، وانتظام علاقاتها داخل شبكة منسوجة بواسطة اللغة. حيث تقتحم كل شخصية موقعها في السرد بحزم، أو تبثق بما يشبه الولادة، لتفرد لنفسها منبراً للكلام والتعبير عن أهمية حضورها، سواء من خلال منطوقها المبثوث من منصة السارد، أو من خلال ذوبانها في سياقات السرد، بالنظر إلى أنها لا تتأتى من مخيلة باردة، بل من مرجل عاطفي، حيث تحفر أثرها بما تبديه من رشاقة حركية وعمق نفسي، وتعزز وجودها في الفضاءات الباذخة التي تحتلها وتثريها. وكذلك بما تتعاطاه من اعتقادات متمثلة في فائض من الرغبات، حيث جلسات الطرب الماجنة، والموائدالمكتظة بأطايب الطعام والشراب، والسيارات الفارهة، والتسوّق من بيوتات الموضة الراقية، لتؤكد إرتهانها إلى حالة من السقوط الجمعي في هاوية أفقية ملذوذة، فهي مدفوعة في كل الأحوال للإفصاح عن مواقفها الشعورية، وعلى هذا الأساس يمكن فهم معنى إنكشاف أبعادها النفسية، وازدواجية سلوكها.
كل تلك المتوالية من الارتكابات التي تخيم على طقس الرواية، تؤكد أنه ليس ثمة ما يشي بالتناقض بين (ابن طرَّاق) وما خلّفه من الشخصيات التي لا تجيد سوى الإستسلام لتعاليمه، لتحتال على صرامة الإجتماعي. وإن كانت في الأساس مخلوقات مبتكرة بوعي ومخيلة (محمد وبدر السماري)، فقد تحدثا عنها ومن خلالها أيضاً. بمعنى أنه يمثل بشكل ما من الأشكال وعي الرواية ولا وعيها، شعورها ولا شعورها، بل يحقق الإنسجام بين أجوائها النفسية ومضمونها الفكري، فهو القيمة التي تعادل كل موازين (السرد/الحياة) إذ ينوب عن الخيالي داخل الرواية، بالقدر الذي يعكس البيولوجي على أرض الواقع، أو هكذا تتوحّد منطلقاته، ونوازعه، كما تتآزر مركباته الأدبية والمادية في وعيهما، وكأنه جامع النص بامتياز.
هذا هو بالتحديد ما يدفع السرد للتكيّف مع متطلبات شخصيته أي مع تعاليه الإنحرافي وليس العكس، بمعنى ضبط إيقاعها على شروط حضوره، حيث تنرسم الجوانب الجمالية وفقاً لسطوته. وعلى هذا الأساس تتحدد نواظم الرواية أيضاً، بما في ذلك طبيعة الشخصيات المستولدة، فالشجرة تُعرف من ثمارها، كما يقال. وعليه، فإنها تكتفي بتمثيل شرائح وطبقات إجتماعية، ولا تعكس جدلية التطور التاريخي،  حتى موضوع صراع الأجيال لا بدو ملحاً أو ضاغطاً في النص، لأن مجمل الشخصيات مُغترفة بشكل مباشر من الواقع، ولا تبدو ممسوسة إلا ببعض الظلال الباهتة للأفكار والعواطف، مع انعدام واضح لحراكها باتجاه عمودي، وكأنها مصابة بذات الداء الأنطولوجي الذي يحمل عنوان الإنحدار الذاتي، والرغبة الصريحة لإفساد الآخرين، وإن كانت الإشارات الرمزية للشخوص والحالات والإنتماءات مطمورة تحت سطح كثيف من التوريات الإجتماعية.
إنها منظومة من الشخصيات المصممة لتمديد الأكاذيب الرومانسية في وعي وأحاسيس القارئ، بما تولّده من لذة طارئة على حساب ديمومة المتعة. وهي تحيل إلى كائنات آيلة للسقوط أو ممرغة في وحل الشهوات، ولذلك تبدو متخففة من مسحات الرومانسية ومثقلة بالسمات الشبقية. وهي بالتالي تشكل الدليل على انتفاء الأيدلوجي واضمحلال العاطفي، وإن حملت بعض الدلالات الرمزية. فهو – أي (إبن طرّاق) بلغ حداً من التجبّر حد الإستئلاه، بما يمثله من سلطة شمولية ومركزية، لم تجد داخل الرواية ما يحد من سطوتها الراسخة في الواقع، حيث حطم أحلام (طرقي) وقمع مطامع (جبل) وحد من طموحات (فردوس) البرجوازية، إيماناً منه بأن كل الشخصيات لا بد أن تشبهه حالاً ومصيراً، وألاّ تفكر خارج مرئياته، وهو المسار الذي جعل من الرواية تضغط على كل الشخصيات وتحجم تطلعاتهم، ولذلك خلت من أي محاولة للتمرد أو العصيان، فيما يبدو تكريساً لمبدأ الإستسلام الذي بان أثره في طبيعة اللغة.
ذلك هو حال كائنات منذورة للفتات. وهنا مكمن المفهوم الإرتكاسي الذي اعتنقه أبطال الرواية، الذين طالما فكروا في تغيير أحوالهم أثناء حياته، ولحظة إقتسام تركته، ولكن الأمر لم يتغير كثيراً، فابن الحارس (صملول) أو (النتفة) كما حجّمه بهذا اللقب التهكمي، لا يستحق أكثر من جسد (العنود) المنتهك، وإن راود نفسه في نهاية المطاف بجسد (أم طارق) المستعمل، التي كانت هي الأخرى مجرد رقم صغير في تاريخه، وعلى هامش نسائياته. وهذا هو حد استحقاقها. كذلك (فرج) لاعب كرة القدم الدولي، الذي اعتلى منصات التتويج، تحول إلى مجرد سواق أو (شقردي). ولم يستحق ما هو أكثر من علاقة مع أطلال جسد (هنادي) الممتهن.
أما (لوزية) التي عاشت كزوجة صالحة، وجابت أصقاع الدنيا كملكة، انتهى بها الحال إلى وكيلة مدرسة، بعد أن عهّرها لتمتهن القوادة. وطلب منها (في ثماني سنوات كل المواصفات التي خطرت على باله لكنه رغم ذلك لم يطلبها قط). الأمر الذي ترك في نفسها جرحاً نرجسياً بليغاً، وكأنها لا تليق إلا بتقديم الخدمات. كذلك (صبحى) الذي كان رافقه كظله حتى آخر لحظة من حياته، لم يكن نصيبه أكثر من شريط نجاة الصغيرة الأثير على نفسه، فيما كان الموت ينتظره بعد أن حبسه (جبل) فيما كانوا يتقاسمون تركته. وهذا هو حال ومآل بقية المتوالية فهيد المنهاجي، وابن مسبط، وأبو ضاري، الذين عاشوا تحت وطأة مديونيته الثقيلة وإهاناته التي استكملها إبنه (جبل) فيما بعد.
وعند الإحتكام إلى مفهوم العلامة اللغوية، يتضح أن إسم (إبن طرَّاق) يحمل دلالة خصبة ولافتة، تحيل إلى سلالة ضاربة في العمق الأسري والإجتماعي، بل يتعدى ذلك الحد، أي إلى مكوّن، يحتمل الماقبل داخل ذلك الفصيل العائلي وما بعده، بدون أي إشارة لنهاية محتملة، الأمر الذي أوحى بكثافة الروح الإجتماعية للرواية، بالمعنى الدرامي للفكرة، حيث تأخذ الشخصيات مواقعها داخل شبكة معقدة من الإختلافات والتباينات والأهواء، بالنظر إلى كونها تنهض على الصراع، وهو ما يتأكد من إهمالهما – أي محمد وبدر السماري- لاسمه المتعارف عليه، الشيخ (عبيد) أو العم (أبو جبل) والتركيز على صيغة (إبن طرَّاق) كإشارة إلى قوة وعمق وعراقة السلالة الممتدة.
ويبدو أن الشبكة الإجتماعية المعقدة التي تتحرك على مستويين: علني مكشوف، وسري مسكوت عنه، هو الذي حتّم وجود هذا الكم من الشخصيات البسيطة في ملامحها والمؤثرة بحضورها، التي يمكن التقاطها ومصادقتها بسرعة، بما تحرّض عليه من إنفراج المزاج وتدفق العاطفة. وذلك نتيجة التكرار، وبسبب انطباق مستوياتها الصوتية على محياها المرسوم من الخارج، بالإضافة إلى طبيعة الحوار المنسجم مع مركباتها الإجتماعية. يعزز ذلك الإستئناس كون كل الشخصيات تقريباً واجهات لحالات سقوط إنساني، حتى تطورها الفني، يؤكد حركتها إلى الأسفل. وكأنها خرجت من القالب الصلب الذي نحت (إبن طرَّاق) تجويفه الروحي وصقل حوافه المادية. وهنا مكمن جماليتها، حيث تستدر التعاطف بضعفها البشري ومأساويتها الضامرة، وهو ما يشكل مصدراً إضافياً للتأثير والمكوث في الذاكرة، إذ لا تتمادى الشخصيات الفاعلة إلى الحد الذي يفقدها شروط آدميتها، ولا تتهرأ الشخصيات الهزيلة إلى مستوى الكاريكاتير، مهما بالغت في التفكه والحضور المتباسط.
إنها شخصيات أراد لها (إبن طرَّاق) بما هو صوت ووعي الرواية أن تكون معجونة بتهتكٍ أنطولوجي، يسري في نفوسها من الداخل كوقود حياتي، في الوقت الذي يشكل فيه وقار ملامحها الخارجية. فهي شخصيات آثمة، تتبرأ من العار في الظاهر وتغذي به دخائلها. وهذا هو ما يقوي حضورها في السرد، فإبنه (جبل) يكاد يكون نسخة مكررة منه. كما قالها الشيخ سالم (هذا الجبل يشبه عبيد ابن طرَّاق كثيراً، لولا أن طفرته الجينية زادت عن طفرة أبيه. التاريخ يعيد نفسه). حيث لم يكتف بوراثة ماله وممتلكاته، بل استحوذ على نسائه وجلساته وأصدقائه، كما تمكن من تطويع الشبكة الإجتماعية التي كان يتعامل معها. وعلى هذا الأساس تحرك منذ اللحظة التي علم فيها بموته وكأنه البديل، حيث صار يحدث نفسه (لا بد من السيطرة على الوضع من البداية). وإذا ما أراد أن يؤدي فرضاً من فروض سقوطه الأخلاقي، كان يقلب صورة أبيه المعلقة في الملحق، على الجدار الذي يقابل جلسته، وكأنه يستلهم طريقته ويعاهده على العيش في عالمه السرّي المغلق.
أما زوجته (فردوس المنهاجي) التي شكل ظهورها قوة عصرية وأنثوية مقابل قوة (جبل) الذكورية القديمة، فقد تخلت عن خنوعها ومسكنتها، وكادت أن تشكل عقبة في طريق مآربه، لولا تواطؤهما على تقاسم السلطة والثروة. فقد أرادت بكل ما ورثته أن تؤسس لجيل جديد داخل الأسرة يمكن أن يعكس نبالتها وقدرتها على البذخ. بما تمثله من إنشقاق ناعم على مسارات الأسرة. الأمر الذي يفسر طراوة اللغة، وانسيابية السرد بمجرد أن يلامس شيئاً من متعلقاتها، حيث عمّمت تقاليد الأكل بالشوكة والسكين. وعاشت رفاهية الرحلات الصيفية. وأدخلت الإنترنت إلى بيت (إبن طرَّاق) بالإضافة لآخر موديلات الأثاث العصري، ليليق بحفلاتها الباذخة التي تشرف عليها مستشارتها (مدام سمحون).
وهكذا صار يُنظر إليها كمسؤولة عن إشاعة لبس الملابس الفاضحة التي تشتريها من أكبر بيوتات الأزياء في هارودز، وقاليري لافاييت. حيث تزينت بأفخر الماركات شانيل، ولوي فيتون، وهرمس. واعتادت التباهي بركوب سيارتها الفارهة (الأسكليد). وهي بهذا المعنى الناهض عن مزيج من القيم المادية والمعنوية تمثل المرأة المرهوبة، التي تعكس باقتدار مفهوم الشخصية الجاذبة، المستأثرة باهتمام الشخصيات، والمستحوذة أيضاً على مخيلة القارئ، بما تتسم به من جمال خارجي أخاذ، كما يصف فرج جمالها الفاجر (أما إذا لبست بنطلون الجينز يصير الجينز كنه مشدود على قوس). في الوقت الذي تمتعت بدهاء وطموح، يضاعف من سطوتها، إذ يمكن اختصاره كفلسفة حياتية في عباراتها الدّالة (الحياة تشبه الإستثمار بعيد المدى، أن تعطي جزءاً لا بأس من حياتك ليس لكي تعطي المزيد، ولا لكي تحافظ على ما تبقى، ولكن لكي يعود لك نصيبك مضاعفاً).
هذا ما يفصح عنه مبدأ التجاذب في بنية الشخصيات. فرغم حضورهما الطاغي- أي فردوس وجبل- إلا أن إنغراس (إبن طرَّاق) في قلب الأحداث يطمس أثرهما، حيث يمثل مفهوم الشخصية المغلقة، بما فيها من قدرة على الإدهاش والمباغتة الجمالية، والإقناع، وبما تمتلكه شخصيته من قدرة على الحضور المتعدّد داخل (الحياة/الرواية) وبما يمكن أن تؤديه كعنوان للكائن البشري بكل خيباته وأهوائه، وحيث يتردد صدى صوته في ردهات الرواية وكأنه الأكثر حياة وقوة من بين كل الشخصيات، الأمر الذي يشي ببروز قوة غامضة، أو مايسترو مهيمن، يقود ذلك المزيج المتجانس من الشخصيات، ويؤكد بمنتهى الوضوح على وجود علاقة تسلط هي بمثابة العلامة اللاعقلانية المعاد إنتاجها على المستوى الأدبي، فالرواية كلها تقريباً تتمحور حول صفاته وعلاقاته ومظاهر سلطته، وكأن كل القصة تنمو داخل شخصيته المحورية، وتُنسج في أعماقها.
ذلك هو مصدر التطابق البنيوي بين الرواية ومنطوق (إبن طرَّاق) فهو شخصية ساطية وقادرة على إبتلاع الرواية بكاملها. وهو بمثابة النواة الصلبة التي ما أن تتفتت حتى تتحول إلى نويات تشبهها. وهذا هو بالتحديد ما يفسر تواطؤ الجميع على إقتسام ثروة (ملك الربطة) كما يلقبه ويمازحه الشيخ إبن مسمار، في إشارة إلى الربطات الكاملة من فئة الخمسمائة ريال التي اعتاد على حملها. إذ ليس من المسموح التعرض لسيرة زيجاته الثمانية المعلنة، أو علاقاته النسائية السرية. كما أن أولاده وزوجاته وأحفاده اعتادوا على الإنصات حد الخرس لخطبته في الثلث الأخير من رمضان كما يستمعون لحكيم أو قائد ذي سيرة بيضاء لا تشوبها شائبة. أما أصحابه فقد رآهم (جبل) جميعاً برؤوس خفيضة مطأطئة له، مع الحشود العظيمة حول قبره، وهو الذي كان يخشى أن يموت (كمثل كلب أضاعه أهله في الصحراء) كما قيل له ذات نبوءة.
إنه كائن لا يكتفي باحتلال فضاءات الرواية، بل يخترق زمنها، ولذلك لم يجرؤ أحد على تفكيك امبراطورية (إبن طرَّاق). ومهما اكتشفوا من رذائله، لم يفكر أحد منهم  بالنيل من تاريخه، أو السماح بتآكل سمعته، فهذا هو ما يكفل لهم القوة والمكانة، أي تكريس تداعيات السلطة الأبوية، كما تجلى ذلك التواطؤ في قضية (السكراب) حيث تسالم الجميع على اقتسام مبلغ الصفقة برعاية الشيخ (إبن مسمار). وكما بدا ذلك التواطؤ أكثر وضوحاً في قضية (ليلى سمسماني) زوجته المجهولة التي ظهرت فجأة بعد وفاته بشهرين، لتكشف -موضوعياً- ما هو مكشوف أصلاً من عالمه السرّي، ولتؤكد بحضورها، من الوجهة الفنية، على حلقوية السرد، والمكانة التي تحتلها الحكاية داخل الرواية. حيث فاجأت الجميع بإبنه (عبيد) الذي جاء على إثر مضاجعة يائسة لجسدها الأبنوسي في الوقت الضائع ليمنح جسده المتهالك جسداً آخر، في إشارة عرقية خفية. وعندها تكاتفت العائلة وقررت بالإجماع إطفاء الفضيحة بالتنازل عن بعض الفتات مما ورثوه، بشرط أن تخرج هي وابنها من حياتهم. ولا تدنس سلالتهم الطرَّاقية. وحده (طارق) لم يوافق، وكأنه المشروع الإستثنائي النبيل القادم في العائلة الآثمة.
جريدة الرياض – الخميس 11 & 18 أغسطس 2011