السيرة التويترية

قراءة في البايو bio

كما يحاصر موقع (تويتر) مرتاديه بفكرة تكثيف آرائهم، ويدفعهم لطرحها ببلاغة إيجازية، لا تتعدى المائة والأربعين حرفاً، يضعهم أيضاً في حالة من التحدي الجمالي لتقديم ذواتهم في مساحة محدودة، بدءاً من خانة الـتعريف (bio) التي تختصر مصطلح البيوغرافيا، وتعني في أحد أهم جوانبها، الدليل لبيان السيرة الذاتية. بمعنى أن يتفنن المغرد في استعراض مؤهلاته العلمية ومزاجه الشخصي واهتماماته الحياتية، في نص قصير ينهض على سردٍ مكتنز لا يتجاوز المائة والستين حرفاً. أي بكلمات مختصرة ودالّة على كنه الذات المغرّدة.

ويبدو أن الكثير من المغردين لا يأبهون لهذا المفهوم، الذي يعكس وعي الذات بنفسها وما يحيط بها من فضاء وذوات منطرحة للتواصل. إذ يقدمون أنفسهم من خلال عبارة خاطفة لشاعر، أو مأثورة كلامية لحكيم من الحكماء. الأمر الذي يحجب الذات (المتكلّمة/المغرّدة) ويطمس خطابها، في تلابيب قولات مستعارة. لا تخلو من الإنتحالات في معظم الأحيان. حيث يكتفي البعض بالسطو على معنى العبارة، أو سلب مبناها، فيما يتجاوز آخرون مفهوم الإقتباس لينهبوا الحكمة بمبناها ومعناها.

كما يُلاحظ أن بعض الذوات التي تحضر الموقع بثقلها الإعتباري، تتناسى فكرة تمثيل نفسها، مؤثرة اللهج بخطبة تعقيمية صاخبة، محمولة على نبرة رسولية رائية أو آمرة، بمعنى أدق (كونوا .. قولوا .. هبّوا .. افعلوا.. الخ ). وكأن كل من في الموقع مجرد جمعٍ تحتيٍ ينتظر إملاءات تلك الذات الفوقية. ويتلهّف لاستقبال انهماراتها المعرفية والأخلاقية والجمالية. وهو انحياز غير مبرّر من الوجهة التفاعلية. ولا يتواءم مع متطلبات البيئة التواصلية للموقع، الذي يعتمد في الأساس على الحوارية والتشاركية والتساوي في حق التعبير عن الرأي والمعتقد. على اعتبار أن تويتر فضاء ما بعد حداثي، يهب صوتاً لكل فرد، بما في ذلك الرأي الشعبي، ووجهة النظر السوقية، جنباً إلى جنب مع تعاليات الفكر الأكاديمي.

وبالمقابل، يكتفي البعض بإثبات إسمه، ظناً منه أنه على ذلك القدر من الشهرة والمكانة. وأن كل من في الموقع من متابعيه، ومن يحلمون بمتابعته، على دراية بشخصه ومنجزه ومنزلته السياسية أو الأدبية أو الإجتماعية. وأن متابعته تعني الإنقياد له والوقوع تحت تأثير وسلطة شهرته. وهذا هو أحد الأوهام التي تتمثل بها الذوات المنفوخة في الموقع. وقد تسبب شيئاً من القطيعة مع المغردين المتحدّرين من مشارب فكرية ومزاجية مختلفة، ومن مستويات إدراكية متباينة. تماماً، كما قد يكون للمبالغة في تعداد مآثر الذات، والمغالاة في إبداء حسّها الإنساني، ردّة الفعل ذاتها.

والأمر ذاته ينطبق على بعض الذين يتعمّدون استعراض سيّرهم باللغة الإنجليزية، فيما هم يتواصلون مع مغردين لا يتعاطون التغريد إلا بالعربية. الأمر الذي ينم عن التشاوف في أغلب الأحيان، والإغتراب أحياناً أخرى. إذ يشترك هؤلاء مع أولئك الذين ينحتون سيرة موضوعية صارمة، بعبارات وعظية وتربوية وأدبية صرفة، خالية من الذاتية والمزاجية، لتغييب أي علامة تحيل إلى الذات. كما يُلاحظ وجود من لا يتوانى عن وصف نفسه بألقاب كبيرة من عندياته محقونة بمتوالية من أفعال التفضيل (مفكر .. أهم الأصوات الروائية في العالم العربي... حائز على جائزة .. أفضل .. أكبر ... الخ). فيما يمكن اعتباره حالة من نتوء (الأنا) وعدم انسجامها مع الطابع التباسطي الودود لهذا الفضاء.

كل تلك أعراض لذوات تعاني من سوء فهم واضح لفن سرد الذات، وعدم القدرة على التواصل المنطقي مع متطلبات موقع تفاعلي يقوم على طرح الذات وتدفقها بنفس الإيقاع الذي تتدفق بموجبه المعلومة والرأي والموقف والفكرة. حيث يشكل الإفراط في تصعيد معتقد الذات المغرّدة، ما يشبه الجامع لتلك الأعراض. على اعتبار أن (البايو) يعمل في هذا المقام بمثابة الهوية، التي تفصح عن عماها أو انفتاحها أو غطرستها أو انتفاخها، كما تكشف الكلمات القليلة عن استعداد تلك الذات للتعاطي مع الآخرين بفكرٍ حرٍ، أو بذهنية منغلقة ومتعالية.

على هذا الأساس يكون الإفراط في التعبير عن حواف الهوية شكلاً من أشكال صد (الآخر) والتمدّد في مجال حيوي يعطي للفرد ما يزيد عن حاجته للتواصل، وما يوحي أيضاً برغبته في قهر الآخرين أو طمس وجودهم في الموقع، كامتداد لمعارك الإمحاء المتبادل على أرض الواقع. حيث يبدو (البايو) عرضة لوابل من ضغوط الهوية السياسية والاجتماعية والفردية والمذهبية والمناطقية والقبائلية والمكانية والنسوية، التي قد تكون بعض جرعاتها وعناوينها مطلوبة وضرورية، إذا ما عبّرت عن رغبة في التنوّع والإختلاف والإنفتاح والتلقّي وليس عن نوايا الإحتراب والتعنت والإنغلاق والتعصب.

وأي قراءة للمُعلن والمُضمر في تلك السيّر سيكشف إلى جانب سمات التسامح والديموقراطية التي يتمتع بها بعض المغردين، عن عصبيات ونعرات وأوهام وادعاءات، تتأكد من خلال التغريدات، التي تشكل بدورها استطالات نفسية وفكرية ووجدانية بل حتى شكلية للسيرة المدّونة. أو هذا ما يمكن أن يفصح عنه تأمل الوعي واللاوعي لكاتب (البايو). إذ يُلاحظ أن هناك من يتعّمد قهر المغردين بشخصيته الإعتبارية، أو تعطيل تفكيرهم بسطوته الروحية، أو إيهامهم بوثوقية مصادره ومعلوماته، أو تعكير صفو حضورهم بأمراضه التي لا حد ولا حصر لها. من خلال سيرة محشوة بالقيم اللامختبرة، أشبه ما تكون بلقطة (كلوس أب) لذاتٍ ترتدي ما يفوق حاجتها من الإكسسوارات الأخلاقية والفكرية.

ولأن فكرة سرد (البايو) في موقع تويتر تشبه إلى حدود قصوى سيرة الكائن وهو في حالة من الصيرورة الدائمة، يمكن القول أن أولئك الذين يُقْدمون على طرح ذواتهم بشيء من البساطة والطرافة والتخفُّف من أعباء التشاوف والتأنُّق الزائد عن الحد، هم الأقدر على لفت الأنظار، والإنسجام مع روح الموقع. وبالتالي يمكن الرهان على متابعتهم، والتواصل معهم على قاعدة التضايف. عوضاً عن أولئك المدجّجين بذخيرة التوجيه العقائدي والطائفي والمناطقي، الذين يحيلون باحات الموقع إلى منصات للوعظ، أو منابر للدرس الأكاديمي، وأحياناً ساحات للحروب والإقتتال. لأنهم لا يشكلون مشروع (فولورز) بقدر ما يُعتبرون غربان ناعقة، لا طيور مغردة، كما يزعمون في خانة (البايو) المكتوبة بحروف خادعة ومضلّلة.

ليس من المستغرب ألاّ تجيد أغلب الذوات الإعتبارية إتقان فن (البايو). لأنها لم تتولّد أصلاً من رحم المواقع التواصلية. كما يصعب على تلك الذوات المهجوسة بتعقيم (الآخر) الحضور بسيرة لائقة. لأن تواصلها يتأسس أصلاً على الإلغاء الواعي أو اللاواعي. وهو خطاب ينفضح في شعور ولا شعور كلماتها. أما الذوات المنسجمة مع روح الموقع فتنطرح بصورة محبّبة، يغلب عليها روح الدعابة، المحصّنة بالمعنى لإذابة الجليد مع الآخرين، وفتح مسارات التفاعل المثمر. وهذا ما أحبه فيمن أتابعهم أو يتابعوني، الذين يدكّون حصانة خصومهم بالمرح، حسب المفهوم الأرسطي، من خلال سيّر ناقدة ناقمة ساخطة هازئة محبطة ويائسة، ولكنها في نفس الوقت مؤملة وواعية وراغبة في التغيير، بل تمتلك إرادة الحضور وتبديل معادلة الحياة.

إن (البايو) المكتوب باسترخاء وعفوية فيه من الدلالات ما يفوق ذلك المكتوب بتكلّف ومبالغة. إذ تكشف سيّر المغردين في السعودية عن كائنات تستحق التأمل، إذا ما أُخضعت للفحص الألسني. لأنها تشير إلى عمق الحراك السياسي، وتلامس أدق تفاصيل الهاجس الإجتماعي، وتتواءم مع آخر طرازات الإبدال الثقافي. حيث يحضر كائن يعرّف نفسه بالطائفي السابق، أو تصف مغرّدة واقعها بأنها امرأة تحت الصيانة، أو يشير مواطن إلى إقامته في وطن مصاب بالكولسترول القبلي. وهكذا تتوالى السيّر الضاجة بالعلامات والإيحاءات لأطياف متنوعة من المغردين في السعودية، لتفصح عن مجتمع راغب في إصلاح عطالاته، وواقع آخذ في التغيّر.

تتبدى تلك الفطنة في (بايو) فهد الغريري الذي يحيل إلى ذات عصرانية هازئة بالتقليدي، لأنها تقيم في دينامية الحاضر، حيث يطلق العبارة ويبطّنها بنوايا تفارق ملفوظاتها (رئيس تحرير موقع منشور. صحفي ورقي معتزل. ماجستير صحافة. شعاري في الحياة: انشر تؤجر). وبنفس الإندفاعة إلى أمامٍ مفتوحٍ يرسم فراس بقنة ملامح شخصيته المشتقة من أبرز إهتماماته المتعارف عليها. الممتصة أصلاً من علوم ولافتات تطوير الذات (مقدم ملعوب علينا/بصري/مُنَظَّم/تحليلي/متفائل).

أما هايل العبدان فيقدم سيرة كائن قريب من الهم الإجتماعي بنبرة شعبوانية. وبلغة نقدية لاذعة تخبئ في طياتها جملة من العناوين الصاخبة (كاتب بجريدة الوطن السعودية، وأخصائي نفسي، ولاعب كيرم سابق، وما يعرف يلعب بلوت، ولا عمره لبس شماغ، آرائي تعكس وجهة نظر أطفالي، ما دمت أصرف عليهم). كذلك ينسلخ عايض العسيري عن المجموع ويحضر بفردانيته الخالصة (ما أكتبه هنا يعبر عن رأيي الشخصي. وما له أي علاقة بحارتنا أو استراحتنا). وبذات الوعي المؤكد على التماس مع اللحظة الوعرة المتغيرة يكتب علي العامر بايوغرافيته بمنتهى التلقائية، ليحدد موقعه من التبدلات الحاصلة (مصور عشريني، مجوف فكرياً، مسطح عقلياً، يعشق توم وجيري والكنافة، ويكره اسرائيل وكرة القدم، وكاتب مشارك في مدونة عين العقل).

بموجب تلك الشطحات التي تبدو في ظاهرها بسيطة حد السذاجة، ينكتب (بايو) الذوات التي تستشعر جدوى حضورها. وتعكس من خلال كلماتها المتقشّفة عمق درايتها وثقافتها. كما يكشف سلطان العامر عن روحٍ نقدية صادمة وشارحة بكلمات قليلة معنى انسلال الذات من المكان والإرتداد إليه بوعي مضاد (إنسان يؤمن أن تماعط الشوش مع الآخرين هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة. هابرماس - نسخة بريداوية). ومن المحل ذاته يتحرك حمد معيض الذي يفصح عن حس نيتشوي يعبر عنه بشطحة تقوم على المفارقة (إنسان مفرط في حموريته. مكتشف منتدى مخرج).

هذا هو طبع المغرد الذي يتلبس دور (البهلول) لتمرير رسائل شديدة الحساسية، وبذلك ينجح في التملُّص من المساءلة. كما يتقن ذلك الدور خالد خلاوي (كنتُ - ولا زلتُ - مثاراً للجدل: رجلٌ يتصابى؟ أم صبيٌ بعقل رجل؟! مجرد خالد آخر.. كاتبٌ ومسافرًٌ.. يهوى الأدب .. ويكره قلة الأدب .. مرحٌ بطريقة مريبة!!). أو كما يعبّر عن شكل ذلك الحضور غنام الخالدي بعبارة عمودية تختصر الكثير مما يعتمل في نفوس الناس، بما تختزنه من تشخيص للذات في علاقتها مع السلطة (مواطن بلطجي غير جاهز للمشاركة السياسية).

ونظراً لتصاعد نوبات التخوين لفئات وشرائح إجتماعية، يستدعي حسين الحظية من خلال سيرته، كل الضجيج المثار حول الأقليات المتهمة في ولائها ووطنيتها، بطريقة ساخرة، لا تخلو من الوجع (من أنا؟ .. مريض بنقص المواطنة المكتسبة. يعالجني أطباء كاذبون. شخصوا حالتي باتهام في الوطنية). فيما يقدم خالد خليفة سيرته كمواطن عابر للأقاليم ومنقلب على المناطقية بخلطة عباراتية مضحكة (كوميدي سعودي. من أب حساوي، وأم جدّاوية). ومن ذات المنظور يستعرض عدنان مكي مواطنته بعبارات ذات مغزى تلامس مأزق البطالة (مهندس ومقاول سعودي .. أكرر سعودي مش لبناني).

ومقابل ما تحمله سيرة المغرّد من مؤهلات علمية، واعتداد بالمكان يظل المزاج حاضراً وملذوذاً. حيث يضغط محمد بازيد حالات تمثّله بكلمات قليلة ودالّة (مقدم برنامج التاسعة إلا الربع. وصاحب أجمل غترة). وبذات الروح الفكهة يقدم مسلم السويداء ذاته (سياسي، رياضي، إسلامي، ثقافي، تقنية. كل شيء حاشرن نفسي فيه). وهي الطريقة التي يعتمدها راكان الحمد في استعراض سجاياه وميوله وتحولاته (يساري، عاشق للإسبرسو، مهتم بالسياسة والمجتمع والأدب والموسيقى. مؤمن بمشروع خالد الشيخ، وتائب عن تجارة محمد عبده. عمري توقف لدى سن 25 وأعيش على هذا الأساس).

وفيما يبدو رداً على التطرف واستكراهاً لمظاهره ينحت حسين القحطاني (البايو) الخاص به بعبارات عامية هازئة عميقة الدلالة، إذ تشير بشكل صريح إلى ذات منتبهة، عبرت تحولات اعتقادية وعاطفية ووجدانية مع المجموع، إلى أن تمكنت من احتياز موقفها ورأيها الخاص وحققت روحها الديمقراطية (ما أعرف أسبح، بس أعرف ألعب كورة ... مشجع للنصر القديم وليس الحديث. بس من عائلة إتفاقية ... درست في ثانوية الجهاد بس أغرد باعتدال). وبنفس الروح المهجوسة باستحضار المفارقات لتقويض المعتقدات العنصرية والأحاسيس المرضية يفتح خالد الناصر ذاته الإستقرائية المهلوسة لنبذ التعصب، فمن خلال التصاقه بالكروي يكشف مخزونه الاعتقادي (هلالي، وقانوني معتزل. ريال مدريدي. متعصب نهاراً، معتدل وهادئ مساءً. ويشرب القهوة سادة).

وفي ظل فائض الناشطين والحقوقيين المزيفين، الذين يكتفون بحمل امتياز اللقب الإنساني، بدون أداء أي دور نضالي على الأرض، يرتكس مهدي الزاهر (لست معارضاً. لست اصلاحياً. لست حقوقياً. بل أنا إنسان يطالب بالكرامة).وبذات النبرة الإحتجاجية يكتفي احمد الفوزان بعبارة دالّة مستوفية لشروط حضور الذات (مهتم بشئون نفسي). كذلك يصعّد علي حسين بوكميل سخريته، ويكتب سيرته المبعثرة للإشارة إلى تنوع الإهتمامات ومراودة الذات بالتورط المجاني في إبداء الرأي إزاء أي حدث أو ظاهرة (أهوى التنقل في حديثي فيما بين المجتمع والسياسة والرياضة، فلا تتعجب لو رأيتني أصرخ لا للطائفية تارة .. وفورزا يوفنتوس تارة أخرى).

هكذا ينكتب (البايو) من قبل الذوات الطافحة بالأسئلة، المتخفّفة من الإدعاء، الباحثة عن فرصة للتعبير. المقتحمة لعالم الكتابة ولو من مطّل تويتر. حيث يشير عبدالله الرزقي إلى مهنته وتخصّصه إلى جانب غوايته ومزاجه بكلمات بسيطة، على اعتبار أن الحضور الإبداعي هو الذي يُحدث الفارق، ويعطي للذات صفتها الرسالية (صيدلي في حالات الوعي. وشاعر في حالات اللاشعور. أتوقف كثيراً في محطات متفرقة طلباً للجمال والحكمة والإدراك). كما يكتب صالح التويجري سيرة يمزج فيها بين تخصصه وحضوره ككاتب (طبيب بيطري اكتشف أن مشرط الجراحة يستطيع الكتابة بإجراء شق في جوف الحرف، واستئصال الكلمات. ثم حفظها في صحيفة أنحاء ومدونة وتغريدة). وهو المنحى الذي يتخذه فراس عالم (سمين أصلع كسول وانتقادي. أمارس الكتابة وطب الأسنان، وأطمع أن جيداً في كليهما). وكأنه بهذا الإنطراح الودود يشترك مع الآخرين في شهوة إرباك نسق الأدب الرفيع، وانتزاع حق الحضور من خلال الكتابة.

وإذ لا يوجد مسطرة بايوغرافية حادة الحواف لتقديم الذات عليها، تظل المعلومة الأولية بالإضافة إلى فضاء الإهتمامات والمزاج ضاغطة. إذ يُلاحظ أن الخفة الشعورية التي يمتاز بها بعض المغردين تدفعهم لامتصاص مفهوم السيرة العام وإعادة قولبته وفق أحاسيسهم الخاصة. كما يطل فيصل الرويس الذي يعي خطورة الكتابة وإبداء الرأي، فيكتب عبارة مختزنة بما ينفي ملفوظاتها (كاتب وشايف وساكت). أما علي بوحسان فهو حسب ما يقدم نفسه (شخص يعشق السباحة الى أعلى). بما تحمله تلك العبارة من رغبة لمعاندة السائد، وموضعة الذات في طليعة قوى التغيير. وهو الهاجس الذي يدفع خالد اليحيا للتغريد على نفس الإيقاع، وبنفس الروح المعاندة، إذ (يحاول تسلق الضوء مرة أخرى). بينما يكتفي صالح الفوزان بتقديم ذاته التويترية كمخربش لا أكثر (أحد الذين جربوا الكتابة يوماً على الجدران). بما تستبطنه تلك الممارسة من طاقة تنفيسية، واحساس عميق بجدوى ومعنى حرية التعبير.

ويبدو أن ما يحدث للمرأة في الواقع ينتقل بأمانة وصدق إلى ردهات تويتر، فالمرأة عندما تريد أن تكتب سيرة صافية تعكس بمنتهى الصدق هويتها وشخصيتها، تضطر لاستخدام معرّفات مستعارة لتعميق فكرة الإنحجاب. كما تقر بذلك (الجوهرة) في (بايو) يمتزج فيه المرح والحسرة (امرأة بقلب طفل، وابتسامة شاب، وحنان أم، وتجارب شايب. كم أتمنى وضع صورتي واسمي كاملاً ليضيف على مصداقية كلامي!ولكن اعذروني!!). أو كما تستظهر (رغد) بعض خيباتها بكلمات مضحكة حد الوجع (أنثى ثائرة ضد كل شيء، ساخطة ومتذمّرة، متناقضة بعنف، نرجسية بشراسة، متفائلة إلى حد الإحباط، سياسية ومؤمنة بأن الشعب السعودي: مهو كفو حرية).

كذلك تعانق (فرح) الإحساس ذاته بعبارات ساخطة (مصابة بمناعة منعدمة ضد الملل، قد أحب اليوم ما كنت أكره بالأمس! الخصوصية السعودية هي ألد أعدائي! أؤمن بأن البر لا يبلى، أتمنى أن يكون لي من اسمي كل النصيب). وعلى ذات النول تنسج (راء الضبيان) سيرتها، حيث تهلوس بكلمات هي مزيج من الخيبة والطموح والسخرية والواقعية المرّة (كيميائية. برجي الثور، ومن آكلات الأوراق، مهتمة بالشؤون السياسية والإجتماعية العامة. أحب الأدب والموسيقى. أسعى مستقبلاً لتعلم الخياطة).

مقابل ذلك الإنحجاب ومراودة الذات الأنثوية بالتواري، تحضر المرأة بكل إبائها وكبريائها ونسويتها. إذ تقدم حنان العتيبي (بايو) يختصر مراداتها في عبارات طافحة بالتحدي (مواطنة متحررة من طاغوت الرجل وعبودية التقاليد. ماجستير في الإدارة). أما سعاد الشمري فتحضر بسيرة تراوح بين الخفة والرصانة (حقوقية إصلاحية سعودية. في داخلي طفلة شقية لا تزال تجدونها هنا. وهنا سوسو الإنسانة البسيطة التي تكره الرسميات وتعشق الإنسان بكل حالاته). كذلك تستعرض حنان العصفور (البايو) الخاص بها (أحب كل الفنون ولا أجيد أياً منها! أتابع الأوضاع السياسية، ولا يمكنني الإفتاء فيها! أكره الطائفية ولا أحبذ التبجيل. أي شيء ثاني .. اسألني).

جريدة الحياة – الثلاثاء 27 مارس & 10 أبريل 2012