الرواية إذ تنزاح عن مواضعاتها الجمالية


من قُدر له أن يزور كاتدرائية ضخمة، معقدة البناء والتراكيب الفنية، ستتورط حواسه حتماً في حالة من الدهشة قبالة مخارجها ومداخلها وأروقتها وكم الزخارف والتماثيل التي تزينها. وطبيعة الألوان التي تهبها طابعها الروحي. بمعنى أن كل تلك التفاصيل الصغيرة والكبيرة إنما تم الإشتغال عليها بصبر ودراية وعناية فائقة لتظهر بتلك الصورة المذهلة. وهو ما يعني أن ذلك البناء المعماري نتاج مجتمع معني بالجمال إلى ذلك الحد من التفصيل والتعقيد. أو على الأقل هناك نخبة منه مولعة بالرسائل الجمالية المركبّة بمقتضى نظام فني.


وهذا الأثر الفني يؤكد على وجود أثر مجاور أو مرادف لهذا النظام المعماري خارج الإطار المادي الملموس أيضاً. أي داخل النص الأدبي. حيث يمكن التقاط ذلك الهاجس الفني في الروايات ذات البناء المعماري التفصيلي. يوم كانت اللغة تنوب عن العدسة. كما يتبين ذلك الإسراف التوصيفي في روايات تلك اللحظة. خصوصاً ما كان يُعرف بـ ( الروايات الأنهار ). أي الثلاثيات والخماسيات.


اليوم لا تُشيد المباني وفق تلك المعمارية المدهشة. ولا تُنسج تفاصيلها بذات الإيقاع والتؤدة. وبالمقابل لا توجد الكتابة الروائية التي توازيها، فالمزاج الانساني، الذي يعبر عصر الصورة، لا يحتمل ذلك التصوير اللغوي البصري الفارط في التفاصيل. ولا يحتمل ذلك الشريط الكلامي الطويل في وصف المناظر الطبيعية والفضاءات المكانية الفائضة بالزخارف. بمعنى أن الرواية كجنس أدبي قد دخلت طوراً مختلفاً ومغايراً لما كانت عليه آنذاك. سواء على مستوى الشكل أو المضمون. وإذا كانت قد وُصفت في تلك الحقبة بأنها ملحمة العصور الحديثة، فهي اليوم ملحمة العصور الأحدث. الأمر الذي يحتّم استلهامها لروح اللحظة وتمثيلها إيقاعياً وموضوعياً. وهذا هو ما يفسر خِفة الروايات الحديثة في كل أنحاء العالم. خصوصاً أنها صارت صوت الفرد بعد أن تخففت من عرض القضايا الكبرى وتنازلت عن السرودات الملحمية.


هذه حتمية أدبية كان لا بد من الوصول إليها. فالإنسان الذي كان مأسوراً بالمرويات الكبرى لم يعد يتعامل مع تلك السرودات الفائضة بالقيم والحكم والأحداث الكونية الغامضة والمعقدة إلا من منطلق الذكرى الارشيفية. وهو مآل لم يتحقق بالصدفة. إذ واجهت الرواية إبان نشأتها موجات من التحقير والتضيىل من قبل المغرمين بالملاحم، التي كان يُنظر إليها كإرث أدبي إنساني لا يمكن تجاوزه أو المس به. لأنه يعادل الكتب المقدسة. إذ لا مكانة ولا قدسية لمروية بدون آلهات وأنصاف آلهة. إلا أن الرواية أثبتت حضورها وفاعليتها كجنس أدبي قادر على التطور والتعبير عن التوق البشري في أدق تفاصيله. وهذه هي سيرورة الأجناس والألوان الأدبية. إذ لا تُقابل في بداياتها بالترحيب أو الاستيعاب، بل بردود فعل يغلب عليها التشكيك والاستياء.


الرواية اليوم ليست كما كانت عليه قبل عقود. وهذا أمر طبيعي في تاريخ الأجناس الأدبية. فهي - أي الرواية - ومنذ نشأتها محل جدل واختلاف. وهنا يكمن سر صمودها. لدرجة أن إدموند غونكور، الذي أعطى اسمه لواحدة من أهم جوائز الرواية، تنبأ بموتها فقال بأنها ( جنس أدبي مستهلك، ومستنفد، قال كل ما عنده ). إذ يبدو أنه كان يراقب شكلاً أحادياً من أشكال الرواية. أي ذلك الشكل المعماري الفارط في القص والوصف والتفصيل اللغوي. ولم يكن في باله مسألة تجدُّد شروط نشأة الرواية التي قال بها إيان واط، المتمثلة في جمهور القراء، والناشر، والحركة الاجتماعية، والتحولات الفكرية، والأبعاد الاقتصادية، وغيرها من العوامل التي كفلت للرواية هذا الإمتداد الفاعل داخل الزمن وفي عمق تفكير ووجدان الانسان.


ومن منطلق آخر قال ت. س. اليوت بموت شكل من أشكال الأدب الرفيع بمقتضى تفسخ الطبقة التي تنتجه. وهذه حقيقة أكدتها آداب ما بعد الحداثة. حيث صار الرواية ملكة عامة ومشاعة يكتبها من يشاء بدون خبرات لغوية ولا لغوية. بعد أن كانت حكراً على طبقات أو فئات محدودة. وهذا التحول لم يتأت من فراغ، بل بموجب تحولات كونية كبرى على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. وهكذا صارت الرواية ملحمة الفرد وأسطورته الشخصية، بمقتضى صعود الفردانية. حيث خلت الروايات من كل ما هو مقدس، ومن أي إشارة لآلهات الملاحم، ومن أي إلماحة إلى ضرورات المرويات الكبرى. حيث صار عدد الروايات الملقاة في سوق النشر يتجاوز المعقول والممكن قراءته.


هناك أصل أدبي في القص مفاده أن الإنسان ينوّع على عدد محدود من ( الثيمات ) القصصية المغروسة في الوعي الانساني. وهذه حقيقة أدبية يمكن التماس معها من خلال ما ينتج اليوم من روايات أشبه ما تكون بالصدى لحكايات راسخة في الوجدان البشري. لكن الاختلاف في عرضها يكمن في الذات التي ترويها، والظرف الزمني الذي تُحكى فيه، والإيقاع الذي تحتمه لحظة السرد، والفضاء الذي تتحرك فيه، والوجهة التوظيفية لذلك المسرود. وغيرها من العوامل. وهي أبعاد تفرض نفسها اليوم بقوة على الرواية التي تجد لها امتداداً على الشاشة. حيث تُكتب بعض الروايات من مرجعية الشاشة ومن أجلها. وهو بعد استعاري يأخذ الرواية من الحياة إلى ظلها.


بعد قرن ونصف من الانجاز الروائي، ما زال هذا الجنس الادبي محل اهتمام تنظيري وقرائي. وكل من أراد التلويح له بتلويحة وداع ضمن متوالية موت الشعر والأيدلولوجيا والنقد اكتشف أنه قبالة مقولات واهية. وأن الرواية قابلة للتجدُّد على إيقاع تبدّل أحوال العصر. وأنها دائما في حالة من حالات التبدّل في مواضعاتها الجمالية. فمجتمعات لحظة النشأة تختلف عن مجتمعات اللحظة الآنية. وبالتالي فإن قوالب التعبير الروائي لا بد أن تمارس انزياحها. وهذا المجتمع المكونن بكل اختلافاته المزاجية والذوقية والأسلوبية والفكرية له بنيته الثقافية التي تؤسس مرة أخرى لشكل روائي بمضامين مغايرة. بمعنى أن ما يحدث الآن روائياً ليس مجرد هدنة مؤقتة لتعود الرواية إلى صيغتها القديمة بكل مداميكها المتعترف عليها. فهي اليوم في مصب التوتر الانساني. ومختبر الزمن الحديث بكل تناقضاته. حيث الفرد يسرد مرويته الخاصة، التي تعادل أسطورته الذاتية. وفي هذا الأفق ستنكتب الرواية.


القدس العربي – الثلاثاء 26 يوليو 2016م