أزمة ( الحتّة الوسطانية )


في كل محفل يثير يوسف زيدان الغبار بكلماته وآرئه الطائشة. وهي مواقف ثقافية لا يعلنها من أجل الإثارة ولفت الانتباه كما يتوهم خصومه. إنما هي من صميم تفكيره واعتقاداته التي يتبناها ويدافع عنها. وإن كان يطرحها بمزاج شعبواني وبخفة مستفزة. ففي مطلع الأسبوع الماضي، وخلال ندوة في المغرب، في اختتام مهرجان ( ثويزا ) بمدينة طنجة، فجر جدلاً ما زال يلقي بظلاله على المشهد فيما عُرف بقضية ( الحتّة الوسطانية ). حيث اتهم عرب قلب الجزيرة العربية بأنهم خارج المضمار الحضاري. ووصفهم بأنهم كانوا قبل الاسلام ( سرّاق إبل ) مقللاً من قيمة إنسان ذلك المكان. الذي لم يتوفر فيه على مر التاريخ عالم لغة ( هات لي عالم لغة واحد من هناك ). وبنبرة طافحة بالتحقير والتهميش قال ( سكنوا اليمن، وبعدما انهار السد، انتشروا في الأرض وبعضهم راح للشمال.. ما عدّاش في الحتّة الوسطانية دي ). وأضاف مؤكداً ( عمر المنطقة دي ما كان فيها حضارة ).


هذه الكلمات الاستفزازية كانت هي الشرارة لهجوم مضاد من قبل مثقفي الخليج العربي. الذين اعتبروا أنفسهم معنيين بالتهمة لأسباب موضوعية وعاطفية. حيث تصاعدت الردود لتصل إلى المطالبة بمقاطعة يوسف زيدان ومنعه من المشاركة في أي منبر خليجي. فيما أرجع بعض المعلقين سبب هجمته إلى رغبته في ( الرز ). وهي إشارة تحقيرية مضادة تعني طمعه في غنائم وثراوت دول الخليج. وقال آخرون بأنه أخذ أكبر من حجمه، ولا يستحق الرد، لأنه لم يطرح ما يستوجب الحوار. وبالمقابل نحى بعضهم إلى الحفر السياسي في قولته لتأكيد نواياه المبيّتة للانتقاص من السعودية تحديداً لأسباب صهيونية بتصورهم، وصاروا يذكرون بآرائه المتطرفة في أكثر من موقف. إلى حد أن بعضهم فتحوا ملفات التشكيك في منجزه العلمي والأدبي، وأعادوا التذكير بما وصفوه سرقاته وانتحالاته الأدبية والعلمية.


ولم تتوقف الردود والتعليقات عند هذا الحد بل تُركت القضية بين يدي رواد مواقع التواصل الاجتماعي ليدلوا بدلوهم في مسألة هي بحاجة إلى خبراء ومختصين في علم الآثار واللغة والتاريخ والحضارة. كما استعانت الصحف والفضائيات بمثقفين عرب للرد الإعلامي المستعجل على تجاوزات يوسف زيدان. حيث استدعى بعض المعلقين ( النبوات ) كدليل على خطأ ما ذهب إليه. باعتبارها محطة حضارية مفصلية في التاريخ الانساني. كما أصدرت هيئة السياحة والآثار في السعودية بياناً انشائياً للرد عليه، وتوضيح زلاته المعرفية التاريخية. وأعلنت رابطة الأدباء الكويتيين استنكارها لتصريحاته من خلال بيان وصمت فيه تصريحاته بالعنصرية والمسيئة. إلا أن مجمل الردود والتعليقات خلت من العبارة والفكرة الثقافية. وهو الأمر الذي عزز اتهاماته. لأن تسييس السجال، والتشكيك في قدراته الأدبية والعلمية، واستجلاب خبراء عرب لدحض أفكاره هي أعراض لفشل المثقف الخليجي في الصمود أمام أي فكرة تتجاوز رطانته في الشأن اليومي.


المنازلة ثقافية بامتياز. وهذا ما أراده يوسف زيدان من خلال عباراته الموجعة. التي تبدو في ظاهرها مجرد اتهامات ثأرية، مصوغة بعبارات شعبية أقرب إلى السوقية. إلا أنها ذات مضامين قوية وقابلة للجدل. وهي منتقاة بعناية معرفية. تنم عن وعي تاريخي حتى وإن بدا ذلك الوعي موظفاً باتجاهات مقلوبة. فهي لا تبدو كتعليقات طارئة محتّمة بحماوة المنبر الذي قيلت فيه. وعلى هذا الأساس كان ينبغي التعامل مع تداعياتها. بمعنى أن الأمر يتطلب استظهار الأسماء والأصوات الثقافية الخليجية العارفة بالشأن التاريخي واللغوي والأسطوري والحضاري للمكان. وهي عقول يفترض أنها موجودة في الجامعات لا في مواقع التواصل الاجتماعي. لأن القضية لن تنتهي بخمود المواجهة في المنابر الاعلامية. بل ستظل مقولاته قابلة للجدل، وربما التعمّق والترسّب في الوجدان إن لم تواجه بأدلة مضادة. وهو الأمر الذي يستدعي ويحتم ضرورة محاورته في منبر أكثر جدية وعلمية.


المطالبة بمقاطعته لا تفسير لها إلا كحالة هروب من المواجهة. وهو إجراء ليس من الثقافة في شيء. والأسوأ أنه فرار يعزز مواقع يوسف زيدان ويتوّجه كمنتصر في مواجهة لم تحدث أصلاً. كما أن فتح الإعلام لنوبات من التهجم عليه وتضئيل إسهامه الثقافي لا يقلل من شأنه بقدر من يجعل من المتشفين فيه على هذا النحو أضحوكات. فالرجل له مكانته وقدراته التي لا تُبارى بالسباب والشتائم بل بالمجابهة العلمية على طاولة حوار صلبة. وهو الأمر الذي يحتّم - بتصوري - أن يكف المثقف الخليجي عن سلبيته، وأن تخرج المؤسسات الثقافية الخليجية على عاداتها الاحتوائية التخديرية لتفتح الباب معه كصاحب رأي نقدي مخالف. وأن يكون ضمن أي برنامج ثقافي قادم في مواجهة أساتذة التاريخ والآثار واللغة والحضارة. في حوار سترتد آثاره الايجابية على مجمل المشهد الثقافي.


العبارات الاستخفافية القليلة التي تلفظ بها زيدان لم تكشف عن هشاشة طابور طويل من المثقفين الخليجيين وحسب، بل أبانت عن جناية المؤسسات الثقافية على أولويات التفكير الثقافي. حيث الاستعراضات الكرنفالية على حساب تجذير الوعي بالإنسان والمكان. كما أربكت أولئك المثقفين الذين يتكدسون في الجامعات كموظفين مقابل عبث منتجي النصوص الذين يحتلون المشهد باعتبارهم العنوان الأكبر والأبرز للثقافة. وهو الأمر الذي يحتم التفكير بحدية في تغيير معادلة الثقافة. فما تجرأ على التصريح به يوسف زيدان لم يكن ليحدث لولا رسوخ فكرة تفوق المراكز على الأطراف. وهي عقدة ثقافية لم تتزحزح عن مواضعاتها، ولم تتغير ما دام التفكير المركزوي في القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت هو المحرك الذي يعمق النظرة إلى الأطراف كلحظة بداوة متخثرة في تاريخ الحضارة. وهي المنصة التي انطلق منها ليعدد الحواضر العربية ( القاهرة والقرويين وفاس وبغداد ودمشق ).


ليس جديداً ولا صادماً ما أفصح عنه يوسف زيدان. ولن تكون قولته هي الأخيرة في هذا الصدد. لأن الخليجي كمكان وكإنسان هو بمثابة الآخر المجهول عند الآخر العربي المسكون بنظرة تنميطية. ولذلك لا ينبغي النظر إلى اتهاماته على أساس أنها فرصة لإثارة الأحقاد وتجديد النعرات. بل العكس، أي التعامل معها كمضاد ثقافي، يستوجب إحداث انتفاضة كبرى في التخطيط الثقافي. لأن المجتمعات لا تموت ولا تتألم لمجرد أن أحد المثقفين اختلف معها أو قلل من قيمتها. إنما تبني على ذلك الانتقاص استراتيجيات توعية في صميم الصناعات الثقافية. وتجعل من تلك النظرة الاحتقارية فرصة لمراجعة خطط التنمية الثقافية الوطنية.


من المخجل والمستغرب أن يمر كل هذا الوقت على أزمة ( الحتّة الوسطانية ) ولا تظهر مقالة واحدة ذات قيمة معرفية في الرد على اتهاماته. وهو فراغ ثقافي محير وقاتل. يؤكد أن المؤسسات الثقافية قد أكتفت بردات الفعل العاطفية المتشنجة التي أبداها رواد مواقع التواصل الاجتماعي. أو أن المختصين من مثقفي الخليج لا يمتلكون الوقت أو المزاج أو الرد العلمي المناسب. أو أن الإعلام لم يهتد إلى أي إسم ذي قيمة في هذا الشأن. الأمر الذي قد يوحي بأن ما أدلى به يوسف زيدان له وجاهته. وأن الدعوات إلى مقاطعته أو الطعن في أهليته المعرفية، لا تعني إلا الفرار من مجابهة مستحقة دفاعاً عن الانسان والمكان.


ما زالت وستظل أسئلته قائمة. وعليه، ينبغي مساءلته حولها وتقديم ردود علمية إزائها. عما يقصده من الوجهة الجغرافية بالـحتّة الوسطانية!؟ ومصدر أو مرجعية قوله ( سُرّاق إبل )!؟ ونفيه الجازم بوجود ( عالم لغة ) في تلك البقعة أو حتى أي مظهر حضاري!؟ خصوصاً أنه أصدر بياناً توضيحياً على صفحته في الفيس بوك. بلغة فصيحة، لم يتراجع فيه عن أي رأي أو فكرة أو معلومة ذكرها. بل أكد بمنطق التاريخ والجغرافيا وعلم اللغة والحضارة على كل ما قاله في المغرب. وطالب بعدم تسييس ما قاله. وأستنكر حملة التحريض ضده. كما ذكّر بإسهامه المعرفي. والأهم أنه أنكر معاداة الدول والحكومات، لأنه لا يقيم أي علاقة مع السياسيين، بقدر ما يحترم الجهات الثقافية. وأكد في الختام على معرفته بالثقافة العربية ونادى بضرورة التحاور حولها.


 

القدس العربي – الثلاثاء 23 أغسطس 2016م