الشعر الحديث .. ميثولوجيا شخصية


ينهض الشعر الحديث، بتصور اوكتافيو باث، على ميثولوجيا شخصية، على عكس الشعر القديم الذي ينهل من منابع لا شخصية. بمعنى أن الشاعر القديم كان يراهن على إنتاج المعنى العام من خلال مرجعيات شمولية، في الوقت الذي يحتكم فيه الشاعر الحديث إلى معناه الخاص الذي يعنيه هو بمعزل عن الإكراهات الجمعية بكل صورها ومرجعياتها الدينية والقبلية والصوفية والتنجيمية والسحرية التي تقيد الشعر في مدارات الخير والجمال والحق. وهو ما يعني زحزحة الدلالة التي تربط ذات الشاعر بالعالم. وتقويض الرؤية أو النظرية الكلاسيكية للشعر.


محاكاة الطبيعة إذاً، التي قال بها أرسطو كوظيفة شعرية مركزية، أخذت بالتهاوي في مواجهة الحداثة الشعرية. مثلها مثل النظريات التي تتعامل مع الشعر كوعاء للمعرفة وأداة للمتعة. وبالتالي لم يعد الشعر وسيلة للتبليغ الجمالي بالمعنى المتعارف عليه. كما أن قدسية القول الشعري صارت محل اختلاف. خصوصاً مع اختراق العلم منطقة ( اللاوعي ) وتبديد أوهام الإلهام. كما ساهم صعود الحسّ العلماني الدنيوي بالوجود في تخفيف حدّة الإحساس الديني في النصوص الشعرية الجديدة. حيث تراجع الوعي الانجيلي بالعالم، ولم تعد معارضة البيان القرآني علامة على البراعة الشعرية وهكذا.


هذا الاندفاع نحو علمنة العبارة الشعرية، وشخصنة الوعي الدنيوي بالوجود، لم يصل إلى محطته الجمالية التي تجعل من كل متعلقات الانسان العرضية والهامشية مادة شعرية بدون ارتباكات أو اعتراضات. لأنه لا يشكل ثورة جمعية محتّمة بتطور تاريخي لجنس الشعر. إنما كان يتحرك في خط رهيف بموازاة خطوط شعرية أخرى، كانت وما زالت تحاول إعادة الارتباط ما بين الشعر والقيم القديمة. إذ لا تتصور الذهنية الأرسطية تخيل الشعر خارج إطار المحاكاة. كما لا يتصور الهوراتيوسون إمكانية وجود لغة شعرية لا تتغيا توليد المتعة. ولم يتنازل التولستويون عن فكرة الإدراك الديني للوجود للتدليل على معنى الحياة من منطلقات شعرية. لأن الشعر بمنطق الأخلاقيين يقوم بدور حيوي في نشر المثل العليا.


لم يكن مسموحاً لأي انفعالات بالتمثّل شعرياً داخل التجربة الجمالية إلا الانفعالات الدينية. لدرجة أن أفلاطون رفض اللذة المتولدة من الخيال والانفعال. حيث احتج حتى على الشعراء الكلاسيكيين لأنهم وصفوا رذائل الآلهة. وهو الأمر الذي يعني انكار النص الشعري كموقف وكوثيقة شخصية. لأن الحقيقة بنظر أولئك الأخلاقيين لا يمكن اكتشافها إلا بتوجيه الحواس إلى خارج الذات. أي المحاكاة الشكلية الخارجية للعالم. وحيث لا وجود للحقيقة داخل الذات. وهو الأمر الذي يعني موضعة علم الأخلاق بكل صرامته وذخيرته الروحية مقابل علم الجمال. وذلك لتكريس فكرة ارتباط الشعر بالمجتمع الفاضل.


آنذاك كان الشعر مضخة كبرى للقيم والمثل العليا، أما المجتمعات الحديثة فلا تتعامل مع الشعر إلا كنشاط جانبي يمكن تفاديه بدون أي إدانة للفرد. حيث يشير الخط البياني الشعري إلى تبدلات في المزاج العام سواء على مستوى الانتاج أو التلقي. لدرجة الاستمتاع بجماليات المرعب والقبيح والتافه. فقصائد بودلير مثلاً لم ترفض استدخال قيم الشر ومجادلتها داخل النص الشعري، ولكنها أعادت قراءة هذا المفهوم من منطلقات مغايرة، غايتها إيقاظ قراء الشعر من غفلتهم الأخلاقية. والتأكيد على البعد الفرداني في مقاربة الوجود. وهذا هو مكمن ومقصد الشعر الجديد، أي استدعاء الطاقة اللانهائية لـلـ ( أنا ) الشعرية، بتعبير جاك رينسير.


لا جماليات في الشعر ما لم يسهم كخطاب في معركة الخير والحق. هذا هو منطق الشعر الكلاسيكي. لأن الشعر قرين كل ما هو إلهي. أو بتعبير لاندينو ( الله هو الشاعر المطلق، والعالم هو قصيدته ). وعلى هذا الأساس انفرض الإلهي على القول الشعري. وهنا يتوجب قياس المسافة التي قطعها الشاعر الحديث للإنتقال من ذلك المرقى الرباني إلى اعتياديات البشري. الدنيوي، الوضعي، اليومي. الهامشي. واكتشاف الطاقة الجمالية في كل ما هو عرضي. وبدون الرهان على لافتات الجمال التقليدية، التي تشكل شروطاً تقييدية للشاعر. تشده إلى طرائق تعبيرية مقدسنة.


الحياة الواقعية عادة سطحية وفارغة، كما يقول ميلن. وقد تم التعامل مع هذه المقولة كنظرية راسخة وغير قابلة للمجادلة. إلا أن الشاعر الحديث كسر هذه القاعدة، عندما اكتشف في الواقعي جماليات ساطية ومؤلبة ومستفزة للحواس. حيث صار الشعر يتحرك في مدار الكيفيات، وخارج إطار الموضوعات. أي أنه بات يبحث في الكيفية التي تقال بها الأشياء. ولا يراهن على الثقل الأخلاقي لنصه. حتى نظرية أرسطو القائمة على المحاكاة الشكلية خضعت لقراءة أحدث. وذلك من واقع ما قاله حول قرب الشعر من الروح الفلسفية للتاريخ، وليس من منطلق تأويلي. حيث توقف النقاد عند قولته ( ليس مهمة الشاعر أن يروي ما حدث ).


الحداثة تتولد عند استواء الأضداد في مجابهة لها سيرورتها الملموسة. وهذا هو ما حدث في المسألة الشعرية حيث الصراع بين الإلهي والبشري. بما يشبه الثورة على تيبُّسات فكرة الآداب الجميلة. وما تبع ذلك من تأطير للشعر داخل نظريات ومقولات على درجة من الصرامة، تضع كل الاجتهادات الفردانية في هامش الآداب اللاجميلة. إلا أن الثورة تحت عنوان الفردانية وحرية المبدع تمكنت في فتح حدود جنس الشعر على اتساعه. حيث أعطت للفرد السيادة الكاملة على نصه. كما واكب هذا التطور الثوري حالة مقابلة من التلقي المنفتح لقيم الجمال المتجدّدة بمقتضى الواقع الجديد. خصوصاً فيما يتعلق بنثرية العالم وصوره المهشّمة المفتّتة، التي لم تؤثر فقط في إنتاجية النص بل في آليات تلقيه أيضاً.


شعر التسابيح لم يعد قادراً على الصمود قبالة الحداثة الشعرية الجارفة باعتبارها تمثيلاً لعملية تاريخية متناظرة مع واقعية الحياة. كما أن الثقافة الأصولية التي كانت تتحكم في المختبرات الأخلاقية الجمالية لانتاج الشعر أصيبت بالارتباك على إيقاع خروج صنعة الشعر من الطبقات الرفيعة. بدليل أن ديكارت بكل عقلانيته، صار يتلمس الآراء الثقيلة الموجودة عند الشعراء التي يستخلصونها بخيالاتهم. وهكذا غدت الواقعية مفهوماً حديثاً، بتصور أوكتافيو باث، حيث يتولد التفكير الانساني من الصلة المباشرة ما بين الشعر واللحظة المعاشة. وهو ما يعادل الميثولوجيا الشخصية.


القدس العربي – الثلاثاء 20 سبتمبر 2016م