حروفيتنا ...
إهدار المعنى .. إحتفاء بالشكل

 

اعلان بعض فنانينا بشيء من الإدعاء عن افلاس الحروفية العربية ، وما أعقبه من انحسار سريع  لمنجزنا الحروفي بشكل استتباعي ، نهاية فنية منطقية لحقبة شديدة الصلة بمبررات ظهوره وتصعيداته ، تحيل الى طبيعة توجهاتنا الفنية ، ومنطلقات الحماس لطراز فني تسيّد مشهدنا الشكيلي لفترة طويلة ، اذ يعتبر الجانب الأهم لذلك التوجه الفني الآخذ في التراجع لحساب صيغ تعبيرية وفنية مغايرة ، صدى أدائيا لجماليات ظاهرة حروفية أشمل ، تأسست وأخذت مكانتها المتقدمة في اطار الابداع العربي عموما ، فكل حركة فنية عرضة للاختراق والتقليد ، والتماثل السلبي والايجابي بما يفوقها أو يتقدمها بوجه عام ، على محك جدلية التأثير والتأثر ، خصوصا اذا كانت في مستوى فني وزمني أقل من مثيلاتها .

وبالنظر الى كون حركتنا الفنية عموما ، في طور تأسيسي ، فهي تابعة لاشتغالات ناجزة ، فقد تحتم أن تنهل حروفيتنا كرافد فني من روافد المنجز التشكيلي بوجه عام من شاكر حسن ، وحامد عبدالله ، وكمال بلاطه ، وعارف الريس ، ورافع الناصري ، وضياء العزاوي ، وجميل حمودي ، وأدهم اسماعيل ، وسعيد عقل ، ومن مجمل التجارب العربية التي استكملت جدلها وادواتها الفنية من دوائر أقصى ، وباتت مهيأة لتصدير تجريباتها ، أو بعض سماتها الشكلانية على الأقل .

يؤكد هذا المؤثر الحيوي ، على تجربته وأسلوبه ، وعلى منجزنا الحروفي بوجه أشمل ، الدكتور حمزة باجودة ، في قراءته لتجربته البصرية الذاتية باستشهاد فني لافت يقر الأثر الواضح " لحركة استلهام التراث سواء تمثلت في جماعة البعد الواحد ، أو جماعة الانكساريين ، أو جماعة الهندسيين ، أو جماعة الكلمة والنص ، أو جماعة الريازيين " فيما يعتبر أثرا عريضا وعميقا بالنسبة لتجربة محدودة زمنيا .

وبالاضافة الى مؤثرات الدائرة العربية التي سمحت باستنساخ تمظهرات التيار ، وتكويناته الأبرز ، والى حد كبير موحيات الادائية الغربية باختلاف تمدرساتها الشكلية والاسلوبية دون الأخذ بآثارها الفلسفية ، فلا  أثر لشخصية كبير رسامي القرن العشرين مثلا ، الحروفي العالمي هانز هارتونغ ، أو الأب الحقيقي للحروفية الحديثة ، كما يلقب ، تعاظم ذلك التوجه الحروفي بفعل الموجة الروحية التي حكمت فكريا ووجدانيا مرحلة هامة من تاريخنا التشكيلي ، فجاء تمثل الحرف في الاعمال الفنية بمثابة الاعلان المبيت لهوية أو لخصوصية مضيعة ، والبحث عن ممكنات تراثية باعثة على الطمأنينة والقناعة الروحية ، في ظل فعل تنموي شامل ، أصاب المعايير القيمية بهزة عميقة ، لدرجة أنه بدى في لحظة من لحظات الاشتداد ، أحد المعادلات البنيوية المعوضة لمركبات النقص في انساننا .

وبمقاربة المبرر النفسي لذلك الحراك الفني المغاير ، نلاحظ أنه أثبت وجوده المتعاظم حينها كحالة من حالات التعبير الابداعي الباحث عن الثبات الوجودي لشريحة عريضة من الفنانين الرازحين تحت خرابات النزوح الجماعي من الريف الى المدينة ، وتهدم عوالمهم الروحية ، باندراجهم القسري والخاطف في عوالم متسارعة التحول والانتقال ، وبالتالي جاءت صادمة معنويا ، أو بالأحرى طوباوية روحية بديلة ، فكان الالتجاء الى الحرف كمعادل مكاني ، أوكحاضن روحي وفني ، ناهض بمواءمة نفسية ولو مؤقتة ، تسعف منظومة اللاوعي داخل كل فنان .

أما من الوجهة الاعتقادية الشعورية ، فقد جسد الحرف دوما بالنسبة لكثير من الفنانين تعويذة تمويهية ، أو خشبة خلاص يمكن بها تجاوز اشكالية الشخصنة وتابوات التجسيم ، ووسواسية التوثين الفني ، فكانت الابجدية ممثلة بحروف الآيات القرآنية بوجه خاص ، هي المنفذ التنزيهي ، أو المخرج الفني لطاقات ابداعية حائرة في تمثل وجودها ، واستنفاذ طاقتها التعبيرية . لكن المفارقة أن رمزية الحرف ، المتجرد في وجوده المستقل ، كما يفترض ، وسم في كثير من منجزنا بشخصنة شبه صريحة ، أقرب الى التوثين الفني ، وبالتالي لم يتنزه ، حتى من الناحية الشكلية ، اذ تضاءل دوره كعنصر درامي ، مادي بالضرورة ، مليء بالحركة وغني بالمشاعر .

وقد كانت تلك الاستعاضة حتمية ، بل فاقعة في كثير من الاعمال الفنية ، لدرجة أن الحرف احتضن ، في بعض الأعمال المتميزة ، بمكونات ذات خصائص مادية ، بما في ذلك الكائن البشري ، فيما يفترض أن يمثل الحرف داخل اللوحة حالة من التجريد الواعي بشقيه الفني والفكري على أقل التقديرات ، في حالة العجز عن استيعاب مفهوم التنزيه الاسلامي المراهن على سيميائية حرفية مسطحة الابعاد ، مناوئة لثراء الرؤية المنظورية .

ويبدو ان استسهال هذا اللون الابداعي ، وتمثله في ساحتنا دون العودة به الى مهاداته الفكرية والفلسفية ، هو الذي سمح باستشراء تناوله الكمي من قبل شريحة عريضة ، دون ضوابط او معايير ، سوى الحاحية التأكيد على الهوية الدينية ، ومن ثم اساءة تعاطيه للولوج الى الساحة الفنية ، فلم تتبلور في ساحتنا حالات شبيهة أو مقاربة لجماعة " البعد الواحد " مثلا ، التي استلهمت  الحرف الأبجدي واتخذته محورها لتفجير دلالات الخط كقيمة شكلية ، وهو الأمر الذي أفضى الى تمدد هذا الهامش المفتوح أصلا على حمولات لا نهائية ، وغير معرّفة ، فكاد أن يطغى كسبب على المعطيات السالفة الذكر في لحظة ما ضمن دورة الأسباب الزمانية والمكانية ، لدرجة ان هذا التوجه بدى في لحظة من اللحظات فن الأدعياء الذين لا فن لهم ، وبابا مشرّعا لمن اراد الولوج الى عالم الفن ، فيما يشبه الخواطر الساذجة التي سمحت لكثيرين بالولوج الى تعاليات الشعر .

والمتأمل لمسيرتنا التشكيلية لا بد أن يلحظ حجم المساحة التي حظي بها المنجز الحروفي ، قبل أن يأخذ في الانكماش والتراجع لحساب التوجه التجريدي ، فهذا الاتجاه مفتوح على آفاق جمالية وفلسفية واسعة تتمدد باطراد لتشمل تأسيسات الرواد ، وصولا الى تهويشات أنصاف الموهوبين ، ومرورا بنزوات طابور طويل من المجربين ، لدرجة يصعب تصور وجود فنان لم يجرب ولو بلوحة حروفية يتيمة ، أو بتعبير الدكتور حمزة باجودة " قلما نجد فنانا في السعودية لم يظهر الخط والحرف كأداة للتشكيل في أعماله " مرجعا سبب ذلك الكم المتراكم من المنجز الحروفي الى سبب آخر أشمل وهو " مباركة الجهات الرسمية لهذا الاتجاه "  ويعني حركة استلهام التراث عموما ، المؤكد عليها فنيا بصيغ متعددة ، بما في ذلك استخدام الخط والحرف العربي كعنصرين أوليين في الفعل التشكيلي .

ورغم تلك الممكنات الكبيرة والاشتغالات المكثفة التي يفترض أن تنتج في النهاية حالات كيفية ، الا أن المنجز الحروفي سرعان ما سقط كتيار في النمطية ، غارق في المألوفية والاعتيادية ، حيث يلاحظ غلبة الحالات الكمية والاستنساخات الخطية الساذجة التي تقدمت على حساب الادائيات النوعية والمتعالية تجريديا ، فخمدت أحاريك التجربة ومظاهر قوتها ، في تمددات التيار المتعاظم دون ضوابط .

وقد عاب الدكتور أسعد عرابي جانبا هاما من منجزنا الحروفي ( الحياة - الأربعاء 1 مايو 1996 العدد 12119 )  وسجل عليه انتحاءه باتجاه النماذج العربية الأكثر نمطية بصراحتها ومباشرتها المعروفة ، واقتصاره ، اي محترفنا الفني  - على " أكثر الحرفيين نمطية ابتداء من وجيه نحلة ، وانتهاء بنجا مهداوي ، مرورا بالقريشي " مع ملاحظة أن تلك الاحالة استشهادية تدليلية وليست حصرية ، فالاستنساخ أوالتقليد الذي احتوته التجربة الحروفية ، أوسع من أن يحد في نموذج أو اتجاه .

وهذا لا ينفي بالتأكيد وجود محاولات حروفية غاية في الأهمية والنضج ، أفادت من اتساع مساحة التجريب ، ومن تعاملها الواعي بمزدوجة الفكر والشكل ، وتقاطعات التجريد الروحي والمظهري ، في هذا اللون الابداعي ، لكنها قد تبدو مضيعة وسط ركام هائل من التجاوزات الاعتباطية ، وهو الأمر الذي يستلزم مقاربة التجربة في اطارها العام ، من خلال واقعها وممكناتها المغيبة ، رغم صعوبة تقصيها بحثيا ، بالنظر الى كونها تجربة بصرية في المقام الأول وبالتالي فهي بحاجة الى كثافة في العرض  ، ولانتفاء أو عدم وجود مادة مكتوبة تؤرخ أو تحلل الظاهرة منذ بداياتها .


ورغم أن الحروفية فن علامات ورموز بالدرجة الأولى ، يستكشف بالحرف وفيه حاثات روحية وجمالية على درجة من التعقيد الفلسفي ، الا أن منجزنا لم يخترق ذلك المدار الفكري فاكتفى بالمماهاة الشكلية والتأكيد على الغنائية ، كما هو ملاحظ على كثير من تمددات المنجز . واحيانا نراه - أي منجزنا الحروفي - عاجزا عن بلوغ دلالات الحرف فلا يفرق بينه ككتابة توصيلية وبينه كانتصابة جمالية متخيلة من خلال عمل فني مصنوع ، ولذلك غالبا ما يتصدر الحرف لوحاتنا كلغة اخبارية تجهد لكي تكون مقروءة ، لا كمرموزة دلالية محمّلة بطاقة وحمولات نفسية وروحية وقومية .

ولأن الحدود الفاصلة بين الحرف كخط وبينه كصناعة استطيقية تبدو منعدمة ، أو متقلصة لأسباب فنية وأخرى لا فنية ، نسجل حالات انسراب ملتبسة تتوهم الاقتراب أو مطاولة اللوحة التشكيلية بمفهومها المتقدم فنيا ، فالحروف المتمثلة كوحدات فنية فقيرة من التعبيرات البصرية المتأتية بدورها من حراكات تعبيرية لخطية الخط نفسه ، ولذلك تتراجع الحاسة التصويرية أمام الهيئة الخطية فيما يشبه التحفة القولية المؤثرة بالمعنى الدلالي للكلمة لا بالتصوير الفني ، فتنطمر الاشارة والتلميحة لحساب التزويقات الشكلانية .

وقد ساعد تنامي تيارنا الحروفي ، الناشط من داخله فنيا ، وبفعل عوامل خارجية لا فنية أيضا ، على تفشي العاب وحيل لونية وأخرى تركيبية تتوسل البهرجة الصورية المجانسة بين الحرف كأس قائم بذاته وعناصر العمل الفني،  بما في ذلك الاطار  الفكري . لكنها لم تنتج نصا متماسكا سواء من الناحية البصرية أو الدلالية ، يمكن الالتفات اليه كحالة فنية فريدة ، بقدر ما قدمت نصا مقروءا ، لأن الوعي في كثير من المنتج التشكيلي ، لم يكن حاضرا بما يكفي لانجاز هذه المهمة المتعالية فنيا ، فقد مالت كثير من التجارب الى المطابقة القسرية ، والتزيين الطاريء ، أو المفرغ من الدلالات الروحية التي لا تنفذ بوعي أو حساسية الى باطن وروح وهندسة الحرف العربي ، ولا تتعالق الا بالقليل مع جريانه الداخلي .

وقد أثر ذلك الغياب المعرفي والفني على حضور الخط وشخصيته في فضاء اللوحة الدرامي ، فلم يوظف الحرف حقيقية  في منجزنا الحروفي ، بما يكفي كعنصر درامي الا نادرا ، رغم أهميته كوحدة فنية رئيسة تمارس حراكها في فضاء يمتليء بوحدات فنية يفترض أن تتعالق به بصريا ودلاليا وتنشد اليه كمركز ثقل داخل اللوحة ، سواء كانت منسجمة مع حضوره الفني أو مناقضة له ، لكن الذي يلاحظ هو انصباب الجهد التعبيري والأدائي على الحرف ذاته كقول ، والتغاضي عن بقية العناصر ، وهو ما يلاحظ في جوانب عريضة من المنجز ، الأمر الذي أسس لاغتراب فني ، وانفصام بصري ، وهدد على الدوام بنسف أي أمكانية للنهوض بوحدة جمالية متماسكة ومقنعة في كثير من الاعمال .

وهناك بعض التجارب اللافتة التي تجاوزت التجسيم ، ووقفت على اوليات التجريد ، فجاءت متقدمة في المكان ومراوحة في الزمان ، وهي تلك التي راهنت على الانفلات بالحرف في فضاء موضوعي معادل للحيز الطبيعي ، عبر التقزيحات اللونية ، وسيولة الأشكال ، الا ان تلك المحاولات لم تلامس " سيميائية " الحرف بقدر ما غامرت بزعزعة الانتصابات المحاكية للشكل .

وهذا الاتجاه المعاند لمشاكلة الهيئات ، واستساخ القوامات الخطية أسس لجاذبية فنية مركبة حملت من المعين الشرقي حاثات النسق التصويري ، ومن التمدرسات الغربية خلاصة التباينات الأدائية ، لكنها لم تدفع لوحتنا التشكيلية الى التباسات فضاء الدائرة العلامية ، وبالتالي لم تتجاوز تلك المحاولات الخط كفن قائم بذاته ، رغم الهزة التي احدثتها في ملمحه التشكيلي ، وان اعتبرت دعامة لا يستهان بها في التأسيس لنمط فني جاد ومؤثر .

ويبدو أن التردد ، أو عدم استكمال التجريب يعود في الأصل الى هيبة فنانينا من محرض لا تعبيري ، أي من سطوة الحرف كلغة ، وكأداة توصيل كلامي لا اشاري ، وكمخزون روحي له قدسية ضاغطة ، وبالتالي بدت المغامرة بوظيفته المعتادة متعسرة . أو ربما كان الوعي به " كمرجعية بصرية " متعذرا ، ان لم يكن منعدما ، وهو الأقرب فنيا . ومن هنا تراجع استحضاره كوحدة فنية مستقلة ، بمعنى أن التعامل معه كوحدة خطية وكلامية ، لم ينفصل عن وجوده كمفردة تشكيلية ، وهو الأمر الذي أضعف من تأثيراته الروحية داخل اللوحة ، رغم انتصاباته الشكلية الصارخة دائما .

ويمكن الوقوف في هذا الصدد على توظيفات مدروسة شكلانيا ، ومصممة تصويريا من خلال  تعاملها مع الحرف من منظور تراثي خالص ، اشبه بالترميز الروحي ، فنلاحظ استلهام بعض الفنانين حس الهندسة والعربسة الاسلامية ، وانطباع تلك الروح الهندسية في العمل كما بدت في مرحلة بتجسيد الحرف في نسق روحي خالص ، محتضن بتشكلات مصعّدة بالدلالات الطوباوية والروحية كما تبدى ذلك في التجارب المؤكد باستمرار على تسييج الحرف بمؤثرات معمارية ذات أصل وصلة  روحية ، وفي التجارب التي اعتمدت الصيغة التضليعية للحرف ، أو التصويرية الصريحية التي خففت من انبعاث الماحات الازدواج التصويري ، وارهاصة الدّل الاشارية ، حيث نقف على تصويرية صريحة ، وبنائية في مقوماتها الشكلية ، مزخّمة باللون والزخرفة والتماسك الهندسي ، فيما يشبه اعادة انتاج الموروث بصياغات مركبة وفق تراتبية فنية مغايرة .

وفيما حققت تلك الهارمونية هندسة صورية للوحة بشكل عام ، أغفلت من جانب آخر عمق الهندسة الداخلية للخط ، فطمست حركته الكامنة ، وصرامة محدداته الشكلية ، أي أثر دلالي او علامي ، حيث يضحى دائما عند هذا المفصل الفني الهام بالمعنى الاشاري ، والاستبطان الروحي ، لحساب الصورة المبهرة ، وانتظام المشهد ، خصوصا عند اعتماد نوعية من الخطوط المزواة مثلا  للوصول باللوحة الى نسق تصويري شديد الانسجام من الناحية المظهرية ، وباعث على تلمس الايقاعات التصويرية شبه الخالصة .

ويبدو هذا الوهن طافحا على سطح المنجز بشكل يستبقي تلك المراوحات الفنية في دائرة الكتابة واللغة ، ولا يصعد بالحرف الى توهمات جمالية تمده باستقلالية تشكيلية ، يقطع بها صلته بالمحاكاة الخطية والمماهاة القولية . وهنا ، أي بعد التنازل عن التجريد الفكري ، ينتفي التجريد التصويري أيضا ، بانتفاء نظام الترميز اللغوي ، وبالاعتماد الكلي على الفضاء أو الحيز الزخرفي كضابط لتمددات الحرف الروحية والشكلية .

واذا كانت الكثير من التجارب قد مالت الى ضبط حركة الحرف بالحيز الزخرفي ، بالنظر الى جاهزيته الشكلية ، ولكونه فضاء روحيا وميتافيزيقيا مناسبا ، بل شديد الاخلاص لمرادات الاتجاه الحروفي عموما في مبتغاه التنزيهي على وجه الخصوص ، فان القليل منها مارس اشتغالاته على الموروث الشعبي بمعناه الأشمل ، فهذا الحيز الهام لم يستغل بما ينبغي كمكان للتراسل البصري .

ويبدو أن مرد وذلك كان نتيجة للانشحانات القبلية المختزنة عند فنانينا تجاه هذا الفضاء ، وللتصنيفات المغلوطة التي تقف وراء فلسفة اتجاهنا الحروفي ، الروحية منها والفنية ، فالحرف ليس مرادفا أو وليدا لانبعاثات ايمانية عميقة وحسب ، بل هو ايضا اشارات واحالات تاريخية وقومية شديدة التوثب والدّل ، والأهم أنه فنيا ، سيمياء شكلية ولونية مختزنة لشحنات اشارية واسعة ، وبعيدة المدى نفسيا وفكريا .

ووفقا لذلك المفهوم المغلوط أو القاصر، لم تقتحم تجربتنا الحروفية فضاءات أكثر أهمية وتنوعا وعصرية ، فلا نلمس ضمن مسارها الطويل نسبيا ، أي مجادلة للحس التاريخي مثلا  ، ولا للمرجعيات الجغرافية ، ولا للمناخات التجريدية المصعدة بارباكات بصرية ، ولا للمشهدية الطبوغرافية أو الأثرية ، ولا للفضاءات العمرانية أو الحس المدني والتصنيعي الذي يحتم شكلا أوطقسا فنيا مغايرا . ولم تقترب من الفضاءات الفراغية فيما يعرف بنائيا بالفن المفاهيمي ، الرافض للحسية ، والمؤكد على الشكلانية الخالصة ضمن الفراغ ، لولا تجارب نحتية محدودة ، واطلالات أولية لا تكاد تصل بالاشتغالات الحروفية الى صيغة مقنعة .

كذلك مجانسة الطبيعة ، لم تتمثل بما يتناسب مع ذلك المعين ، وبصورة أخص تمظهرات الصحراء التي شهدنا بعض تشكلاتها الجيولوجية ، بتموجاتها التكتونية والترسبية على وجه الخصوص ، المستمدة من رؤية استراتجرافية ( علم الطبقات ) بتقنية بصرية مباشرة ، والمعتمدة على تقشفات لونية وشكلية فقيرة ، ينعدم فيها حس الابعاد ، ولم نتلمس امتداد الأفق الصحراوي بموحياته فائقة التجريد .

ويمكن هنا التأكيد على ان اللون بسيميائيته ، لم يعكس حس المعاصرة ، وروح الحيز المكاني ، أو تربة الحرف الروحية التي تستمد اصالتها ومثيراتها الجمالية من الحس التاريخي ، بقدر ما أكد على خلق مستويات فارزة للشكل ، ومجانسة تشبيهية نسبية ، أو بمحاكاة لمظهرية الوحدات الفنية أو المهد الحاضن عموما بكل تفاصيله البنائية ، لذلك يبدو تكرار الحرف في كثير من لوحاتنا الحروفية غالبا ، تظاهرات بصرية إبهارية في المقام الأول ، معتمدة على الحرف كوحدة قياسية " مودل "  او مقامات لونية تتصاغر وتتضاعف تردداتها كبهرجة مشكالية " كاليودوسكوبية " تعكس مجموعة لا نهائية من الألوان والأشكال الهندسية المختلفة ، لكتها مغرّغة من المعنى والدلالة .

وتلك الأشكال التكرارية ، مؤسسة في الغالب على تشظيات زجاجية أو موشورية دائمة الحراك ، ومرايا متناظرة ، تستمد طاقتها التأثيرية من ممكنات اللون ، بترديد ايقاعات متطابقة شكلا ، ومتباينة لونا وحجما ، توحي بالتأكيد ، بحراك الحرف وقوته التصويرية ، وأحيانا بالجرس والصدى النغمي ، لكنها لا تطاول اللوحة التشكيلية بمفهومها المتقدم ، ولا تنفصل بالحرف عن مراداته الاخبارية ، لأن اللون هنا لم يستنفذ طاقته التجريدية ، بقدر ما تلبس الحركة التي تشد كل الكتل والوحدات والفراغات في مدار شكلاني ، كما يبدو واضحا في التصويرات التكوينية والايقاعية المستدرة لوهج ضوئي ، أو اصاتة توقيعية .

ورغم كثافة الاشتغال والأسماء في تجربتنا الحروفية عموما ، الا أنها لم تتجاوز التعبير الشكلاني ، كما يؤكد ذلك الفنان عبدالرحمن السليمان الذي يرى في كتابة أولية عن التجربة الحروفية بمناسبة المعرض الأول للحرف العربي ان تجربتنا الحروفية " لم تحقق شخصية مستقلة لدى العمل الفني أو كما ينادي الكثيرون لايجاد هوية للوحة العربية ، شأنها شأن كثير من تجارب الفنانين العرب " ويرجع ذلك الاخفاق الى خلل فني كبير الدلالة والأثر مفاده " أنها فقط تمس منحى جماليا شكلانيا "  .

وهذا يعني انها بقدر ما نهلت من الحروفية العربية ، لم تسجل أي اضافة نوعية تذكر لها  كمثيلاتها في بقية الأقطار العربية ، الا ضمن شريحة محدودة جدا ، ولافتة يسهل الاهتداء اليها ، وهو أمر يعود لعدم وجود مسافة نفسية وفنية بين فنانينا وبين الحرف ، ولغياب الدراسة المعمقة بهذا المنحى الفني ، فالحس الفني بالحرف بسيط بوجه عام ، أو هو صوري ، لا فلسفي ، كما يتضح من خلال تأمل المنجز عبر رحلته الزمنية .

ولعل في هذا ما يفسر انتصاباته الجمالية المختلفة داخل اللوحة  ، حيث نشهد حضوره مصورا لا متصورا لتمثلات حروفية يغلب عليها توظيف الآيات القرآنية ، ولا تخلو بالطبع من توظيفات لفظية تشمل الشعر ، القديم منه والحديث ، وأحيانا الحرف الأحادي المؤسس لتقابلية حوارية مرآتية ، وكذلك الحكمة والقول المأثور، وصولا الى توظيفات الشعر النبطي الذي انتهك مفهوم اللوحة بعبثية منفرّة ، قذفت باللوحة الى متاهات معنوية ، وأغرقتها في اللفظية .

وهنا يلاحظ تأكيد مجمل التجارب على الامتداد في آفاق التجسيد الايديوغرامي والكاليغرامي المبهر من الناحية الشكلانية ، أي تصوير فكرة الكلمة بالرسم وتصوير النصوص بهيأة تشكيلية ، بتوظيف كافة الخامات ، ومن خلال التعامل مع تحولات الخط بشتى صوره الخطية كالكوفي ، والثلث ، والديواني . وكذلك ازاحاته الجمالية اللازمة لطقس اللوحة كإسالته ، وتكعيبه ، وتزويته ، وايضا اضافة نكهات تزويقية اعتمادا على الخلفيات التوريقية والمعربسة بوجه عام .

لكن ذلك الاتساع والتنوع التجريبي ، لا يمتد الى تجريدية خالصة ، ولا ينزع الى مناخات رمزية مطلقة ، بل ولا يستفيد من مرونة الخط العربي وممكناته الانحنائية وتواصليته الغنائية ، ولا من مرجعيته الرقيمية المجانسة للحس التاريخي ، بقدر ما يستهدف الدقة المظهرية ، والتوازن المنظوري ، بحثا أو تأكيدا لهوية صورية ، لا تعكس عمق الاحساس الفني في انساننا ، وبالتالي لا تستكشف الا القليل من مستبطناته الروحية ، وهو الأمر الذي أدى في نهاية المطاف الى اندحاره أمام صيغ أدائية جديدة ، دون أن يتجذر كتيار فني ، وبلا أدنى رغبة في تصعيده ، أو تطوير صياغاته ، أو حتى تمكيثه .