" مناخات " الفنان عبدالرحمن السليمان
متعة تقويض الشكل بحسية اللون

ذات محاورة فلسفية ، قرر أفلاطون، أن المواد المستخدمة في العمل الفني يمكن أن تكون مصدرا للذة حسية كبرى، ويبدو أن اللون بكل تداعياته الجمالية، هو أساس تلك المتعة عند الفنان عبدالرحمن السليمان، فهو طريقته ووسيلته للتعبير الحسي عن الفكرة، كما يفترض الفن حسب التصور الهيجلي، فاللون عنده هو الطقس المهيمن، كما تأتى في مقامات لونية مخملية الروح، متشكلة في وحدة موضوعية بهيئة " مناخات " كما جاءت عنوانا لمعرض شخصي على صالة "  إنماء " بالخبر في الخامس من نوفمبر سنة 2002.

هكذا يبدو اللون بالنسبة له، فهو ليس مجرد عنصر تشكيلي أو أدائي يستصلح به خلفيات لوحاته، أو يبدده في فضاءاتها ليخفف من شساعة الفراغ، إنما هو البنية ، أو جوهرانية فعله الفني، بمعنى أنه " صورة جمعية " تقوم بمراكمة العناصر التشكيلية والأفكار المحورية، ومن خلالها كرابط تنفك مرادات لوحته ورموزها، فهذا هو المدخل لانتزاعها من سكونية تمثلها البصري، بل الوصول لمظاهر استمرارها وتواصلها غير المحسوس أيضا.

ورغم الدلالات الشكلية الصريحة، إلا أن السليمان أقرب إلى مقامية اللون ، فهو ليس مزاجه أو طقسه وحسب، بل دلالته الكبرى، من جملة إشارات تحيل إلى ذاته، فعند التماس بتلك الدلالات المتمادية في الصمت يتبين أنه بهذا العرض، يستكمل منجزا فنيا أقدم ، ويؤكد اعتقادا جماليا راسخا لديه، ليس المهم مقاربته كتاريخ أو مرجعية أسلوبية، إنما بمستوى وصيغة تمثله في " مناخات " كعمل قائم بذاته، حيث يبدو أن أصل اللوحة، كما هو أصل الواقع عنده هو العتمة التي تضاء باللون أو الشكل، فكل الألوان لديه مستبطنة بالأسود أو بعماء لوني هو المسطح التصويري الموظف بمثابة مهاد نفسي بصري.

إذا، تستمد مناخاته أثرها الجمالي من سطوة اللون المضاعفة، حيث يجهد للدفع بالطاقة اللونية إلى أقصى حمولاتها النفسية ليخضع الشكل، كوحدة موضوعية داخل لوحته، إلى ديالكتيك أدائي قوامه الإنبناء والتلاشي ، فالشكل كأس للعملية الفنية يتمثل بنائيا لكنه سرعان ما ينهدم كشكل فيما يبقى أثره أو معناه، أو هذا ما يحاوله السليمان، بمجرد تمديد الشكل في مخملية المساحة اللونية، المصعّدة كقيمة استحواذية، وإن لم تقارب المعطى الروحي، إلا في أعماله المتأخرة، أما القديمة فلا يتوضح ضمن مهاداتها اللونية حتى الانفعال المتأتي من ضربات الفرشاة.

ذلك لا يعني أنه بعيد عن تجسيد " الدلالة الشكلية " بل العكس فلوحتة بنائية/استعارية، وبالتالي فهي تنويعية، تنهض على تجريب بصري مفتوح بذات الثيمة، ولكن بتداعيات مختلفة، فهو لا يراهن على الإدراك العقلي بقدر ما يختبر الوعي الجمالي بإحالة المرئيات البصرية إلى موضوعات، أي التأكيد على إنتاجها، ولو بشيء من التحفظ على تمثلاتها البصرية والشكلانية، فهو أميل إلى تدوير الشكل أو بمعنى أشمل تفتيت المرئي، أو إسالته، وتجريده،  وأحيانا الحدس بالمستتر منه، وبالتالي هو أبعد عن التفنن في رسم الأشكال.

على ذلك يمكن تلمس رهافة اللامرئي من خطابه التشكيلي، بما هو طاقة خفية، أو رغبة غامضة، وربما مراودات لتمثلات شكلانية مموهة ، تومئ إلى دلالة تعاكس فصاحة الصورة، وهو ما يجعل المعنى الذي تبثه لوحته مغلفا بحمولات متعددة وغامضة ، أو بمعنى آخر متناهبا بمزدوجة ذهنية بصرية عصية على الفهم والتذوق، فيما يشد أدائيته إلى ما يعتبره فوكو، وفرة المدلول للدال الواحد الوحيد، الأمر الذي يوحي بثراء خطابه الجمالي وحيويته وإمتلائه.

بذلك التعدد الأدائي والطقسي يتجاوز الفنان السليمان مستوى المحاكاة التماثلية ، إلى عمق " النظرية الشكلية " ليس بالمعنى التقليدي القائم على مشاكلة المرئي بالفني حد التناظر أو التطابق، ولكن بمعيارية فنية مربكة للإعتياد البصري، منمالية على الأرجح، فهي من الكثافة بحيث تختصر حس المكان بإشارة ديكوراتية، وفيها تمتزج الصورة بمرجعيتها، دون أن يستحوذ التخييل على حقيقة المرئي، ودون أن تعطل هندسية البنائي رمزية المفردات، أي بشكل مؤسس على " الدلالة " بما هو خطوط وألوان مثيرة للإنفعال، وليس كوحدة فارطة في الشكلانية ، أو ساكنة ومعرّفة الأبعاد، لدرجة تنحى بالمناخات إلى حيز " الإنفعالية " كنظرية يراها فيرون أساسا مظهريا للعمل الفني ، والتي يراهن فيها السليمان على ذاتيته، ومزاجه، وطاقته الفردية، تأكيدا لمظهر الإنفعال، وإمحاء لكل ما هو شكلاني.

بهذا يتخفف السليمان من الأدائية التقليدية للعملية الفنية في تعاطيها مع الموروث، إذ لا يحنّط الماضي ، أو المكان، أو حتى اللحظة كصورة متحفية مترسبة في الذاكرة، بل يجعل من تلك الآثار الميتة أو الخرساء نصبا أثرية قابلة لما هو أبعد من التدوال البصري، على محك أدائية فنية لا تخلو من الإيحاء الفلسفي، فمفردته التشكيلية رخيمة النبرة، مقطّرة ، أو مصفاة من استتباعاتها المظهرية، وعلى ذلك الترهيف اللوني تبدو لقطته كثيفة، وبطيئة، موشاة بهارمونية إلى درجة توحي بالروحنة.

وبقدر ما تغدو أشكاله ممحوة تبدو غير منتهية، وكأنها تتشكل في حراك لوني مستبطن بتململ خطي حر أمام العين، خصوصا عند تأمل ميلودية خطوطه وانحناءاتها، المتشكلة في أنساق هندسية معاندة لضرورات الإنتظام، بالنظر إلى ما تشفه عن حركة جوانية للمفردة.

ويبدو أن حلوله التشكيلية لصرامة الهندسي، وسكونية المكاني ، واعتيادية المنظور ، تركزت في تحويل لوحته إلى مكان عاطفي بحسية اللون، وإن لم يستنفذ طاقته الدلالية بشكل يتناسب وأهميته بما هو رهانه الأدائي، وبالتالي فهو أقل عناصر لوحته حيادية، وعلى ذلك بدت استعارته لنظام الصورة/الرؤية الليلية موفقة، حيث أعفي الشكل من التفصح ، وازداد غموضا وسحرية بحضوره الضمني، خصوصا في إضاءة تلك المهادات اللونية المعتمة بالتماعات الأشكال المحورة، المنزاحة عن حدية منطقها الشكلي، المستعادة فنيا كومضات بنائية مقوضة بشكل قصدي، وكأنها لا تنبعث على سطح اللوحة من المرئي إلا وفق حاثات الذاكرة، ، فقد حاول ربط بنى الصمت لتلك الآثار بعناصر وموضوعات، وواشجها بأنساق جمالية ناطقة، توليدا لإنفعالات يتجاوز مفعولها المرئي أو السطحي للوحدات إلى مستبطناتها التاريخية أو الجمالية.

هذا ما جسده السليمان فنيا، وإن بأدائية حذرة، إذا ما قوربت مناخاته دون تقويل، إنما بتأويلية فنية منفتحة، ضمن منطق بنائها الجمالي الداخلي، ووفق ارتباطها بنسق مفهومي علوي، هو أساس العملية الفنية التي تقوم على فكرنته للمرئي، فلوحاته ليست مجرد مقامات لونية متجاورة أو متراكبة لتختصر فيما تلتقطه العين ، بل هي ككل الأعمال الفنية لها بناء عميق ومعقد من حيث هي موضوعات جمالية، بل أن قدرا منها حدث عند السليمان بشكل لا شعوري، وهو الأمر الذي استلزم شدها على حافة المناقدة التأويلية لتحويلها من مستوى النص البصري إلى مستوى التفكير، ومن لغة التشكيل الإشاري إلى دلالات الصمت، بل ومن حاثات تأطرها الخارجي كشكل إلى نسق إنبنائها الداخلي، ومن التعدد المظهري للوحدات إلى عمق الدلالة الموضوعية الموحدة، للوقوف على مستوى الخطاب الجمالي عنده كمفهوم وكممارسة تشكيلية.

وهنا مكمن الديالكتيك الجمالي المربك بصريا كما يتعاطاه السليمان على مراوغات الشكل، رغم تسيد اللون لطقس اللوحة، بما هو - أي الشكل - القيمة الأكثر التباسا في منظومة علاقات اللوحة، وبالنظر إلى قدرته وطاقته على استيعاب وظائفية متعددة، فهو مصدر الغنى والالتباس معا، ومحط تبئير العمل الفني ، فقد يرهنه للتقليدية أو يحرره من اشتراطاتها، الأمر الذي أوحى من الوجهة التعبيرية والأدائية بأن السليمان قد قلل ، بخدعة بصرية محببة، من قيمة التمثلات المادية والشكلية، مستخدما كافة الأبعاد والوحدات التشكيلية كأدوات لتشكيل الصوّر، وإثارة الإنفعال، أو هذا ما تنم عنه المقاربة التحليلية لتجربته الجمالية، كما بدت في مناخاته.

إذا ، لا يبدو الرسم، بالنسبة للفنان السليمان مجرد رؤية منقولة أو منسوخة في مادية المكان، حسب التعبير الفوكوي لمفهوم الخطاب، فالتماس مع دلالات الصمت في مناخاته، يحيل إلى ما يعرف فنيا بمفهوم " الألفة " بما هي التنظيم أو البناء الشكلي، المؤسس على طريقة واعية يترابط بموجبها نسق تلك المناخات، كنوايا صريحة وضمنية، بحركة الخطوط والكتل والمساحات والألوان ، والمستحيلة في نهاية الأمر إلى خطاب جمالي ، يتبدى في طقوس لونية، أو " مناخات " مؤانسة كما وصفها.

وهكذا يشتق السليمان مفرداته من الواقع ويغايرها، وبذلك فارقت تلك المناخات مستوى التخييل المجرد، إلى أفق تخييل مدبّر في أشكال ، وبناءات فنية، مؤداة بوسائل فنية أيضا وثيقة الصلة باللون بما هو البناء البناء الفوقي أو المظهري للمناخات، وسر حركتها الباطنية أيضا، فيما يفترض أن السليمان قد فكر فنيا في كل ما استعاره بصريا ، وفكرنه كمفاهيم وكممارسة خطابية باللون والعمق والضوء والنسب والأحجام، وجاهد أدائيا لتنفيذه كتقنيات ووسائل وإيماءات مرئية أو مستترة بين طيات وطبوغرافية مناخاته.

وعلى تلك الحافة التجريبية بدت " مناخات " السليمان محاولة للتجادل الفني مع سبات الذاكرة، لتأكيد قدراته كفنان في السيطرة الواعية، أو الملامسة الجمالية، ليس على عالم المواد والوحدات التشكيلية والإشارات الفنية، بل على مستبطنات الدوافع النفسية والفلسفية، على اعتبار أن علم الجمال، كفلسفة للفن، هو المختبر النقدي للإعتقادات الفنية، فأسلوبه القائم على بنائية الشكل وتقويضه بجاذبية وحسية اللون هو أساس تجربته الجمالية، بل المعطى التعبيري الذي يتماشى مع مقومات تجربته، التي حاول ضمنها أيضا تجاوز المناخات بوصفها موضوعات، إلى مستواها كنشاط في الفنون الجميلة .