" مرفأ " الفنان حسين المحسّن
خبرة حسية تستحيل لوحة

 

نشوة حسية مؤانسة تنتاب المتأمل لمعرض الفنان حسين المحسن الأول " مرفأ " المقام على صالة " إنماء " بالخبر ، وتتأتى تلك الغمرة الشعورية من الأدائية العالية لمجمل الأعمال ، ومن طاقة جمالية مختزنة في الوحدات ، تستفز الحواس ، فالمزاج الاستثنائي الذي يختصر به أسلوبه الفني يقوم على ديالكتيك لوني/خطي فائق الرهافة يحفظ للأشكال بنائيتها ، فيما يعطي الأثر الأكبر للتوترات المتولدة من حراك راعش داخل العناصر المحسوسة.

بهذا المنحى الضمني ينجح المحسن في استنبات حالة من التجريد الحركي، القائمة على تفريغ المفردات من صراحتها التعبيرية والإبقاء على جوهر الشكل ، فتجريديته لا تتقصد إفقار المفردة من الدلالة ، انما تقوم على تحوير الوحدات التشكيلية واستدماجها في نسق جمالي علوي ، انطباعي في مدركاته البصرية ، يحتكم اليه طقس اللوحة لخدمة الحدث التصويري.

إذا ، لوحته يتقدمها الخيال ، وبالتالي فهي غير مرتهنة فنيا الى أي قيم بصرية ، أو شكلية ، او حتى أسلوبية معرّفة ، بل الى غائية فنية أقرب الى تذويت المرئي ، وفق خبرة حسية ، أو حكها على حواف معيارية أبعد ما تكون عن الفن الشكلاني ، حيث تنبث جمالية أشكاله من داخلها ، بمعنى أنه أميل الى تحليل الوحدات لا الاكتفاء بتوصيف مظهرياتها، فمفرداته الطليقة لا تنأسر لاشتراطات الحقيقة الهندسية للأشكال بقدر ما تستبطن بطراوتها الخطية استئناسا ضمنيا بالمقوسات والمنحنيات، ومن خلال استيلاد تكرارات تسبغ على لوحته سمة السيولة ، تنويعا على أصل تصوري ، وتكاد أحيانا تضعف الدهشة الجمالية لفرط تكرارها.

وهو بهذا الانزياح المحسوب عن الصرامة البنائية ، يتخفف من حس التشريح الجواني لأنسجة المفردات التشكيلية، إذ لا يعول كثيرا على البنى النحتية للتجويفات ، كما ينأى عن مظهرية الأشياء وحدتها التصويرية ، وحيث تبدو مفرداته وكأنها تفتقر الى القوة الباطنية ، خصوصا عند النظر الى مسألة اكتفائه ببعدين غالبا ، في منظوره شبه الخطي ، فيما يندفع في نوبات لونية وادعة ، مؤطرة بليونة خطية ، مراهنة على نتوءات الوحدة التشكيلية وما يتبعثر على جنباتها من خطوط تستدق وتتضخم ، تبعا للحالة النفسية ، لإنتاج كينونة جمالية مغايرة.

بهذا تغدو خطوطه التلميحية تلك بمثابة بناءات رمزية تعويضية موازية للحياة ، كما تتمثل في شخوص تدربت على حرية الصوغ والتشكل ، والحضور الضمني ، بهيئات لا مادية ولا زمنية ، مصفاة تشكيليا من مبررات حضورها الفيزيقي ، فهي بمثابة الصدى لأصل الوحدات ، وأشبه بالانبثاقات الشبحية التي تبعث برقة انهماراتها رنينا مؤانسا هو المعادل الفني لعنصر الإيقاع المؤسس على توفيق بارع بين استرسال الخطوط وطراوة الصور اللونية ، المنبثة كزخات صبغية في جنبات اللوحة من مساقط مختلفة ، خصوصا في المائيات التي تبدو طازجة ومبتلة بالحنين ، بل قائمة على حياتين بصريتين ، فهي عن بعد معمارية ايقاعية محكمة التركيب ، وعن قرب ضربات ريشة رهيفة تشف عن الهوية العاطفية للفنان المحسن ، بالنظر الى الطابع الإيمائي لمفرداته المحرضة على التحديق.

يتأكد ذلك المنزع الروحي فنيا التمثل السرابي لثيمة الكائن البشري ، المكثف موضوعيا ، فيما يشبه من الوجهة الفلسفية الامتزاج الهيولي بين الذاتي والموضوعي ، اذ يحيل ذلك الإلحاح لوحته الى محل عاطفي ، وان لم يكن في هيئة نحتية مجسمة انما بحزمة من العلائق المتناغمة في هيكلية مرسومة بحرية ، ومحقونة بمادة حلمية فضفاضة، كما يتعزز ذلك المنحى برقة المساحات اللونية وانسجامها في هارمونية ملذوذة ، وتلوي الخطوط بميلودية ايقاعية راعشة ، تبتعد قدر الامكان عن صرامة الخطوط المستقيمة ، المتسمة غالبا بأثر تعبيري بارد ، وعن رتابة الوحدات التماثلية الموجبة لإيقاعية تكرارية.

وهكذا يدين في حسية الحركة المستحوذة على طقسية أعماله الى انئساره الحميم لإيقاعه الداخلي ، ورهافة تصوره للموجودات ، حيث الحرية المستعادة بدفق لوني خطي يوحي باللاتماسك ، والشغف بما فوق الواقع ، المختبر على محك بداهة حسية قوامها المخيال الفارط في اسباغ معنى خيالي على المفردات ، حتى في الأعمال الكشطية ( SCRAPER BOARD ) حيث تتأتى عملية الكحت والكتابة العبثية في مظهرها من غبش الذاكرة ، وكأنها نوبات تذكر غير واضحة المعالم ، ذات طابع حركي ، لا مجرد صورة مستدعاة من خزان الذاكرة ، أو مستلة من مشهدية المرئي ، وهو ما يسمها بالصورية التشخيصية ، حيث تعكس وعيا بأهمية استدماجها في نسق اللوحة كمفردات تشكيلية ، لا ككتابة ، أو صيغة من صيغ التخاطب أو التواصل اللغوي ، وان بدت أحيانا فائضة بعض الشيء ، ربما نتيجة انهمامه باستصلاح كل فضاءات اللوحة دون مناطق فراغ أو بياضات تأويلية.

أما حس التصغير الذي يلف جملة من الأعمال ففيه من الدلالات النفسية ما يوحي بالرغبة في امكانية الاستيلاء على الموجودات وتعبئتها في صور ، أو استيعاب مدياته بإدراك تخيلي ، كما يتبدى ذلك في طيش الخطوط وانفلاتها ، فاللجة الخطية تلك هي التي تولد بميلوديتها الأعماق البصرية للوحة وأبعادها ومجمل نظام علاقاتها ، حتى عندما تستحيل في بعض الأعمال الى مقامات متضادة بين الأسود والأبيض ، وبتأثيرية الأحبار ، لتتجاوز مهمة إمتاع البصر الى التشابك مع معرفة شبه تجريدية منفتحة على أداء أقرب الى العفوية منها الى الافتعال ، حيث يمتزج الذاتي بالموضوعي كما يتمثل في أشكال منسلخة عن مواضعاتها ومألوفاتها البصرية ، وان انمحت آثار وتوترات الريشة فغاب نتيجتها الأثر الانفعالي ، إذ يبدو اللون وكأنه يتمدد بحرية تامة، دون تدخل أحيانا من يد الفنان.

إذا ، لوحته من الوجهة الأنطولية متقاسمة ما بين روحانية اللون ومادية الخط ، فاللون كمصدر ثراء وإبهاج بصري، والخطوط بمرونة تلويها وحيويتها كمحرض للذهن على الانقياد الى حدس استبصاري ، وهو ما يضفي على العمل حس الفكرنة أو الجمالية الحركية المجردة ، فثمة تزاوج خطي لوني ينم عن دربة مؤكدة بريشة متيقنة من قدرتها على مخاطبة الروح والعواطف واستثارة الذهن ، نتيجة تفاعل العناصر ككتل وفراغات وخطوط واشكال على خلفية مهادات لونية أشبه بالطقس الذي يتيح للوحدات امكانية التشكل في هيئات شبحية ، أو قيم شكلية بالمعنى الفني ، ذات دلالات نفسية وايقاعية بصرية ، لولا الاحتشاد المفرداتي المصعد أحيانا .

وهنالك مبالغة لونية محببة ، تباغت البصر كنوبات تنبني بموجبها صروح جمالية أخاذة مرة بالمائي وأخرى بالأكليرك ، ومردها الإتكاء على نهج لوني يتأتى من احساس نفسي عميق بطاقة اللون الحسية ، فكل لوحة مقام لوني مغاير ، لا يمتص طقسه النفسي من صفاء اللون مباشرة انما يخضع لعملية مزج وترقيق بمزاج الفنان لتوليد معنى جمالي ، فيما يتولى ادراكه الفطري الرهيف توليد الايقاع من التوفيق الواعي بين الخطوط والصور اللونية التي تترجم حراكها على سطح اللوحة باتجاهات عمودية وأفقية الى أشكال ، فكل تلك البهجة اللونية الباعثة على الامتلاء الحسي متأتية من الإتكاء على مخيال يسخلص المشاهدات والخلائط البصرية والروحية مهما كانت هامشية ، لؤمثلها كمشاهد ، فالفنان المحسن يمكث داخل الحالات بما يكفي لبثها خبرة حسية بهيئة لوحة.